← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

مع البنت الواحدة، وكذا كلّ بنت ابن نازلة مع بنت ابن واحدة أعلى منها، وجَدٍّ مع الفرع الوارث، وكذا في حالٍ من أحواله مع الإخوة، وفرض الأخت للأب مع الأخت الشقيقة الواحدة، وفرض الجدّة فأكثر، وفرض ولد الأم الواحد ذكرًا كان أو أنثى. والمجمع على توريثهم من الذكور عشرة: الابن وابنه وإن نزل، والأب وأبوه وإن على، والأخ من كلّ جهة، وابن الأخ لا من الأم، والعم وابنه كذلك، والزوج ومولى النعمة (١). ومن الإناث سبع: للبنت وبنت الابن وإن سفل أبوها، والأم، والجدّة، والأخت، من كلّ جهة، والزوجة، ومولاة النعمة. تنبيه: جاءت الأخبار وصحت الآثار بالحثّ على تعلم علم الفرائض، والاعتناء به، وعدم إهماله، فروى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آيةٌ محكمة، [أ] وسنّةٌ قائمة، فريضةٌ عادلة" (٢). وعن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: "تعلّموا الفرائضَ وعلّموها الناسَ، فإنه نصف العلم، وهو يُنسى، وهو أول علم يُنزع من أمّتي" رواه ابن ماجة (٣).

стр. 2697

ويروى عن عبد الله ﵁: أنّ النبي ﷺ قال: "تعلموا الفرائض وعلّموها الناس، فإني امرؤٌ مقبوض، وإنّ العلم سيُقبض حتى يختلف الرجلان في الفريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما" (١). وقال عمر ﵁: تعلّموا الفرائض، فإنها من دينكم (٢)، والله أعلم. (فما بقي) بعد أن أخذ ذو الفرض فرضه (فهو)؛ أي: الباقي بعد الفريضة (لأَولى)؛ أي: لأقرب (رجلٍ) من عصبات الميّت. (ذَكَرٍ) احترز به عن الخنثى في الجملة. قال الإمام الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين": المراد: أعطوا الفروض المقدرة لمن سمّاه الله لهم، فما بقي بعد هذه الفروض، فيستحقه أولى الرجال، والمراد بالأولى: الأقرب كما يقال: هذا يلي هذا؛ أي: يقرب منه، فأقرب الرجال هو أقرب العصبات، فيستحق الباقي بالتعصيب، وبهذا المعنى فسّر الحديثَ جماعة من الأئمة، منهم: الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، نقله عنهما إسحاقُ بنُ منصور، وعلى ظاهر هذا فإذا اجتمع بنت وأخت وعم، أو ابن عم أو ابن أخ، فينبغي أن يأخذ الباقي بعد نصف البنت العصبة، وهذا قول ابن عباس ﵄، وكان يتمسك بهذا الحديث، ويقرّ بأن الناس كلهم على خلافه، وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضًا، وقال إسحاق: إذا كان مع البنت والأخت عصبة، فالعصبة

стр. 2698

أولى، وإن لم يكن معهما أحد، فالأخت لها الباقي. وحكي عن ابن مسعود: أنه قال: الأخت عصبةُ من لا عصبةَ له، ورد هذا بأنه لم يصح عن ابن مسعود، وكان ابن الزُّبير ومسروق يقولان بقول ابن عبّاس، ثم رجعا عنه. ومذهب جمهور العلماء: أن الأخت مع البنت عصبة، لها ما فضل، منهم: عمر، وعلي، وعائشة، وزيد، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وتابعهم سائر العلماء، ومن حجّتهم ما في "صحيح البخاري" عن أبي قيس الأودي، عن هُزَيْل بن شرُحبيل، قال: جاء رجلٌ إلى أبي موسى ﵁، فسأله عن ابنة وابنة ابنٍ وأختٍ لأبٍ واحدٍ، فقال: للابنة النصف، وللأخت ما بقي، فأئى ابنَ مسعود، فسيتابعني، فأتى ابنَ مسعود، فذكر له ذلك، فقال: لقد ضللتُ إِذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بقضاء رسول الله ﷺ : للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، قال: فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم (١). وفي "البخاري" -أيضًا- عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله ﷺ : النصف للابنة، والنصف للأخت، ثم ترك الأعمش ذكر عهد رسول الله ﷺ ، فلم يذكره (٢)، وخرجه أبو داود من وجهٍ آخر، وفيه: ونبيّ الله ﷺ يومئذٍ حيّ (٣).

стр. 2699

واستدل ابن عباس ﵄ لمذهبه بقوله -تعالى-: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، وكان يقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]؟ يعني: أنّ الله لم يجعل لها النصف إِلَّامع عدم الولد، وأنتم تجعلون لها النصف مع الولد، وهو البنت، والصواب قول عمر والجمهور، ولا دلالة في هذه الآية على خلاف ذلك؛ لأن المراد بقوله: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَك﴾ [النساء: ١٧٦] بالفرض، وهذا مشروطٌ بعدم الولد بالكلية، ولهذا قال بعده: ﴿فَإِن كَانَتَا اْثنَتَين فَلَهُمَا الْثلثُانِ مِمَّا تَرَك] [النساء: ١٧٦] يعني: بالفرض، والأخت الواحدة إنما تأخذ النصف مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، وكذلك الأختان فصاعدًا إنما يستحقان الثلثين مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، فإن كان هناك ولد، فإن كان ذكرًا، فهو مقدم على الإخوة مطلقًا، وإن لم يكن هناك ولد ذكر، بل أنثى، فالباقي بعد فرضها يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق، فإذا كانت الأخت لا يسقطها أخوها، فكيف يسقطها من هو أبعد منه من العصبات، كالعم وابنه، وإذا لم يكن العصبة الأبعد مسقطًا لها، فيتعين تقديمها عليه، لامتناع مشاركته لها، فمفهوم الآية أن الولد يمنع أن يكون للأخت النصف بالفرض، وهذا حقٌّ، لا أن مفهومها أنّ الأخت تسقط بالبنت، ولا تأخذ ما فضل عن ميراثها، يدل عليه قوله -تعالى-: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقد أجمعت الأمة على أن الولد الأنثى لا يمنع الأخ أن يرث من مال أخته ما فضل عن البنت أو البنات، وإنما وجود الولد الأنثى يمنع أن يحوز الأخ ميراث أخته كلّه، فكما أن الولد إن كان ذكرًا منع الأخ من الميراث، وإن كان أنثى، لم يمنعه الفاضل من ميراثها، وإن منعه حيازة الميراث، فكذلك الولد إن كان ذكرًا،

стр. 2700

منع الأخت الميراث بالكليّة، وإن كان أنثى، منعت الأخت أن يفرض لها النصف، ولم تمنعها أن تأخذ ما فضل عن فرضها (١). (وفي رواية) لمسلم من حديث ابن عباس ﵄: " (اقسموا المال) المخلف عن الميّت، يعني: تَرِكته (بين أهل الفرائض)؛ أي: المستحقين لها (على) حكم (كتاب الله) -تعالى-، (فما)؛ أي: أَيَّ شيء (تركت الفرائض)؛ أي: الذي تركته الفرائض، يعني: فضل عنها، فـ (هو لأولى)؛ أي: أقرب (رجل) من عصبات الميت (ذكر). قال الحافظ ابن رجب: قد قيل: إنّ المراد به العصبة البعيدة خاصّة، كبني الإخوة والأعمام وبنيهم، دون العصبة القريب، بدليل أن الباقي بعد الفروض يشترك فيه الذكر والأنثى إذا كان العصبة قريبًا، كالأولاد والإخوة بالاتفاق، وكذلك الأخت مع البنت بالنصّ الدّال عليه، وأيضًا فإنه يخص منه هذه الصور بالاتفاق، وكذلك يخص منه المعتقة مولاة النعمة بالاتفاق، فيخصّ منه صورة الأخت مع البنت بالنّص. وقال بعضهم: المراد بقوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها": ما يستحقه ذَوو الفروض في الجملة، سواء أخذوه بفرض، أو بتعصيب طرأ لهم، والمراد بقوله: "فما بقي فلأولى رجل ذكر": العصبة الذي ليس لها فرض بحال، ويدل عليه أنّه روي الحديث باللفظ الذي أخرجه مسلم، فقوله: "اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله تعالى" يدخل فيه كلّ من كان من أهل الفروض بوجهٍ من الوجوه، وعلى هذا، فما تأخذه الأخت مع أخيها أو ابن عمها إذا عصبها هو داخل في هذه القسمة؛ لأنها من أهل الفرائض في الجملة، فكذلك ما تأخذه الأخت مع البنت.

стр. 2701

وقالت فرقة: المراد بأهل الفرائض في قوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها"، وقوله: "اقسموا المال بين أهل الفرائض": جملة من سمّاه الله في كتابه من أهل المواريث من ذوي الفروض والعصبات كلهم، فإنّ كل ما تأخذه الورثة فهو فرضٌ فرضه الله لهم، سواء كان مقدّرًا، أو غير مقدر، كما قال بعد ذكر ميراث الوالدين والأولاد: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، وفيهم ذو فرض وعصبة، وكما قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، وهذا يشمل العصبات، وذوي الفروض، فكذلك قوله ﷺ : "اقسموا الفرائض بين أهلها على كتاب الله" يشمل قسمته بين ذوي الفروض والعصبات على ما في كتاب الله، فإن قسم على ذلك، ثم فضل منه شيء، فيختصّ بالفاضل أقربُ الذكور من الورثة، وكذلك إن لم يوجد في كتاب الله تصريح بقسمته بين من سمّاه الله من الورثة فيكون حينئذٍ المال لأولى رجل ذكر منهم، فهذا الحديث مبيّن لكيفية قسمة المواريث المذكورة في كتاب الله -تعالى- بين أهلها، ومبيّن لقسمة ما فضل من المال عن تلك القسمة ممّا لم يصرّح به في القرآن من أحوال أولئك الورثة وأقسامهم، ومبيّن -أيضًا- لكيفية توريث بقية العصبات الذين لم يصرح بتسميتهم في القرآن، فإذا ضُمّ هذا الحديث إلى آيات القرآن، انتظم ذلك كلّه معرفة قسمة المواريث بين جميع ذوي الفروض والعصبات (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها": الحديث هذا عام خصّ منه المُعْتِقَة والملاعِنَة والملتَقِطَة، لقوله ﷺ : "تحوز

стр. 2702

المرأة ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعَنَتْ عليه" (١)، وإذا كان عامًا مخصوصًا، خصّت منه هذه الصور بما ذكر من الدلالة، فإن قيل: قوله: "فلأولى رجلٍ ذكر" إنما هو من الأقارب الوارثين بالنسب، قيل: فالمنازع يقدّم المعتق على الأخت مع البنت، وليس من الأقارب، وهو ﷺ قال: "فلأولى رجل ذكر"، فأكدّه بالذكر، ليبيّن أنّ العاصب المذكور هو الذكر دون الأنثى، وإنه لم يرد بلفظة الرجل ما يتناول الأنثى، كما في قوله: "أَيُّما رجلٍ وجد متاعَه"، ونحو ذلك مما يذكر فيه لفظة الرجل، والحكم يعمّ النوعين الذكور والإناث. ثمّ قال: فقوله: "فلأولى رجل ذكر" إنما يراد به إذا لم يكن هناك من يكون عصبة بغيره؛ أي: مع غيره، وهو من أهل الفرض في بعض الأحوال (٢). تنبيهات: الأوّل: الإرث ثلاثة أنو اع: فرضٌ، وتعصيب، وذو رحمٍ، فالفرضُ تقدّم ذكره، وذكر الوارثين به. والعصبة مصدر عصب يعصب تعصيبًا، فهو عاصب، ويجمع العاصب على عَصَبَة، وتجمع العصبة على عَصَبات، ويسمى بالعصبة: الواحدُ وغيره، والعصبة لغة: قرابة الرجل لأبيه، سمّوا بها؛ لأنهم عصبوا به؛ أي: أحاطوا به، وكلّ ما ما استدار حول شيء، فقد عصب به، ومنه:

стр. 2703

العصائب؛ أي: العمائم، وقيل: سمّوا بها، لتقوي بعضهم ببعض، من العصب، وهو الشدّ والمنع، يقال: عصبت الشيء عصبًا: إذا شددته، والرأسَ بالعمامة: شددتها، ومنه: العصابة، لشدّ الرأس بها، ومدار هذه المادّة على الشدّ والقوّة والإحاطة (١). والعصبة اصطلاحًا: من يرث بغير تقدير، إن انفرد، أخذ المال كلّه، وإن كان معه ذو فرض، أخذ ما فضل عنه، وإن استوعبت الفروض التركة، سقط. وهم: كلّ ذكر ليس بينه وبين الميّت أنثى، وهم: الابن وابنه، والأب وأبوه، والأخ وابنه لا من الأم، والعم وابنه كذلك، ومولى النعمة، وأحقّهم بالميراث أقربُهم، ويسقط به من بَعُد، وأقربُهم الابنُ فابنه وإنْ نزله، ثمّ الأب، ثمّ الجد وإن على، فهو أولى من الإخوة لأب أو لأبوين أو لأب في الجملة، وإن كان، إن اجتمعوا معه فقاسموه، ثم الأخ من الأبوين، فمن الأب، ثم ابن الأخ من الأبوين، فمن الأب، ثم أبناؤهم وإن نزلوا، ثم الأعمام فأبناؤهم كذلك، ثم أعمام الأب فأبناؤهم [ثم أعمام الجد فأبناؤهم] (٢) كذلك أبدًا، لا يرث بنو أب أعلى من بني أب أقرب منهم، وإن نزلت درجتهم. والحاصل: أنّ جهات العصوبة عندنا ست: البنوّة، ثم الأبوّة، ثم الجدودة مع الأخوّة، ثم بنو الإخوة، ثم العمومة، ثم ذوو الولاء، فلا ترث جهة من هذه الجهات الست مع وجود جهة مقدمة عليها -يعني:

стр. 2704

بالعصوبة-، وإلّا، فالأب، وكذا الجدّ مع عدم الأب يرث مع ولد أو ولد ابن بالفرض سدسًا، وبالفرض والتعصيب مع أنوثيتهما، فيأخذ السدس فرضًا، ثم ما بقي تعصيبًا، فإن اجتمع اثنان فأكثر من جهةٍ واحدةٍ، قدّم بالدرجة؛ أي: قدم أقربهم إلى الميّت؛ كتقديم الابن على ابنه مثلًا، وتقديم العم على ابنه، فإن اتحدا جهة ودرجة، قدم بالقوّة، فيقدّم الأخ الأبوين على الأخ من الأب، وكذلك ابن الأخ لأبوين على ابن الأخ لأب، وكذا العم لأبوين على العم لأب، وبنوهم كذلك، وإلى هذه القاعدة أشار الجعبريُّ -رحمه الله تعالى (١) - بقوله: [من الطويل] فَبِالْجِهِة التَّقْدِيمُ ثُمَّ بِقُرْبِهِ ... وَبَعْدَهُمَا التَّقْدِيمَ بِالقُوَّةِ اجْعَلَا (٢) فذو القرابتين أقوى من ذى القرابة الواحدة كما مثلنا، والله أعلم. الثاني: اعلم أنّ العصبة ثلاثة أقسام: عصبة بنفسه، وهم من قدّمنا ذكرَهم، وعصبةٌ بغيره، وهم البنت فأكثر، فإنّه يعصبها الابن فأكثر، وبنتُ الابن فأكثر يعصبها ابنُ الأبن فأكثر، فيكون المال أو الباقي بعد الفروض بينهم للذكر مثلُ حظ الأنثيين، والأخُ الشقيق فأكثر يعصب الأختَ الشقيقة فأكثر، والأخ من الأب فأكثر يعصب الأختَ من الأب فأكثر، فيقسم المالُ أو الفاضل بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين إجماعًا؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، ويعصب -

стр. 2705

أيضًا- الأختَ لأبوين، أو لأب الجد، ولا يعصب الأخُ لأب الأختَ الشقيقة، بل لها معه النصفُ فرضًا، وله الباقي تعصيبًا إجماعًا، ولا يعصب الأخُ الشقيق الأختَ لأب. بل يسقطها إجماعًا، فتلخّص أنّ العصبة بالغير أربعة: البنت، وبنت الابن، والأخت لأبوين، والأخت لأب. وأمّا العصبة مع الغير، فالأخت فأكثر لأبوين، أو لأب مع البنت، أو بنت الابن فأكثر، فإذا كانت البنت واحدة، فلها النصف فرضًا، والباقي للأخت فأكثر تعصيبًا، وإذا كانت بنات الصلب ثنتان فأكثر، فلهما أو لهنَّ الثلثان فرضًا، والباقي للأخت فأكثر تعصيبًا، وإن كانت بنت وبنت ابن وأخت، فللبنت النصف فرضًا، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين فرضًا والباقي للأخت تعصيبًا، وإذا صارت الأخت الشقيقة مع البنت عصبة، فهي بمنزلة الشقيق، فتُسقط الأخَ والأختَ من الأب كما يُسقطهم الشقيق. والفرق بين العصبة بغيره والعصبة مع غيره: أنّ الأول لابد أن يشاركه من عصبه، وأما العصبة مع غيره، فلا يشاركه، بل إن بقي شيء بعد الفروض، أخذه العصبة، وإلّا، سقط، فزوج وبنتان وأم شقيقة: المسألة من اثني عشر: للزوج الربع ثلاثة، وللبنتين الثلثان ثمانية، وللأم السدس اثنان، فتعول إلى ثلاثة عشر، وتسقط الشقيقة. فتلخص: أن العصبة مع غيره جنُس الأخت للأبوين أو لأب مع جنس البنت أو بنت الابن، والله -تعالى- الموفّق (١).

стр. 2706

الثالث: ذوو الأرحام: كلّ قرابة ليس بذي فرض ولا عصبة، وهم أحد عشر صنفًا: ولد البنات، وولد بنات الابن، وولد الأخوات، وبنات الإخوة، وبنات الأعمام، وأولاد الإخوة من الأم، والعم من الأم، والعمّات، والأخواله، والخالات، وأبو الأم، وكلّ جدّة أدلت بأب بين أميّن، كأم أبي الأم، أو بأبٍ أعلى من الجد، كأم أبي أبي أبي الميّت، ومن أدلى بهم، ويرثون بالتنزيل، وهو أن تجعل كلّ شخص بمنزلة من أدلى به، فولد البنات، وولد بنات الابن، وولد الأخوات كأمهاتهم، وبنات الإخوة، والأعمام لأبوين أو لأب، وبنات بنيهم، وولد الإخوة من الأم كآبائهم، والأخواله، والخالات، وأبو الأم كالأم، والعمّات والعم من الأم كالأب، وأبو أم أب، وأبو أم أم، وأخواهما، وأختاهما، وأم أبي جد بمنزلتهم، ثم يُجعل نصيبُ كلّ وارث لمن أدلى به، فإن انفرد واحد من ذوي الأرحام، أخذ المال كلّه، وإن أدلى جماعة منهم بواحد، واستوت منازلهم منه بلا سبق، فنصيبه بينهم بالسويّة ذكرهم وأنثاهم ولو خالًا وخالة، فإن أسقط بعضهم بعضًا، كأبي الأم والأخوال، فأسقط الأخوال؛ لأن الأب يسقط الإخوة والأخوات، فإن كان بعضهم أقرب من بعض، فالميراث لأقربهم، ويسقط البعيد منهم كما يسقط البعيد من العصبات بقريبهم، كخالة وأم أبي أم أو ابن خاله، فالميراث للخالة؛ لأنها تلقى الأمَّ بأول درجة، فإن اختلفت منازلهم من المدلي، به جعلته كالميّت، وقسَمت نصيبه بينهم على ذلك، كثلاث خالات متفرقات، وثلاث عمّات متفرقات، فالثلت بين الخالات على خمسة، والثلثان بين العمّات كذلك، فاجتزِ بإحداهما، واضربها في ثلاثة، تكن خمسة عشر: للخالة من قبل الأم والأب ثلاثة، وللتي من قبل الأب سهم، وللتي من قبل الأم سهم، وللعمّة التي من قبل

стр. 2707

الأم والأب ستة، وللتي من قبل الأب سهمان، وللتي من قبل الأم سهمان. وإن أسقط بعضهم بعضًا، عملت بذلك، فإن كان بعضهم أقرب من بعض في السبق إلى الوارث، ورثَ، وأسقط غيره إذا كانوا من جهة واحدة؛ كبنت بنتٍ وبنت بنتِ بنتٍ، وإن كانوا من جهتين، فينزل البعيد حتى يلحق بوارثه، سواء سقط به القريب، أو لا، كبنت بنت بنت، وبنت أخ من أم، فالمال لبنت بنت البنت. والجهات ثلاثة: أبوّة، وأمومة، وبنوّة، ومن أدلى بقرابتين، ورث بهما (١)، وهذا مذهب أهل التنزيل، وهو معتمد مذهب الحنابلة والشافعية، وهو أقيس، ومذهب الحنفية، ويسمى مذهب أهل القرابة، فيقدّمون الأقرب فالأقرب كالعصبات (٢)، وفي ذلك تفصيلٌ يطول لا حاجة بنا إلى ذكر شيء منه، والله أعلم.

стр. 2708

الحديث الثاني عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِكَ بمَكَّةَ؟ قَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاع؟! "، ثمّ قَالَ: "لَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، وَلَا المُسْلِمُ الكَافِرَ" (١).

стр. 2709

(عن) أبي محمدٍ (أسامةَ بنِ زيدِ) بنِ حارثة - ﵄ - وأسامةُ هو الحِبُّ بن الحبِّ لرسول الله ﷺ ، وتقدّمت ترجمته في باب: فسخ الحج إلى العمرة، وأما زَيْدٌ والدُ أُسامة ﵄، فهو زيدُ بنُ حارثةَ مولى النبيِّ ﷺ ، يُكنّى بابنه أسامةَ، وحارثةُ -بالحاء المهملة وبالمثلثة- ابنُ شَراحِيلَ -بفتح الشين المعجمة وكسر الحاء المهملة- ابنِ كعبِ بنِ عبدِ العزى بنِ امرىء القيسِ بنِ النعمانِ بنِ عبدِ ودّ بنِ امرىء القيسِ بنِ عامرٍ القضاعيُّ الكلبيُّ، وكان قد أصابه في الجاهلية سبيًا؛ لأن أمه خرجت به تزور قومها، فأغارت عليهم خيلٌ لبني العين بن حَسْرٍ،

стр. 2710

فأخذوا زيدًا فباعوه وهو ابن ثمان سنين، وأمُّ زيد سعدى بنت ثعلبةَ من بني معن من طيٍّ، فوافوا به بعد سَبْيِه سوقَ عكاظ، فاشتراه حكيمُ بنُ حزامِ بنِ خُويلدٍ لعمّته خديجةَ أمِّ المؤمنين ﵄ بأربع مئة درهم، فلما تزوجها النبي ﷺ ، وهبته له، فقبضه، وكان أبوه حارثةُ قال حين فقده: [من الطَّويل] بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ ... أَحَيٌّ فَيُرْجَى أَمْ أَتَى دُونَهُ الأَجَلْ فَوَ اللهِ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ سَائِلًا ... أَغَالَكَ سَهْلُ الأَرْض أَمْ غَالَكَ الجَبَلْ فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَكَ الدَّهْرَ رَجْعَةٌ ... فَحَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا رُجُوعُكَ لَوْ بَجَلْ تُذَكِّرُنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا ... ويعْرِضُ ذِكْرَاهُ إِذَا قَارَبَ الطَّفَلْ وَإِنْ هَبَّتِ الأَرْوَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ ... فَيَا طُولَ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَيَا وَجَلْ سَأُعْمِلُ نَصَّ الِعيسِ فِي الأَرْضِ جَاهِدًا ... وَلا أَسْأَمُ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمَ الإِبِلْ حَيَاتِيَ أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي ... وَكُلُّ امْرِىءٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الأَمَلْ وَأُوصِي بِهِ قَيْسًا وَعَمْرًا كِلَيْهِما ... وَأُوصِي يَزِيدًا ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ جَبَلْ يعني: جبلةَ بنَ حارثة أخا زيد، ويزيدُ هو أخو زيدٍ لأمه. قال الحافظ ابنُ الجوزي في "منتخب المنتخب": فحجّ ناسٌ من كعب، فرأوا زيدًا، فعرفوه وعرفهم، فقال: أبلغوا أهلي هذه الأبيات، فإني أعلم أنهم قد حرقوا عليَّ، فقال: [من الطويل] أُبَكِّي إِلَى قَوْمِي وَإِنْ كُنْتُ نائِيًا ... بِأَنِّيَ قَطينُ البَيْتِ عِنْدَ المَشَاعِرِ فَكُفُّوا عَنِ الوَجْدِ الَّذِي قَدْ شَجَاكُمُ ... وَلا تُعْمِلُوا فِي الأَرْضِ نَصَّ الأَباعِرِ فَإِنِّي بِحَمْدِ اللهِ فِي خَيْرِ أُسْرَةٍ ... كِرَامِ مَعَدٍّ كابِرًا بَعْدَ كابِرِ فانطلقوا فأعلموا أباه، فخرج حارثةُ وكعبٌ ابنا شَراحيلَ بفدائه، فدخلا

стр. 2711

على رسول الله ﷺ ، فقالا: يا بنَ هاشمٍ! يا بنَ سيّدِ قومِه! أنتم أهلُ حرم الله وجيرانُه، تفكون العانيَ، وتطعمون الأسير، جئنا في ابننا، فامننن علينا، فإنّا سندفع لك الفداء، فقال: "ما هو؟ "، فقالوا: زيد، قال: "فهلّا غير ذلك؟ "، قالوا: ما هو؟ قال: "ادعوه فخيّروه، فإن اختاركم، فهو لكم بغيرِ فداء، وإن اختارني، فوالله! ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدًا"، قالا: قد زدتنا على النصفة، فدعاه، فقال: "هل تعرف هؤلاء؟ "، قال: هذا أبي، وهذا عمي. قال: "وأنا من قد علمتَ، فاخترني أو اخترهما"، فقال: ما أنا بالذي أختار عليكَ أحدًا، فقالا: ويحك يا زيد! تختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك! قال: نعم، إنِّي قد رأيتُ في هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختارُ عليه أحدًا، فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك، أخرجه إلى الحِجْر، فقال: "يا من حضر! اشهدوا أنّ زيدًا ابني، يرثني وأرثه"، فلما رأى ذلك أبوه وعمه، طابت أنفسهما، وانصرفا، فدعي: زيدَ بنَ محمّد إلى أن جاء الإسلام ونزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، فقيل له: زيدُ بنُ حارثةَ، فزوجه رسولُ الله ﷺ زينبَ بنتَ جحش. قال الزهري: زيدٌ أولُ من أسلم، وقال غيره: أسلمَ بعدَ علي، وقيل: هو أولُ من أسلم من الموالي، شهد بدرًا وأُحدًا والخندق والحديبية وخيبر، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة حين خرج إلى المريسيع، وخرج أميرًا في سبع سرايا، ولم يَذكر في القرآن صحابيًا باسمه غيره في قوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. قال في "جامع الأصول": كان النبي ﷺ أكبرَ منه بعشر سنين، وقيل: بعشرين سنة، وزوجه ﷺ مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، ثم زوجه

стр. 2712

زينب بنت جحش، وكان يقال له: حِبُّ رسول الله ﷺ ، وآخى النبي ﷺ بين زيد وبين حمزة عمّه. وفي "مستدرك الحاكم": أنّ حارثة والد زيد أسلم، فأسامة وأبوه وجدُّه صحابة. ويروى: أنّ ابنًا لأسامة صحابي أيضًا. وقالت عائشة ﵂: ما بعثَ رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في سريّة إلّا أمّرَه عليهم، ولو بقي، لاستخلفه (١). واستشهد [زيد] (٢) ﵁ في غزوة مؤتة، وهو أمير الجيش في جمادى الأولى سنة ثمان، وهو ابن خمسٍ وخمسين سنة أو نحوها. روى عنه ابنه أسامة وغيره. قال الحافظ ابن الجوزي في "منتخب المنتخب": رُوي لزيد أربعة أحاديث، ولم يُذكر له شيء في "الصحاح" (٣). وقد روي عن النبي ﷺ مرفوعًا: "أَحَبُّ النَّاس إليَّ مَنْ أنعم اللهُ عليه

стр. 2713

وأنعمتُ عليه" (١)، يعني: زيدَ بنَ حارثة ﵁. (قال) أسامةُ بنُ زيد: (قلتُ) لرسول الله ﷺ : (يا رسولَ الله! أتنزل غدًا) إذا قدمت مكّة، وذلك في حجّة الوداع، (في دارك بمكة؟). وفي رواية: أين تنزل غدًا (٢)؟ في دارك بمكة؟ (قال)، وفي لفظ: فقال، بزيادة الفاء (٣): (وهل ترك لنا عَقيلٌ) -بفتح العين المهملة وكسر القاف- ابنُ أبي طالب، القُرَشي، الهاشميُّ، هو أخو علي بن أبي طالب لأبيه وأمه، وكان أسنَّ من علي بعشر سنين، كنّاه النبي ﷺ : أبا يزيد، ويزيدُ أحد بنيه، قدم عقيل البصرة، ثم أتى الكوفة، ثم الشّام، وكان قد شهد بدرًا مع المشركين مكرهًا، وأُسر، وفداه العبّاس، ثم أسلم قبل الحديبية، ومات بعدما أضر في أيام معاوية، ودفن بالبقيع، وقبره مشهور، وكان أعرفَ قريش بأنسابها، وكان فاضلًا ذكيًا، حاضر الجواب، وله في ذلك حكايات، وكان عارفًا بمثالب قريش، وكانت قريش تُبغضه لذلك، روي له عن رسول الله ﷺ أحاديث قليلة (٤). (من رباع) -بكسر الراء- جمع رَبعْ: المحلّة أو المنزل المشتمل على أبيات، أو الدار، وحينيذٍ فيكون قوله: "أو

стр. 2714

دور" تأكيدًا، أو شكًا من الراوي، وجمعُ النكرة -وإن كانت في سياق الاستفهام الإنكاري- تفيد العموم، للإشعار بأنه لم يترك من الرباع المتعددة شيء، و (مِنْ) للتبعيض. قاله الكرماني. وقيل: إنّ هذه الدار كانت لهاشم بن عبد مناف، ثم صارت لابنه عبد المطلب، فقسمها بين ولده، فمن ثَمَّ صار للنبي ﷺ حقُّ أبيه عبد الله، وفيها ولد النبي ﷺ ، قاله الفاكهي. وظاهر قوله: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ " أما كانت ملكه، فأضافها إلى نفسه، فيحتمل أنّ عقيلًا تصرّف فيها، كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين، ويحتمل غير ذلك. وقد فسّر الراوي، ولعلّه أسامة ﵁ المراد بما أدرجه هنا، حيث قال كما في "البخاري" (١): وكان عقيل ورث أباه أبا طالب، -واسمُه عبدُ مناف- هو وأخوه طالب المكنى به عبدُ مناف، ولم يرثه؛ أي: لم يرث أبا طالب الذي هو عبد مناف ابناه جعفر وعلي ﵄؛ لأنهما لمّا مات أبوهما، كانا مسلمين، ولو كانا وارثين، لنزل ﵇ في دورهما، وكانت كأنها ملكه، لعلمه بإيثارهما إيّاه على أنفسهما، وكان قد استولى عقيل وطالب على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما، لكونهما كانا لم يسلما حين موت أبي طالب، وباعتبار تركِ النبي ﷺ لحقّه منهما بالهجرة، وفقد طالب ببدر، فباع عقيل الدار كلها. وحكى الفاكهي أنّ الدار لم تزل بيد أولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمئة ألف دينار، كما في "القسطلاني" (٢).

стр. 2715

وقال: الداودي وغيره: كان من هاجرَ من المؤمنين باع قريبُه الكافرُ دارهَ، فأمضى النبي ﷺ تصرفات الجاهلية، تأليفًا لقلوب من أسلمَ منهم (١). تنبيه: من متعلقات هذا الحديث مسألةُ رِباعِ مكة ودورها، وهل يجوز بيعُها أم لا، وفي ذلك خلاف مشهور للعلماء. قال علماؤنا: لا يصحّ بيعُ رباع مكةَ، وهي المنازله، ودارُ الإقامة، ولا الحرم كله، وبقاع المناسك، وأولى، إذ هي كالمساجد، ولأنها فُتحت عنوة، ولا إجارةُ ذلك، فإن سكن بأجرة، لم يأثم بدفعها (٢)، وهو مذهب ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، وغيرهم، فذهبوا إلى التسوية بين البادي والعاكف في منازل مكّة، وهو مذهب أبي حنيفة -أيضًا-، وبه قال محمّد بن الحسن، فليس المقيمُ بها أحقَّ بالمنزل من القادم عليها، واحتجّ لذلك بحديث علقمة بن نضلة عند ابن ماجة، قال: توفي رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وما تدعى رباع مكّة إلا السوائب، من احتاج، سكن (٣)، زاد البيهقي: من استغنى أسكن (٤)، زاد الطحاوي بعد قوله: على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃:

стр. 2716

ما تُباع ولا تُكرى (١)، لكنه منقطع؛ لأن علقمة ليس بصحابي. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن منصور، عن مجاهد: إن عمر قال: يا أهل مكة! لا تتخذوا لدوركم أبوابًا، لينزل البادي حيث شاء (٢). وروى عمرو بنُ شعيب عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ في مكة: "لا تُباع رباعها، ولا تكرى بيوتها" رواه الأثرم (٣). وروى سعيد بنُ منصور عن مجاهد، عن النبي ﷺ : أنّه قال: "مكة حرام بيعُ رباعها، حرامٌ إجارتُها" (٤)، وأجاب من أجاز البيع والإجارة بأن المراد: كراهة الكراء، رفقًا بالوفود، ولا يلزم من ذلك منع البيع والشراء (٥)، والله أعلم. (ثم قال) رسول الله ﷺ كما في حديث أسامة بن زيد ﵁ كما في "مسند الإمام أحمد" (٦)، و"الصحيحين"، و"سنن أبي داود"، و"الترمذي" (٧)، وغيرهم: (لا يرث الكافرُ المسلمَ، ولا) يرث (المسلمُ الكافرَ) لانقطاع الموالاة بينهما، ومن "تراجم البخاري" على هذا الحديث باب: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، وإن أسلم قبل أن يقسم الميراث، فلا ميراث له" (٨)، انتهى.

стр. 2717

قال الإمام محمد بن شهاب الزهري: وكانوا؛ أي: السلفُ يتأولون قول الله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] الآية (١). فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب حتى نُسخ ذلك بقوله -تعالى-: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٢) [الأحزاب: ٦]، وأما مع اختلاف الدين، فلا توارث، وإن أسلم قريبُ الميتِ المسلمِ قبل قسم التركة عند الجمهور؛ لأن الاعتبار بوقت انتقال التركة، وهو زهوق روح الميّت، لا وقت القسمة عند الجمهور، فلا يرث المسلم الكافر، وقيل: يرثه، لخبر: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" (٣)، وأجاب الجمهور عن الخبر بأن معناه: فضل الإسلام، ولا تعرض فيه للإرث، فلا يترك النص الصريح لذلك (٤). واعلم أنّ عدم إرث الكافر للمسلم مجمَعٌ عليه، وأما عكسه فعند الجمهور خلافًا لمعاذ بن جبل ومعاوية ومن وافقهما، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. قال في "الفروع": وورَّثَ شيخُنا المسلمَ من الذميّ، لئلا يمتنع قريبه من الإسلام، ولوجوب نصرهم، ولا ينصروننا، ولا مولاة لمن آمن ولم

стр. 2718

يهاجر بنصرة، ولا ولاءَ له، للآية، فهؤلاء لا ينصروننا، ولا هم بدارنا لننصرهم دائمًا فلم يكونوا يرثون، ولا يورثون، والإرث كالعقل، وقد بيّن في قوله -تعالى-: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ [الأحزاب: ٦] في الأحزاب: أنّ القريب المشارك في الإيمان والهجرة أولى ممن ليس بقرابة، وإن كان مؤمنًا مهاجرًا، ولما فُتحت مكة، توارثوا. وقال في "الردّ على الزنادقة": إن الله حكم على المؤمنين لمّا هاجروا ألَّا يتوارثوا إلّا بالهجرة، فلما أكثر المهاجرون، ردّ الله الميراث على الأولياء، هاجروا أو لم يهاجرواه. وفي "عيون المسائل": كان التوارث في الجاهلية، ثم في صدر الإسلام بالحلف والنصرة، ثم نُسخ إلى الإسلام والهجرة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فكانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة مع وجود النسب، ثمّ نُسخ بالرحم والقرابة، فهذا نُسخ مرّتين، كذا رواه عكرمة، انتهى كلام "الفروع" (١). تنبيهان: الأوّل: معتمد المذهب: أنه لو أسلم كافر قبل قسم ميراث مورثه المسلم، ورثه، نقله الأثرم محمد بن الحكم، واختاره الشريف، وأبو الخطاب في "خلافيهما". قال في "الإنصاف": هذا المذهب، جزم به في "الوجيز"، وغيره. قال في "الرعايتين": هذا المذهب (٢).

стр. 2719

قال الزركشي: هذا المشهور (١). انتهى. وسواء كان الوارث كافرًا أصليًا، أو مرتدًّا، أو زوجة، بشرط إسلامها قبل قسمة التركة، وقبل انقضاء عدّتها، لا إن أسلم زوج بأن تسلم المرأة أولًا، ثم تموت في مدّة العدّة، لم يرثها زوجها الكافر، ولو أسلم قبل القسمة، لانقطاع علق الزوجية منه بموتها، قاله في "القواعد" (٢). وهذا يعني: كونَ الوارث إذا أسلم بعد موت مورثه، وقبل قسمة التركة، يرثه، مرويًا نحوه عن عمر، وعثمان، والحسن بن علي، وابن مسعود، وبه قال جابر بن زيد، والحسن، ومكحول، وقتادة، وحميد، وإياس بن معاوية، وإسحاق بن راهويه، وسنده قوله ﷺ : "من أسلم على شيء، فهو له" رواه سعيد في "سننه" (٣). وروى أبو داود وابن ماجة بإسناديهما عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "كلّ قسم قسم في الجاهلية، فهو على ما قسم، وكلّ قسم أدركه الإسلام، فإنه على قسم الإسلام" (٤). وروى ابن عبد البر بإسناده عن [يزيد] (٥) بن قتادة العنبري: أنّ إنسانًا من أهله مات على غير دين الإسلام، فورثته أختي دوني، وكانت على دينه، ثمّ إنّ جدّي أسلم، وشهد مع النبي ﷺ حنينًا، فتوفي، فلبثت سنة،

стр. 2720

وكان ترك ميراثًا، ثمّ إنّ أختي أسلمت، فخاصمتني في الميراث إلى عثمان ﵁، فحدّثه عبدُ الله بن أرقم: أن عمر قضى: أنّ من أسلم على ميراث قبل أن يُقسم، فله نصيبه، فقضى به عثمان، فذهبت بذلك الأول، وشاركتني في هذا (١)، وهذه قضية انتشرت ولم تُنكر، فكان الحكم فيها كالمجمعَ عليه (٢)، والحكمة في ذلك الترغيبُ في الإسلام، والحثُّ عليه، فلو قسم بعض الميراث، فأسلم قبل قسم بقيته، ورث فيما لم يُقسم، وإن كان الوارث واحدًا، فإذا تصرّف في التركة، واحتازها، كان ذلك بمنزلة قسمتها (٣). وعن الإمام أحمد فيمن أسلم بعد الموت، ولو قبل قسم التركة: لا يرث، صححها جماعة، كقنّ عتق قبل قسمة، على الأصح، قاله في "الفروع" (٤). قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب فيمن أسلم بعد الموت: لا يرث، قد وجبت المواريث لأهلها. وروي عن علي، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والزهري، والنخعي، وهو مذهب الثلاثة (٥)، والله أعلم. الثاني: معتمد المذهب: يرث المسلم الكافر بالولاء كعكسه، لما روى جابر: أنّ النبي ﷺ قال: "لا يرث المسلم النصراني، إلّا أن يكون

стр. 2721

عبدَه أو أمته" رواه الدارقطني (١)، ولأنّ ولاءه له بالإجماع، وهو شعبة من الرق، فورثه كما يرثه قبل العتق (٢)، وعنه: لا إرث بالولاء مع المخالفة للدين، وهو مذهب الثلاثة (٣).

стр. 2722

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهَى عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ وَهِبَتِهِ (١).

стр. 2723

(عن) أبي عبدِ الرحمنِ (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ ﵄ أنّ النبيَّ ﷺ نهى) نهيَ تحريم (عن بيع الوَلاءِ) -بفتح الواو ممدودًا- والمراد به: العتاقة (١)، وهو عصوبةٌ سببها نعمة المعتِق على رقيقه، وقد قال ﷺ : "إنما الولاءُ لمن أعتقَ" كما تقدم في حديث عائشة ﵂ (٢) -، (و) نَهَى ﵇ عن (هبته)، أي الولاء، فيحرم بيع الولاء، وهبته، ولا يصحان، فلا ينتقل الولاء. وعن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من والى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفًا، ولا عدلًا" متفق عليه (٣)، وليس لمسلم فيه: بغير إذن مواليه، لكن له مثله بهذه الزيادة من حديث أبي هريرة ﵁ (٤) -. وفي حديث عبد الله بن أبي أَوفى ﵁ مرفوعًا: "الولاءُ لحمة كلحمة النسب" رواه الخلاّل (٥). ورواه الشافعي وابن حبّان من حديث ابن عمر مرفوعًا، ولفظه: "الولاءُ لحمة كلحمة النسب، لا يُباع ولا يُوهب" (٦).

стр. 2724

قال علماؤنا: الولاء: ثبوت حكم شرعي بعتق، أو تعاطي سببه، والأصل فيه قوله -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]؛ يعني: الأدعياء، مع قوله ﷺ : "لعنَ اللهُ من تولَّى غيرَ مواليه" (١)، وقوله: "مولى القوم منهم" (٢)، الحديثان صحيحان (٣)، فمن أعتق نسمة، صار لها عصبة في جميع أحكام التعصيب عند عدم العصبة من النسب، من الميراث، وولاية النكاح، والعقل، وغير ذلك، فكلُّ من أعتق رقيقًا، أو بعضه، فسرى عليه، ولو سائبة ونحوها، كقوله: أعتقتك سائبة، أو ولاء عليك، أو منذورًا، أو عن زكاة، أو عن كفّارة، أو عتق عليه برحم، أو تمثيل به، أو كتابة، ولو أدّى إلى الورثة، أو تدبيرًا، أو إيلادًا، أو وصية بعتقه، أو تعليقًا بصفة فوجدت، أو بعوض، ونحو ذلك، فله عليه الولاء، وإن اختلف دينهما، وعلى أولاده من زوجة معتقة، أو سريّة، وعلى من لهم ولاؤه، كمعتقيه ومعتقي أولاده وأولادهم ومعتقيهم أبدًا ما تناسلوا، لا يزول بحال، ويرث به، ولو باينه في دينه على معتمد المذهب عند عدم العصبة من النسب، وعدم ذوي الفروض، فإِن كان من ذوي الفروض من لا يرث جميع التركة، فالباقي للمولى، ولا يرث النساء بالولاء إلا من أعتقن (٤)، أو أعتق من أعتقن، والله -سبحانه- أعلم.

стр. 2725

الحديث الرابع عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّها قَالتْ: كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عُتِقَتْ، وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، والبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بطَعَامٍ، فَأْتِيَ بخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ البَيْتِ، فَقَالَ: "ألَمْ أَرَ البُرْمَةَ عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْم؟ " فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ، فَقَالَ: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّة". وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فيها: "إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (١).

стр. 2726

(عن) أم المؤمنين (عائشةَ) الصدّيقةِ - ﵂ - (أنها قالت: كانت في بريرةَ) المتقدمة ترجمتُها في "باب: الشروط في البيع" (ثلاثُ سُنن) وفي رواية: ثلاثُ قضيات (١)، وفي حديث ابن عباس ﵄ عند الإمام أحمد وأبي داود: قضى فيها النبي ﷺ أربع قضيات، فذكر نحو حديث عائشة، وزاد: وأمرها أن تعتدّ عدّة الحرّة (٢)، وأخرجه الدارقطني (٣)، وهذه الزيادة لم تقع في حديث عائشة. ثم أَخرج ابن ماجة من طريق الثوري عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: أُمرت بريرةُ أن تعتدّ بثلاث حيض (٤)، فهذا مثل حديث ابن عباس في قوله: تعتدّ عدّة الحرّة، وتخالف ما وقع في رواية أخرى عن ابن عباس: تعتدّ بحيضة، والحديث الذي أخرجه ابن ماجة على شرط "الصحيحين"، بل هو في أعلى درجات الصحة. وأخرج أبو يعلى، والبيهقي من طريق أبي معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أنّ النبي ﷺ جعل عدّة بريرةَ عدّةَ المطلّقة (٥)، وهذا شاهدٌ قوي، فإن أبا معشر، وإن كان فيه ضعف، لكنه يصلح في المتابعات.

стр. 2727

وقد صنّف العلماء في قصة بريرة تصانيف، وبعضهم أوصل فوائد قصتها إلى أربع مئة فائدة، ولا يخالف ذلك قول عائشة: ثلاث سنن؛ لأن مراد عائشة، ما وقع من الأحكام فيها مقصودًا خاصة، لكن لمّا كان كلّ حكم منها يشتمل على تقعيد قاعدة يستنبط العالم الفطن منها فوائد جمّة، وقع التكثّر من هذه الحيثية، وانضم إلى ذلك ما وقع في سياق القصة غير مقصود، فإنّ في ذلك أيضًا فوائد تؤخذ بطريق التنصيص والاستنباط، واقتصرت على الثلاث أو الأربع، لكونها أظهرَ ما فيها، وما عداها إنما يؤخذ بطريق الاستنباط، أو لأنها أهم، والحاجةُ إليها أمسّ (١). قال القاضي عياض: معنى ثلاث أو أربع: أنها شرعت في قصتها، وما يظهر فيها مما سوى ذلك كان قد علم من غير قصتها (٢). قال في "الفتح": وهذا أولى من قول من قال: ليس في كلام عائشة حصر، أو مفهوم العدد ليس بحجّة، وما أشبه ذلك من الاعتذارات التي لا تدفع سؤال: ما الحكمة في الاقتصار على ذلك (٣)؟ (خُيّرت) -بضم الخاء المعجمة وتشديد المثناة تحت المكسورة مبنيًا للمجهول-؛ أي: عُتقت، فخُيّرت بين أن تقر تحت زوجها، أو تفارقه (٤). وفي رواية في "الصحيحين": فدعاها -أي: بريرة حين عتقت- النبيُّ ﷺ ، فخيّرها من زوجها، فاختارت نفسها (٥).

стр. 2728

وفي الدارقطني من حديث عائشة: أنه ﷺ قال لبريرة: "اذهبي، فقد عُتق معك بُضْعُك" (١)، زاد ابن سعد: "فاختاري" (٢). (على زوجها) مغيث -بضم الميم وكسر الغين المعجمة وآخره مثلثة-، وقيل: -بالعين المهملة المفتوحة والمثناة فوق وآخره باءٌ موحدة-، والأول أكثر وأشهر (٣) (حين عُتقت) أي: وقت عتقها، وكان زوجها مغيث رقيقًا على الأصح. قال البرماوي: كان مولًى لآل أحمد بن جحش كما قال الخطيب وابن طاهر، ورجّحه ابن الأثير وغيره، وقيل: كان عبدًا لبني مطيع، وعليه اقتصر ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٤)، وفي بعض طرق الحديث: كان زوجُ بريرةَ عبدًا أسود يقال له: مغيث عبدًا لبني فلان (٥)، وفي بعضها: كان يقال له: المغيث (٦)، والخلاف في كونه كان عند عتق بريرة حرًّا أو عبدًا مشهور. قال الإمام المحقق ابن القيّم في "الهدي": قال القاسم عن عائشة: كان عبدًا، ولو كان حرًّا، لم يخيرها (٧)، وقال عروة: كان عبدًا (٨)، وقال ابن

стр. 2729

عباس: كان عبدًا أسود يقال له مغيث عبدًا لبني فلان، كأني أنظر إليه كان يطوف وراءها في سكك المدينة (١)، وكل هذا في "الصحيح". وفي "سنن أبي داود" عنه: كان عبدًا لآل أبي أحمد، فخيّرها رسول الله ﷺ ، وقال لها: "إنْ قربَكِ، فلا خيارَ لك" (٢). وفي "مسند الإمام أحمد" عن عائشة: أن بريرة كانت تحت عبد، فلما أعتقتها، قال لها رسول الله ﷺ : "اختاري، فإن شئتِ [أن] تمكثي تحت هذا العبد، وإن شئتِ أن تفارقيه" (٣). قال: وقد روي في "الصحيح": أنه كان حرًا، وأصح الروايات وأكثرها أنه كان عبدًا. قال: وهذا الخبر رواه عن عائشة ثلاثة: الأسود، وعروة، والقاسم، فأما الأسود، فلم يختلف فيه عن عائشة أنه كان حرًا، وأما عروة، فعنه روايتان صحيحتان متعارضتان، إحداهما: أنه كان حرًا، والثانية: أنه كان عبدًا، وأما عبد الرحمن بن القاسم، فعنه روايتان صحيحتان، إحداهما: أنه كان حرًا، والثانية: الشك. قال ابن القيم: ولم تختلف الرواية عن ابن عباس أنه كان عبدًا. قال: واتفق الفقهاء على تخيير الأمة إذا عُتقت وزوجها عبد، واختلفوا إذا كان حرًا.

стр. 2730

فقال الشافعي، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه: قلتُ: هي معتمد مذهبه لا تُخيّر (١). وقال أبو حنيفة، وأحمد في الرواية الثانية: تُخيّر. قلتُ: معتمد مذهب الإمام أحمد: أنه إن عُتقت الأمة كلّها، وزوجُها حر، أو بعضه، فلا خيار لها، وإن كان عبدًا، فلها فسخ النكاح بنفسها بلا حاكم، فإذا قالت: اخترتُ نفسي، أو فسختُ النكاح، انفسخ، ولو قالت: طلّقتُ نفسي، ونوت المفارقة، كانت كناية عن الفسخ، وهو على التراخي، خلافًا للشافعية، فإن عُتق قبل فسخها، ورضيت بالمقام معه، أو أَمكنته من وطئها، أو مباشرتها، أو تقبيلها طائعة، وقبلته هي ونحوه مما يدلّ على الرضا، بطل خيارها، فإن ادّعت الجهل بالعتق، وهو مما يجوز جهله، أو الجهل بملك الفسخ، لم تسمع، وبطل خيارها نصًا، ويجوز للزوج الإقدام على وطئها إذا كانت غير عالمة، وإذا عُتق الزوجان معا، فلا خيار لها (٢). (و) السنّة الثانية المستفادة من قصة بريرة: (أهدي) بضم الهمزة لما لم يسم فاعله (لها)؛ أي: لبريرة ﵂ (لحم). قال البرماوي: كان لحمَ بقر كما جاء في رواية: "وأنه تصدّقَ عليها بلحم بقر" الحديث (٣)، انتهى. وفي "الفتح" للحافظ ابن حجر: وقع في بعض الشروح أنه كان لحم

стр. 2731

بقر، قال: وفيه نظر، بل جاء عن عائشة: تُصُدِّق على مولاتي بشاة من الصدقة، فهو أولى أن يؤخذ به، انتهى (١). قالت عائشة ﵂: (فدخل [عليَّ] رسول الله ﷺ ) يعني: البيتَ (والبرمةُ) وهي -بالضم- قدر من حجارة، والجمع بُرَم بالضم، كصرد، وجبال (٢) (على النار)، وفي لفظ: والبرمة تفور بلحم (٣)، (فدعا) ﷺ (بطعامٍ) ليأكله، (فأُتي بخبز وأدم من أدم البيت فقال) ﷺ : (أَلَمْ) استفهام تقريري (أرَ البرمةَ على النار فيها لحمٌ)؛ أي: فمع وجود ذلك اللحم كيف تأتوني بغيره من الأدم؟ (قالوا: بلى يا رسول الله) الأمرُ الذي رأيته من كون البرمة فيها لحم على النار حق، ولكن (ذلك) اللحم (لحمٌ تُصدق به على بَريرةَ)، وأنتَ لا تأكل الصدقة، (فكرهنا أن نطعمك منه)، لكون الصدقة لا تحل لك، ولا تأكل منها. وفي رواية: أنه أهدي لعائشة لحم، فقيل: هذا تصدق به على بريرة (٤). وفي رواية أسامة بن زيد، [عن القاسم بن محمد]، عن عائشة ﵂ عند الإمام أحمد، وابن ماجة: دخل رسول الله ﷺ والمرجلُ يفور بلحم، فقال لعائشة ﵂: "من أين لك هذا؟ "، قالت: قلتُ: أهدته لنا بريرةُ وتُصدّق به عليها (٥).

стр. 2732

وعند الإمام أحمد، ومسلم عن عائشة ﵂: وكان الناس يتصدّقون عليها، أي: على بريرة، فتهدي لنا (١). (فقال) ﷺ : (هو) أي: اللحم المتصدَّق به (عليها صدقة)، وفي لفظٍ: هوَ لها صدقة (وهو منها لنا هديّة)، والصدقة: منحة لثواب الآخرة، والهدية: تمليك الغير شيئًا تقرّبًا إليه، وإكرامًا له، ففي الصدقة نوع ذل للآخذ، فلذلك حرّمت الصدقة عليه ﷺ دون الهديّة، وقيل: لأنّ الهديّة يُثاب عليها في الدنيا، فتزول المنّة، والصدقة يُراد بها ثواب الآخرة، فتبقى المنّة، ولا ينبغي لنبي أن يمنّ عليه غير الله. وقال البيضاوي: إذا تصدّق على المحتاج بشيء، ملكه، وصار له كسائر ما يملكه، فله أن يهدي به إلى غيره، كما له أن يهدي من سائر أمواله، بلا فرق (٢). قال في "الهدي": وفي أكله ﷺ من اللحم الذي تُصدّق به على بريرة، وقال: "هو عليها صدقة، ولنا هديّة" دليلٌ على جواز أكل الغني، وبني هاشم، وكلّ من يحرم عليه الصدقةُ بما يهديه إليه الفقير من الصدقة، لاختلاف جهة المأكول، ولأنه قد بلغ محله، وكذلك يجوز له أن يشتريه منه بماله، هذا إذا لم تكن صدقته نفسه، فإن كانت صدقته، لم يجز له أن يشتريها، ولا يهبها، ولا يقبلها هديّة، كما نَهَى ﷺ عمرَ ﵁ عن شراء صدقته، فقال: "لا تشترها ولو أعطاكها بدرهم" (٣)، انتهى.

стр. 2733

(و) السنّة الثالثة مِمَّا استفيد من قصة عتق بريرة: (قال النبي ﷺ فيها)؛ أي: بريرة ﵂: (إنما الولاء) -بفتح الواو مع المد- مأخوذٌ من الوَلْي -بفتح الواو وسكون اللام-، وهو القرب، والمراد به هنا: وصف حكمي ينشأ عنه ثبوت من الإرث من العتيق الذي لا وارث له من جهة النسب أو الزوجية، أو الفاضل من ذلك، كما تقدم (لمن أَعتقَ) من ذكر وأنثى، كما قدّمنا، وقد كان العرب في الجاهلية تبيع هذا الحق وتهبه، فنهى الشرع عنه؛ لأن الولاء كالنسب، ولحمة كلحمة النسب، فلا يقبل الزوال بالإزالة، والمولى يطلق على المعتِق من أعلى وعلى العتيق أيضًا، لكن من أسفل، وهل ذلك حقيقة فيهما، أو في الأعلى أو في الأسفل؟ أقوالٌ مشهورة (١). وذكر ابن الأثير في "النهاية": المولى يقع على معانٍ كثيرة نذكر منها ستة عشر معنى، وهو: الرّبُّ، والمالكُ، والسيّدُ، والمنعِم، والمعتِق، والناصرُ، والمحبُّ، والتابعُ، والجار، وابن العم، والحليف، والعقيد، والصهر، والعبد، والمنعَم عليه، والمُعتق، قال: وأكثرها قد جاء في الحديث، فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد [فيه] (٢)، والله أعلم.

стр. 2734

كتاب النكاح النكاح في اللغة: الضَّمُّ والتداخُل وفيه من قال: إنه الضم تجوز، قال الفراء: النُّكْح -بضم ثم سكون-: اسم الفرج، ويجوز كسر أوله، وكثر استعماله في الوطء، وسميّ به العِقْد، لكونه سببه. وقال أبو القاسم الزجاجي: هو حقيقة فيهما (١). قال علماؤنا، منهم صاحب "الإقناع" فيه: النكاح عقدُ التزويج، وهو حقيقة في العقد، مجاز في الوطء (٢). وفي "المطلع": النكاح في كلام العرب: الوطء، قاله الأزهري (٣)، وقيل للتزويج نكاحٌ؛ لأنه سبب الوطء، ويقال: نكحُ المطر الأرضَ، ونكح النعاسُ عينهَ، وذكر كلامَ الزجاج بأنّ النكاح في كلام العرب بمعنى الوطء والعقد جميعًا. قال: وموضوع نكح في كلامهم للزومِ الشيءِ للشيءِ راكبًا عليه. قال ابن جِنِّي: سألتُ أبا عليٍّ الفارسيَّ عن قولهم: نكحها، قال: فرقت

стр. 2735

العربُ فرقًا لطيفًا يعرف به موضعُ العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلانةَ، أو بنتَ فلان، أرادوا تزوجها، وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجته، لم يريدوا إلا المجامعة؛ لأن بذكر امرأته وزوجته يستغنى عن العقد. وقال القاضي أبو يعلى أحدُ أعلام المذهب: هو حقيقة في العقد والوطء جميعًا، وقيل: حقيقة في الوطء مجاز في العقد (١)، ومعتمد المذهب أنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء. وذكر في "فتح الباري" للحافظ ابن حجر: أنه الصحيح، قال: والحجّة في ذلك كثيرة وروده في الكتاب والسنّة للعقد، حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد، ورد بقوله -تعالى-: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وأجيب بأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنة، وإلا فالعقد لا بد منه، فإن قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، معناه: حتى تتزوج؛ أي: يعقد عليها، ومفهومه أنّ ذلك كافٍ بمجرده، لكن بيّنة السنّة أن لا عبرة بمفهوم الغاية، بل لابد بعد العقد من ذوق العُسيلة، كما أنه لا بد بعد ذلك من الفرقة، ثم العدة، نعم أفاد أبو الحسين بن فارس أن النكاح لم يرد في القرآن إلّا للتزويج، إلّا قوله -تعالى-: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، قال: المراد به: الحلم. وفي وجه للشافعية، كقول الحنفية: أنه حقيقة في الوطء مجازٌ في العقد، وقيل: مقول بالاشترك على كلٍّ منهما كما قاله الزجاجي، والقاضي أبو يعلى، وغيرهما.
следующие страницы →