← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

بقر، قال: وفيه نظر، بل جاء عن عائشة: تُصُدِّق على مولاتي بشاة من الصدقة، فهو أولى أن يؤخذ به، انتهى (١). قالت عائشة ﵂: (فدخل [عليَّ] رسول الله ﷺ ) يعني: البيتَ (والبرمةُ) وهي -بالضم- قدر من حجارة، والجمع بُرَم بالضم، كصرد، وجبال (٢) (على النار)، وفي لفظ: والبرمة تفور بلحم (٣)، (فدعا) ﷺ (بطعامٍ) ليأكله، (فأُتي بخبز وأدم من أدم البيت فقال) ﷺ : (أَلَمْ) استفهام تقريري (أرَ البرمةَ على النار فيها لحمٌ)؛ أي: فمع وجود ذلك اللحم كيف تأتوني بغيره من الأدم؟ (قالوا: بلى يا رسول الله) الأمرُ الذي رأيته من كون البرمة فيها لحم على النار حق، ولكن (ذلك) اللحم (لحمٌ تُصدق به على بَريرةَ)، وأنتَ لا تأكل الصدقة، (فكرهنا أن نطعمك منه)، لكون الصدقة لا تحل لك، ولا تأكل منها. وفي رواية: أنه أهدي لعائشة لحم، فقيل: هذا تصدق به على بريرة (٤). وفي رواية أسامة بن زيد، [عن القاسم بن محمد]، عن عائشة ﵂ عند الإمام أحمد، وابن ماجة: دخل رسول الله ﷺ والمرجلُ يفور بلحم، فقال لعائشة ﵂: "من أين لك هذا؟ "، قالت: قلتُ: أهدته لنا بريرةُ وتُصدّق به عليها (٥).

стр. 2732

وعند الإمام أحمد، ومسلم عن عائشة ﵂: وكان الناس يتصدّقون عليها، أي: على بريرة، فتهدي لنا (١). (فقال) ﷺ : (هو) أي: اللحم المتصدَّق به (عليها صدقة)، وفي لفظٍ: هوَ لها صدقة (وهو منها لنا هديّة)، والصدقة: منحة لثواب الآخرة، والهدية: تمليك الغير شيئًا تقرّبًا إليه، وإكرامًا له، ففي الصدقة نوع ذل للآخذ، فلذلك حرّمت الصدقة عليه ﷺ دون الهديّة، وقيل: لأنّ الهديّة يُثاب عليها في الدنيا، فتزول المنّة، والصدقة يُراد بها ثواب الآخرة، فتبقى المنّة، ولا ينبغي لنبي أن يمنّ عليه غير الله. وقال البيضاوي: إذا تصدّق على المحتاج بشيء، ملكه، وصار له كسائر ما يملكه، فله أن يهدي به إلى غيره، كما له أن يهدي من سائر أمواله، بلا فرق (٢). قال في "الهدي": وفي أكله ﷺ من اللحم الذي تُصدّق به على بريرة، وقال: "هو عليها صدقة، ولنا هديّة" دليلٌ على جواز أكل الغني، وبني هاشم، وكلّ من يحرم عليه الصدقةُ بما يهديه إليه الفقير من الصدقة، لاختلاف جهة المأكول، ولأنه قد بلغ محله، وكذلك يجوز له أن يشتريه منه بماله، هذا إذا لم تكن صدقته نفسه، فإن كانت صدقته، لم يجز له أن يشتريها، ولا يهبها، ولا يقبلها هديّة، كما نَهَى ﷺ عمرَ ﵁ عن شراء صدقته، فقال: "لا تشترها ولو أعطاكها بدرهم" (٣)، انتهى.

стр. 2733

(و) السنّة الثالثة مِمَّا استفيد من قصة عتق بريرة: (قال النبي ﷺ فيها)؛ أي: بريرة ﵂: (إنما الولاء) -بفتح الواو مع المد- مأخوذٌ من الوَلْي -بفتح الواو وسكون اللام-، وهو القرب، والمراد به هنا: وصف حكمي ينشأ عنه ثبوت من الإرث من العتيق الذي لا وارث له من جهة النسب أو الزوجية، أو الفاضل من ذلك، كما تقدم (لمن أَعتقَ) من ذكر وأنثى، كما قدّمنا، وقد كان العرب في الجاهلية تبيع هذا الحق وتهبه، فنهى الشرع عنه؛ لأن الولاء كالنسب، ولحمة كلحمة النسب، فلا يقبل الزوال بالإزالة، والمولى يطلق على المعتِق من أعلى وعلى العتيق أيضًا، لكن من أسفل، وهل ذلك حقيقة فيهما، أو في الأعلى أو في الأسفل؟ أقوالٌ مشهورة (١). وذكر ابن الأثير في "النهاية": المولى يقع على معانٍ كثيرة نذكر منها ستة عشر معنى، وهو: الرّبُّ، والمالكُ، والسيّدُ، والمنعِم، والمعتِق، والناصرُ، والمحبُّ، والتابعُ، والجار، وابن العم، والحليف، والعقيد، والصهر، والعبد، والمنعَم عليه، والمُعتق، قال: وأكثرها قد جاء في الحديث، فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد [فيه] (٢)، والله أعلم.

стр. 2734

كتاب النكاح النكاح في اللغة: الضَّمُّ والتداخُل وفيه من قال: إنه الضم تجوز، قال الفراء: النُّكْح -بضم ثم سكون-: اسم الفرج، ويجوز كسر أوله، وكثر استعماله في الوطء، وسميّ به العِقْد، لكونه سببه. وقال أبو القاسم الزجاجي: هو حقيقة فيهما (١). قال علماؤنا، منهم صاحب "الإقناع" فيه: النكاح عقدُ التزويج، وهو حقيقة في العقد، مجاز في الوطء (٢). وفي "المطلع": النكاح في كلام العرب: الوطء، قاله الأزهري (٣)، وقيل للتزويج نكاحٌ؛ لأنه سبب الوطء، ويقال: نكحُ المطر الأرضَ، ونكح النعاسُ عينهَ، وذكر كلامَ الزجاج بأنّ النكاح في كلام العرب بمعنى الوطء والعقد جميعًا. قال: وموضوع نكح في كلامهم للزومِ الشيءِ للشيءِ راكبًا عليه. قال ابن جِنِّي: سألتُ أبا عليٍّ الفارسيَّ عن قولهم: نكحها، قال: فرقت

стр. 2735

العربُ فرقًا لطيفًا يعرف به موضعُ العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلانةَ، أو بنتَ فلان، أرادوا تزوجها، وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجته، لم يريدوا إلا المجامعة؛ لأن بذكر امرأته وزوجته يستغنى عن العقد. وقال القاضي أبو يعلى أحدُ أعلام المذهب: هو حقيقة في العقد والوطء جميعًا، وقيل: حقيقة في الوطء مجاز في العقد (١)، ومعتمد المذهب أنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء. وذكر في "فتح الباري" للحافظ ابن حجر: أنه الصحيح، قال: والحجّة في ذلك كثيرة وروده في الكتاب والسنّة للعقد، حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد، ورد بقوله -تعالى-: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وأجيب بأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنة، وإلا فالعقد لا بد منه، فإن قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، معناه: حتى تتزوج؛ أي: يعقد عليها، ومفهومه أنّ ذلك كافٍ بمجرده، لكن بيّنة السنّة أن لا عبرة بمفهوم الغاية، بل لابد بعد العقد من ذوق العُسيلة، كما أنه لا بد بعد ذلك من الفرقة، ثم العدة، نعم أفاد أبو الحسين بن فارس أن النكاح لم يرد في القرآن إلّا للتزويج، إلّا قوله -تعالى-: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، قال: المراد به: الحلم. وفي وجه للشافعية، كقول الحنفية: أنه حقيقة في الوطء مجازٌ في العقد، وقيل: مقول بالاشترك على كلٍّ منهما كما قاله الزجاجي، والقاضي أبو يعلى، وغيرهما.

стр. 2736

قال: الحافظ ابن حجر في "الفتح": وهذا الذي يترجّح في نظري، وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد. وقد جمع أسماء النكاح ابنُ القطاع، فزادت على الألف (١). وذكر الحافظ المصنف في هذا الباب ثلاثة عشر حديثًا.

стр. 2737

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَّ بَابِ ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" (١).

стр. 2738

(عن) أبي عبد الرحمن (عبدِ الله بنِ مسعود ﵁) تقدّمت ترجمته في أول كتاب الصلاة، (قال) ابن مسعود ﵁: (قال لنا)، وفي لفظ: لقد قال لنا (١) (رسول الله ﷺ : يا معشر) وفي رواية: لقد كنا مع رسول الله ﷺ شبابًا، فقال لنا (٢)، وفي لفظٍ: كنا مع النبي ﷺ شبابًا لا نجد شيئًا، فقال لنا (٣). والمعشر: جماعة يشملهم وصفٌ ما. قال في "القاموس": المعشر، كمسكن: الجماعة، وأهل الرجل، والجن والإنس، انتهى (٤). (الشباب) جمع شاب، ويجمع -أيضًا- على شَبَبَة، وشُبان -بضم أوله، والتثقيل-، وذكر الأزهري أنه لم يجمع فاعل على فعال غيره، وأصله: الحركة والنشاط، وهو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين، هكذا أطلق الحنابلة والشافعية (٥). وقال: القرطبي "في المفهم": يقال له: حدث ستة عشر سنة، ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين سنة، ثم كهل (٦).

стр. 2739

وكذا ذكر الزمخشري في الشاب أنه من لدن البلوغ إلى اثنتين وثلاثين سنة. وقال ابن شاش المالكي في "الجواهر" (١): إلى الأربعين. وقال النووي: الأصح المختار أن الشاب: من بلغ، ولم يجاوز الثلاثين (٢). قال علماؤنا: ثم هو من الثلاثين إلى الخمسين كهل (٣). وقال النووي: من الثلاثين كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثم عند علمائنا من الخمسين إلى السبعين شيخ، ثم هرم (٤). وقال الرُّوياني من الشافعية، وطائفة، من جاوز الثلاثين يسمى شيخًا. قال ابن قتيبة: إلى أن يبلغ الخمسين. وقال أبو إسحاق الإسفراييي: المرجع في ذلك إلى اللغة، وأما بياض الشعر، فيختلف باختلاف الأمزجة (٥). (من استطاع منكم) خصّ الشباب بالخطاب؛ لأنّ الغالب وجود قوّة الداعي فيهم إلى النكاح، بخلاف الشيوخ، وإن كان المعنى معتبرًا إذا وجد

стр. 2740

السبب في الكهول والشيوخ -أيضًا- (١). (الباءة) بالهمز وتاء التأنيث ممدود، وفيها لغة أخرى بغير همزٍ ولا مد، وقد تهمز وتمد بلا هاء، ويقال أيضًا: الباهة كالأول، لكن بهاء بدل الهمزة، وقيل: بالمد: القدرة على مؤن النكاح، وبالقصر: الوطء (٢). قال الخطابي: المراد بالباءة: النِّكاح، وأصله: الموضع الّذي يتبوَّؤه ويأوي إليه (٣). وقال المازري: اشتق العقد على المرأة من أصل الباءة؛ لأن من ضمان من يتزوج أن يبوِّئها منزلًا. وقال النووي: اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد: أصحهما: أن المراد: معناها اللغوي، وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع، لقدرته على مؤنه، وهي مون النكاح، فليتزوج، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء، ولا ينفكون عنها غالبًا. والقول الثاني: أن المراد بالباءة هنا مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها، وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح، فليتزوج، ومن لم يستطع، فليصم، ليدفع شهوته، والذي حمل القائلين بهذا على ما قالوا قوله: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم"، فإنّ العاجز عن الجماع لا يحتاج إلى كسر شهوته بالصوم، فوجب حمل الباءة على المؤن (٤)، وانفصل

стр. 2741

القائلون بالأول عن ذلك بالتقدير المذكور، وهذا التعليل للمازري (١)، وأجاب عنه القاضي عياض بأنه لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان، فيكون المراد بقوله: "من استطاع الباءة"؛ أي: بلغ الجماع، وقدر عليه، فليتزوج، ويكون قوله: "ومن لم يستطع"؛ أي: من لم يقدر على التزويج (٢). وقد جاء في رواية عن الترمذي: "ومن لم يستطع منكم الباءة" (٣). وعند أبي عوانة: "من استطاع منكم أن يتزوج، فليتزوج" (٤). وعند النسائي: "من كان ذا طول، فلينكح" (٥)، ومثله لابن ماجة من حديث عائشة (٦). والحاصل: أنّه ﷺ قسّم الشباب إلى قسمين: قسم يتوقون إلى الجماع، ولهم اقتدار عليه، فندبهم إلى التزويج، دفعًا للمحذور، بخلاف الآخرين، وهم الذين لا قدرة لهم على الزواج، إمّا لعدم اقتدارهم على الجماع، أو لعدم اقتدارهم على مؤن النكاح، فندبهم إلى أمر تستمر به حالتهم؛ لأن ذلك أرفق بهم، للعلّة التي ذكرت في بعض روايات الحديث، وهي أنهم كانوا لا يجدون شيئًا.

стр. 2742

ويستفاد منه: أنّ الذي لا يجد أهبة النكاح، وهو تائق إليه، يندب له التزويج، دفعًا للمحذور (١). (فليتزوج) دفعًا للمحذور، وتحصيلًا للمصلحة، فإنّ الله -سبحانه- اختار النكاح لأنبيائه ورسله، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، وقال في حقِّ آدم: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، واقتطع من زمن كليمه موسى ﵇ عشر سنين في رعاية الغنم مهر الزوجة، ومعلوم مقدار هذه السنين العشر في نوافل العبادات، واختار لنبيّه وحبيبه محمدٍ ﷺ أفضلَ الأشياء، فلم يحب له تركَ النكاح، بل زوّجه بعدة نساء، حتى إنه ماتَ عن تسعة من النساء، ولا هدي فوق هديه، ولو لم يكن في النكاح إلّا سرور النبي ﷺ يوم المباهاة بأمَّته، وأنّ الناكح لا ينقطع عمله بموته، وأنه يخرج من صلبه من يشهد لله بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، لكفاه (٢). وقد نبه ﷺ على بعض فوائد النِّكاح بقوله: (فإنه)؛ أي: التزويج، (أغَضُّ)؛ أي: أشدُّ غضًا (للبصر) عن إطلاقه فيما لا يحل له. قال في "النهاية": غضَّ طرفه؛ أي: كسره، وأطرق، ولم يفتح عينه (٣). وقال ابن هشام: غضُّ الطرف: عبارة عن ترك التحديق واستيفاء النظر، فتارةً يكون ذلك؛ لأن في الطرف كسرًا وفتورًا خلقيين، وهو المراد بقول كعب: غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ (٤)

стр. 2743

وتارةً يكون القصد الكفّ عن التأمل، حياءً من الله ورسوله، ووقوفًا على حدود الشرع، وهو المراد في قوله -تعالى-: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. وقد روى الطبراني من حديث ابن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ ، يعني: عن ربه : "النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي، أبدلته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه" (١). ورواه الحاكم من حديث حذيفة، وصححه (٢). وأخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة، ثم يغضُّ بصرَه، إلّا أحدث الله له عبادة يجدُ حلاوتها في قلبه" (٣). ورواه الطبراني، إلا أنه قال: "ينظر إلى امرأة أول رمقة" (٤)، والبيهقي، وقال: إنما أراد، إن صح، والله أعلم: أن يقع بصره عليها من غير قصد، فيصرف بصره عنها تورعًا (٥). (وأَحْصَنُ)، أي: أشدُّ إحصانًا (للفرج)، ومنعًا من الوقوع في الفاحشة. قال ابن دقيق العيد: قوله: "فإنّه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج" يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون (أفعل) فيه مما استعمل لغير المبالغة.

стр. 2744

والثاني: أن تكون على بابها؛ فإنّ التقوى سببٌ لغض البصر وتحصين الفرج، وفي معارضتها الشهوة والداعي إلى النكاح، وبعدَ النكاح يضعف هذا المعارض، فيكون أغضَّ للبصر، وأحصنَ للفرج مما إذا لم يكن، فإنّ وقوع الفعل مع ضعف الداعي إلى وقوعه أندرُ من وقوعه مع وجود الداعي (١). قال ابن القيّم في "بدائع الفوائد" في الاستدلال على أنّ النكاح أفضلُ من التخلي لنوافل العبادات: ولو لم يكن فيه إلّا تعديل قوته الشهوانية الصارفة له عن تعلق قلبه بما هو أنفع له في دينه ودنياه، فإن تعلّق القلب بالشهوة، ومجاهدته عليها، تصده عن تعلّقه بما هو أنفع له، فإنّ الهمة متى انصرفت إلى شيء، انصرفت عن غيره، ولو لم يكن فيه إلّا غضُّ بصره، وإحصان فرجه عن التفاته إلى ما حرّم الله، مع تحصينِ امرأةٍ يُعفها الله به، ونيّته على قضاء وطره ووطرها، فهو في لذّاته وصحائف حسناته تتزايد مع ما يثاب عليه من نفقته على امرأته، وكسوتها وسكنها، ورفع اللقمة إلى فيها، مع تكثير الإسلام وأهله، وغيظ أعداء الدين، يعني: لكفاه (٢). (ومن لم يستطع)؛ أي: ومن لم يقدر على ذلك (فعليه بالصوم) اعترضه بعض المدققين بأنه إغراء الغائب، قال: فلا يجوز دونه زيدًا، أو لا عليه زيدًا عند إرادة غير المخاطب، وإنما جاز للحاضر، لما فيه من دلالة الحال، بخلاف الغائب، فلا يجوز، لعدم حضوره ومعرفته بالحالة الدّالة على المراد، وقد جاء شاذًا قول بعضهم: عليه رجلًا يسبني، على جهة الإغراء، وأجاب عياض بأن المثال ما فيه حقيقة الإغراء، وإن كانت

стр. 2745

صورته، فلم يرد تبليغ الغائب، وإنما أراد الإخبار عن نفسه، كقولهم: إليك عنا؛ أي: اجعل شغلك بنفسك، ولم يرد أن يغريه به، وإنما مراده: دعني وكن لمن شغل عني. وأما الحديث، فليس فيه إغراء الغائب، بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أولًا بقوله: "من استطاع منكم"، فالهاء في قوله: "فعليه" ليست للغائب، وإنما هي للحاضر المبهم، لا يصحّ خطابه بالكاف، ونظير هذا قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، إلى أن قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ومثله لو قلت لاثنين: من قدم منكما، فله درهم، فالهاء للمبهم من المخاطبين، لا للغائب، انتهى ملخصًا (١)، وقد استحسنه القرطبي (٢). قال في "الفتح": وهو حسن بليغ، وقد تفطن له الطيبي، فقال: قال أبو عبيد: قوله: "فعليه بالصوم" إغراء غائب، ولا تكاد العربُ تُغري إلّا الشاهد، تقول: عليك زيدًا، إلّا في هذا الحديث (٣)، وجوابه: أنّه لمّا كان الضمير الغائب راجعًا إلى لفظة: "من"، وهي عبارة عن المخاطبين في قوله: "يا معشر الشباب! "، وبيان لقوله: "منكم"، جاز قوله: "عليه"؛ لأنه بمنزلة الخطاب. قال في "الفتح": وأجاب بعضهم: بأن إيراد هذا اللفظ، في مثالٍ إغراء الغائب باعتبار اللفظ وجواب عياض باعتبار المعنى، وأكثر كلام العرب

стр. 2746

اعتبار اللفظ، كذا قال (١)، والحق مع عياض، فإن الألفاظ توابع للمعاني، ولا معنى لاعتبار اللفظ مجردًا هنا، انتهى (٢). وإنما قال: "بالصوم"، ولم يقل: بالجوع وقلة ما يثير الشهوة ويستدعي طغيان الماء من الطعام والشراب، لأجل تحصيل العبادة المشروعةن إذ هي برأسها مطلوبة. وفيه إشارة إلى أنّ أصل مشروعية الصوم لأجل كسر الشهوة (٣). (فإنه)؛ أي: الصوم (له)؛ أي: لمن لم يستطع النكاح (وِجَاء) -بكسر الواو والمد-، أصله الغمز، ومنه: وجأ في عنقه: إذا غمزه دافعًا له، ووجأه بالسيف: إذا طعنه به، ووجأ أنثييه: غمزهما حتى رضهما (٤). ووقع في رواية ابن حبّان: "فإنه له وجاء، وهو الإخصاء" (٥). قال: الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": وهي زيادة مُدرجة في الخبر، لم تقع إلّا في طريق زيد بن أبي أنيسة، وتفسيرُ الوجاء بالإخصاء فيه نظر، فإن الوجاء رضُّ الأنثيين، والإخصاء سلبُهما، وإطلاق الوِجاء على الصيام من مجاز المشابهة (٦). وقال أبو عبيد: قال بعضهم: وَجاء -بفتح الواو- مقصورًا، والأول أكثر (٧).

стр. 2747

وقال أبو زيد: لا يقال وجاء إلّا فيما لم يبرأ، وكان قريب العهد بذلك. واستدل بهذا الحديث على أنّ من لم يستطع الجماع، فالمطلوب منه تركُ التزويج؛ لأنه أرشده إلى ما ينافيه ويضعف دواعيه، وأطلق بعضهم أنه يُكره في حقّه (١). تنبيهات: الأول: تعتري النكاحَ الأحكامُ الخمسة، فيجب على ذي شهوة يخاف الزنى من رجل وامرأة، علمًا أو ظنًا، ويقدم حينيذٍ على حجٍّ واجب، نصّ عليه الإمام أحمد (٢)، وبه قال أبو عوانة الإسفراييني من الشافعية، وصرح به في "صحيحه"، ونقله المصعبي في "شرح مختصر الجويني" وجهًا، وهو قول داود وأتباعه. قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": المشهور عن الإمام أحمد أنه لا يجب على القادر التائق إلّا إذا خشي العنت، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن هبيرة (٣). وعبارة "المقنع" بدل الزنى المحظور (٤)، وهو أعم، فيشمل نحو الاستمناء باليد. وقال المازري: الذي نطق به مذهب مالك: أنه مندوب، وقد يجب عندنا في حقِّ من لا ينكف عن الزنى إلا به (٥).

стр. 2748

وقال القرطبي: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة، بحيث لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزويج، لا يختلف في وجوب التزويج عليه (١)، ونبه ابن الرفعة على صورة يجب فيها، وهي ما إذا نذره حيث كان مستحبًا (٢). قلت: وصرّح به علماؤنا. وقال ابن دقيق العيد: قسم بعض الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت، وقدر على النكاح، وتعذر التسرِّي (٣)، وكذا حكاه القرطبي عن بعض علمائهم، وهو المازري (٤)، قال بالوجوب في حق من لا ينكف عن الزنا إلا به، كما قدمنا (٥). ويحرم النكاح بدار الحرب إلا لضرورةٍ، فإن كانت، لم يحرم، ما لم يكن أسيرًا عند كفار، فلا يتزوج ولو لضرورة لئلا يستعبد ولده، كذا علل الإمام أحمد ﵁، ولا يطأ زوجته إن كانت معه (٦). وفي "المغني": أما الأسير، فظاهر كلام الإمام أحمد: لا يحل له التزوج ما دام أسيرًا، وأما الذي يدخل بلادهم بأمان، كالتاجر ونحوه، فلا ينبغي له التزوج، فإن غلبت عليه الشهوة، أبيح له نكاح مسلمة، ولا يتزوج منهم، ويعزل وجوبًا حيث حرم، وإلا استحبابًا (٧).

стр. 2749

قال في "الغاية": ومقتضى تعليلهم جواز نكاح آيسة ونحوها (١). قال ابن حجر في "شرح البخاري": والتحريم في حق من يخل بالوطء والإنفاق على الزوجة، مع عدم قدرته عليه، وعدم توقانه إليه. قال: والكراهة في مثل هذا حيث لا إضرار بالزوجة، فإن انقطع بذلك عن شيء من أفعال الطاعة، من عبادة، أو اشتغالٍ بالعلم، اشتدّت الكراهة. وقيل: الكراهة فيما إذا كان في حال العزوبة أجمع منه في حال التزويج، انتهى (٢). وقد قيل عندنا: إنّ النكاح لغير ذي شهوة مكروه، والمذهب خلافه، قال المكرهون له: إنما كُره لمنع من يتزوجها من التحصين بغيره، وإضرارها بحبسها على نفسه، وتعريض نفسه على واجبات وحقوق لعله لا يقوم بجميعها، ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة له فيه (٣). وقد ذكرت في "شرح منظومة الآداب": أنه يفصل بين الفقير الذي لا يجد ما ينفق، وليس بذي كسب، وهو مع ذلك ليس بذي شهوة، فيُكره في حقه النكاح، لعدم قدرته على مؤنه، وعدم إحصانه لزوجته، مع عدم حاجته إليه. ثم رأيت العلّامة تقي الدين بن قندس البعلي ذكر ذلك في "حواشي الفروع" رواية عن الإمام أحمد ﵁ (٤) -، وفي "الشرح على المقنع" لشمس الدين بن أبي عمر -قدّس الله روحه-: أن النكاح مطلوب

стр. 2750

في حقِّ من يمكنه التزويج، فأمّا من لم يمكنه، فقد قال -تعالى-: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]. انتهى. ويسن لمن له شهوة، ولا يخاف الزنى، ولو فقيرًا، واشتغالُه به أفضل من التخلي لنوافل العبادة. ويُباح لمن لا شهوة له، هكذا قال علماؤنا (١). وفي "شرح البخاري" لابن حجر: أنّ الاستحباب فيما إذا حصل به معنى مقصودًا من كسر شهوةٍ، وإعفاف نفس، وتحصين فرج، ونحو ذلك. قال: والإباحة فيما إذا انتفت الدواعي والموانع، ومنهم من استمر بدعوى الاستحباب فيمن هذه صفته، للظواهر الواردة في الترغيب فيه (٢). قال عياض: هو مندوب في حق كلّ من يرجى منه النسل، ولو لم يكن في الوطء شهوة، لقوله ﷺ : "فإني مكاثر بكم الأمم" (٣)، ولظواهر الحضّ على النكاح، والأمر به، وكذا في حقّ من له رغبة في نوعٍ من الاستمتاع بالنساء غير الوطء، فأما من لا ينسل، ولا أربَ له في النساء، ولا في الاستمتاعِ فهذا يباح في حقه إذا علمت المرأة بذلك، ورضيت.

стр. 2751

وقد يقال: إنه مندوب -أيضًا-، لعموم قوله ﷺ : "لا رهبانية في الإسلام" (١). وفي "الإحياء" للإمام الغزالي: من اجتمعت له فوائد النكاح، وانتفت عنه آفاته، فالمستحب في حقّه التزويج، ومن لا، فالتركُ له أفضل، ومن تعارض الأمر في حقه، فليجتهد، وليعمل بالراجح (٢)، انتهى. الثاني: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، فأما حديث: "فإني مكاثرٌ بكم"، فصح من حديث أنس بلفظ: "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثرٌ بكم يوم القيامة" أخرجه ابن حبان (٣)، وذكره الشافعي بلاغًا عن ابن عمر بلفظ: "تناكحوا تكاثروا، فإني أباهي بكم الأمم" (٤)، وللبيهقي من حديث أَبي أمامة: "تزوّجوا، فإني مكاثرٌ بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى" (٥). وورد: "فإني مكاثرٌ بكم" عن عدّة من الصحابة، منهم: عائشة (٦) ومعقل بن يسار (٧)، وسهل بن حنيف (٨)، وحرملة بن النعمان (٩)

стр. 2752

وعياض بن غنم (١)، ومعاوية بن حيدة (٢)، والصنابح بن الأعسر (٣)، وغيرهم (٤). وأما حديث: "لا رهبانية في الإسلام"، فقال: الحافظ ابن حجر: لم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ عند الطبراني: "إنّ الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة" (٥)، وعن ابن عباس ﵄ رفعه: "لا صَرورة في الإسلام" أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وصححه الحاكم (٦)، وفي "الباب" حديث النهي عن التبتل (٧)، انتهى (٨).

стр. 2753

وروى الطبراني بإسنادٍ حسن، والبيهقي، والدارمي من حديث أبي نجيح: أن رسول الله ﷺ قال: "من كان موسرًا لأن ينكح، فلم ينكح، فليس مني" (١) جزم [البيهقي] (٢) بأنه مرسل، قال: وأبو نجيح تابعي، واسمه يسار -بالياء المثناة تحت-، وهو والد عبد الله بن أبي نجيح المكي. قال الحافظ ابن حجر: قد أورد أبا نجيح [البغوي] (٣) في "معجم الصحابة" (٤). وفي "الصحيحين": "النكاح سنّتي، فمن رغب عن سنّتي، فليس مني" (٥). وأخرج الحاكم من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتقِ الله في الشطر الثاني" (٦). قال الحافظ ابن حجر: وهذه الأحاديث -وإن كان في الكثير منها ضعف-، فمجموعها يدلُّ على أنّ لِما يحصل به المقصودُ من الترغيب في التزويج أصلًا، ولاسيما في حقّ من يتأتّى منه النسل (٧).

стр. 2754

الثالث: جاء عدّة أحاديث في ذم العزوبية، وقد قال الإمام أحمد ﵁: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبيُّ ﷺ تزوّج أربعَ عشرةَ، ومات عن تسع، ولو تزوّجَ بشر بن الحارث، تم أمره، ولو ترك الناس النكاح، لم يكن غزو ولا حجّ، ولا كذا ولا كذا، وقد كان النبي ﷺ يصبح وما عندهم شيء، وكان يختار النكاح، ويحثُّ عليه، ونهى عن التبتل، فمن رغب عن سنّة النبي ﷺ ، فهو على غير الحق، ويعقوب في حزنه قد تزوّج، والنبي ﷺ قال: "حُبّبَ إليَّ النساء" (١). قال المروذي: قلتُ له: إنّ إبراهيم بن أدهم يحكى عنه أنه قال لروعة صاحب عيال، فما قدرت أن أتم الحديث حتى صاح بي، وقال: وقعت في بنيات الطريق، انظر ما كان عليه محمد ﷺ وأصحابه، ثم قال: فبكاءُ الصبيّ بين يدي أبيه يطلب منه الخبزَ أفضلُ من كذا وكذا، أين يلحق المتعبد والعزب، نقل هذا كله الإمامُ ابن القيّم في كتابه "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" من رواية المروذي عن الإمام أحمد ﵁ (٢) -. وأخرج الإمام أحمد من حديث أبي ذر بإسنادٍ حسن (٣)، وأبو يعلى في "مسنده" عن عطيّة بن بشر (٤) مرفوعًا: "شرارُكم عزّابكم، وأراذل موتاكم عزّابكم".

стр. 2755

وأخرج أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط"، وابن عدي عن أبي هريرة مرفوعًا: "شراركم عزّابكم، ركعتان من متأهل خيرٌ من سبعين من غير متأهل" (١). وقد نظم ذلك ابن العماد فقال: [من الرجز] شِرَارُكُمْ عُزَّابُكم جَاءَ الخَبَرْ ... أَرَاذِلُ الأَمْوَاتِ عُزَّابُ البَشَرْ (٢) وقد أورده الحافظ ابن الجوزي في "الموضوعات" من حديث أبي هريرة، وحَكم عليه بالوضع، وأعلّه بخالد بن إسماعيل، قال: له طريق ثانٍ فيه يوسف بن السَّفر متروك (٣)، قال الحافظ السيوطي: قلت: ورد بهذا اللفظ من حديث أبي ذر، أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" بسند رجالُهُ ثقات، ومن حديث عطيّة بن بشر المازني: أخرجه أبو يعلى، والطبراني، والبيهقي في "الشعب" (٤). الرابع: استدل بالحديث، من إرشاد العاجز عن مؤن النكاح إلى الصوم؛ لأن شهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل، يقوى بقوّته، ويضعف بضعفه، على جواز المعالجة لقطع شهوة النكاح بالأدوية كما قاله الخطابي (٥)، وحكاه البغوي في "شرح السنّة" (٦).

стр. 2756

قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": وينبغي أن يحمل على دواء يسكّن الشهوة، دون ما يقطعها أصالة؛ لأنه قد يقدر بعد ذلك، فيندم، لفوات ذلك في حقّه. قال: وقد صرّح الشّافعيّة بأنه لا يكسرها بالكافور ونحوه، والحجّة فيه: أنهم اتفقوا على منع الجب والخصاء، فيلحق بذلك ما في معناه من التداوي بالقطع أصلًا (١). قلت: صرّح علماؤنا بجواز شرب دواء مباح يمنع الجماع، قالوا: ولأنثى شربه -أيضًا- لإلقاء نطفةٍ، لا علقةٍ، ولحصول حيض، لا قرب رمضان لتفطر (٢). قال العلّامة مرعي في "غايته": ويتجه، وتفطر وجوبًا، ولها شربه لقطع حيض مع أمن ضرر، نصًّا، ولو بلا إذن زوج، واستوجه في "الغاية" ما لم ينهها، وحرم لقطعه بلا علمها، وشرب ما يقطع الحمل، انتهى (٣). فظاهر كلامهم: إطلاق ما يمنع الجماع ولو أصالة. وصرّح في "الفروع" بأنه يتوجه في الكافور ونحوه كقطع الحيض، وقال قبله: ولها شرب دواء مباح لقطع الحيض، نصّ عليه الإمام أحمد. وقال القاضي: بإذن الزوج كالعزل، يؤيده قول الإمام أحمد في بعض أجوبته: الزوجة تستأذن زوجها. قال في "الفروع": ويتوجه: يكره، انتهى (٤).

стр. 2757

تتمة: سبب إيراد ابن مسعود ﵁ لهذا الحديث: ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن علقمة، قالى: كنتُ مع عبد الله، يعني: ابن مسعود ﵁، فلقيه عثمان، يعني: ابن عفّان ﵁ بمنًى، فقال: يا أبا عبد الرحمن! إن لي إليك حاجة، فَحَلَيا، فقالى عثمان: هل لك يا أبا عبد الرحمن أن نزوّجك بكرًا تذكرك ما كنت تعهد؟ فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة إلّا هذا، أشار إليَّ، فقالى: يا علقمة، فانتهيت إليه وهو يقولى: أَما لئن قلت ذلك، لقد قالى لنا النبي ﷺ ، فذكر الحديث (١)، والله أعلم.

стр. 2758

الحديث الثاني عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَألُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا: كَذَا؟! لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي" (١).

стр. 2759

(عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ مالك ﵁ أَنّ نفرًا) النفر: من ثلاثة إلى تسعة، وهذا اللفظ في رواية ثابت عند مسلم (من أصحاب النبي ﷺ )، وفي رواية حميد بن أبي حميد الطَّويل، عن أنس ﵁ عند البخاري: جاء ثلاثة رهط، ولا منافاة بينهما؛ لأن الرهط من ثلاثة إلى عشرة، والنفر ما قدَّمنا، وكلٌّ منهما اسم جمع لا واحد له من لفظه، ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عند عبد الرزاق: أنّ الثلاثة المذكورين هم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون (١)، وعند ابن مردويه من طريق الحسن، قال: كان علي في أناسٍ ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات، فنزلت الآية في المائدة (٢). ووقع في "أسباب النزول" للواحدي بغير إسناد: أن رسول الله ﷺ ذكّر الناس، وخوّفهم، فاجتمع عشرة من الصحابة، وهم: أبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وأبو ذر، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد، وسلمان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومعقل بن مقرن في بيت عثمان بن مظعون ﵃، فاتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم، ولا يقربوا النساء، ويجبوا مذاكيرهم (٣). قال: الحافظ ابن حجر في "الفتح": فإن كان هذا محفوظًا، احتمل أن يكون الرهط منهم الثلاثةُ هم الذين باشروا السؤال، فنسب ذلك إليهم

стр. 2760

بخصوصهم تارةً، ونسب تارةً للجميع، لاشتراكهم في طلبه، ويؤيد أنهم كانوا أكثر من ثلاثة في الجملة ما روى مسلم من طريق سعيد بن هشام: أنه قدم المدينة، فأراد أن يبيع عقاره فيجعله في سبيل الله، ويجاهد الروم حتى يموت، فلقي ناسًا بالمدينة، فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطًا ستة أرادوا ذلك في حياة رسول الله ﷺ ، فنهاهم فلمّا حدّثوه ذلك، راجع امرأته، وكان قد طلّقها (١)، يعني: لسبب ذلك، لكنْ في عدّ عبدِ الله بنِ عمرٍ ومعهم نظر؛ لأن عثمان بن مظعون مات قبل أن يهاجر عبد الله فيما أحسب، انتهى (٢). وذكر البرماوي في "مبهمات العمدة" العشرةَ المتقدمَ ذكرُهم، إلّا أنه زاد: ابن عمر، وقال: في بيت عثمان بن مظعون، كما ذكر الحافظ ابن حجر، ولى يقدح فيه مع جزمه بذلك (سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أُخبروا، كأنهم تقالُّوها -بتشديد اللام المضمومة-، يعني: استقلوها، وأصل تقالُّوها: تقاللوها؛ أي: رأى كلٌّ منهم أما قليلة، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، والمعنى: أن من لم يعلم بحصول مثل ذلك له يحتاج إلى المبالغة في العبادة، عسى أن يحصل بخلاف، من حصل له (٣)، (فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللّحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري، فقال أحدهم: أمّا أنا، فإني أصلّي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر:

стр. 2761

وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا، فقوله: أصلّي الليل أبدًا: التأبيد قيد لليل، لا لأ صلّي، وقوله: ولا أتزوج أبدًا: أكد المصلي ومعتزل النساء بالتأبيد، ولم يؤكد الصيام؛ لأنه لا بد له من فطر الليالي، وكذا أيام العيد، ومجموع الروايتين يؤكد زيادة عدد القائلين عن الثلاثة؛ لأن تركَ أكلِ اللّحم أخصُّ من مداومة الصِّيام، واستغراق الليل بالصلاة أخصُّ من ترك النوم على الفراش، وإن أمكن التوفيق بضربٍ من التجويز (١) (فبلغ ذلك النبي ﷺ ) بنصب النبي مفعول بلغ، والفاعل اسمُ الإشارة؛ أي: قولُ أصحابه ما قالوا، فجاء ﷺ إليهم، فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ "، (فحمدَ الله -تعالى-، وأثنى عليه) بما هو أهله، والثناء: تعداد المحامد وإعادتها (وقال) بعد الحمد والثناء: (ما بال)، أي: ما شأن (أقوام) وما حالهم واهتمامهم، (قالوا: كذا؟) طريق الجمع بأنه جاء إليهم، فقال: أنتم القائلون: كذا كذا سرًا فيما بينه وبينهم، ثمّ أعلن ذلك جهرًا مع عدم تعيينهم، رفقًا بهم. ثم قال كما في البخاري: "أما والله! "؛ أي: -بتخفيف الميم- حرف تنبيه "إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له" فيه إشارة إلى ردّ ما بنوا عليه أمرهم، من أنّ المغفور له لا يحتاج إلى مزيد العبادة، بخلاف غيره، فأشار بهذا إلى أنه أشدُّ خشية، وذلك بالنسبة لمقام العبودية في جانب الربوبية، فأعلمهم ﷺ أنّه -مع كونه يبالغ في التشديد في العبادة- أخشى لله، وأتقى من الذين يشددون، وإنما كان كذلك؛ لأنّ المشدد لا يأمن من الملل، بخلاف المقتصد، فإنه أمكنُ لاستمراره، وخيرُ العمل ما دام عليه صاحبُه، وقد أرشد إلى ذلك في قوله ﷺ في الحديث: "المُنْبَتُّ لا أرضًا قطعَ،

стр. 2762

ولا ظهرًا أبقى" (١) (لكني) استدراك من شيء محذوف دل عليه السياق؛ أي: أنا وأنتم بالنسبة إلى العبوديّة سواء، لكن أنا (أصلي) من الليل حزبي (وأنام) منه (وأصوم) من غيرِ صيام الفرض (وأُفطر) فلا أسردُ الصومَ، ولا أتركه بالكليّة، وتقدم الأفضلُ من ذلك في محالِّه (وأتزوج النساء) ولا أتبتل عن الزواج (فمن رغب عن سنتي، فليس مني) المراد بالسنّة: الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء: الإعراض عنه إلى غيره (٢). قال في "القاموس": رغب فيه، كسمع، رَغْبًا، ويضم، ورغبه: أراده، كارتغب، وعنه: لم يرده، وإليه رَغَبًا -محركة- ورَغْبى، ويضم، ورغباء، كصحراء، أو رَغَبوتًا، ورَغَبوتى، ورَغَبانًا محركات، ورُغْبَة -بالضم-، ويحرك: ابتهل، أو هو الضراعة والمسألة، والرغيبة: الأمر المرغوب فيه، والعطاء الكثير، ورغِب بنفسه عنه -بالكسر-: رأى لنفسه عليه فضلًا، انتهى (٣). والحاصل: أن (رغب) متى تعدى بعَنْ، يكون معناه: أنه لم يرده، بل تركه وأعرض عنه، والمراد: من ترك طريقتي [وأخذ] (٤) بطريقة غيري، فليس مني، ولمّح بذلك إلى طريقة الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد، كما وصفهم الله -تعالى-، وقد عابهم بأنهم ما وفوا بما التزموه، وطريقة

стр. 2763

النبي ﷺ الحنيفية السمحة فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل، وقوله ﷺ : "فليس مني" إن كانت الرغبة بضربٍ من التأويل يعذر صاحبه فيه، فمعنى "ليس مني"؛ أي: على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملّة، وإن كانت إعراضًا وتنطعًا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله، فمعنى "ليس مني": على ملّتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر، كما في "الفتح" (١). وفي الحديث: دلالة على فضل النكاح والترغيب فيه. وفيه: تتبع أَحوال الأكابر للتأسي بأفعالهم، وأنه إذا تعذّرت معرفته من الرجاله، جاز استكشافه من النساء، وأنّه من عزم على عمل بِرّ، واحتاج إلى إظهاره حيث يأمن الرياء، لم يكن ذلك ممنوعًا. وفيه: تقديم الحمد والثناء على الله عند إلقاء مسائل العلم، وبيانِ الأحكام للمكلفين، وإزالةِ الشبهة عن المجتهدين، وأن المباحات قد تنقلب بالقصد إلى الكراهة أو الاستحباب. قال: الطبري: وفي الحديث: الردُّ على [من] منعَ استعمالَ الحلال من الأطعمةِ والملابسِ، وآثر غليظَ الثياب وخشنَ المآكل (٢). قال عياض: وهذا مما اختلف فيه السلف، فمنهم من نحا إلى ما قال الطبري، ومنهم من عكس، واحتجّ بقوله -تعالى-: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، قال: والحقّ أنّ هذه الآية في الكفار، وقد أخذ النبي ﷺ بالأمرين (٣).

стр. 2764

قال الحافظ ابن حجر: لا يدل ذلك لأحد الفريقين إن كان المراد المداومة على إحدى الصفتين، والحق أنّ ملازمة استعمال الطيبات يفضي إلى الترفه والبطر، ولا يأمن الوقوع في الشبهات؛ لأن من اعتاد ذلك، قد لا يجده أحيانًا، فلا يستطيع الانتقال عنه، فيقع في المحذور، كما أن منع تناول ذلك أحيانًا يفضي إلى التنطع المنهيِّ عنه، ويردُّ عليه صريح قوله -تعالى-: ﴿﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢]، كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلًا، وترك التنفل يفضي إلى انتشار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة، فخيرُ الأمور الوسط. وفي قوله ﷺ : "إني لأخشاكم" مع ما انضم إليه إشارةٌ إلى العبادة، وفيه -أيضًا-: إشارة إلى أن العلّمَ بالله، ومعرفةَ ما يجب من حقّه أعظمُ قدرًا من مجرد العبادة البدنية، انتهى (١). قلتُ: قال علماؤنا، منهم صاحب "الإقناع" في "إقناعه" (٢)، و"الغاية" (٣)، وغيرهما: من أذهب طيّباته في حياته الدنيا، واستمتع بها، نقصت درجاته في الآخرة، ودليل ما ذكروه ما روى البيهقي عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: لقيَني عمرُ بنُ الخطاب ﵁ وقد ابتعتُ لحمًا بدرهم، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلتُ: قَرِم أهلي، فابتعت لهم لحمًا بدرهم، فجعل عمر يردد: قرِم أهلي، حتى تمنيت أنّ الدرهم

стр. 2765

سقط مني ولم ألق عمر (١). قوله: قرِم أهلي؛ أي: اشتدّت شهوتهم إلى اللحم (٢). وفي رواية مالك عن يحيى بن سعيد: أنّ عمر بن الخطاب قال لجابر: أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لجاره وابنِ عمه؟ فأين تذهب عنكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٣) [الأحقاف: ٢٠]؟. قال بعض العلماء: هذا الوعيد من الله، وإن كان للكفار الذين يقدمون على الطيّبات المحظورة، ولذلك قال: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأحقاف: ٢٠]، فقد يخشى مثلُه على المنهمكين في الطيبات المباحة؛ لأن من تعوَّدها، مالت نفسه إلى الدنيا، فلم يؤمَن أن يرتبك في الشهوات والملاذ، كلما أجاب نفسه إلى واحدة منها، دعته إلى غيرها، فيصير إلى حالة لا يمكنه عصيانُ نفسه في هوى قط، وينسدُّ باب العبادة دونه، فإذا آلَ به الأمر إلى هذا، لم يبعد أن يقال له: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] الآية (٤)، ويأتي الكلام على هذا في كتابَي: الأطعمة واللباس -إن شاء الله تعالى-.

стр. 2766

الحديث الثالث عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: رَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ، لاخْتَصَيْنَا (١). التبتل: ترك النكاح، ومنه قيل لمريم ﵍: البتول. * * * (عن) أبي إسحاقَ (سعدِ بن أبي وقاصٍ ﵁، قال: ردَّ

стр. 2767

رسولُ الله ﷺ على عثمانَ بنِ مظعونٍ التبتلَ) المراد بالتبتل هنا: الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة، وأما المأمور به في قوله -تعالى-: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ١٨] فقد فسّره مجاهد بالإخلاص، فقال: أخلصْ له إخلاصًا (١)، وهو تفسير معنى، وإلا، فأصل التبتل: الانقطاع، المعنى: انقطعْ إليه انقطاعًا، لكن لمّا كانت حقيقة الانقطاع إلى الله -تعالى- إنما تقع بإخلاص العبادة له، فسّرها بذلك، ومنه: صدقة بتلة؛ أي: منقطعة عن الملك، وسُمِّيت مريمُ: البتول، لانقطاعها عن التزويج إلى العبادة، وقيل لفاطمة: البتول، لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشرف، ولانقطاع نظرها عما سوى ابن عمها عليٍّ - رضوان الله عليه (٢) -. وأراد بقوله: ردّ على عثمان؛ أي: لم يأذن له به، بل نهاه عنه، فأخرج الطبراني من حديث عثمان بن مظعون نفسِه: أنه قال: يا رسول الله! إني رجلٌ يشق عليَّ العزوبة، فأذنْ لي في الخِصاء، قال: "لا، ولكن عليك بالصيام" (٣). ومن طريق سعيد بن العاص: أنّ عثمان قال: يا رسول الله! ائذنْ لي في الاختصاء، فقال: "إنّ الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة" (٤)، فيحتمل أن يكون الذي طلبه عثمانُ ﵁ في الاختصاء حقيقة، فعبّر عنه الراوي بالتبتل؛ لأنه ينشأ عنه (٥).

стр. 2768

وعثمانُ بنُ مَظْعون -بفتح الميم وسكون الظاء المعجمة وضم العين المهملة- ابنِ حبيبِ بنِ وهبِ بنِ حُذافَةَ -بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة وبالفاء- ابنِ جُمَحَ -بضم الجيم وفتح الميم ثم حاء مهملة-: من بني كعب بن لؤي، الجُمَحيُّ القرشيُّ، أسلم قديمًا بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وكان ممن حرّم الخمرَ على نفسه في الجاهلية، وقال: أشرب شيئًا يُذهب عقلي، ويُضحك مني من هو أدنى مني (١)؟! وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة في شعبان على رأس ثلاثين شهرًا، وقيل: اثنين وعشرين شهرًا بعدَما رجع من بدر، وقبّل النبيُّ ﷺ وجهَه بعدَ موته، ولمّا دفن، قال ﷺ : "نِعْمَ السلفُ هو لنا" (٢)، ودُفن في البقيع، وهو أول من دُفن فيه، ولما مات إبراهيمُ بنُ النبيِّ ﷺ ، قال ﷺ : "اْلَحِقْ سلفنا الصالحَ عثمانَ بَن مظعون" (٣)، وروي أنه قال ذلك حين توفيت زينبُ ابنتهُ ﷺ (٤). وكان ﷺ يزوره، وكان قد أعلم قبره بحجر لذلك، وكان ﵁ عابدًا مجتهدًا من فضلاء الصحابة، روى عنه ابنه السائب وغيره.

стр. 2769

وفي "البخاري ": أنّ أم العلاء الأنصارية قالت: رأيتُ في النوم لعثمان بن مظعون عينًا تجري، فقال لها رسول الله ﷺ : "ذاك علمه" (١) ﵁ (٢). قال سعد بن أبي وقاص ﵁: (ولو أذن)، أي: النبيُّ ﷺ (له)، أي: لعثمانَ بنِ مظعون ﵁ بالتبتل، (لاختصينا)؛ لأنه الذي طلبه عثمان -كما قدّمنا- في حديث الطبراني وغيره، أو المراد: لفعلنا فعلَ من يختصي، وهو الانقطاع عن النساء، قال الطبري: التبتل الذي أراده عثمان بن مظعون: تحريمُ النساءِ والطيبِ وكلِّ ما يلتذ به، فلهذا نزل في حقّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، وتقدم تَسمية من أراد ذلك مع عثمان بن مظعون. قال الطيبي: قوله: ولو أذن له، لاختصينا كان الظاهر أن يقول: ولو أذن له، لتبتلنا، لكنه عدل عن هذا الظاهر إلى قوله: لاختصينا، لإرادة المبالغة، أي: لبالغنا في التبتل حتى يفضي بنا الأمرُ إلى الاختصاء، ولم يرد به حقيقة الاختصاء؛ لأنه حرام، وقيل: بل هو على ظاهره، وكان ذلك

стр. 2770

قبل النهي عن الاختصاء، ويؤيده تواردُ استئذانِ جماعة من الصحابة النبي ﷺ في ذلك كأبي هريرة، وابن مسعود، وغيرهما، وإنما كان التعبير بالخصاء أبلغَ من التعبير بالتبتل؛ لأن وجود الآلة يقتضي استمرار وجود الشهوة ووجود الشهوة، ينافي المراد من التبتل، فيتعين الخصاء طريقًا إلى تحصيل المطلوب، وغايته أنّ فيه ألمًا عظيمًا في العاجل يغتفر في جنب ما يندفع به في الآجل، فهو كقطع الإصبع إذا وقعت في اليد آكلة، صيانةً لبقية اليد، وليس الهلاك بالخصاء محققًا، بل هو نادر، ويشهد له كثرة وجوده في البهائم مع بقائها، وعلى هذا فلعل الراوي عبّر بالخصاء عن الجب؛ لأنه هو الذي يحصل المقصود. والحكمة في منعهم من الاختصاء إرادة تكثير النسل، ليستمر جهاد الكفار، وغير ذلك، ولو أذن ﷺ في ذلك، لأوشك تواردهم عليه، فينقطع النسل، فيقل المسلمون بانقطاعه، ويكثر الكفار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمدية (١). قال: الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى ورضي عنه-: (التبتل) الذي ردّه ﷺ على عثمان بن مظعون، ولم يأذن له فيه، أي المراد به: (ترك النكاح) -كما قدّمناه-، (ومنه)، أي: من كون المراد بالتبتل: ترك النكاح، أي: من أجل ذلك (قيل لمريم) بنت عمران (﵍: البتول)، لانقطاعها عن التزويج، واسم أمها حنّة، وأخت حنّة أمُّ يحيى اسمها يساع، واسم أبيها فاقود، وعمران ابن ماثان، والله أعلم.
следующие страницы →