← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

الحديث الثالث عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: رَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ، لاخْتَصَيْنَا (١). التبتل: ترك النكاح، ومنه قيل لمريم ﵍: البتول. * * * (عن) أبي إسحاقَ (سعدِ بن أبي وقاصٍ ﵁، قال: ردَّ

стр. 2767

رسولُ الله ﷺ على عثمانَ بنِ مظعونٍ التبتلَ) المراد بالتبتل هنا: الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة، وأما المأمور به في قوله -تعالى-: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ١٨] فقد فسّره مجاهد بالإخلاص، فقال: أخلصْ له إخلاصًا (١)، وهو تفسير معنى، وإلا، فأصل التبتل: الانقطاع، المعنى: انقطعْ إليه انقطاعًا، لكن لمّا كانت حقيقة الانقطاع إلى الله -تعالى- إنما تقع بإخلاص العبادة له، فسّرها بذلك، ومنه: صدقة بتلة؛ أي: منقطعة عن الملك، وسُمِّيت مريمُ: البتول، لانقطاعها عن التزويج إلى العبادة، وقيل لفاطمة: البتول، لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشرف، ولانقطاع نظرها عما سوى ابن عمها عليٍّ - رضوان الله عليه (٢) -. وأراد بقوله: ردّ على عثمان؛ أي: لم يأذن له به، بل نهاه عنه، فأخرج الطبراني من حديث عثمان بن مظعون نفسِه: أنه قال: يا رسول الله! إني رجلٌ يشق عليَّ العزوبة، فأذنْ لي في الخِصاء، قال: "لا، ولكن عليك بالصيام" (٣). ومن طريق سعيد بن العاص: أنّ عثمان قال: يا رسول الله! ائذنْ لي في الاختصاء، فقال: "إنّ الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة" (٤)، فيحتمل أن يكون الذي طلبه عثمانُ ﵁ في الاختصاء حقيقة، فعبّر عنه الراوي بالتبتل؛ لأنه ينشأ عنه (٥).

стр. 2768

وعثمانُ بنُ مَظْعون -بفتح الميم وسكون الظاء المعجمة وضم العين المهملة- ابنِ حبيبِ بنِ وهبِ بنِ حُذافَةَ -بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة وبالفاء- ابنِ جُمَحَ -بضم الجيم وفتح الميم ثم حاء مهملة-: من بني كعب بن لؤي، الجُمَحيُّ القرشيُّ، أسلم قديمًا بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وكان ممن حرّم الخمرَ على نفسه في الجاهلية، وقال: أشرب شيئًا يُذهب عقلي، ويُضحك مني من هو أدنى مني (١)؟! وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة في شعبان على رأس ثلاثين شهرًا، وقيل: اثنين وعشرين شهرًا بعدَما رجع من بدر، وقبّل النبيُّ ﷺ وجهَه بعدَ موته، ولمّا دفن، قال ﷺ : "نِعْمَ السلفُ هو لنا" (٢)، ودُفن في البقيع، وهو أول من دُفن فيه، ولما مات إبراهيمُ بنُ النبيِّ ﷺ ، قال ﷺ : "اْلَحِقْ سلفنا الصالحَ عثمانَ بَن مظعون" (٣)، وروي أنه قال ذلك حين توفيت زينبُ ابنتهُ ﷺ (٤). وكان ﷺ يزوره، وكان قد أعلم قبره بحجر لذلك، وكان ﵁ عابدًا مجتهدًا من فضلاء الصحابة، روى عنه ابنه السائب وغيره.

стр. 2769

وفي "البخاري ": أنّ أم العلاء الأنصارية قالت: رأيتُ في النوم لعثمان بن مظعون عينًا تجري، فقال لها رسول الله ﷺ : "ذاك علمه" (١) ﵁ (٢). قال سعد بن أبي وقاص ﵁: (ولو أذن)، أي: النبيُّ ﷺ (له)، أي: لعثمانَ بنِ مظعون ﵁ بالتبتل، (لاختصينا)؛ لأنه الذي طلبه عثمان -كما قدّمنا- في حديث الطبراني وغيره، أو المراد: لفعلنا فعلَ من يختصي، وهو الانقطاع عن النساء، قال الطبري: التبتل الذي أراده عثمان بن مظعون: تحريمُ النساءِ والطيبِ وكلِّ ما يلتذ به، فلهذا نزل في حقّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، وتقدم تَسمية من أراد ذلك مع عثمان بن مظعون. قال الطيبي: قوله: ولو أذن له، لاختصينا كان الظاهر أن يقول: ولو أذن له، لتبتلنا، لكنه عدل عن هذا الظاهر إلى قوله: لاختصينا، لإرادة المبالغة، أي: لبالغنا في التبتل حتى يفضي بنا الأمرُ إلى الاختصاء، ولم يرد به حقيقة الاختصاء؛ لأنه حرام، وقيل: بل هو على ظاهره، وكان ذلك

стр. 2770

قبل النهي عن الاختصاء، ويؤيده تواردُ استئذانِ جماعة من الصحابة النبي ﷺ في ذلك كأبي هريرة، وابن مسعود، وغيرهما، وإنما كان التعبير بالخصاء أبلغَ من التعبير بالتبتل؛ لأن وجود الآلة يقتضي استمرار وجود الشهوة ووجود الشهوة، ينافي المراد من التبتل، فيتعين الخصاء طريقًا إلى تحصيل المطلوب، وغايته أنّ فيه ألمًا عظيمًا في العاجل يغتفر في جنب ما يندفع به في الآجل، فهو كقطع الإصبع إذا وقعت في اليد آكلة، صيانةً لبقية اليد، وليس الهلاك بالخصاء محققًا، بل هو نادر، ويشهد له كثرة وجوده في البهائم مع بقائها، وعلى هذا فلعل الراوي عبّر بالخصاء عن الجب؛ لأنه هو الذي يحصل المقصود. والحكمة في منعهم من الاختصاء إرادة تكثير النسل، ليستمر جهاد الكفار، وغير ذلك، ولو أذن ﷺ في ذلك، لأوشك تواردهم عليه، فينقطع النسل، فيقل المسلمون بانقطاعه، ويكثر الكفار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمدية (١). قال: الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى ورضي عنه-: (التبتل) الذي ردّه ﷺ على عثمان بن مظعون، ولم يأذن له فيه، أي المراد به: (ترك النكاح) -كما قدّمناه-، (ومنه)، أي: من كون المراد بالتبتل: ترك النكاح، أي: من أجل ذلك (قيل لمريم) بنت عمران (﵍: البتول)، لانقطاعها عن التزويج، واسم أمها حنّة، وأخت حنّة أمُّ يحيى اسمها يساع، واسم أبيها فاقود، وعمران ابن ماثان، والله أعلم.

стр. 2771

الحديث الرابع عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بنْتِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! انْكِحْ أُخُتِي ابْنَةَ أَبي سُفْيَانَ، فَقَالَ: "أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحَلُّ لِي"، قَالَتْ: فَإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بنْتَ أَبي سَلَمَةَ، قَالَ: "بنْتَ أُمِّ سَلَمَة؟! "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "إِنَّهَا لَوْ لَمْ تكُنْ رَبِيبَتي في حَجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّها لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ". قَالَ عُروةُ: ثُوَيْبَةُ مولاةٌ لِأَبي لَهَبٍ، كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَها، فَأَرْضَعَت النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ، أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بشِرِّ حِيبَةٍ، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكمْ، غَيْرَ أَنِّي سقِيتُ فِي هَذِه بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ (١). الحِيْبَةُ: الحالةُ بكسرِ الحَاء.

стр. 2772

(عن) أم المؤمنين (أم حبيبة) رَمْلَةَ -بفتح الراء وسكون الميم-، وقيل: هند. قال ابن عبد البر: لا خلاف أنّ اسمها رملة إلا عند من شذَّ ممّن يُعد قوله خطأ، ومن قال ذلك زعم أن رملة أختها، ثمّ قال: وإنما دخلت الشبهةُ على من قال فيها هند باسم أم سلمة هند، وأمُّ حبيبة رملةُ أم المؤمنين ﵂ (بنت أبي سفيان)، واسمه صخرُ بنُ حربِ بْنِ أميّةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ القرشيُّ، والدُ معاويةَ بنِ أبي سفيان ﵁، ولد أبو سفيان قبل الفيل بعشر سنين، وكان من أشراف قريش في الجاهلية، أسلم يوم فتح مكة، وكان أحد شيوخ مكة، لقي النبيَّ ﷺ في طريقها عام الفتح، وأسلم قبل أن يدخلها النبيُّ ﷺ لفتحها، وكان من المؤلّفة قلوبُهم شهد حُنينًا، وأعطاه النبي ﷺ من مغانمها مئة بعير، وأربعين أوقية فيمن أعطاه من المؤلفة.

стр. 2773

قال النووي وغيره: وقد حسُن إسلامه، وفُقِئت عينُه يوم الطائف، فلم يزل أعورَ إلى يوم اليرموك، فأصاب عينَه الأخرى حجرٌ، فعمي. روى عنه ابنُ عباس وغيره، مات سنة أربع وثلاثين بالمدينة، ودُفن بالبقيع، فصلى عليه عثمان بن عفان، وقيل: ابنه معاوية، وكان سنّه يوم مات ثمانية وثمانين سنة. أخرج له البخاري ومسلم حديث هرقل عظيم الروم (١). وأما أم حبيبة ابنته، فهاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش للحبشة، فتنصّر زوجُها هناك، ومات نصرانيًا، وبقيت أم حبيبة مسلمة بأرض الحبشة، فخطبها رسولُ الله ﷺ إلى النجاشي، فزوّجه إياها وهي هناك، على الصحيح، وقيل: بعد رجوعها، وتزوجها سنة ست، وقيل: سبع، وكان بعث ﷺ في أمرها عمرو بن أميّة الضمري، فكتب معه ﵇ إلى النجاشي كتابين، أحدهما يدعوه فيه إلى الإسلام، والآخر إلى تزويجه بأم حبيبة ﵂، والقصة مشهورة في ذلك، وولي نكاحَها عثمانُ، وقيل: خالدُ بن سعيد بن العاص، وقيل: النجاشي، وأصدقَها عنه ﷺ النجاشيُّ أربع مئة دينار، وقيل: أربعة آلاف، وقيل غير ذلك.

стр. 2774

وما وقع في "مسلم": أنّ أبا سفيان هو الذي زوّجه إياها (١)، فإشكال معروف عند العلماء، وقد أطال المقالة على ذلك الإمام ابن القيّم في كتابه "جلاء الأفهام" (٢)، وغيره، فإنّ أم حبيبة تزوجها رسول الله ﷺ قبل إسلام أبي سفيان، كما بيّنا، زوجه إياها النجاشيُّ، ثم قدمت على رسول الله ﷺ قبل أن يسلم أبوها. وقد أجاب العلماء عن الحديث الذي ذكره مسلم، وهو ما رواه في "صحيحه" من حديث عكرمة بن عمّار، عن أبي زميل، عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يقاعدونه، فقال لنبيِّ الله ﷺ : يا نبيّ الله! ثلاث خلال أعطنيهن، قال: "نعم"، قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيان، أزوجكها؟ قال: "نعم"، قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: "نعم"، قال: وتأمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: "نعم"، قال: أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي ﷺ ، ما أعطاه ذلك؛ لأنه لم يكن يُسأل شيئًا إلا قال: نعم (٣)، بأجوبة، حتى قالت طائفة بأنه كذب لا أصل له. قال ابن حزم: كذّبه عكرمةُ بن عمار، وحمل عليه، واستعظم ذلك آخرون، وقالوا: أَنَّى يكون في "صحيح مسلم" حديث موضوع؟ وذكر جوابَ كلّ طائفة عن ذلك، وما فيه من قدح، ثم صوّب كون الحديث غيرَ

стр. 2775

محفوظ، بل وقع فيه تخليط (١)، والله أعلم. وروى عن أم حبيبة: أخوها معاوية، وعنبسة ابنا أبي سفيان، وغيرهما. روي لها عن رسول الله ﷺ خمسة وستون حديثًا، اتفقا على حديثين، ولمسلم مثلهما، روى لها الجماعة. توفيت سنة أربع وأربعين (٢)، وهي التي أكرمت فراشَ رسول الله ﷺ أن يجلس عليه أبوها لمَّا قدمَ من المدينة في تجديد عقد الهدنة، وقالت له: أنت مشرك، هذا فراش رسول الله ﷺ ، فقال لها: لقد أصابك بعدنا شيء (٣)! (أنها)؛ أي: أم حبيبة بنت أبي سفيان، (قالت: يا رسول الله! انكِحْ)، أي: تزوّج (أختي بنتَ أبي سفيان)، واسمها عزّة على الأرجح كما في "صحيح مسلم": انكح أختي عزّة بنتَ أبي سفيان، وكذا هو عند ابن ماجة، والنسائي (٤)، وعند الطبراني: أما حمنة (٥)، وقيل: اسمها درّة،

стр. 2776

وضعفها البرماوي، وجزم المنذري بأن اسمها حَمْنة كما في الطبراني. وقال: أبو موسى في "الذيل": الأشهر فيها عزّة كما في "الفتح" (١). قال: ابن دقيق العيد: عزّة -بفتح العين المهملة وتشديد الزاي- (٢)، (قال) ﷺ لأم حبيبة: (أَوَ تحبين ذلك؟) استفهام تعجب من كونها تطلب أن يتزوج غيرَها، مع ما طُبع عليه النساء من شدة الغيرة (٣)، قالت أم حبيبة: (فقلتُ: نعم)؛ أي: أحبُّ ذلك، (لستُ لَكَ بمُخْلِية) -بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام-: اسم فاعل من أخلى؛ أي: لستُ بمنفردة بك، ولا خالية من ضرّة، وقال بعضهم: هو بوزن فاعل. قال في "الفتح": الإخلاء متعديًا ولازمًا، من أخليت بمعنى: خلوت من الضرّة؛ أي: ليست بمتفرّغة، ولا خالية من ضرّة، وفي بعض الروايات -بفتح اللام- بلفظ المفعوله، حكاها الكرماني (٤). وقال عياض: مُخلية؛ أي: منفردة، يقال: أخل أمرك، وأخل به؛ أي: انفردْ به (٥). وقال صاحب "النهاية": معناه: لم أجدْكَ خاليًا من الزوجات، وليس هو من قولهم: امرأة [مخلية]: إذا خلت من الأزواج (٦) (وأَحَبُّ مَنْ شاركني) مرفوع بالابتداء؛ أي: إليَّ، وفي رواية: "من شركني" بغير ألف،

стр. 2777

وهي في "الصحيحين" -أيضًا- (١) (في خير) كذا، للاشتراك بالتنكير؛ أي: أيّ خير كان، وفي رواية في "الخير" (٢)، قيل: المراد به صحبة النبيِّ ﷺ المتضمنة لسعادة الدارين الساترة ما لعله يعرض من الغيرة التي جرت بها العادة بين الزوجات، لكن في بعض الروايات: وأحبُّ من شركني فيك (٣) (أختي)، فعرف أن المراد بالخير: ذاتُه ﷺ (قال النبي ﷺ : إنّ ذلك)، أي: الجمع بين الأختين حرام (لا يحلُّ لي)، وكأن أم حبيبة لم تطلع على تحريم ذلك، إمّا لأن ذلك كان قبل نزول آية التحريم، وإمّا بعد ذلك، وظنتْ أنه من خصائص النبي ﷺ ، كما قال الكرماني. قال الحافظ ابن حجر: والاحتمال الثاني -يعني: ظنها أنّه من خصائصه ﷺ - هو المعتمد، والأول يدفعه سياق الحديث (٤)، وكأن أم حبيبة استدلّت بقولها: (قالت: فإنّا) معشر نسائك (نُحَدَّث) -بضم النون وفتح الحاء المهملة، على البناء للمجهول-، وفي رواية: قلت: بلغني (٥)، وفي رواية عند أبي داود: فوالله! لقد أخبرتُ (٦) (أنك تريد أن تنكِحَ)، وفي رواية: بلغني أنّك تخطب (٧).

стр. 2778

قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على: اسم من حدَّثَ بذلك وأخبر به، ولعله كان من المنافقين، فإنه قد ظهر أن الخبر لا أصل له (١) (بنتَ أبي سَلَمة)، واسمها درّة -بضم المهملة وتشديد الراء- في روايةٍ حكاها عياض، وخَطَّأَها -بفتح المعجمة (٢) -، وعند أبي داود: دُرَّة أو ذرة -على الشك (٣) -، وأما ما وقع عند البيهقي: بلغني أنك تخطب زينبَ بنتَ أبي سلمة (٤)، فهو خطأ كما نبّه عليه أئمة الحفّاظ، وكذا ما وقع عند أبي موسى في "ذيل المعرفة": حَمْنة بنت أبي سَلَمة (٥)، (قال) النبيُّ ﷺ : (بنتَ أُمِّ سَلَمة؟) هو استفهام استثبات لرفع الإشكال، أو استفهام إنكار، والمعنى: أما إن كانت بنتَ أبي سَلَمَة بنتَ أم سَلَمة -واسمها هند كما تقدّم في ترجمتها في باب "الجنابة"-، فتحريمها من وجهين، وإن كان من غيرها، فمن وجه (٦) (قالت) أم حبيبة: (نعم) هي بنت أم سلَمَة، فاستدلّت أم حبيبة على جواز الجمع بين الأختين بجواز الجمع بين المرأة وابنتها بطريق الأولى؛ لأن الربيبة حُرّمت على التأبيد، والأخت إنّما حرّمت في صورة الجمع فقط، (قال) ﷺ مجيبًا لأم حبيبة بأن ذلك لا يحلّ، وأنّ الذي بلغها من ذلك ليس بحق، وبنت أم سَلَمَة تَحرم عليه من جهتين، وإذا كان الأمر كذلك (إنها)؛ أي: بنت أم سَلَمة (لو لم تكنْ ربيبتي في حجري، ما حَلَّت لي).

стр. 2779

قال القرطبي: فيه تعليل الحكم بعلّتين، فإنّه علل تحريمها بكونها ربيبة، وبكونها بنتَ أخ من الرضاعة (١). قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": الذي يظهر أنه نبّه على أما لو كانت بها مانع، لكفى في التحريم، فكيف وبها مانعان؟ فليس من التعليل بعلتين في شيء؛ لأنه كلّ وصفين يجوز أن يضاف الحكم إلى كلٍّ منهما لو انفرد، فإما أن يتعاقبا، فيضاف الحكم إلى الأول منهما، كما في السببين إذ اجتمعا، ومثاله: لو أحدث، ثم أحدث بغير تخلل طهارة، فالحدث الثاني لم يعمل شيئًا، أو يضاف الحكم إلى الثاني، كما في اجتماع السبب والمباشرة، وقد يضاف إلى أشبههما وأنسبهما، سواء كان الأول، أو الثاني، فعلى كل تقدير، لا يضاف إليهما جميعًا، وإن قدّر أن يوجد، فالإضافة إلى المجموع، ويكون كلّ منهما جزءَ علّة، لا علّة مستقلّة، فلا يجتمع علّتان على معلولٍ واحدٍ، هذا الذي استظهره في "الفتح"، قال: والمسألة مشهورة في الأصول، وفيها خلاف (٢). قال القرطبي: والصّحيح جوازه بهذا الحديث وغيره (٣)، انتهى. قلتُ: الذي اعتمده متأخرو علمائنا جوازُ تعليل حكم واحد بعلتين، وبعلل مستقلّة. قال في "شرح مختصر التحرير" (٤): يجوز تعليل صورة واحدة بعلّتين،

стр. 2780

وبعلل مستقلّة، على الصّحيح، كتعليل تحريم وطء هند -مثلًا- بحيضها، وإحرامها، وواجب صومها، وكتعليل نقض الطهارة بخروج شيء من فرج، وزوال عقل، ومسّ فرج، فإنّ كلّ واحد من المتعددين يثبت الحكم مستقلًا، وإنما كان كذلك؛ لأن العلّة الشرعية بمعنى المعرّف، ولا يمتنع تعدد المعرّف؛ لأن من شأن كلّ واحد أن يعرف الذي وجد به التعريف. قال بعض علمائنا: ويقتضيه قول الإمام أحمد بن حنبل في خنزير ميّت وغيره: هذا حرام من جهتين. وذكره ابن عقيل عن جمهور الفقهاء والأصوليين. والقول الثاني: أنه غير جائز. وعلى القول بجواز تعليل الحكم بعلّتين، فكلّ واحدة من العلل علّة كاملة، لا جزء علّة عند الأكثر، وعند ابن عقيل جزء علّة. وقيل: العلّة إحداهما لا بعينها، واستدل الأول بأنه ثبت استقلال كلٍّ منهما منفردة، وأيضًا لو لم يكن كلّ واحدة علّة، لامتنع اجتماع الأدلّة؛ لأن العلل أدلّة، انتهى ملخصًا. وفي "مفتاح السعادة" للإمام المحقق ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في حكم تعليل الحكم بعلّتين ما نصه: فصل الخطاب فيها: أنّ الحكم الواحد إن كان واحدًا بالنوع، كحل الدم، وثبوت الملك، ونقض الطهارة، جاز تعليله بالعلل المختلفة، وإن كان واحدًا بالعين، كحل الدم بالردّة، وثبوت الملك بالبيع والميراث، ونحو ذلك، لم يجز تعليله بعلّتين مختلفتين،

стр. 2781

قال: وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في هذه المسألة، انتهى (١). وفي الحديث إشارة إلى أنّ التحريم بالربيبة أشدُّ من التحريم بالرضاعة، وقوله ﷺ : "ربيبتي"؛ أي: بنت زوجتي، مشتقة من الرَّبّ، وهو الإصلاح؛ لأنه يقوم بأمرها، وقيل: من التربية، وهي غلط من جهة الاشتقاق؛ لأنّ شرطه الاتفاق في الحروف الأصلية والاشتراك، فإنّ آخر (رَبّ) باء موحدة، وآخر ربي ياء مثناة من تحت، قاله ابن دقيق العيد (٢). وفي "الفتح": قيل للربيبة ذلك؛ لأنها مربوبة، وغلط من قال: هي من التربية (٣). قال: الإمام ابن القيّم في كتابه "الهدي": وحرّم الربائب اللاتي في حجور الأزواج، وهنّ بنات نسائهم المدخول بهنّ، فيتناول ذلك بناتِهنّ، وبناتِ بناتهنّ، وبناتِ أبنائهنّ، فإنهنّ داخلاتٍ في اسم الربائب، وقيّد في الكتاب العزيز التحريم بقيدين: أحدهما: كونهنّ في حجور الأزواج. والثاني: الدخول بأمهاتهنّ، فإذا لم يوجد الدخول، لم يثبت التحريم، وسواء حصلت الفرقة بموتٍ أو طلاق، هذا مقتضى النصّ، وذهب زيد بن ثابت ومن وافقه، والإمام أحمد في رواية مرجوحة عنه: إلى أنّ موت الأم في تحريم الربيبة كالدخول بها؛ لأنه يكمل الصداق، ويوجب العدّة والتوارث، فصار كالدخوله، والجمهور أبوا ذلك، فقالوا: الميتة غير مدخول بها، فلا تحرم، انتهى (٤).

стр. 2782

وقد قيّد الله -تعالى- التحريم بالدخول، وصرّح بنفيه عند عدم الدخول. وأمّا قوله ﷺ : "في حجري"، وقول الله -تعالى-: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، الحَجْر -بفتح الحاء المهملة وإسكان الجيم-، ومعناه: الحضانة والتربية، وكون المحضون تحت نظر الحاضن يمنعه مما يجب المنع منه، ولو كان الغالب ذلك ذكره لا تقييد للتحريم به، بل هو بمنزلة قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، ولمّا كان من شأن بنت المرأة أن تكون عند أمها، فهي في حَجر الزوج وقوعًا وجوازًا، قيّده به، وكأنه قال: اللاتي من شأنهنّ أن يكنّ في حجوركم. قال: الإمام المحقق ابن القيّم في "الهدي": وفي ذكر هذا فائدة شريفة، وهي: جواز جعلها في حجره، وأنه لا يجب عليه إبعادُها عنه، وتجنبُ مؤاكلتها والسفرِ والخلوةِ بها، فأفاد هذا الوصف عدم الامتناع من ذلك، قال: ولمّا خفي هذا على بعض أهل الظاهر، شرط في تحريم الربيبة أن تكون في حجر الزوج، انتهى (١). وقال في "الفتح" في قول البخاري: وهل تسمى الربيبة وإن لم تكن في حجره؟ أشار بهذا إلى أن التقييد بقوله: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ هل هو للغالب، أو يعتبر فيه مفهوم المخالفة؟ قد ذهب الجمهور إلى الأول، وهو خلافٌ قديم أخرجه عبد الرزاق، وابن المنذر من طريق إبراهيم بن عبيد، عن مالك بن أوس، قال: كانت عندي امرأة قد ولدت لي، فماتت، فوَجدت

стр. 2783

عليها، فلقيت عليَّ بن أبي طالب ﵁، فقال لي: مالك؟ فأخبرته، فقال لي: ألها ابنة؟ يعني: من غيرك، قلتُ: نعم، قال: كانت في حجرك؟ قلتُ: لا، هي في الطائف، قال: فانكحها، قلت: فأين قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾؟ قال: إنها لم تكن في حجرك (١). قال: وقد رفع بعض المتأخرين هذا الأثر، وادّعى نفي ثبوته، بأنّ إبراهيم بن عُبيد لا يعرف، وهو عجيب، فإنّ الأثر المذكور عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" من طريق إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، وإبراهيمُ ثقة تابعي معروف، وأبوه وجدّه صحابيان، والأثر صحيح عن علي، وكذا صحّ عن عمر: أنه أفتى من سأله: إن تزوّج بنتَ رجل كانت تحته جدّتُها، ولم تكن أمُّ البنتِ في حجره. أخرجه أبو عبيد، وهذا وإن كان الجمهور على خلافه، فقد احتج أبو عبيد للجمهور بقوله ﷺ : "لا تعرضْنَ عليَّ بناتكنّ". قال: نعم، ولم يقيّد بالحجر، وفيه نظر لحمل المطلق على المقيّد. قال الحافظ ابن حجر: ولولا الإجماع الحادث في المسألة، وندرةُ المخالفة، لكان الأخذُ به أولى؛ لأن التحريم جاء مشروطًا بأمرين: أن تكون في الحجر، وأن يكون الذي يريد التزويج قد دخل بالأم، فلا تحرم إلا بوجود الشرطين، انتهى (٢). وفي روايةٍ: قال ﷺ : "واللهِ لو لم تكن ربيبتي، ما حَلَّت لي (٣)، (إنها)؛ أي: بنتَ أبي سَلَمَة (لابنةُ أخي من الرضاعة)، ثم بيّن ذلك

стр. 2784

بقوله ﷺ : (أرضعتني) أنا، (و) أرضعَتْ (أبا سَلَمَةَ) -بنصب (أبا) على أنه معطوفٌ على الياء في (أرضعتني) -وهو مفعول مقدم (ثويبةٌ) -بالرفع- فاعل. واسم أبي سَلَمَة عبدُ الله بنُ عبد الأسد بنِ هلالِ بنِ عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ مخزومٍ القرشيُّ المخزوميُّ، وأمه برّةُ بنتُ عبدِ المطلب عمّةُ النبيِّ ﷺ ، وكان هاجرَ بأم سَلَمَة إلى أرض الحبشة، وهو أولُ من هاجر لها، ثم شهد بدرًا بعد أن هاجر الهجرتين، وجُرح يومئذٍ جرحًا اندملَ، ثم انتقض، فمات منه لثلاث مضينَ من جمادى الآخرة سنة ثلاث من الهجرة، كذا قاله ابن عبد البر، ورجّح ابن الأثير: أنه مات سنة أربع، وكان أخا النبي ﷺ ، وأخا حمزةَ ﵁ من الرضاع، وله من الأولاد: سَلَمَة، وعمرو، وزينب، ودرّة (١). قال ابن إسحاق: أسلم أبو سَلَمَة بعد عشرة أنفس، واستخلفه رسول الله ﷺ حين خرج إلى غزوة العشيرة -بالشين المعجمة-، وكانت في الثانية. قال ابن إسحاق في "السيرة": هاجر أبو سَلَمة إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة، وحُبست عنه امرأته أم سَلَمة هند بنتُ أبي أميّة بمكّة نحو سنة، ثم أذن لها بنو المغيرة الذين حبسوها في اللحاق بزوجها، فانطلقت، وشيّعها عثمانُ بنُ طلحةَ، ولم يكن أسلم بعدُ، حتى إذا وافى على قرية بني

стр. 2785

عمرو بن عوف بقباء، قال لها: هذا زوجك في هذه القرية، ثم انصرف راجعًا إلى مكة، فكانت تُثني عليه ثناءً حسنًا. وإنما تقدّمت هجرة أبي سَلَمة إلى المدينة على غيره؛ لأنه لمّا قدم من الحبشة إلى مكّة، آذاه أهلها، فأراد الرجوع إلى الحبشة، فلمّا بلغه إسلام من أسلم من الأنصار؛ أي: الذين بايعوا النبي ﷺ البيعةَ الأولى، وكانوا اثني عشر، خرج إليهم وقدِم المدينة بكرة النهار، وقد قيل: إن أبا سَلَمة ﵁ أول من يأخذ كتابه بيمينه في الموقف (١). ثم قال النبي ﷺ لأم حبيبة ولغيرها: (فلا تَعْرِضْنَ) -بفتح أوله وسكون العين المهملة وكسر الراء بعدها ضاد معجمة ساكنة فنون- على صيغة الخطاب لجماعة النساء، أو -بكسر المعجمة وتشديد النون- خطاب أم حبيبة وحدها، والأول أوجه كما في "الفتح". وقال ابن التين: ضبط -بضم الضاد-، قال ابن حجر: ولا أعلم له وجهًا؛ لأنه إن كان الخطاب لجماعة النساء، وهو الأبين، فهو بسكون الضاد، ولأنه فعلٌ مستقل مبني على أصله، ولو أدخلتَ عليه التأكيد، فشدَّدتَ النون، لكان لتعرضنان عليَّ؛ لأنه يجتمع ثلاث نونات، فيفرق بينهن بألف، وإن كان لأم حبيبة، فعلى صيغة ما تقدم (٢). وقال القرطبي: جاء بلفظ الجمع، وإن كانت القصة لاثنتين، وهما أم حبيبة وأم سَلَمة، ردعًا وزجرًا أن تعود واحدة منهما أو من غيرهما إلى مثل ذلك (٣).

стр. 2786

(عليَّ) متعلّق فلا تعرضن (بناتكن). وكان لأم سَلَمة من البنات: زينب، ودرّة، ولأم حبيبة من البنات: حبيبة، وقد روت عنها الحديث، ولها صحبة. (ولا) تعرضن عليّ (أخواتكنّ). وكان لأم سَلَمة من الأخوات: قريبة زوج زمعة بن الأسود، وقريبة الصغرى زوج عمر، ثم معاوية، وعزّةُ بنتُ أبي أميّة زوج منبه بن الحجّاج، وكان لأم حبيبة من الأخوات: هند زوج الحارث بن نوفل، وجويرية زوج السائب بن أبي حبيش وأميمةُ زوج صفوانَ بن أميّة، وأمُّ الحكم زوجُ عبد الله بن عثمان، وصخرة زوج سعيد بن الأخنس، وميمونةُ زوجُ عروة بنِ مسعود، ولغيرهما من أمهات المؤمنين عدّة أخوات (١). وفي "البخاري" وحده دون مسلم (٢): (قال عروة) بن الزبير ﵄ وقد قدّمنا ترجمته في فسخ الحجِّ إلى العمرة (ثويبةُ) وموحدّة مصغر، قال البرماوي كغيره -بضم المثلثة وفتح الواو وسكون المثناة تحت وبعدها موحدّة- (مولاةٌ)؛ أي: معتقَةٌ (لأبي لهب) عمِّ النبي ﷺ ، اسمُه عبد العزى، وعداوته للنبي ﷺ مشهورة (كان أبو لهب أعتقها)؛ أي: ثويبة، قال: (فأرضعت النبيَّ ﷺ ). وقد ذكرها الإمام الحافظ ابن منده في "الصحابة"، وقال: اختلف في إسلامها. وقال الحافظ أبو نعيم: لا نعلم أحدًا ذكر إسلامها غيره، والذي في

стр. 2787

[السير] (١) أنّ النبي ﷺ كان يكرمها، وكانت تدخل عليه بعدما تزوّج خديجة، وكان يرسل إليها الصلة من المدينة إلى أن كان بعد فتح خيبر ماتت، ومات ابنها مسروح (٢). وذكر البرماوي: أنّ ابن سعد ذكر عن غير واحد من أهل العلم: أن خديجة طلبت أن تبتاعها من أبي لهب لتعتقها، فأبى أبو لهب، فلمّا هاجر رسول الله ﷺ ، أعتقها أبو لهب. وكذا قال الحاكم أبو أحمد: إنه أعتقها بعد هجرة النبي ﷺ . ولا يبعد على هذا القول أن يكون أعتقها لكونها مرضعة النبي ﷺ . وكان إرضاعُ ثويبة له ﷺ قبل إرضاع حليمة السعدية، وأرضعت قبله حمزةَ عمَّه، وبعده أبا سَلَمةَ المخزوميَّ، كذا صوّبه البرماوي. قلت: المشهور في السيرة: أن ثويبة أول من أرضعته ﷺ ، وأنه أعتقها حين بشرّته بولادته ﷺ ، فإنها قالت له: أشعرتَ أن آمنة ولدت غلامًا لأخيك عبد الله؟ فقال لها: أنتِ حرّة، فجوزيَ بتخفيف العذاب عنه يوم الاثنين كما يأتي (٣)، ومات أبو لهب في الثانية بعد غزوة بدر بسبعة أيام ميتة شنيعة بداءٍ يقال له: داء العدسة، خرج في مواضع من جسده من جنس الطاعون يقتل غالبًا، كانت العرب تتشاءم به، فلمّا مات، تباعد عنه بنوه، فبقي ثلاثًا لا يُقرب ولا يُدفن حتى حفروا له حفرة، فدفعوه فيها بعود، وحديث موته بذلك رواه النسائي من حديث أبي رافع (٤).

стр. 2788

فائدة: مَراضعُه ﷺ عشرة: أُمّه آمنة أرضعته قبل ثويبة سبعةَ أيام، وقيل: تسعة، وعليه فقولهم: أول من أرضعته ثويبة، يعني: من مراضعه سوى أمّه والثالثة والرابعة والخامسة من مراضعه ﷺ ثلاثُ نسوة أبكار من بني سليم، كلّ واحدة منهنّ تسمى عاتكة، أخرجنَ أثدِيتهنّ، فوضعنها في فمه فدرَّت، فرضع منهنّ، وهن اللاتي عناهن ﷺ بقوله: "أنا ابنُ العَواتِكِ من سليم" رواه سعيد بن منصور في "سننه"، والطبراني في "معجمه الكبير" عن سِيابه -بسين مهملة مكسورة فمثناة تحتية فموحدة فهاء- بنِ عاصم السلمي ﵁، ورجاله رجال الصحيح (١). السادسة: مولاته أم أيمن ﵂ كما في "الخصائص الصغرى" للسيوطي، مع أنه لا يُعرف لها ولد وقتئذٍ، فإن ثبت، فلعلها درّت عليه كالعواتك. السابعة: أم فروة. الثامنة: حليمة السعدية بنت أبي ذئب ظئره. التّاسعة: خَولةُ بنت المنذر، والصّحيح أنها مرضعة ابنه إبراهيم ﵇، إلا أن يقال: إنها غيرها، وإنها وافقتها في الاسم واسم الأب، وإنها هي التي أرضعته وأرضعت عمه حمزة، وهو عند بني سعد، وإنّ

стр. 2789

حمزة رضيع النبي ﷺ من لبن ثويبة، ومن لبن السعديّة، وهي مرضعة حمزة كما في "الهدي" (١). قال في "سيرة الشامي": لم أقف على اسمها. وجوّز الحلبي كونها خولةَ بنتَ المنذر من بني سعد (٢). وذكر الحافظ ابنُ سيد الناس: أن أبا إسحاق الأمين ذكر في استدراكه على أبي عمر خولةَ بنتَ المنذر بنِ زيد بن لبيد بنتَ خدّاش التي أرضعت النبي ﷺ (٣). العاشرة: زعم بعضهم أنّها أم أيمن عزيزة، وهو وهم، وإنما هي حاضنته، واسمها بركة، ولعلها كانت تسمى عزيزة، وقد ذكرناها، فتكون مراضعه على هذا تسعة. وفي "شرح سيرة الحافظ عبد الغني" المصنفِ -رحمه الله تعالى- للحافظ قطب الدين عبد الكريم الحلبي: وكانت ترضعه حبيبة، وأنيسة، وحُذافة -بضم الحاء المهملة-، وقيل: -بكسر المعجمة- بناتُ الحارث بن عبد العزى بنِ رفاعة، لكن في "تجريد الذهبي": حذافةُ بنتُ الحارث السعديّة التي يقال لها: الشيماء أُختُ رسول الله ﷺ من الرضاعة (٤)، كما في "شرح الزهر البسام". فائدة أخرى: ذكر الحافظ جلال الدين السيوطي: أنه ﷺ لم ترضعه مرضعة إلّا

стр. 2790

وأسلمت، انتهى (١). كذا قال، والله أعلم. (فلمّا مات أبو لهب) عبدُ العزى بن عبد المطلب في الثانية من الهجرة -كما تقدم- (أُريه) -بضم الهمزة وكسر الراء وفتح التحتانية- على البناء للمجهول (بعضُ أهله) نائب الفاعل، وقد ذكر غير واحد، منهم السهيلي: أن الرائي له العباس -رضوان الله عليه-، قال العباس: لما مات أبو لهب، رأيته في منامي بعد حولٍ في شَرّ، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلّا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين، قال: وذلك أنّ النبي ﷺ ولد يوم الإثنين، وكانت ثويبة بشّرت أبا لهب بمولده، فأعتقها، ذكره في "الروض الأنف" (٢) (بشرِّ حِيبة) -بكسر الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة- أي: سوء حال. وقال ابن فارس (٣): أصلها: الحوبة، وهي المسكنة والحاجة، فالياء في حيبة منقلبة عن واو، لانكسار ما قبلها. ووقع في "شرح السنّة" للبغوي: -بفتح الحاء (٤) -، وهي عند المستملي -بفتح الخاء المعجمة-؛ أي: حالة خائبة من كلّ خير. وقال الحافظ ابن الجوزي: هو تصحيف (٥). وقال القرطبي: يروى بالمعجمة، ووجدته في نسخة معتمدة بكسر المهملة وهو المعروف.

стр. 2791

وحكى في "المشارق" عن رواية المستملي: -بالجيم-، قال: ولا أظنه إلا تصحيفًا (١)، قال في "الفتح": هو تصحيف كما قال (٢). (فقال له)، أي: قال بعض أهل أبي لهب، وهو أخوه العباس ﵁ لأبي لهب، وقد رآه في النوم: (ماذا لقيتَ) بعد الموت؟ (قال له أبو لهب: لم ألق بعدَكم)؛ أي: من حين موتي، أيَّ خير، كذا في أكثر الأصول بحذف المفعول، وفي رواية الإسماعيلي: لم ألق بعدكم رخاء، وعند عبد الرزاق عن معمر، عن الزُّهريُّ: لم ألق بعدكم راحة (٣)، قال ابن بطال: سقط المفعول من رواية البخاري، ولا يستقيم الكلام إلّا به (٤) (غير أني سُقيت في هذه) كذا في الأصول بالحذف، ووقع في رواية عبد الرزاق: وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه، وفي رواية الإسماعيلي: وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي قبلها من الأصابع، وللبيهقي في "دلائل النبوّة" مثله بلفظ: يعني: النقرة إلخ (٥). وفي ذلك إشارة إلى حقارة ما سقي من الماء (بعَتاقتي) -بفتح العين المهملة- وفي رواية عبد الرزاق: بعتقي، وهو أوجه، والوجه أن يقول: بإعتاقي؛ لأن المراد التخلص من الرق (٦) (ثُويبةَ) المتقدمَ ذكرُها. قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- (الحِيبَة: الحالة -بكسر الحاء) المهملة وفتح موحدة- كما قدّمنا.

стр. 2792

وفي الحديث دلالة على أنّ الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرَة، لكنه مخالف لظاهر القرآن، قال الله -تعالى-: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وأجيب: أولًا: الخبر مرسل، أرسله عروة، ولم يذكر من حدّثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولًا، فالذي في الخبر رؤيا منام، فلا حجّة فيه، ولعلّ الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلمَ بعد، فلا يحتجّ به. وثانيًا: على تقدير القبول يحتمل أن يكون ما يتعلّق بالنبي ﷺ مخصوصًا من ذلك بدليل قصة أبي طالب، فإنّه خُفف عنه، فنُقل من الغمرات إلى ضَحْضاحٍ من نار (١). وقال: البيهقي: ما ورد من بطلان الخير للكفار، فمعناه: أنه لا يكون لهم التخلص من النار، ولا دخول الجنّة، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات. وأما عياض، فقد قال: انعقد الإجماع على أنّ الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم، ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشدّ عذابًا من بعض (٢). قال: الحافظ ابن حجر في "الفتح": وهذا -يعني: ما ذكره عياض- لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقي، فإن جميع ما ورد من ذاك فيما يتعلق

стр. 2793

بذنب الكفر، وأما ذنب غير الكفر، فما المانع من تخفيفه (١)؟ وقال القرطبي: هذا التخفيف خاص بهذا، وبمن ورد النص فيه (٢). وقال ابن المنير في "حاشية البخاري": هنا قضيتان: إحداهما: محال، وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره؛ لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وهذا مفقودٌ من الكافر. الثانية: إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضُّلًا من الله -تعالى- لا يحيله العقل، فإذا تقرر ذلك، لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربةً معتبرة، ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء كما تفضل على أبي طالب، والمتبع في ذلك التوقف نفيًّا وإثباتًا، والله الموفق (٣). تنبيهات: الأول: اشتمل هذا الحديث على ذكر تحريم الجمع بين الأختين، وهذا بالإجماع، وعلى تحريم الربيبة، وهو بالإجماع أيضًا، وعلى تحريم بنت الأخت من الرضاع، وهو بالإجماع. الثاني: الرضاعة تحرّم ما تحرّم الولادة، وقد ثبت ذلك في "الصحيحين" من حديث عائشة (٤)، وفي لفظٍ عنها عن النبي ﷺ : "يحرُم

стр. 2794

من الرضاعة ما يحرُم من النسب" رواه مسلم (١)، ورواه الشيخان -أيضًا- من قولها (٢)، ومن حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ (٣)، وخرجه الترمذي من حديث علي عن النبي ﷺ (٤). وقد أجمع العلماء -رضوان الله عليهم- على العمل بهذه الأحاديث في الجملة، وأنّ الرضاع يحرّم ما يحرّم النسب. الثالث: في ذكر قاعدة كلّية في ذكر المحرمات من النسب، ليعلم بها المحرّمات من الرضاعة، ولنذكر المحرمات من النسب كلهنّ. اعلم أنّ الولادة والنسب قد تؤثر التحريم في النكاح، وهذا التحريم على قسمين: أحدهما مؤبد على الانفراد، وهو نوعان: أحدهما: ما يحرّم بمجرد النسب، فيحرّم على الرجل أصوله وإن علون، وفروعه وإن سفلن، وفروع أصله الأدنى. وإن سفلن، وفروع أصوله البعيدة دون فروعهنّ، فدخل في أصوله أمهاته وإن علونَ من جهة

стр. 2795

أبيه وأمه، وفي فروعه بناته وبنات أولاده وإن سفلن، وفي فروع أصله الأدنى أخواتُهمن الأبوين أو من أحدهما، وبناتهنّ، وبنات الإخوة وأولادهم وإن سفلنَ، ودخل في فروِع أصوله البعيدة العمّاتُ والخالات، وعمّات الأبوين وخالاتهما وإن علون، فلم يبق من الأقارب حلالًا للرجل سوى فروع أصوله البعيدة، وهنّ بنات العم، وبنات العمات، وبنات الخال، وبنات الخالات. والنوع الثاني: ما يحرم بالنسب مع سببٍ آخر، وهو المصاهرة، فيحرم على الرجل حلائل آبائه، وحلائل أبنائه، وأمهات نسائه، وبنات نسائه المدخولِ بهنّ، فيحرم على الرجل أمُّ امرأته وأمهاتها من جهة الأم والأب وإن علونَ، ويحرم عليه بنات امرأته، وهنّ الربائب وبناتهنّ وإن سفلنَ، وكذا بنات بني زوجته، وهنّ بنات الربيب، نصّ عليه الإمام الشافعي، والإمام أحمد. قال الحافظ ابن رجب: ولا نعلم فيه خلافًا. ويحرم عليه أن يتزوج امرأة أبيه وإن علا، وامرأة ابنه وإن سفل، ودخول هؤلاء في التحريم بالنسب ظاهر؛ لأن تحريمهنّ من جهة نسب الرجل مع سبب المصاهرة، وأما أمهاتُ نسائه وبناتُهنّ، فتحريمهن مع المصاهرة بسبب نسب المرأة، فلم يخرج التحريم بذلك على أن يكون بالنسب (١).

стр. 2796

الحديث الخامس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا" (١).

стр. 2797

(عن أبي هريرة) عبدِ الرحمن بنِ صخر (﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يُجمع بين المرأة وعمتها)، في النكاح، وهو -بالرفع- خبرٌ بمعنى النّهي، وسواء جمعهما في عقدٍ واحدٍ، أو تزوّج واحدة بعد واحدة، لكن إذا كانا في عقدٍ واحد، فالعقد باطلٌ فيهما جميعًا، وإذا كان مرتبًا، فالباطل الثّاني فقط (١)، (ولا) يجمع (بين المرأة وخالتها) كذلك، وهو من التحريم المؤبَّد على الاجتماع دون الانفراد، وتحريمه يختصّ بالرجاله، لاستحالة إباحة جمع المرأة بين زوجين، فكلّ امرأتين بينهما رحمٌ محرم يحرم الجمع بينهما، بحيث لو كان أحدهما ذكرًا لم يجز له الزواج بالأخرى، فإنه يحرم الجمع بينهما بعقد النكاح (٢). قال: الشعبي: كان أصحاب محمد ﷺ يقولون: لا يجمع الرجل بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا لم يصلح له أن يتزوجها (٣)، وهذا إذا كان التحريم لأجل النسب، وبذلك فسّره سفيان الثوري وأكثر العلماء، فلو كان لغير، نسب مثل أن يجمع بين زوجة رجل وابنته من غيرها، فإنه يباح عند عامّة العلماء، وكرهه بعض السلف (٤)، وفي لفظٍ عن أبي هريرة عندهما: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تُنكح المرأة على بنت الأخ، ولا ابنة الأخت على خالة" (٥)، وفي لفظٍ آخر: "لا تُنكح المرأة على عمّتها، ولا على خالتها" أخرج البخاري هذا من حديث جابر (٦)، ومن

стр. 2798

حديث أبي هريرة (١) ﵄. وبه تعلم ما فيما نقله الإمام الحافظ البيهقي عن الإمام الشافعي: أن هذا الحديث لم يرو من وجه يثبته أهل الحديث إلّا عن أبي هريرة، وروي من وجوهٍ لا يثبتها أهل العلم بالحديث. وقال: البيهقي: هو كما قاله، قد جاء من حديث علي، وابن مسعود، وابن عمر، وعن ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس، وأبي سعيد، وعائشة، وليس فيها شيء على شرط الصّحيح، وإنما اتفقا على إثبات حديث أبي هريرة، وأخرج البخاري رواية عاصم عن الشعبي عن جابر، وبيّن الاختلاف على الشعبي فيه، قال: والحفّاظ يرون رواية عاصم خطأ والصواب رواية بن عون وداود عن أبي هريرة (٢)، انتهى. ولا يخفى عليك أنّ الاختلاف الذي أشار إليه غير ملتفَت إليه؛ لأن إمام الحفّاظ البخاري لم يره قادحًا، فإنّ الشعبي أشهرُ بجابر منه بأبي هريرة، وللحديث طريقٌ أخرى عن جابر بشرط الصحيح أخرجها النسائي من طريق ابن جريح، عن أبي الزبير، عن جابر، والحديث ثابت محفوظ من أَوجه عن أبي هريرة، وقد صحح حديثَ جابر الترمذيُّ (٣)، وابن حبان (٤)، وغيرهما، وكفى بتخريج البخاري له موصولًا قوّة. وقال: ابن عبد البر: الحديثان جميعًا صحيحان (٥).

стр. 2799

وزاد بعضهم على من قدمنا ذكرهم ممن روى الحديث من الصحابة ﵃ أجمعين- أبا موسى الأشعري، وأبا أمامة، وسمرة، وأبا الدرداء، وعتاب بن أسيد، وسعد بن أبي وقاص، وزينب امرأة ابن مسعود، فعدّةُ مَنْ رواه خمسةَ عشَر نفسًا، وأحاديثهم موجودة عند الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجة، وأبي يعلى، والبزار، والطبراني، وابن حبان، وغيرهم. قال الإمام الشافعي: تحريم الجمع بين من ذكر هو قول من لقيتُه من المفتين لا اختلاف بينهم في ذلك (١). وقال الترمذي بعد تخريجه: العمل على هذا عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافًا أنه لا يحلّ للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ولا أن تُنكح المرأةُ على عمتها أو خالتها (٢). وقال ابن المنذر: لستُ أعلم في منع ذلك اختلافًا اليوم، وإنما قال بالجواز فرقةٌ من الخوارج، وإذا ثبت الحكم بالسنّة، واتفق أهل العلم على القول به، لم يَضُره خلافُ من خالفه. وكذا نقل الإجماعَ: ابنُ عبد البرّ (٣)، وابنُ حزم (٤)، والقرطبي (٥)، والنووي (٦)، لكن استثنى ابنُ حزم عثمانَ البَسْتِيَّ، وهو أحد الفقهاء القدماء

стр. 2800

من أهل البصرة، وهو -بفتح الموحدة وتشديد المثناة-، واستثنى النووي طائفة من الخوارج والشيعة، واستثنى القرطبي الخوارج، ولفظه: اختار الخوارج الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يُعتد بخلافهم؛ لأنهم مرقوا من الدين (١)، انتهى. وفي نقله عن الخوارج الجمعَ بين الأختين غلط بيّن، فإن عمدتَهم التمسّكُ بأدلة القرآن، لا يخالفونه البتة، وإنما يردون الأحاديث، لاعتقادهم عدمَ الثقة بنَقَلَتها، وتحريمُ الجمع بين الأختين منصوص القرآن. ونقل ابن دقيق العيد تحريمَ الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها عن جمهور الأمّة (٢)، ولم يعين المخالف (٣). وقال ابن القيّم في "الهدي ": وقضى رسول الله ﷺ بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وهذا التحريم مأخوذ من تحريم الجمع بين الأختين، لكن بطريقٍ خفي، وما حرّمه رسول الله ﷺ مثلُ ما حرّمه الله، ولكن هو مستنبط من دلالة الكتاب. قال: فاستفيد من تحريمه الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها: أنّ كلّ امرأتين بينهما قرابة لو كان إحداهما ذكرًا، حُرِّمَ على الآخر، فإنه يحرم الجمع بينهما. قال: ولا يستثنى من هذا صورة واحدة، فإن لم يكن بينهما قرابة، لم

стр. 2801

يحرم الجمع بينهما، وهل يكره؟ على قولين: فذكر صورة جمعة بين زوجة رجل وابنته من غيرها (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض تعاليقه: نكاح العمّة والخالة أفحشُ وأقبحُ من نكاح الأخت، وكذلك الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، فإنه أشدّ قطيعة للرحم من الجمع بين الأختين، فإنّ الأختين يتماثلان، وقد تختار الأخت لأختها أن تكون مثلها كما قالت أم حبيبة ﵂: لستُ لك بمُخْلِية، وأحقُّ من يشركني في الخير أختي (٢)، فجعلت أختَها أحقَّ بمشاركتها في الزوج من العمّة والخالة، وأما العمّة والخالة إذا زاحمتهما بنتُ الأخ والأخت، فهذا يعظُم عليها، ويفضي إلى القطيعة أكثر، فإنها تقول: ليست مثلي، أنا مثلُ أمها، فكيف تزاحمني؟ وكذلك الكبرى إذا نُكحت على الصغرى تقول: أنا مثلُ ابنتها، فكيف تزاحمني؟ فهذا بالجمع بين الأم وربيبتها أشبهُ، وذلك أفحش أنواع الجمع، ولهذا حرّمت البنت بالدخول بالأم، وحرّمت الأم بالعقد على البنت تحريمًا مؤبدًا، فالجمع بين المرأة وعمتها وخالتها إلى الجمع بين الأم وابنتها أقرب من الجمع بين الأختين، وأطال في ذلك (٣)، والله أعلم.

стр. 2802

الحديث السادس عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَقَّ الشُرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ: مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ" (١). * * * (عن) أبي حمّادٍ (عقبةَ بنِ عامر) بنِ عبس -بفتح العين المهملة وسكون

стр. 2803

الموحدة فسين مهملة -الجهنيِّ (﵁) من بني قيس بن جهينة الجهنيِّ. قال ابن الأثير في "جامع الأصول": وقد اختلف في نسبه، وكان واليًا على مصر لمعاوية، وابتنى بها دارًا، وذلك بعد أخي معاوية عتبةَ بنِ أبي سفيان، ثمّ عزله، ومات بها سنة ثمان وخمسين، ودفن بالمعظم من مصر. وقال خليفة ابن خياط: إنه قتل يوم النهروان شهيدًا سنة ثمان وثلاثين، وغلّطه ابن عبد البر وغيره. وكان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وكان هو البريد إلى عمر بن الخطاب ﵁ بفتح دمشق، ووصل في ستة أيام، ثمّ دعا عند قبر النبي ﷺ ، وتشفَّع عنده في تقريب طريقه، فرجع في يومين ببركة دعائه، كذا في "شرح الزهر البسام" للبرماوي. روي له خمسة وخمسون حديثًا، اتفقا على تسعة، وللبخاري حديث، ولمسلم تسعة. روى عنه: جابر، وابن عباس، وأبو أمامة ﵃، ومن التابعين خلقٌ كثير (١).

стр. 2804

(قال) عقبة ﵁: (قال رسول الله ﷺ إِنَّ أحقَّ الشروط) وفي لفظ: الشرط (١)، وفي آخر: "أحقُّ ما أَوفيتم من الشروط" (٢) (أن توفوا به)، وفي لفظٍ آخر: "إِنّ أحقّ الشروط أن يوفى به (٣) (ما استحللتم به الفروج)؛ أي: أحقّ الشروط بالوفاء شروط النكاح؛ لأن أمره أَحوط، وبابه أضيق. وقال الخطابي: الشروط في النكاح مختلفة، فمنها ما يجب الوفاء به اتفاقًا، وهو ما أمر الله به من إمساكٍ بمعروف، أو تسريحٍ بإحسان، وعليه حمل بعضهم هذا الحديث، ومنها ما لا يوفى به اتفاقًا، كسؤال طلاق ضرّتها، ومنها ما هو مختلف فيه، كاشتراط أَلَّا يتزوج عليها، أو لا يتسرّى، أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله (٤). قلت: الشروط عندنا في النكاح قسمان: أحدهما: صحيحٌ لازم للزوج، فليس له فكُّه بدون إبانتها، ويُشرع وفاؤه به، كزيادة مهر، أو نقد معين، أو لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج أو لا يتسرّى عليها، أو لا يفرق بينها وبين أبويها أو أولادها، أو أن ترضع ولدها الصغير، أو ينفق عليه مدّةً معلومةً، ويرجع لعرفٍ، أو يطلّق ضرتها، أو يبيع أمَتَه ممّا لها به غرض صحيح، فإن لم يف، فلها

стр. 2805

الفسخ على التراخي، ولا يسقط إلّا بما يدلّ على الرضا من قول أو تمكين مع العلم بعدم وفائه بما شرط، فإن شرط أَلاَّ يخرجها من منزل أبويها، فمات أحدهما، بطل الشرط. ثانيهما: فاسد، وهو نوعان: نوعٌ يبطل النكاح من أصله، وهو أربعة أشياء: نكاح الشغار، ونكاح المحلل، ونكاح المتعة، والنكاح المعلّق، ويأتي الكلام على الثلاثة، وأما النكاح المعلّق، فهو قوله: زوّجتك إذا جاء رأس الشهر، أو إن رضيت هي أو أمها، أو إن وضعت زوجتي بنتًا، فقد زوّجتكها، فهذا غير صحيح. النوع الثاني: فاسد غير مفسد لعقد النكاح، مثل أن يشترط أنّ لا مهر، أو لا نفقة، أو يقسم لها أكثر من ضرّتها، أو أقل، أو يشترط أحدهما عدم وطء أو دواعيه، أو تعطيه شيئًا، أو تنفق عليه، ومتى فارق، رجع بما اتفق، أو تستدعيه لوطء عند إرادتها، وأشبه ذلك، فهذا يصحّ معه العقد دون الشرط (١). وفي "الفتح" للحافظ ابن حجر: وعند الشافعية الشروط قسمان: منها ما يرجع إلى الصداق، فيجب الوفاء به، وما يكون خارجًا عنه، فيختلف الحكم فيه، وذكر من ذلك ما يشترطه العاقد لنفسه خارجًا عن الصداق، وبعضهم يسميه الحلوان، فقيل: هو للمرأة مطلقًا، وهو قول عطاء وجماعة من التابعين، وبه قال الثوري، وأبو عبيد، وقيل: هو لمن شرطه، قاله مسروق، وعلي بن الحسين، وقيل: يختص ذلك بالأب دون
следующие страницы →