← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

يحرم الجمع بينهما، وهل يكره؟ على قولين: فذكر صورة جمعة بين زوجة رجل وابنته من غيرها (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض تعاليقه: نكاح العمّة والخالة أفحشُ وأقبحُ من نكاح الأخت، وكذلك الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، فإنه أشدّ قطيعة للرحم من الجمع بين الأختين، فإنّ الأختين يتماثلان، وقد تختار الأخت لأختها أن تكون مثلها كما قالت أم حبيبة ﵂: لستُ لك بمُخْلِية، وأحقُّ من يشركني في الخير أختي (٢)، فجعلت أختَها أحقَّ بمشاركتها في الزوج من العمّة والخالة، وأما العمّة والخالة إذا زاحمتهما بنتُ الأخ والأخت، فهذا يعظُم عليها، ويفضي إلى القطيعة أكثر، فإنها تقول: ليست مثلي، أنا مثلُ أمها، فكيف تزاحمني؟ وكذلك الكبرى إذا نُكحت على الصغرى تقول: أنا مثلُ ابنتها، فكيف تزاحمني؟ فهذا بالجمع بين الأم وربيبتها أشبهُ، وذلك أفحش أنواع الجمع، ولهذا حرّمت البنت بالدخول بالأم، وحرّمت الأم بالعقد على البنت تحريمًا مؤبدًا، فالجمع بين المرأة وعمتها وخالتها إلى الجمع بين الأم وابنتها أقرب من الجمع بين الأختين، وأطال في ذلك (٣)، والله أعلم.

стр. 2802

الحديث السادس عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَقَّ الشُرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ: مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ" (١). * * * (عن) أبي حمّادٍ (عقبةَ بنِ عامر) بنِ عبس -بفتح العين المهملة وسكون

стр. 2803

الموحدة فسين مهملة -الجهنيِّ (﵁) من بني قيس بن جهينة الجهنيِّ. قال ابن الأثير في "جامع الأصول": وقد اختلف في نسبه، وكان واليًا على مصر لمعاوية، وابتنى بها دارًا، وذلك بعد أخي معاوية عتبةَ بنِ أبي سفيان، ثمّ عزله، ومات بها سنة ثمان وخمسين، ودفن بالمعظم من مصر. وقال خليفة ابن خياط: إنه قتل يوم النهروان شهيدًا سنة ثمان وثلاثين، وغلّطه ابن عبد البر وغيره. وكان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وكان هو البريد إلى عمر بن الخطاب ﵁ بفتح دمشق، ووصل في ستة أيام، ثمّ دعا عند قبر النبي ﷺ ، وتشفَّع عنده في تقريب طريقه، فرجع في يومين ببركة دعائه، كذا في "شرح الزهر البسام" للبرماوي. روي له خمسة وخمسون حديثًا، اتفقا على تسعة، وللبخاري حديث، ولمسلم تسعة. روى عنه: جابر، وابن عباس، وأبو أمامة ﵃، ومن التابعين خلقٌ كثير (١).

стр. 2804

(قال) عقبة ﵁: (قال رسول الله ﷺ إِنَّ أحقَّ الشروط) وفي لفظ: الشرط (١)، وفي آخر: "أحقُّ ما أَوفيتم من الشروط" (٢) (أن توفوا به)، وفي لفظٍ آخر: "إِنّ أحقّ الشروط أن يوفى به (٣) (ما استحللتم به الفروج)؛ أي: أحقّ الشروط بالوفاء شروط النكاح؛ لأن أمره أَحوط، وبابه أضيق. وقال الخطابي: الشروط في النكاح مختلفة، فمنها ما يجب الوفاء به اتفاقًا، وهو ما أمر الله به من إمساكٍ بمعروف، أو تسريحٍ بإحسان، وعليه حمل بعضهم هذا الحديث، ومنها ما لا يوفى به اتفاقًا، كسؤال طلاق ضرّتها، ومنها ما هو مختلف فيه، كاشتراط أَلَّا يتزوج عليها، أو لا يتسرّى، أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله (٤). قلت: الشروط عندنا في النكاح قسمان: أحدهما: صحيحٌ لازم للزوج، فليس له فكُّه بدون إبانتها، ويُشرع وفاؤه به، كزيادة مهر، أو نقد معين، أو لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج أو لا يتسرّى عليها، أو لا يفرق بينها وبين أبويها أو أولادها، أو أن ترضع ولدها الصغير، أو ينفق عليه مدّةً معلومةً، ويرجع لعرفٍ، أو يطلّق ضرتها، أو يبيع أمَتَه ممّا لها به غرض صحيح، فإن لم يف، فلها

стр. 2805

الفسخ على التراخي، ولا يسقط إلّا بما يدلّ على الرضا من قول أو تمكين مع العلم بعدم وفائه بما شرط، فإن شرط أَلاَّ يخرجها من منزل أبويها، فمات أحدهما، بطل الشرط. ثانيهما: فاسد، وهو نوعان: نوعٌ يبطل النكاح من أصله، وهو أربعة أشياء: نكاح الشغار، ونكاح المحلل، ونكاح المتعة، والنكاح المعلّق، ويأتي الكلام على الثلاثة، وأما النكاح المعلّق، فهو قوله: زوّجتك إذا جاء رأس الشهر، أو إن رضيت هي أو أمها، أو إن وضعت زوجتي بنتًا، فقد زوّجتكها، فهذا غير صحيح. النوع الثاني: فاسد غير مفسد لعقد النكاح، مثل أن يشترط أنّ لا مهر، أو لا نفقة، أو يقسم لها أكثر من ضرّتها، أو أقل، أو يشترط أحدهما عدم وطء أو دواعيه، أو تعطيه شيئًا، أو تنفق عليه، ومتى فارق، رجع بما اتفق، أو تستدعيه لوطء عند إرادتها، وأشبه ذلك، فهذا يصحّ معه العقد دون الشرط (١). وفي "الفتح" للحافظ ابن حجر: وعند الشافعية الشروط قسمان: منها ما يرجع إلى الصداق، فيجب الوفاء به، وما يكون خارجًا عنه، فيختلف الحكم فيه، وذكر من ذلك ما يشترطه العاقد لنفسه خارجًا عن الصداق، وبعضهم يسميه الحلوان، فقيل: هو للمرأة مطلقًا، وهو قول عطاء وجماعة من التابعين، وبه قال الثوري، وأبو عبيد، وقيل: هو لمن شرطه، قاله مسروق، وعلي بن الحسين، وقيل: يختص ذلك بالأب دون

стр. 2806

غيره من الأولياء، ويأتي تحرير ذلك في الصداق -إن شاء الله تعالى-، وذكر: إذا تزوّج الرجل المرأة، وشرط أَلَّا يُخرجها، لزم. كما قاله الترمذي، قال: وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق (١). وتعقبه الحافظ بأن النقل في هذا عن الشافعي غريب، وحملوا الحديث على الشروط التي لاتنافي مقتضى النكاح، بل تكون من مقتضياته ومقاصده، كاشتراط العشرة بالمعروف، والإنفاق، والكسوة، والسكن، وأَلَّا يقصّر في شيء من حقّها من قسم، ونحوها، وكشرطه عليها أَلَّا تخرج إلّا بإذنه، ولا تمنعه نفسها، ولا تتصرف في متاعه إلّا برضاه، ونحو ذلك، وأما إذا اشترطت عليه أَلَّا يتزوّج أو يتسرّى عليها، فلا يجب عندهم الوفاءُ به، وإن وقع في صلب، العقد لغا، وصحّ النكاح بمهر المثل، وفي وجه: يجب المسمى، ولا أثر للشرط (٢). وقد استشكل ابن دقيق العيد حمل الحديث على الشروط التي هي من مقتضيات النكاح، وقال: تلك الأمور لا تؤثر الشروط في إيجابها، فلا تشتد الحاجة إلى تعليق الحكم باشتراطها، وسياق الحديث يقتضي خلاف ذلك؛ لأن لفظ: "أَحقّ الشروط" يقتضي أن يكون بعضُ الشروط يقتضي الوفاء به، وبعضها أشدّ اقتضاء، والشروط التي من مقتضى العقد مستوية في وجوب الوفاء بها (٣). قال الترمذي: وقال علي: سبق شرطُ الله شرطَها، قال: وهو قول

стр. 2807

الثوري وبعضِ أهل الكوفة (١)، والمراد في الحديث: الشروط الجائزة، لا المنهيُّ عنها (٢)، انتهى. تنبيه: اختلف الأئمة فيمن تزوّج امرأة، وشرطَ لها أَلَّا يتسرّى عليها، ولا ينقلها من بلدها. فقال الإمام أحمد، والإمام مالك في رواية عنه: هو لازم، ومتى خالف شيئًا منه، فلها الخيار في الفسخ. وقال الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك في رواية أخرى عنه: لا يلزم هذا الشرط. وقال الإمام الشافعي: لا يلزم هذا الشرط، إلا أنه عنده أفسد المهر، ويلزمه مهر المثل، ولا يلزمه أن يفي بما شرط. وقال أبو حنيفة: إن وَفَى الشرط، فلا شيء عليه، وإن خالف، لزمه الأكثرُ من مهرِ المثل، أو المسمى (٣)، والله أعلم.

стр. 2808

الحديث السابع عَنْ ابن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ نِكَاحِ الشِّغَار. والشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، ولَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ (١).

стр. 2809

(عن) أبي عبدِ الرحمن عبدِ الله (بنِ عمرَ) الفاروقِ (﵄: أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى) نهي منعٍ وتحريم (عن نكاح الشغار، والشغارُ) -بكسر الشين وفتح الغين المعجمتين فألف فراء- (أن يزوج الرَّجل ابنته، على أن يزوجه) الآخر (ابنته، وليس) الواو للحال (بينهما صَداقٌ)، أي: مهر. قال ابن عبد البر: ذكر تفسيرَ الشغار جميعُ رواة مالك عنه (١). قال في "الفتح": واختلف الرواة عن مالك فيمن ينسب إليه تفسيرُ الشغار، فالأكثر [لم] (٢) ينسبوه لأحد، وبهذا قال الشافعي فيما حكاه البيهقي في "المعرفة": لا أدري التفسير عن النبي ﷺ ، أو عن ابن عمر، أو عن نافع، أو عن مالك، ونسبه محرز بن عون وغيره لمالك (٣). قال الخطيب: تفسير الشغار ليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو من قول مالك، وقيل: من قول نافع (٤)، يدل له ما في "الجمع بين الصحيحين" للحافظ عبد الحق: التفسير لنافع مولى ابن عمر. وفي كتاب الحيل من "البخاري": قال عبيد الله: قلت لنافع: ما الشغار، فذكره (٥)، فهذا صريح بأنه ممن تقدم مالكًا ﵁ وفي مسلم عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "لا شغار في الإسلام" (٦).

стр. 2810

وفيه من حديث أبي هريرة ﵁: نهى رسول الله ﷺ عن الشغار، زاد ابن نمير في طريق أخرى: والشغار: أن يقول الرجل: زوّجني ابنتك، وأُزوّجك ابنتي، وزوجني أختك، وأزوّجك أختي (١). وفيه عن جابر بن عبد الله ﵄: نَهَى رسول الله ﷺ عن الشغار (٢). وعن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج: أنّ العباس بن عبد الله بن العباس أنكحَ عبدَ الرحمن بنَ الحكم ابنتَه، وأنكحه عبدُ الرحمن ابنته، وقد كانا جعلا صداقًا، فكتب معاويةُ بن أبي سفيان إلى مروانَ بنِ الحكم يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نَهَى عنه رسول الله ﷺ ، رواه الإمام أحمد، وأبو داود (٣). وعن عمران بن حصين ﵁: أنّ النبي ﷺ قال: "لا جَنَبَ ولا جَلَبَ، ولا شِغارَ في الإسلام، ومن انتهبَ، فليس منّا" رواه الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي، وصححه (٤). قال في "المطلع": سمى هذا النكاح شغارًا، لارتفاع المهر من بينهما، من شغر الكلبُ: إذا رفع رِجْلَه ليبول، ويجوز أن يكون من شغرَ البلدُ: إذا خلا، لخلو العقد عن الصداق (٥).

стр. 2811

قال علماؤنا: نكاح الشغار: هو أن يزوّجه وليته على أن يزوّجه الآخر وليّته، ولا مهر بينهما، كما في الحديث، أو يجعل بضع كل واحدة مع دراهم معلومة مهر الأخرى (١)، على حديث جابر الّذي رواه البيهقي من طريق نافع بن يزيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا: نهى عن الشغار، والشغار: أن ينكح هذه بهذه بغير صداق، بُضْعُ هذه صداقُ هذه، [وبُضْعُ هذه صداق] (٢) هذه (٣) وقد اختلف الفقهاء هل يعتبر من الشغار الممنوع ما في ظاهر هذه الأحاديث في تفسيره، فإنّ فيه وصفين: أحدهما: تزويج كلٍّ من الوليين وَلِيَّتَهُ للَاخر بشرط أن يزوّجه وليته. والثاني: خلوّ بُصح كلّ منهما من الصداق، فمنهم من اعتبرها حتى لا يمنع مثلًا إذا زوّج كلٌّ منهما الآخر بغير شرط، وإن لم يذكر الصداق، أو زوّج كلّ واحد منهما بالشرط، وذكر الصداق. وذهب بعض الشافعية إلى أنّ علّة النّهي الاشتراكُ في البضع؛ لأن بُضع كلٍّ منهما يصير مورد العقد، وجعلُ البضع صداقًا مخالف لإيراد عقد النكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصداق، لصحة النكاح بدون تسمية صداق، والأصحّ عندهما صحة العقد إذا لم يصرّحا بذكر البضع، لكن وجد نصُّ الشافعي على خلافه كما في "الفتح" (٤). ولفظ نص الشافعي: زوّج الرجل ابنته أو المرأة يلي أمرها -من كانت- لآخرَ على أنّ صداقَ كلِّ واحدة بضعُ الأخرى، أو على أن يُنحكه الأخرى،

стр. 2812

ولم يسم أحد منهما لواحدة منهما صداقًا، فهذا الشغار الذي نَهَى عنه رسول الله ﷺ ، وهو منسوخ. هكذا ساقه البيهقي بإسناده الصحيح عن الشافعي، قال: وهو الموافق لتفسير المنقول في الحديث (١)، واختلف نصّ الشافعي فيما إذا سمَّى مع ذلك مهرًا، فنص في "الإملاء" على البطلان، وظاهر نصه في "المختصر": الصحة، وعلى ذلك اقتصر في النقل عن الشافعي من ينقل الخلافَ من أهل المذاهب. وقال القفّال: العلّة في البطلان: التعليق والتوقيف، فكأنه يقول: لا ينعقد لك نكاح ابنتي حتى ينعقد لي نكاح ابنتك (٢). وقال الغزالي في "الوسيط": وصورته الكاملة: أن يقول: زوّجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، على أن يكون بضعُ كلّ واحدة منهما صداقًا للأخرى، ومهما انعقد نكاح ابنتي، انعقد نكاحُ ابنتك (٣). وقال العراقي في "شرح الترمذي": ينبغي أن يُزاد: ولا يكون مع البضع شيء آخر (٤)، ليكون متفقًا على تحريمه في المذهب (٥). وقال الخرقي من علمائنا: إنّ الإمام أحمد نصّ على أن علّة البطلان تركُ ذكر المهر (٦).

стр. 2813

ورجح الإمام المجدُ ابن تيميةَ في "المحرر" أنّ العلّةَ التشريكُ في البضع (١). وقال ابن دقيق العيد: ما نصّ عليه الإمام أحمد هو ظاهر التفسير المذكور في الحديث، لقوله فيه: ولا صداق بينهما، فإنّه يشعر بأن جهة الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذكر لملازمته لجهة الفساد (٢). وقال الإمام المحقق ابن القيّم في "الهدي": اختلف في علّة النهي، فقيل: هي جعل كل من العقدين شرطًا في الآخر، وقيل: العلّةُ التشريكُ في البضع، وجعلُ بضع كل واحدة مهرًا للأخرى، وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهرُ، بل عاد المهر إلى الولي، وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليته، وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين، وإخلاءُ نكاحها عن مهر تنتفع به. قال: وهذا هو الموافق للغة العرب، فإنهم يقولون: بلد شاغر عن أمير، ودارٌ شاغرة من أهلها: إذا خلت، وشغرَ الكلبُ: إذا رفع رجله، وأخى مكانها. قال: فإذا سمّوا مهرًا مع ذلك، زال المحذور، ولم يبق إلّا اشتراط كلّ واحدٍ على الآخر شرطًا لا يؤثر في فساد العقد. قال: فهذا منصوص الإمام أحمد. والذي يجيء على أصله: أنهم متى عقدوا على ذلك، وإن لم يقولوه بألسنتهم: أنه لا يصحّ؛ لأن القُصود في العقود معتبرة، والمشروطُ عرفًا

стр. 2814

كالمشروط لفظًا، فيبطل العقدُ بشرط ذلك، والتواطؤ عليه، ونيّته، وإن سمِّي لكلِّ واحدةٍ مهرُ مثلها، صحّ. قال: وبهذا تظهر حكمة النهي، واتفاق الأحاديث في هذا الباب (١). قلت: الذي استقر عليه المذهب: أنهم إن سمّوا مهرًا مستقلًا، ولو قلّ، خلافًا لِـ"المنتهى" (٢) بشرط كونه غير حيلة، صحّ العقد، وإن سميّ لإحداهما، صحّ نكاحها فقط، وأما إن كان المسمى كثيرًا، فالعقد صحيح، ولو كان ذلك حيلة (٣)، والله الموفق. تنبيه: قال: ابن عبد البر: أجمع العلماء على عدم جواز نكاح الشغار، ولكن اختلفوا في صحته، فالجمهور على البطلان، وفي روايةٍ عن الإمام مالك: يفسخ قبل الدخوله، لا بعده، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، وذهب الحنفية إلى صحته، ووجوبِ مهرِ المثل، وهو قول الزهري، ومكحوله، والثوري، والليث، ورواية عن الإمام أحمد، وإسحاق، وأبي ثور (٤). قاله (٥): وهو [قوله] (٦) على مذهب الشافعي، لاختلاف الجهة، لكن قال: الإمام الشافعي: إنّ النساء محرّمات إلّا ما أحلّ الله، أو ملك يمين،

стр. 2815

فإذا ورد النهي عن نكاحٍ، تأكد التحريم (١). قلت: وجزم في "الإفصاح" بأنّ مذهب مالك كمذهب أحمد في بطلان نكاح الشغار (٢)، وما ذكره ابن عبد البر أولى بمذهبه، والله الموفق.

стр. 2816

الحديث الثامن عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عِنْ نِكَاحِ المُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ (١).

стр. 2817

(عن) الإمامِ الضرغام سيدِنا أبي الحَسنين (عليِّ بنِ أبي طالب ﵁) قال: (أَنَّ النبيَّ ﷺ نهى) نهيَ منع وتحريم (عن نكاحِ المُتعة) هكذا في سائر ما وقفت عليه في "نسخ العمدة". والذي في "البخاري"، وفي "الجمع بين الصحيحين " للحافظ عبد الحق من حديث علي ﵁: أنّ رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء (١). وما ذكره الحافظ -رحمه الله تعالى- رواية لمسلم، وهو عند الإمام أحمد من طريق سفيان (٢). ونكاح المتعة: هو تزويج المرأة إلى أَجَلٍ، فإذا انقضى الأجل، وقعت الفرقة (٣). قال في "المطلع": التمتع بالشيء: الانتفاع به، ويقال: تمتّعت أتمتع تمتُّعًا، والاسم المُتْعَةُ، كأنه ينتفع بذلك النكاح إلى مدّة معلومة (٤). قال الزركشي من علمائنا في "شرح الخرقي ": وسواء وقع بلفظ النكاح، وبولي وشاهدين، أم لا (٥). وفي "الصحيحين": أنّ عليًّا ﵁ سمع ابن عباس ﵄ يلين في متعة النساء، فقال: مهلًا يا بن العباس، فإن رسول الله ﷺ نهى عنها (٦).

стр. 2818

وفي بعض طرق "البخاري": أنّ عليًّا ﵁ قيل له: إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسًا، الحديث (١). وفي رواية الثوري، ويحيى بن سعيد، كلاهما عن مالك عند الدارقطني: أنّ عليًّا سمع ابن عباس وهو يفتي في متعة النساء، فقال: أما علمتَ (٢)؟ وأخرجه سعيد بن منصور بلفظ: أنّ عليًّا مرّ بابن عباس وهو يفتي في متعة النساء أنه لا بأس بها (٣). وفي لفظٍ لمسلم عن مالك بسنده: أنه سمع عليًّ بن أبي طالب يقول لفلان: إنّك رجل تائه (٤). وفي رواية الدارقطني من طريق الثوري: تكلم علي وابن عباس في متعة النساء، فقال له علي: إنك امرؤٌ تائه (٥). (يوم)، وفي لفظ: زمن (خيبر) (٦)؛ أي: زمن فتحها، وكان في أول السابعة من الهجرة ونهى رسول الله ﷺ يوم خيبر (وعن) أكل (لحوم الحمر) جمع حمار (الأهلية)، وفي لفظ: الإنسية (٧)، احترز من لحوم الحمر الوحشية، فإنه مباح.

стр. 2819

قال: الإمام ابن القيّم: واختلف في المتعة، هل نهي عنها يوم خيبر؟ على قولين. قال: والصحيح أنّ النهي عنها إنما كان عام الفتح، وأنّ النهي يوم خيبر إنما كان عن الحمر الأهلية. قال: وإنما قال عليّ لابن عباس: إنّ رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن متعة النساء، ونهى عن الحمر الأهلية محتجًا عليه في المسألتين. قلت: لأن ابن عباس ﵄ كان يرخِّص في الأمرين معًا كما نصّ عليه الأئمة. قال: ابن القيّم: فظن بعض الرواة أنّ النهي يوم خيبر راجع إلى الفعلين، فرواه بالمعنى، ثم أفرد بعضهم أحد الفعلين، وقيّده بيوم خيبر. وفي "الصحيحين" عن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ حرّم متعة النساء، وهذا التحريم إنما كان بعد الإباحة، انتهى ملخصًا (١). قلت: حكى البيهقي عن الحميدي: أنّ سفيان بن عينية كان يقول: قوله: يوم خيبر يتعلق بالحمر الأهلية، لا بالمتعة. قال: البيهقي: وما قاله محتمل (٢). وذكر السهيلي أن ابن عينية رواه عن الزهري بلفظ: نهى عن أكل الحمر الأهلية عام خيبر، وعن المتعة بعد ذلك (٣). وذكر ابن عبد البر من طريق قاسم بن أصبغ: أن الحميدي ذكر عن ابن

стр. 2820

عينية: أن النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأما المتعة، فكان في غير يوم خيبر (١). قال البيهقي: يشبه أن يكون كما قال (٢)، لصحة الحديث في أنه ﷺ رخص فيها بعد ذلك، ثم نهى عنها، فلا يتم احتجاج علي إلّا إذا وقع النهي أخيرًا، لتقوم له الحجّة على ابن عباس. وقال أبو عوانة في "صحيحه": سمعت أهل العلم يقولون: معنى حديث علي: أنه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأما المتعة، فسكت عنها، وإنما نهى عنها يوم الفتح، انتهى (٣). وقال السهيلي: وقد اختلف في وقت تحريم نكاح المتعة، فأغربُ ما روي في ذلك روايةُ من قال: في غزوة تبوك، ثم رواية الحسن: أن ذلك كان في عمرة القضاء، والمشهور في تحريمها: أن ذلك كان في غزوة الفتح، كما أخرجه مسلم من حديث الربيع بن سبرة، عن أبيه (٤)، وفي رواية عن الربيع أخرجها أبو داود: أنه كان في حجّة الوداع (٥)، قال: ومن قال من الرواة: كان في غزوة أوطاس، فهو موافق لمن قال: عام الفتح، انتهى (٦). فتحصل بما أشار إليه ستة مواطن: أولها خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم

стр. 2821

الفتح، ثم أوطاس، ثم تبوك، ثم حجة الوداع. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": وبقي عليه حنين؛ لأنها وقعت في رواية، ولعله إنما تركها؛ لأنها هي وأوطاس وكذا الفتح في عام واحدٍ، وهو عام ثمان، وقد قال ﷺ في "صحيح مسلم" من حديث سبرة بن معبد الجهني ﵁: إن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: "يا أيها الناس! إني قد كنتُ أذنتُ لكم في الاستمتاع من النساء، وإنّ الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده شيء منهنّ، فليخْلِ سبيلَها، ولا تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئًا" (١). وفي "مسلم" -أيضًا- عن عروة بن الزبير: أن عبد الله بن الزُّبير ﵄ قام بمكة، فقال: إنّ ناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يُفتون بالمتعة -يعرِّض برجل-، فناداه فقال: إنك لجلفٌ جافٍ، فلعمري! لقد كانت المتعة في عهد إمام المتّقين -يريد به: رسول الله ﷺ -، فقال له ابن الزبير: فجرّب بنفسك، فوالله! لئن فعلتها، لأرجمنّك بأحجارك. قال ابن شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله: أنه بينما هو جالسٌ عند رجل جاء رجلٌ، فاستفتاه في المتعة، فأمره بها، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلًا، قال: ما هي؟ والله! لقد فُعلت في عهد إمام المتقين. قال ابن أبي عمرة: إنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها، كالميتة والدم ولحم الخنزير، ثم أحكم الله الدين، ونهى عنها.

стр. 2822

قال ابن شهاب: فأخبرني ربيع بن سبرة الجهني: أنّ أباه قال: كنتُ أستمتع في عهد النبي ﷺ امرأة من بني عامر ببردين أحمرين، ثم نهانا رسول الله ﷺ عن المتعة. قال ابن شهاب: وسمعتُ ربيعَ بنَ سَبرة يحدّث ذلك عمرَ بنَ عبد العزيز وأنا جالسٌ (١). والمراد بالرجل المبهم: ابن عباس ﵄، وقد صرّح به البيهقي (٢). وقد أخرج الفاكهي والخطابي من طريق سعيد بن جبير، قال: قلتُ لابن عباس ﵄: لقد سارت بفتياك الركبان، وقال فيها الشعراء -يعني: المتعة-، فقال: والله! ما بهذا أفتيت، وما هي إلّا كالميِّتة، لا تحلّ إلّا للمضطر (٣). وأخرجه البيهقي من وجهٍ آخر عن سعيد بن جبير، وزاد في آخره: ألا إنما هي كالميتة والدم ولحم الخنزير (٤). قلت: وهذا الذي أشار إليه في "الهدي" بقوله: وهل هو -يعني: نكاح المتعة- تحريم بتات، أو تحريمٌ مثلُ تحريم الدم والميتة، وتحريم نكاح الأمَة، فيباح عند الضرورة وخوف العنت؟ هذا هو الذي لحظه ابن عباس، وأفتى بحلّها للضرورة، فلمّا توسع الناس فيها، ولم يقتصروا على موضع الضرورة، أمسك عن فتياه، ورجع عنها (٥).

стр. 2823

تنبيه: قد ثبت وتقرر، وصحّ وتحرر فسخُ إباحة نكاح المتعة بالطلاق والميراث والعدّة. قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصةُ فيها، ولا أعلم اليوم أحدًا يُجيزها إلّا بعض الرافضة، قال: ولا معنى لقولٍ يخالف كتابَ الله وسنةَ رسوله ﷺ . وقال القاضي عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض، وأما ابن عباس، فروي عنه أنه أباحها، وروي عنه: أنه رجع عن ذلك (١). قال ابن بطال: روى أهل مكة واليمنِ عن ابن عباس إباحةَ المتعة، وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة، وإجازة المتعة عنه أصح، وهو مذهب الشيعة. قال: وأجمعوا على أنّ متى وقع الآن، أُبطل، سواء كان قبل الدخول، أم بعده، إلّا قول زفر: أنه جعلها كالشروط الفاسدة، ويرده قوله ﷺ : "فمن كان عنده منهنّ شيء، فَلْيُخَلِّ سبيلها"، وهو في حديث الربيع بن سبرة عند مسلم (٢) -كما تقدّم- قال الخطابي: تحريمُ المتعة كالإجماع، إلا عن الشيعة (٣). قال (٤): ولا يصح على قاعدتهم؛ لأن عندهم القاعدة في الرجوع في

стр. 2824

المختلفات إلى علي وآل بيته، فقد صحّ عن عليّ -رضوان الله عليه-: أنها نسخت، ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد: أنه سئل عن المتعة، فقال: هي الزنى بعينه (١). وقال الخطابي: ويحكى عن ابن جريج جوازها، انتهى. وقد نقل أبو عوانة في "صحيحه" عن ابن جريج: أنه رجع عنها بعد أن روى بالبصرة في إباحتها ثمانيةَ عشرَ حديثًا (٢). وقال ابن دقيق العيد: ما حكاه بعض الحنفية عن مالك من الجواز خطأ، فقد بالغ المالكيّة في منع النكاح المؤقت، حتى أبطلوا توقيت الحل بسببه. فقالوا: لو علق على وقت لابد من مجيئه، وقع الطلاق الآن؛ لأنه توقيت، فيكون في معنى نكاح المتعة (٣). وقال القرطبي: الروايات كلُّها متفقة على أنّ زمن إباحة المتعة لم يَطُل، وأنه حرّم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها، إلّا من لا يُلتفت إليه من الروافض (٤). وجزم جماعة من الأئمة بتفرد ابن عباس بإباحتها، فهي من المسألة المشهورة، يعني: ندرة المخالِف (٥).

стр. 2825

ولكن قال ابن عبد البر: أصحاب ابن عباس، من أهل مكة واليمن على إباحتها، ثم اتفق فقهاء الأمصار على تحريمها (١)، فإن عمر بن الخطاب ﵁ نهى عن المتعة، ونقل ذلك عن النبي ﷺ (٢)، فلم ينكر عليه ذلك منكر، وفي هذا دليلٌ على متابعتهم له فيما نهى عنه (٣). وفي "الإفصاح" لصدر الوزراء عون الدين بن هبيرة الحنبلي: وأجمعوا على أن نكاح المتعة باطل، لا خلاف بينهم في ذلك (٤)، انتهى. وذكر أبو إسحاق وابنُ بطةَ من أئمة مذهبنا: أنها كزِنًا. قال علماؤنا: نكاح المتعة هو أن يتزوجها إلى مدة، مثل أن يقول: زوجتك ابنتي شهرًا، أو سنة، أو إلى انقضاء الموسم، أو قدوم الحاج، وشبهِه، معلومة كانت المدة أو مجهولة، أو يقول هو: أمتعيني نفسك، فتقول: أمتعتك نفسي، لا بولي، ولا شاهدين، وإن نوى بقلبه، فكالشرط، نصًا، خلافًا للموفق. قال علماؤنا: ولا يتوارثان، ولا تسمى زوجة، ومن تعاطاه عالمًا، عُزِّر، ويلحق فيه النسب إذا وطىء يعتقده نكاحًا، ويرث ولده، ويرثه (٥)، والله -تعالى- الموفق.

стр. 2826

الحديث التاسع عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتأْذَنَ"، قَالُوا: يَا رسُولَ اللهِ! وَكيفَ إِذْنُها؟ قَالَ: "أَنْ تَسْكُتَ" (١).

стр. 2827

(عن أبي هريرة ﵁: أنّ النبيَّ ﷺ قال: لا تنكحُ) -بكسر الحاء المهملة- للنهي، وبرفعها للخبر، وهو أبلغ في المنع (١) (الأيم) وهي التي مات زوجها، أو بانت منه وانقضت عدّتها، وأكثر ما يطلق اسم الأيم على من مات زوجها. وقال ابن بطال: [العرب]: تطلق (٢) على كلّ امرأة لا زوجَ لها، وكلّ رجلٍ لا امرأةَ له أيمًا (٣). زاد في "المشارق": وإن كان بكرًا (٤). وفي "المطالع": الأيم: التي مات زوجها، أو طلّقها وقد أيمت تيم. قال الحربي: وبعضهم يقول: تيأم، ولم يعرفه أبو مروان بن سراج، وقال: الأشبه تآم، وقد يقال ذلك في الرجل -أيضًا-، وأكثره في النساء، ولذلك لم يقل: فيهن أيمة -بالهاء-، لاختصاصهنّ بهذه الصِّفَة، على أنّ أبا عبيدة حكى أنه يقال: امرأة أيمة، وقد استعمل الأيم فيمن لا زوج لهما، بكرًا أو ثيبًا، انتهى (٥). لكن ظاهر هذا الحديث: أنّ الأيم هي الثيّب التي فارقت زوجَها بموتٍ أو طلاقٍ، لمقابلتها بالبكر، وهذا هو الأصل في الأيم، ومنه قولهم: الغزو مأيمة؛ أي: تقتل فيه الرجال، فتصير النساء أيامى (٦).

стр. 2828

وقد وقع في رواية الأوزاعي عن يحيى في هذا الحديث عند ابن المنذر والدارمي والدارقطني: "لا تنكح الثيّب (حىَ تستأمر) (١) أصل الاستئمار: طلب الأمر، فالمعنى: إلا بطلب الأمر منها. ويؤخذ منه: أنه لا يُعقد عليها إلا بعد أن تأمر بذلك، وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الولي في حقها، بل فيه إشعار باشتراطه. وفي رواية عند ابن المنذر: "الثيّب تُشاور" (٢)، (ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن) كذا وقع التفرقة بين الثيّب والبكر، فعبّر للثيّب بالاستئمار، وللبكر بالاستئذان، فيؤخذ منه الفرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدل على تأكد المشاورة، وجعل الأمر إلى المستأمرة، ولهذا يحتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرّحت بمنعه، امتنع اتفاقًا. والحاصل: أنه لا بدّ في طرف الثيّب من صريح القول، بخلاف البكر (٣). قال علماؤنا: إذنُ الثيب الكلامُ، قالوا: وهي من وُطئت في القُبل بآلة الرجال، ولو بزنًا، وحيث حكمنا بالثيوبة، وعادت البكارة، لم يزل حكمُ الثيوبة، وأما إذن البكر، فالصمات (٤)، ولهذا لمَّا (قالوا: يا رسول الله!)، وفي رواية: قلنا: يا رسول الله! وحديث عائشة ﵂ صريح في أما هي السائلة عن ذلك (وكيف إذنها) في حديث عائشة: قلت: إن البكر تستحي (قال) ﷺ مجيبًا لهم عن سؤالهم: (إذنُها أن تسكتَ)، وفي حديث

стр. 2829

عائشة: سألتُ رسول الله ﷺ عن الجارية يُنكحها أهلُها، أتستأمر أم لا؟ قال: "نعم تُستأمر"، قلت؛ فإنها تستحي، قال: "رضاها صمتُها" (١)، وفي رواية: "سكاتُها إذنها" (٢)، وفي أخرى: "إذنها صماتُها" (٣)، وفي "مسلم" من طريق ابن جريج: قال: "فذلك إذنُها إذا هي سكتت" (٤)، وفي "مسلم" من حديث ابن عباس: "والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها" (٥). قال ابن المنذر: ويستحب إعلامُ البكر أن سكوتها إذنٌ، لكن لو قالت بعد العقد: ما علمتُ أن صمتي إذن، لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور، وأبطله بعض المالكية، وابن شعبان منهم يقال لها ذلك ثلاثًا: إن رضيتِ، فاسكتي، وإن كرهتِ، فانطقي (٦). قال علماؤنا: وإن ضحكت أو بكت، فكسكوتها، ونطقها بالإذن أبلغ (٧). وعند الشافعية: إن قرنت مع البكاء الصياحَ ونحوه، فليس بإذن، وإلّا، فلا أثر لنحو بكائها.

стр. 2830

وعند المالكية: إن نفرت، أو بكت، أو قامت، أو ظهر منها ما يدل على الكراهة، لم تزوّج. واختلف العلماء في الأب هل يزوّج البكر البالغ بغير إذنها؟ فقال الأوزاعي، والثوري، والحنفية، ووافقهم أبو ثور: يشترط استئذانها، فلو عُقد عليها بغير إستئذان، لم يصح. وقال آخرون: يجوز للأب أن يزوجها -ولو كانت بالغة- بغير استئذان، وهو قول ابن أبي ليلى، ومالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومن حجّتهم مفهومُ حديث: "الثيّب أحقّ بنفسها" (١) وبحديث: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت، فهو إذنها" (٢). قال علماؤنا: للأب تزويج بناته الأبكار، ولو بعد البلوغ، وثيّبٍ لها دون تسع سنين، ويسن استئذانُ بكر بالغة هي وأمها بنفسه، أو بنسوة ثقات ينظرن ما في نفسها، وأمُّها بذلك أولى (٣). قال الشافعي: كان ابنُ عمر والقاسمُ يزوجان الأبكار لا يستأمرونهنّ (٤). وقال أبو حنيفة: الصغيرة الثيّب كالبكر، وخالفه صاحباه، واحتجّ له ولمذهب أحمد بأن علّة الاكتفاء بسكوت البكر هو الحياء، وهو باقٍ في

стр. 2831

هذه؛ لأن المسألة مفروضة فيمن زالت بكارتها بوطء لا فيمن اتخذت الزنا ديدنًا وعادة (١). تنبيهات: * الأول: أركان النكاح: الزوجان الخاليان عن الموانع، والإيجاب فالقبول، ولا ينعقد إلّا بهما مرتبين، الإيجابُ أولًا، وهو اللفظ الصادر من قبل الولي، أو مَنْ يقوم مقامه. ومعتمد مذهبنا: اعتبارُ كون كل واحد من الإيجاب والقبول بالعربية إذا صدر العقد ممن يحسنها، وأن يكون لفظ الإيجاب: أنكحت، أو زوّجت، وكونُ قبول بلفظ: قبلت نكاحها، أو تزويجها، أو قبلت هذا النكاح، أو هذا التزويج، أو تزوجتها، أو رضيت هذا النكاح، أو قبلت فقط، أو تزوّجت. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الموفق، وجمعٌ انعقادَ عقد النكاح بغير العربية لمن يُحسنها (٢). وعند أبي حنيفة: ينعقد النكاح بلفظ الهبة، والبيع، وبكل لفظ يقتضي التمليك والتأبيد دون التوقيت. وقال الشافعي وأحمد: لا ينعقد بذلك (٣). وعند شيخ الإسلام ابن تيمية: ينعقد بما عدّه الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ كان، وإن مثله كل عقد (٤).

стр. 2832

وأما مالك فذكر عنه أصحابه: أن عقد النكاح ينعقد بلفظ الهبة، وكل لفظ يقتضي التمليك. وذكر ابن القاسم هذه المسألة، فقال: الهبة لا تصح لأحد بعد النبي ﷺ ، وإن كانت هبته إياها ليست على نكاح، وإنما وهبها ليحصنها وليكنها، فلا أرى بذلك بأسًا، وإن وهب ابنته له بصداق كذا، فلا أحفظه عن مالك، وهو عندي جائز (١)، انتهى. * الثاني: يشترط لصحة النكاح خمسة (٢) شروط: أحدها: تعيين الزوجين. الثاني: رضاهما، أو رضا من يقوم مقامهما، فإن لم يرضيا، أو أحدهما، لم يصح، لكن للأب تزويج بَنيه الصغارِ والمجانين -ولو بالغين- بغير أمة، ولا معيبة بما يُرَدُّ به النكاحُ بمثلِ مهر المثل وغيره، ولو كرهًا، وليس لهم خيار إذ ابلغوا، وله تزويجُ بناته الأبكار -كما تقدم-. الثالث: الوليُّ، فلا ينعقد نكاح إلّا بولي، فلو زَوَّجت نفسَها أو غيرَها، أو وكَّلَت غيرَ وليها في تزويجها، ولو بإذن وليها فيهن، لم يصح، وذلك لقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث أبي موسى الأشعري مرسلًا وموصولًا (٣).

стр. 2833

قال الترمذي: ورواية من رواه موصولًا أصحُّ؛ لأنهم سمعوه في أوقاتٍ مختلفة (١). والحاصل أنّ الحديث المذكور صحيح. وعند الطبراني من حديث ابن عباس: "لا نكاح إلا بولي، والسلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ له" (٢)، وإسناد بعض طرقه حسن. وفي حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها، فنكاحها باطل" الحديث، وفيه: "السلطانُ وليُّ من لا وليّ له" أخرجه أبو داود، والترمذي، وحسنه، وأبو عوانة، وصححه، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم (٣)، ورواه أبو داود الطيالسي بلفظ: "لا نكاحَ إلّا بوليّ، وأَيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل، باطل، وإن لم يكن لها وليّ فالسلطان وليّ، من لا وليّ له" (٤). ومن حديث أبي هريرة ﵁: "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسَها، فإنّ الزانية هي التي تزوج نفسَها" رواه ابن ماجه، والدرقطني (٥).

стр. 2834

وعن عكرمة بن خالد، قال: جمعتُ الطريق ركبًا، فجعلت امرأةٌ منهنّ ثيّبٌ أمرَها بيد رجل غير وليّ، فأنكحها، فبلغ ذلك عمر فجلد الناكحَ والمنكِحَ، وردّ نكاحهما، رواه الإمام الشافعي، والدارقطني (١). وعن الشعبي، قال: ما كان أحد من أصحاب النبي ﷺ أشدّ في النكاح بغير وليّ، من علي ﵁، كان يضرب فيه، رواه الدارقطني (٢). واختلف الفقهاء في ذلك. فقال الإمام أحمد والإمام الشافعي: لا يصح أن تلي المرأة عقدَ النكاح لنفسها، ولا لغيرها، وليس لها أن تأذن في عقد نكاح نفسِها لغير وليّها. وقال أبو حنيفة: يجوز جميع ذلك، ويصح. وعن مالك: لا تزوج نفسها، ولا تزوج غيرها، واختلف عنه: هل يجوز لها أن تأذن لغير وليّها في تزويجها؟ ثالثها: التفصيل بين الشريفة، فلا يجوز، والمشروفة يجوز (٣)، والله أعلم. فائدتان: إحداهما: متى حكمَ بصحة العقد الصادر بغير وليّ حاكمٌ يرى ذلك، لم يُنقض، وكذلك سائر الأنكحة الفاسدة (٤).

стр. 2835

الثانية: يشترط في الولي حُرية، إلّا مكاتبًا يزوج أمَته، وذكوريةٌ، واتفاقُ دينٍ سوى أم ولد كافر أسلمت، فيليه، ويباشره، ويلي الكتابيُّ نكاح موليته الكتابية من مسلم وذميّ، ويباشره، ويشترط في الولي -أيضًا- بلوغ، وعقل، وعدالة -ولو ظاهرًا- إلّا في سلطان وسيد ورشد، وهو هنا معرفة الكفء، ومصالح النكاح، وليس هو حفظ المال، فإن رشد كلّ شيء بحسبه، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (١). تتمة: اختلف الفقهاء في اعتبار عدالة الولي وعدمِ اعتبارها. فأبو حنيفة ومالك لم يعتبراها، فقالا بصحة ولاية الفاسق، وينعقد بها النكاح. وقال الشافعي في القول المنصوص عنه: لا ينعقد النكاح بولاية الفاسق، ولا يصح. وعن الإمام أحمد روايتان: إحداهما: المنع من صحتها، وهو المفتى به. والثانية: عدم اعتبار العدالة في ولاية النكاح (٢). قلت: وهو المختار الذي لا محيد عنه، ولا يسع الناسَ القولُ بغيره في هذا الزمان ومنذ أزمان، والله وليّ الإحسان. الرابع: من شروط صحة النكاح: الشهادةُ، احتياطًا للنسب خوف الإنكار، فلا ينعقد إلّا بشاهدين مسلمين عدلين ذكرين بالغين عاقلين

стр. 2836

سميعين ناطقين، ولو كانا عبدين أو ضريرين إذا تيقنَّا الصوت يقينًا لا شك فيه، ولو كانا عدوًا لزوجين، أحدهما، أو عدوًا ولي، لا شهادة بمتهم لرحم، كابني الزوجين، أو ابني أحدهما، وهذا يعني: اعتبار الشهادة، وأنها شرط لصحة عقد النكاح. مذهب الإمام أحمد كأبي حنيفة، والشافعي في أظهر روايتيه، ومعتمد مذهب أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي: لا يبطله التواصي بكتمانه (١). وقال الإمام مالك بعدم اعتبار الشهادة، فقال: ليست الشهادة بشرط لصحة عقد النكاح، فيصح عنده بدونها، وعنده: يبطل النكاح بالتواصي بكتمانه. ودليل من اعتبر الشهادة ما رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄: أنّ النبي ﷺ قال: "البغايا اللاتي ينحكنَ أنفسهن بغيرِ بيّنة" (٢)، وقد رفعه عبد الأعلى، وهو ثقة، وما رواه الدارقطني من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: "لا نكاح إلّا بولي وشاهدي عدل، فإن تشاجروا، فالسطان وليُّ من لا وليَّ له" (٣)، ولمالك في "الموطأ" عن أبي الزبير المالكي: أنّ عمر بن الخطاب أُتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: هذا نكاح السر، ولا أجيزه، ولو كنت تقدّمت فيه، لرجمت (٤).

стр. 2837

فائدة: يروى عن الإمام أحمد: أنّ الإشهاد في عقد النكاح سنّة كغيره من العقود، فيصح بدونها. قال جماعة منا: ما لم يكتموه، وإلّا، لم يصح، ذكره بعضُهم إجماعًا (١)، والله أعلم. الخامس: الخلو من الموانع، بأَلَّا يكون بهما أو بأحدهما ما يمنع التزويج، من نسب، أو سبب، أو اختلاف دين، أو كونها في نحو عدّة (٢). * التنبيه الثالث: الكفاءة في زوج شرطٌ للزوم النكاح، لا لصحته، على الصحيح المعتمد، فيصح مع فقدها، فهي حق للمرأة والأولياءِ كلِّهم، حتى من يحدث، فلو زوّجت بغير كفءٍ، فلمن لم يرض الفسخُ، من المرأة، والأولياء جميعهم، فورًا ومتراخيًا، ويملكه الأبعد مع رضا الأقرب والزوجة، ولو زالت الكفاءة بعد العقد، فلها الفسخ وحدَها دون سائر الأولياء. والكفاءة معتبرة في خمسة أشياء: - أحدها: الدين، فلا يكون الفاجر ولا الفاسق كفئًا لعفيفة عدل. - الثاني: المنصب، وهو النسب، فلا يكون العجمي -وهو من ليس من العرب- كُفْئًا لعربيّة. - الثالث: الحريّة، فلا يكون العبد -ولو مبعضًا- كُفْئًا لِحُرة -ولو عتيقة-.

стр. 2838

- الرابع: الصناعة، فلا يكون صاحب صنعة دنيّة، كالحجام، والحائك، والكسّاح، والزبّال كفئاص لبنت من هو صاحب صناعة جليلة، كالتاجر، والبزاز، والتَّانىء صاحب العقار، ونحو ذلك. - الخامس: اليسار بمال بحسب ما يجب لها من المهر والنفقة. قال ابن عقيل: بحيث لا تتغير عليها عادتها عند أبيها في بيته، فلا يكون المعسر كفئًا للموسرة، وليس مولى القوم كفئًا لهم (١). وزاد الشافعي: سادسًا: وهو البراءة من العيوب. وعند أبي حنيفة هي: النسكُ، والدينُ، والحريّة، والإسلامُ، والآباءُ، حتى لا يكون من له أب في الإسلام كفئًا لمن له أب وجد فيه، ولا يكون من له أب وجد فيه كمن له أكثر من ذلك، والقدرةُ على المهر والنفقة، والصناعةُ. وعن أبي حنيفة رواية أخرى: لا تعتبر الصناعة. وقال مالك فيما ذكره ابن نصر عنه: إنها: الدين، والحرية، والسلامة من العيوب الموجبة للرد. وحكى ابن القصار عن مالك: أنّ الكفاءة في الدين فحسب. قال عبد الوهاب: وفي الصناعة نظر، ويجب أن تكون من الكفاءة. وفي رواية عن الإمام أحمد: أن الكفاءة الدين والحسب فقط. وفقد الكفاءة عند أبي حنيفة يوجب للأولياء حق الاعتراض. وقال مالك: لا يبطل النكاحَ فقدُها.

стр. 2839

وعن الشافعي قولان: الجديد منهما: أنّه لا يبطل النكاحَ عدمُها، والقديم: أنّ فقدها يبطله. وعن الإمام أحمد روايتان، والمعتمد: ما تقدّم أما شرط للزوم النكاح، لالصحته (١). * الرابع: اختلفوا في النكاح الفضولي، وهو النكاح الموقوف على إجازة المنكوحة، أو الوليّ، أو الناكح، هل تصح أم لا؟ فصححه أبو حنيفة مع الإجازة، فمتى وجدت الإجازة، ثبت النكاح على الإطلاق. وقال الشافعي: لا يصح مطلقًا. وهو معتمد مذهب الإمام أحمد الذي لا يفتى بغيره. وعن الإمام مالك روايتان، إحداهما: لا يصح جملة، والأخرى: يجوز إذا أُجيز بقرب ذلك من غير تراخٍ شديد. وعن أحمد رواية ثانية كمذهب أبي حنيفة (٢)، والله الموفق.

стр. 2840

الحديث العاشر عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ القُرَظِيِّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ القُرَظِي، فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَن بْنَ الزَّبِيرِ، وَإنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتبَّسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟! لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"، قَالَتْ: وَأَبُو بكْرٍ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بنُ سَعيدٍ بِالبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَنَادَى: يَا أَبَا بكْرٍ! أَلَا تَسْمَعُ مَا تَجْهَرُ بهِ هَذِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١)؟!
следующие страницы →