← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

سميعين ناطقين، ولو كانا عبدين أو ضريرين إذا تيقنَّا الصوت يقينًا لا شك فيه، ولو كانا عدوًا لزوجين، أحدهما، أو عدوًا ولي، لا شهادة بمتهم لرحم، كابني الزوجين، أو ابني أحدهما، وهذا يعني: اعتبار الشهادة، وأنها شرط لصحة عقد النكاح. مذهب الإمام أحمد كأبي حنيفة، والشافعي في أظهر روايتيه، ومعتمد مذهب أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي: لا يبطله التواصي بكتمانه (١). وقال الإمام مالك بعدم اعتبار الشهادة، فقال: ليست الشهادة بشرط لصحة عقد النكاح، فيصح عنده بدونها، وعنده: يبطل النكاح بالتواصي بكتمانه. ودليل من اعتبر الشهادة ما رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄: أنّ النبي ﷺ قال: "البغايا اللاتي ينحكنَ أنفسهن بغيرِ بيّنة" (٢)، وقد رفعه عبد الأعلى، وهو ثقة، وما رواه الدارقطني من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: "لا نكاح إلّا بولي وشاهدي عدل، فإن تشاجروا، فالسطان وليُّ من لا وليَّ له" (٣)، ولمالك في "الموطأ" عن أبي الزبير المالكي: أنّ عمر بن الخطاب أُتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: هذا نكاح السر، ولا أجيزه، ولو كنت تقدّمت فيه، لرجمت (٤).

стр. 2837

فائدة: يروى عن الإمام أحمد: أنّ الإشهاد في عقد النكاح سنّة كغيره من العقود، فيصح بدونها. قال جماعة منا: ما لم يكتموه، وإلّا، لم يصح، ذكره بعضُهم إجماعًا (١)، والله أعلم. الخامس: الخلو من الموانع، بأَلَّا يكون بهما أو بأحدهما ما يمنع التزويج، من نسب، أو سبب، أو اختلاف دين، أو كونها في نحو عدّة (٢). * التنبيه الثالث: الكفاءة في زوج شرطٌ للزوم النكاح، لا لصحته، على الصحيح المعتمد، فيصح مع فقدها، فهي حق للمرأة والأولياءِ كلِّهم، حتى من يحدث، فلو زوّجت بغير كفءٍ، فلمن لم يرض الفسخُ، من المرأة، والأولياء جميعهم، فورًا ومتراخيًا، ويملكه الأبعد مع رضا الأقرب والزوجة، ولو زالت الكفاءة بعد العقد، فلها الفسخ وحدَها دون سائر الأولياء. والكفاءة معتبرة في خمسة أشياء: - أحدها: الدين، فلا يكون الفاجر ولا الفاسق كفئًا لعفيفة عدل. - الثاني: المنصب، وهو النسب، فلا يكون العجمي -وهو من ليس من العرب- كُفْئًا لعربيّة. - الثالث: الحريّة، فلا يكون العبد -ولو مبعضًا- كُفْئًا لِحُرة -ولو عتيقة-.

стр. 2838

- الرابع: الصناعة، فلا يكون صاحب صنعة دنيّة، كالحجام، والحائك، والكسّاح، والزبّال كفئاص لبنت من هو صاحب صناعة جليلة، كالتاجر، والبزاز، والتَّانىء صاحب العقار، ونحو ذلك. - الخامس: اليسار بمال بحسب ما يجب لها من المهر والنفقة. قال ابن عقيل: بحيث لا تتغير عليها عادتها عند أبيها في بيته، فلا يكون المعسر كفئًا للموسرة، وليس مولى القوم كفئًا لهم (١). وزاد الشافعي: سادسًا: وهو البراءة من العيوب. وعند أبي حنيفة هي: النسكُ، والدينُ، والحريّة، والإسلامُ، والآباءُ، حتى لا يكون من له أب في الإسلام كفئًا لمن له أب وجد فيه، ولا يكون من له أب وجد فيه كمن له أكثر من ذلك، والقدرةُ على المهر والنفقة، والصناعةُ. وعن أبي حنيفة رواية أخرى: لا تعتبر الصناعة. وقال مالك فيما ذكره ابن نصر عنه: إنها: الدين، والحرية، والسلامة من العيوب الموجبة للرد. وحكى ابن القصار عن مالك: أنّ الكفاءة في الدين فحسب. قال عبد الوهاب: وفي الصناعة نظر، ويجب أن تكون من الكفاءة. وفي رواية عن الإمام أحمد: أن الكفاءة الدين والحسب فقط. وفقد الكفاءة عند أبي حنيفة يوجب للأولياء حق الاعتراض. وقال مالك: لا يبطل النكاحَ فقدُها.

стр. 2839

وعن الشافعي قولان: الجديد منهما: أنّه لا يبطل النكاحَ عدمُها، والقديم: أنّ فقدها يبطله. وعن الإمام أحمد روايتان، والمعتمد: ما تقدّم أما شرط للزوم النكاح، لالصحته (١). * الرابع: اختلفوا في النكاح الفضولي، وهو النكاح الموقوف على إجازة المنكوحة، أو الوليّ، أو الناكح، هل تصح أم لا؟ فصححه أبو حنيفة مع الإجازة، فمتى وجدت الإجازة، ثبت النكاح على الإطلاق. وقال الشافعي: لا يصح مطلقًا. وهو معتمد مذهب الإمام أحمد الذي لا يفتى بغيره. وعن الإمام مالك روايتان، إحداهما: لا يصح جملة، والأخرى: يجوز إذا أُجيز بقرب ذلك من غير تراخٍ شديد. وعن أحمد رواية ثانية كمذهب أبي حنيفة (٢)، والله الموفق.

стр. 2840

الحديث العاشر عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ القُرَظِيِّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ القُرَظِي، فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَن بْنَ الزَّبِيرِ، وَإنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتبَّسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟! لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"، قَالَتْ: وَأَبُو بكْرٍ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بنُ سَعيدٍ بِالبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَنَادَى: يَا أَبَا بكْرٍ! أَلَا تَسْمَعُ مَا تَجْهَرُ بهِ هَذِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١)؟!

стр. 2841

(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصدّيقة (﵂، قالت: جاءت امرأةُ رفاعةَ)، وهي تميمة -بفتح المثناة فوق- وقيل: -بالضم- بنتُ وهب كما في "الموطأ" (١)، وقيل: سُهيمة -بضم السين المهملة-، وقيل: عائشة. وقال ابن منده، وابن طاهر: اسمها أميمة بنت الحارث -بألف- كما في حديث ابن عباس ﵄ (٢)، وهي قرظيّة (٣). ورفاعة -بكسر الراء وبالفاء- بنُ سِمْوال -بكسر السين المهملة-، ويقال: -بفتحها وسكون الميم وتخفيف الواو وباللام- (القرظيِّ) -بضم

стр. 2842

القاف وفتح الراء وبالظاء المشالة- نسبة إلى قريظة، وهو من يهود المدينة، من ولد لاوي بن يعقوب ﵇، وهو خال صفية بنت حُيَيٍّ أم المؤمنين؛ لأن أمها برةُ بنتُ سموال (١) (إلى النبي ﷺ ) متعلق بـ: (جاءت)، (فقالت) امرأةُ رفاعةَ للنبي ﷺ : (كنتُ عندَ رفاعةَ القرظي) زوجةً له، (فطلّقني) رفاعةُ (فبتّ طلاقي) تطليقُه إياها بالبتات يحتمل من حيث اللفظ أن يكون بإرسال الطلقات الثلاث، ويحتمل أن يكون بإيقاع آخرِ طلقة، ويحتمل أن يكون بإحدى الكنايات التي تحمل على البينونة عند جماعة من الفقهاء، وليس في اللفظ عموم، ولا إشعارٌ بأحد هذه المعاني، وإنما يؤخذ ذلك من أحاديث أخر تبين المراد، والحديث إنما دل على مطلق البت، والدال على المطلق لا يدلُّ على أحد قيديه بعينه (٢). (فتزوجتُ بعده)؛ أي: بعد طلاق رفاعةَ لها وانقضاءِ عدّتها منه. (عبدَ الرحمن بن الزَّبيرِ) -بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة- بلا خلاف، كما نقله صاحب "المطالع" ابن باطا -بموحدة بلا مد ولا همز- ويقال: ابن باطيا، قُتل الزُّبيرُ يهوديًا يومَ بني قريظة، قتله الزُّبير بن العوام ﵁، وقد اتفقت الروايات كلّها عن هشام بن عروة أنّ الزوج رفاعة، والثاني عبد الرحمن. وكذا قال عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة في كتاب النكاح له: عن قتادة: أن تميمةَ بنتَ أبي عبيد القرظيةَ كانت تحت رفاعة،

стр. 2843

فطلّقها، فخلَفَ عليها عبدُ الرحمن بن الزبير، وتسميتُه لأبيها لا ينافي روايةَ مالك، فلعلَّ اسمَه وهب، وكنيته أبو عبيد، وإلا ما وقع عند ابن إسحاق في "المغازي" من رواية سَلَمة بن الفضل عنه، وتفرّد به عنه هشامٌ عن أبيه، قال: كانت امرأةٌ يقال لها: تميمةُ تحتَ عبد الرحمن بن الزبير، فطلّقها، فتزوجها رفاعة، ثم فارقها، فأرادت أن ترجع إلى عبد الرحمن بن الزبير، وهو -مع إرساله- مقلوبٌ، والمتفق عليه الجماعة أصح وأثبت (١). وأخرج مقاتل بن حيان في "تفسيره"، ومن طريقه ابن شاهين في "الصحابة"، ثمّ أبو موسى في قوله - تعالى-: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، قال: نزلت في عائشةَ بنتِ عبد الرحمن بنِ عتيك النضيرية، كانت تحت رفاعةَ بن وهبِ بنِ عتيك، وهو ابن عمها، فطلّقها طلاقًا بائنًا، فتزوجت بعده عبدَ الرحمن بنَ الزبير، ثم طلقها، فأتت النبيَّ ﷺ ، فقالت: إنه طلّقني قبل أن يمسّني، أفأرجع إلى ابن عمي زوجي الأول؟ قال: "لا"، الحديث (٢). قال: الحافظ ابن حجر في "الفتح": وهذا إن كان محفوظًا، فالواضح من سياقه أما قصة أخرى، وأن كلًا من رفاعة القرظي، ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاقٌ، فتزوج كلًا منهما عبدُ الرحمن بنُ الزبير، فطلقها قبل أن

стр. 2844

يمسها، فالحكم في قصتهما متحدٌ، مع تغاير الأشخاص، وبهذا يتبين خطأ من وحّد بينهما، ظنًا منه أن رفاعة بنَ سموال هو رفاعةُ بن وهب، فقال: اختلف في امرأة رفاعة على خمسة أقوال، فذكر اختلاف اللفظة بتميمة، وضمّ إليها عائشة، والتحقيق ما تقدم (١)، والله أعلم. (وإنما معه)، أي: عبدِ الرحمن بنِ الزَّبيرِ بنِ باطا من الآلة؛ أي: الذَّكَر (مثلُ هُدْبَة) -بضم الهاء وسكون الدّال المهملة بعدها موحدة مفتوحة-: هو طرف (الثّوب) الذي لم يُنسج، مأخوذٌ من هدب العين، وهو شعر الجفن (٢)، وأرادت أن ذَكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار (٣)، واستدل به على أنّ وطء الزوج الثاني لا يكون محلِّلًا ارتجاعَ الزوج الأول للمرأة إلّا إن كان حالَ وطئه منتشرًا، فلو كان ذكره أشلَّ، أو كان عِنِّينًا، أو طفلًا، لم يكف، على أصح قولي العلماء، وهو الأصح حتى عند الشافعية (٤) (فتبسّم رسول الله ﷺ ) من قولها، (وقال) لها: (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعةَ؟!) زوجِها الأول، وفي رواية في "الصحيحين" أنها قالت: يا رسول الله! إنها كانت تحت رفاعة، فطلّقها آخر ثلاث تطليقات، فتزوجت بعده عبدَ الرّحمن بَن الزَّبير، وأنه والله! ما معه إلّا مثل هذه الهدبة، وأخذت بهدبة من جِلبابها، قالت: فتبسّم رسول الله ﷺ ضاحكًا، وقال: "لعلّكِ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة" (٥). وفيهما عن عكرمة: أنّ رفاعة طلّق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن

стр. 2845

الزبير القرظي، قالت عائشة ﵂: فجاءت وعليها خمارٌ أخضر، فشكت إليها؛ أي: إلى عائشةَ من زوجها، وأرتها خضرةً بجلدها، فلمّا جاء رسول الله ﷺ ، والنساء ينصر بعضُهنَّ بعضًا، قالت عائشة: ما رأيتُ مثلَ ما يلقى المؤمنات، لجلدُها أشدُّ خضرة من ثوبها، قال: وسمع زوجُها، فجاء ومعه اثنان له من غيرها، قالت: والله! ما لي إليه من ذنب، إلّا أنّ ما معه ليس بأغنى عني من هذه، وأخذت هُدبةً من ثوبها، فقال: كذبت، والله يا رسول الله! إني لأنفضها نفضَ الأديم، ولكنها ناشزٌ تريد رفاعةَ، قال: "فإن كان ذلك، لم تحلّي له" الحديث (١)، وكأن هذه المراجعة بينهما هي التي حملت خالدَ بنَ سعيد على قوله ما قال (لا) ترجعين إلى رفاعة (حتى تذوقي عُسيلته)؛ أي: عسيلةَ الزوج الثاني الذي هو عبد الرحمن بن الزبير، (ويذوقَ) هو (عُسيلتك) كذا في الموضعين بالتصغير، واختلفوا في توجيهه، فقيل: هو تصغير العسل؛ لأن العسل مؤنث، جزم به القزاز. ثم قال: وأحسب التذكيرَ لغةً. وقال الأزهري: يُذَكَّر ويُؤنّث (٢). قال في "القاموس": العسلُ، لُعاب النحل، وطلٌّ خفيٌّ يقع على الزهر وغيره، فيلقطه النحل، وهو بخار يصعد فينضج في الجو، فيستحيل، فيغلظ في الليل. فيقع عسلًا، وقد يقع العسل ظاهرًا، فيلتقطه الناس، قال: وأَفردتُ لمنافعه وأسمائه كتابًا، ويؤنث، انتهى (٣).

стр. 2846

وقيل: إنّ العرب إن احتقرت الشيء، أدخلت فيه هاء التأنيث، ومن ذلك قولهم: دُريهمات، فجمعوا الدرهم جمع المؤنث عند إرادة التحقير، وقيل: التأنيث باعتبار الرطبة، إشارة إلى أما تكفي في المقصود من تحليلها للزوج الأول، وقيل: المراد: قطعة من العسل، والتصغير للتقليل، إشارة إلى أن القدر القليل كافٍ في تحصيل الحِلّ (١). قال الأزهري: الصواب: أن معنى العسيلة: حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، وأُنث تشبيهًا بقطعة من عسل (٢). وقال الداودي: صغرت لشبهة شبهها بالعسل، وقيل: معنى العسيلة: النطفة، وهذا يوافق قول الحسن البصري، والجمهور: أن ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة، وزاد الحسن البصري: وحصول الإنزال، وهذا الشرط تفرد به عن الجماعة، قاله ابن المنذر وآخرون. وقال ابن بطال: شذّ الحسن في هذا، وخالفه سائر الفقهاء، فقالوا: يكفي من ذلك ما يوجب الحد، ويُحْصِن الشخص، ويوجب الغسل، ويفسد الحج والصوم، ويكمل الصداق. قال أبو عبيد: العسيلة: لذة الجماع، والعرب تسمي كل شيء تستلذُّه عسلًا. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحلّ للأول، إلا

стр. 2847

سعيد بن المسيب، فإنّه قال: يقول الناس: لا تحل للأول حتى يجامعها الثاني، وأنا أقول: إذا تزوجها تزويجًا صحيحًا، لا يريد بذلك إحلالها للأول، فلا بأس أن يتزوجها. وقال ابن المنذر: وهذا القول لا نعلم أحدًا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، ولعله لم يبلغه الحديث، فأخذ بظاهر القرآن. وحكى الإمام الحافظ ابن الجوزي عن داود: أنه وافق سعيدَ بن المسيب على ذلك. قال القرطبي: ويستفاد من الحديث على قول الجمهور: أن الحكم يتعلق بأقل ما يطلق عليه الاسم (١)، خلافًا لمن قال: لابد من حصول جميعه، وفي قوله ﷺ : "حتى تذوقي عسيلته" إلخ إشعارٌ بإمكان ذلك، لكن قولها: ليس معه إلا مثل هذه الهدبة ظاهر في تعذر الجماع المشترط. وأجاب الكرماني: بأن مرادها بالهدبة: التشبيه بها في الدقة والرقة، لا في الرخاوة وعدم الحركة، واستبعد ما قاله، وسياقه الخبر يعطي بأنها شَكَتْ منه عدم الانتشار، ولا يمنع من ذلك قوله ﷺ : "حتى تذوقي عسيلته"؛ لأنه علقه على الإمكان، وهو جائز الوقوع، فكأنه قال: اصبري حتى يتأتى منه ذلك، واستدل بإطلاق وجود الذوق منهما اشتراط علم الزوجين به، حتى لو وطئها نائمة، أو مغمًى عليها، لم يكف، ولو أنزل هو. وبالغ ابن المنذر، فنقله عن جميع الفقهاء، وتُعُقِّب.

стр. 2848

وقال القرطبي: فيه حجة لأحد القولين فى أنه لو وطئها نائمة، أو مغمًى عليها، لم تحل (١). وجزم ابن القاسم بأن وطء المجنون يحلل، وخالفه أشهب (٢). قلت: وجزم علماؤنا بحصول حلها للأول بوطء الثاني في قبلها مع انتشار، ولو نائمًا، أو مغمًى عليه وأدخلته فيه، وأنه يكفي تغييب الحشفة أو قدرها من نحو مجبوب (٣). (قالت) عائشة ﵂: صارت المراجعة من امرأة رفاعة لرسول الله (وأبو بكر) الصديق ﵁ جالسٌ (عنده)؛ أي: عند رسول الله ﷺ ، جملة حالية (وخالد بن سعيد) بن العاص بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ القرشيُّ، الأُمويُّ -بضم الهمزة-، ويكنى: أبا سعيد، أسلم قديمًا، قيل: بعد أبي بكرٍ الصديق، فكان ثالثًا، أو رابعًا، وقيل: كان خامسًا. وكان سبب إسلامه رؤياه في منامه النارَ، وأنه واقفٌ على شفيرها، وكأَنَّ أباه يدفعه فيها، ورأى الرسول ﷺ أخذ بحقويه لا يقع فيها، فلقي النبي ﷺ بأجياد، فقال: يا محمد! إلام تدعو؟ قال: "أدعوك أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجرٍ لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، ولا يدري من عبده ممن لم يعبده"، قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، فسرّ رسول الله ﷺ ، بإسلامه ولما علم أبو خالد بذلك،

стр. 2849

آذاه (١)، ثمَّ لما هاجر المسلمون إلى الحبشة، هاجر إليها، وأقام بها بضع عشرة (٢) سنة. ووُلد له ابنه سعيد، وبه كني، وابنته أم خالد، فهو من السابقين الأولين، ثمَّ وفد على النبي ﷺ بعد ذلك وهو بخيبر، فشهدها وما بعدها، وبعثه ﷺ على صدقات اليمن، فتوفي النبي ﷺ وهو بها، واستشهد ﵁ يوم مرج الصفر بالشام سنة أربع عشرة في صدر خلافة عمر، وقيل: قتل يوم أجنادين في سنة ثلاث عشرة (٣) قبل وفاة الصديق ﵁ بأربع وعشرين ليلة، وهو ابن خمسين سنة (٤)، ومَرْجُ الصُّفَّر -بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء-: موضعٌ بغوطة دمشق، كان به وقعة للمسلمين مع الروم. قال النَّوويُّ: بينها وبين دمشق دون مرحلة (٥). فلما قالت امرأةُ رفاعة ما قالت، وأبو بكر ﵁ عند

стр. 2850

رسول الله ﷺ ، وخالدُ بن سعيد ﵁ قائمٌ (بالباب)؛ أي: باب بيت النبيِّ ﷺ (ينتظر أن يؤذنَ له) في الدخول على الرسول ﷺ ، وجملة: وخالد بالباب إلخ حالية، (فنادى) خالدُ بنُ سعيدٍ أبا بكرٍ الصديقَ ﵄ لما سمع قولها: فقال: (يا أبا بكر! ألا تسمعُ ما تجهر به هذه) يعني: تميمة امرأة رفاعة (عندَ رسولِ الله ﷺ ؛)، وفي لفظ: ألا تنهى هذه عما تجهر به عندَ رسول الله ﷺ فوالله ما يزيد رسول الله ﷺ على التبسم (١). وفيه ما كان الصحابة عليه من سلوك الأدب بحضرة النبي ﷺ ، وإنكارُهم على من خالف ذلك بفعله أو قوله "لقول خالد بن سعيد لأبي بكرٍ الصديق ﵄ وهو جالسٌ: ألا تنهى هذه؟ وإنما قال خالد ذلك؛ لأنه كان خارجَ الحجرة، فاحتمل عنده أن يكون هناك ما يمنعه من مباشرة نهيها بنفسه، فأمر به أبا بكر، لكونه كان جالسًا عند النبي ﷺ شاهدًا لصورة الحال، ولذلك لما رأى أبو بكر ﵁ النبي ﷺ يتبسم عند مقالتها، لم يزجرها، وتبسُّمه ﷺ كان تعجبًا منها، إما لتصريحها بما يستحيي النساء من التصريح به غالبًا، وإما لضعف عقل النساء، لكون الحامل لها على ذلك شدةُ بغضها في الزوج الثاني، ومحبتها في الرجوع إلى الأول (٢). تنبيهات: الأول: اعتبر علماؤنا كونَ النكاح الثّاني نكاحًا صحيحًا، لا فاسدًا ولا باطلًا، فلابد من كونه نكاح رغبة، لا نكاح تحليل.

стр. 2851

وقد صنف شيخ الإسلام ابن تيمية -روَّحَ الله رُوحَه- في ذلك كتابه "بيان الدليل في إبطال التحليل"، قال فيه: نكاح المُحَلِّل حرام باطل لا يفيد الحل، وصورة ذلك: أن الرجل إذا طلّق امرأته ثلاثًا، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره كما ذكره -سبحانه- في كتابه، وجاءت به سنّة نبيه محمد ﷺ ، وأجمعت عليه أمته، فإذا تزوجها رجل بنيّة أن يطلقها لتحل لزوجها الأول، كان هذا النكاح حرامًا باطلًا، سواء عزم بعد ذلك على إمساكها، أو فارقها، وسواء شُرط عليه ذلك في عقد النكاح، أو شرط عليه قبل العقد، أو لم يشرط عليه لفظًا، بل كان ما بينهما، من الخطبة، وحالِ الرجل والمرأة والمهر نازلًا بينهم منزلةَ اللفظ بالشرط، أو لم يكن شيء من ذلك، بل أراد الرجل أن يتزوجها ثمَّ يطلقها لتحلَّ للمطلِّقِ ثلاثًا من غير أن تعلم المرأة والأولياء شيئًا من ذلك، سواء علم الزوج المطلِّق ثلاثًا، أو لم يعلم، مثل أن يظن المحلِّل أن هذا فعل خير ومعروف مع المطلِّق وامرأته بإعادتها إليه، لما أن الطلاق أضرّ بهما وبأولادهما وعشيرتهما، ونحو ذلك، بل لا تحل للمطلِّق ثلاثًا أن يتزوجها حتى ينكحها رجلٌ مرتغبًا لنفسه نكاحَ رغبة لا نكاحَ دلسة، ويدخل بها بحيث تذوق عُسيلته، ويذوق عُسيلتها، ثمَّ بعد هذا إذا حدثت بينهما فرقة بموتٍ أو طلاقٍ أو فسخٍ، جاز للأول أن يتزوجها، ولو أراد هذا المحلل أن يقيم معها بعد ذلك، استأنف ذلك فإن ما معنى عقد فاسدٌ لا يباح المقام به معها؟ قال ﵀: هذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة، وهو المأثور عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وعامةِ التابعين لهم بإحسانٍ، وعامةِ فقهاء الإسلام، مثل سعيدِ بن المسيب، والحسنِ البصري، وإبراهيمَ النخعيِّ، وعطاءِ بنِ رباح، وهؤلاء الأربعة أركان التابعين، ومثل أبي الشعثاء جابرِ بنِ

стр. 2852

زيد، والشعبي، وقتادة، وبكر بن عبد الله المزني، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه، والليث بن سعد، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وهؤلاء الأربعة أركان أتباع التابعين، وهو مذهب الإمام أحمد، وفقهاء الحديث، منهم إسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وسليمان بن داود الهاشمي، وأبو خيثمة زهيرُ بن حرب، وأبو بكر بنُ أبي شيبة، وأبو إسحاق الجوزجاني، وغيرهم. وهو قول للشّافعيّ في كتابه "القديم العراقي"، قال: فيما إذا تزوجها تزويجًا مطلقًا لم يشترط، ولا اشتُرط عليه التحليل، إلا أنه نواه وقصده، فأبطله كمالك، وصححه في "الجديد المصري". وذكر الشيخ في "إبطال التحليل" الأدلة الصريحةَ، والأحاديثَ الصحيحةَ في إبطال التحليل، وأنه حرامٌ وباطل، وأن فاعله تيسٌ مستعار وعاهر، وقال في غضون ذلك: المعروف عن المدنيين التغليظ في التحليل، قال: وهو عملهم، وعليه اجتماع مَلَئِهم، وقد أجلب على ذلك بخيله ورَجِلِهِ (١). وقال تلميذه الإمام المحقق ابنُ القيم في كتابه "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: "ومن مكائده -أي: الشيطان- التي بلغ فيها مرادَه: مكيدةُ التحليل الذي لعن رسولُ الله ﷺ فاعله، وشبهه بالتيس المستعار، وعظم بسببه العار والشنار، وعير المسلمين بها الكفار، وجعل بسببه من الفساد، ما لا يحصيه إلا ربُّ العباد، واستكبرت له التيوس المستعارات، وضاقت به ذرعًا النفوسُ الأبِيَّات، ونفرت منه أشدَّ من نفارها من السفاح، وقالت:

стр. 2853

لو كان هذا نكاحًا صحيحًا، لم يلعن رسولُ الله ﷺ من أتى بما شرّعه من النكاح، فإن النكاح سنّة، وفاعلُ السنّة مقرَّب غيرُ ملعون، والمحلِّلُ مع وقوع اللعنة عليه بالتيس المستعار مقرون، فقد سماه رسول الله ﷺ بالتيس المستعار، وسماه السلف بمسمار النار. ثمَّ ذكر ابن القيم ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لعن رسولُ الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل له، رواه الحاكم في "الصحيح"، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (١)، وقال: العمل عليه عند أهل العلم، منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر ﵃ (٢). وهو قول الفقهاء من التابعين، وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده"، والنسائي في "سننه" بأسانيد صحاح، ولفظُهما: لعن رسولُ الله ﷺ الواشمةَ والمتوشمةَ، والواصلةَ والموصلة، والمحلِّلَ والمحلَّلَ له، وآكلَ الربا وموكلَه (٣). وفي حديث علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ : أنه لعن المحلِّل والمحلَّل له، رواه الإمام أحمد، وأهل السنن كلهم غير النّسائيّ (٤).

стр. 2854

وفي حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله المحلل والمحلل له" رواه الإمام أحمد بإسناده، ورجاله كلهم ثقات (١). قال التّرمذيّ في كتاب "العلل": سألت أبا عبد الله محمدَ بنَ إسماعيل البخاريّ عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن (٢). وفي حديث ابن عباس ﵄، قال رسول الله ﷺ : "لعن الله المحلل والمحلل له" رواه ابن ماجه (٣). وعن ابن عباس ﵄ أيضًا، قال: سئل رسول الله ﷺ عن المحلل، فقال: "لا، إلا نكاحَ رغبة لانكاحَ دلسة ولا استهزاء بكتاب الله، ثمَّ يذوق العسيلة" رواه أبو إسحاق الجوزجاني في كتاب "المترجم" (٤). وفي حديث عقبة بن عامر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "هو المحلِّل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له" رواه ابن ماجه (٥)، قال في "إغاثة اللهفان": رجال إسناده كلهم موثقون لم يجرح واحد منهم.

стр. 2855

وعن عمرو بن دينار، وهو من أعيان التابعين: أنه سئل عن رجلٍ طلق امرأته، فجاء رجل من أهله بغير علمه ولا علمها، فأخرج شيئًا من ماله، فتزوجها ليحللها له، فقال: لا، ثمَّ ذكر أن النبي ﷺ سئل عن مثل هذا، فقال: "لا، حتى ينكح مرتغبًا لنفسه، فإذا فعل ذلك، لم تحلَّ له حتى يذوقَ العُسيلة" رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" بإسنادٍ جيد (١)، وهذا المرسل قد احتج به من أرسله، فدل على قوته عنده، وهو موافق لبقية الأحاديث الموصولة. قال في "إغاثة اللهفان": ومثل هذا حجة باتفاق الأئمة، وهو حديث ابن عباس الذي تقدم نص في المحلل المنوي، ومثلهما حديث نافع عن ابن عمر: أن رجلًا قال له: امرأة تزوجتها أحللها لزوجها، لم يأمرني، ولم يعلم، قال: لا، إلا نكاح رغبة: إن أعجبتك فأمسكها، وإن كرهتها فارقتها، وإن كنا نعد هذا على عهد رسول الله ﷺ سفاحًا، ذكره شيخ الإسلام -قدس الله روحه- في "إبطال التحليل". وفي "مصنف" ابن أبي شيبة، و"سنن الأثرم"، و"الأوسط" لابن المنذر، عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: لا أوتى بمحلِّل ولا محلَّل له، إلا رجمتُهما (٢). ولفظ عبد الرزاق عن معمر، والزهري عن عبد الملك بن المغيرة، قال: سئل ابن عمر عن تحليل المرأة لزوجها، فقال: ذاك السِّفاح (٣)، وفي

стр. 2856

رواية: كلاهما زانٍ، يعني: المحلل والمحلل له، وإن مكث عشرين سنة، أو نحو ذلك، إذا كان الله يعلم أنه يريد أن يحللها له (١). وسئل ابن عباس ﵄ عن رجل طلق امرأته ثلاثًا، فقال: عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجًا، قال: كيف ترى في رجل يحللها؟ قال: من يخادعِ الله يخدعْه (٢). وسئل عثمان ﵁ عن رجل تزوج أمرأة يحللها لزوجها، ففرّق بينهما، وقال: لا ترجع إليه إلا على نكاح رغبة غير دلسة، ولا استهزاء بكتاب (٣). وعلي ﵁ هو ممن روى عن النبي ﷺ : أنه لعن المحلل، وقد جعل هذا من التحليل، وإن لم تعلم به المرأة، فكيف بما اتفقا عليه، وتراوضا وتعاقدا على أنه نكاح لعبة لا نكاح رغبة؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: وهذه الآثار عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن عمر مع أما منصوص فيما إذا قصد التحليل ولم يظهره، ولم يتواطأ عليه، فهي مبينة أن هذا هو التحليل، وفاعله هو المحلل الملعون على لسان رسول الله ﷺ ، فإن أصحاب رسول الله ﷺ أعلمُ بمراده ومقصوده، ولا سيما إذا رووا حديثًا وفسروه بما يوافق الظاهر، هذا مع أنه لم يعلم أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فرّق بين تحليل وتحليل، ولا رخص في شيء من أنواعه، مع أن المرأة المطلقة

стр. 2857

ثلاثًا مثل امرأة رفاعة كانت تختلف إليه المدة الطويلة، وإلى خلفائه، لتعود إلى زوجها، فمنعوها من ذلك، ولو كان التحليل جائزًا، لدلها رسول الله ﷺ على ذلك، فإنها لم تكن تعدم من يحللها لو كان التحليل جائزًا. قال: والأدلة الدالة على أن هذه الأحاديث النبوية متى قصد التحليل، فهو نكاح تحليل، وإن لم يشترط في العقد (١). الثاني: معتمد المذهب: أن الذي تعتبر نيته: الزوجُ، فلا أثر لنية الزوجة والولي، كما في "إعلام الموقعين" (٢). وفي "الفروع" (٣)، و"المحرر" (٤)، وغيرهما: من لا فرقة بيده لا أثر لنيته، ولو شرط عليه قبل العقد أن يحلها، ثمَّ نوى عند العقد غير ما شرطوا عليه، وأنه نكاح رغبة، صحّ، قاله الموفق (٥) وغيره، وجزم به في "الإقناع" (٦) وغيره، والقول قوله في نيته. ولو زوج عبدَه بمطلقته ثلاثًا، ثمَّ وهبها العبدَ أو بعضَه ليفسخَ نكاحها، لم يصح النكاح، نصًا، وهو محلل نيته كنية الزوج. ولو دفعت الزوجة مالًا هبة لمن تثق به ليشتري مملوكًا، فاشتراه،

стр. 2858

وزوجه بها، ثمَّ وهبه لها، انفسخ النكاح، ولم يكن هناك تحليل مشروط ولا منوي ممن تؤثر نيته، وهو الزوج، فإن ذلك يحلها، كما في "إعلام الموقعين" (١)، و"الإقناع" (٢)، واختار جماعة: لا، قال العلامة الشيخ مرعي في "غايته" (٣): وهو أصح، انتهى. قال المُنقِّح: الأظهرُ عدم الإحلال (٤). قلت: قواعد المذهب تأبى إحلالها، والله الموفق.

стр. 2859

الحديث الحادي عشر عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ على الثَّيِّبِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبِ على البِكْرِ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: ولَو شِئْتُ، لَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (١).

стр. 2860

(عن) أبي حمزة (أنسِ بنِ مالك ﵁، قال: من السنة) الذي اختاره أكثر أهل الأصول أن قول الراوي: من السنة كذا [له] حكمُ المرفوع؛ لأنه ينصرف بحسب الظاهر إلى سنّة النبي ﷺ ، وإن كان يحتمل أن يقول ذلك على اجتهادٍ رآه، إلا أن الأظهر خلافه (١). قال في "التحرير وشرحه" (٢): هو كمرفوع صريحًا عند العلماء. قال ابن الصلاح: حكم ذلك عند أهل العلم حكمُ المرفوع صريحًا (٣)، انتهى. وفي "الفتح": قوله: قال: من السنّة؛ أي: سنّة النبي ﷺ ، هذا الذي يتبادر إلى الفهم من قول الصحابي (٤). (إذا تزوج) الرجلُ (البكرَ على الثيب) أي: تكون عنده امرأة، فيتزوج معها بكرًا. قال ابن دقيق العيد: هذا الحق للبكر والثيب إنما هو فيما إذا كانتا متجددتين على نكاح امرأة قبلهما، فلا يقتضي أنه ثابت لكل متجددة، وإن لم يكن قبلها غيرها (٥)، (أقام عندها سبعًا) من الليالي خالصة لها غير داخلٍ في قَسْم. قال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أن ذلك حقٌّ للمرأة بسبب

стр. 2861

الزفاف، قال: وسواء كان عنده زوجة، أولا (١). وحكى النّوويّ من الشافعية: أنه يستحب إذا لم يكن عنده غيرها، وإلا، فيجب (٢). قال في "الفتح": وهذا يوافق كلامَ أكثر الأصحاب، واختار النّوويّ: أن لا فرق، وإطلاق الشّافعيّ يعضده (٣). قلت: وهذا ظاهرُ إطلاق علمائنا، فإنهم قالوا: ومن تزوج بكرًا، أقام عندها سبعًا خالصة ثمَّ دار (٤)، لكن يدل للأول قولُه في الحديث: "إذا تزوج البكر على الثيّب". ويمكن أن يتمسك الآخر بسياق حديث بشر عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس: ولو شئت أن أقول قال النبي ﷺ ، ولكن قال: السنّة إذا تزوج البكر، أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب، أقام عندها ثلاثًا، فلم يقيده بما إذا تزوجها على غيرها، لكن القاعدة أن المطلق يحمل على المقيد، بل ثبت في رواية خالد التقييد -أيضًا-، فعند "مسلم" من طريق هشيم عن خالد: "إذا تزوج البكر على الثيّب" الحديث (٥)، ويؤيده -أيضًا- قوله في هذا الحديث: (وقَسَم)، وفي لفظٍ: ثمَّ قسم (٦)؛ لأن القَسْم إنما يكون لمن عنده زوجةٌ أخرى (٧).

стр. 2862

(وإذا تزوج) الرجلُ المرأةَ (الثيبَ على البِكر، أقامَ عندها)؛ أي: الثيبِ (ثلاثًا) من الليالي خالصة لها (ثمّ قَسَمَ) بعد ذلك لنسائه. وفي الحديث حجة على الكوفيين في قولهم: إن البكر والثيب سواء في الثلاث، وعلى الأوزاعي في قوله: للبكر ثلاث، وللثيب يومان. وفيه حديث مرفوع عن عائشة ﵂ أخرجه الدارقطني بسندٍ ضعيف جدًا (١)، وخص من عموم الحديث ما لو أرادت الثيب أن يكمل لها السبع، فإنه إذا أجابها، سقط حقها من الثلاث، وقضى السبع لغيرها (٢). قال علماؤنا ومن وافقهم: ويقيم عند الثيب ثلاثًا وإن شاءت، وقيل: أو هو سبعًا، فعل، وقضى الكل (٣)، لما أخرجه مسلم من حديث أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ لما تزوجها، أقام عندها ثلاثًا، وقال: "إنه ليس بك هوان على أهلك، إن شئتِ سَبَّعْتُ لكِ، وإن سبعتُ لكِ، سبعت لنسائي"، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه (٤). ورواه الدارقطني بلفظ: إن النبي ﷺ قال لها حين دخل بها: "ليس بك هوان على أهلك، إن شئتِ، أقمت عندك ثلاثًا خالصة لك، وإن شئتِ، سبعتُ لك، وسبعتُ لنسائي"، قالت: تقيم معي ثلاثًا خالصة (٥).

стр. 2863

وفي رواية: أنه ﷺ لما أراد أن يخرج، أخذت أم سلمةَ بثوبه، فقال: "إن شئتِ، زدتُك، وحاسبتك به، للبكر سبعٌ، وللثيب ثلاث" رواه مسلم (١). (قال أبو قِلابة) -بكسر القاف وتخفيف اللام وبالباء الموحدة-، اسمه عبدُ الله بنُ زيدِ بنِ عمرو، وقيل: عامر، الأنصاريُّ الجَرْميُّ نسبةً إلى جَرم -بفتح الجيم وسكون الراء- ابنِ رَبَّان -بفتح الراء وتشديد الباء الموحدة- بنِ ثعلبةَ البصريُّ، روى عن ثابت بن الضحاك الأنصاري، وأنسِ بن مالك، ومالكِ بن الحويرث، والنعمانِ بن بشير، وغيرِهم، وسمع عن جماعة من التابعين -أيضًا-، وتقدمت ترجمته في باب: صفة صلاة النبي ﷺ . (ولو شئتُ، لقلت: إن أنسًا) ﵁ (رفعه)؛ أي: الحديثَ المذكور (إلى النبي ﷺ )؛ كأنه يشير إلى أنه لو صرّح برفعه إلى النبي ﷺ ، لكان صادقًا، ويكون روي بالمعنى، وهو جائز عنده، لكنه رأى أن المحافظة على اللفظ أولى (٢)، وقد صرح برفعه ابنُ خزيمة، وابنُ حبان، والدارميُّ، والدارقطنيُّ (٣). وقال الإمام ابنُ القيم في "الهدي": وهذا الذي قاله أبو قِلابة قد جاء به مصرّحًا عن أنس، كما رواه البزار في "مسنده" من طريق أيوب السختياني

стр. 2864

عن أبي قِلابة، عن أنس: أن النبي ﷺ جعل للبكر سبعًا، وللثيب ثلاثًا، وكذا رواه غيره (١)، والله أعلم. تنبيه: قد تكلم بعض العلماء في حكمة مشروعية اختصاص البكر بسبع، والثيبِ بثلاث، فقيل: هو حق للمرأة على الزوج، لأجل إيناسها به، وإزالة الحشمة عنها لتجدده (٢)، ولهذا كانت البكر أشد نفورًا وأبعد إيناسًا، زادت لياليها عن الثيب، لتقدم ارتياضها وإلفها مع الرجل في الجملة. وفي "شرح الوجيز" من متأخري علمائنا: إنما خصت البكر بالزيادة؛ لأن حياءها أكثر، والثلاث مُدَّة معتبرة في الشرع والسبع؛ لأنها أيام الدنيا، وما زاد عليها يتكرر، وحينيذٍ يقطع الدور، انتهى. وقيل: بل هو حقٌّ للزوج على المرأة، وهذا ليس بشيء، وأفرط بعض فقهاء المالكية، فجعل مقامه عندها عذرًا في إسقاط الجمعة. قال: ابن دقيق العيد: وهو ساقطٌ منافٍ للقواعد، فإن مثل هذا من الآداب والسنن لا يُترك له الواجب، ولما شعر بهذا بعض المتأخرين، وأنه لا يصلح أن يكون عذرًا، توهم أن قائله يرى الجمعة فرضَ كفاية، قال: وهذا فاسد جدًا؛ لأن قول هذا القائل متردد يحتمل أن يكون جعله عذرًا، أو أخطأ في ذلك، وتخطئته في هذا أولى من تخطئته فيما دلت عليه النصوصُ وعملُ الأمة على وجوب الجمعة على الأعيان (٣)، انتهى. وفي "الفتح" للحافظ ابن حجر: يكره أن يتأخر في السبع أو الثلاث عن

стр. 2865

صلاة الجماعة، وسائرِ أعمال البر التي كان يفعلها، نصّ عليه الشّافعيّ. وقال الرافعي: هذا في النهار، وأما في الليل، فلا؛ لأن المندوب لأن يُترك له الواجب، فعدوا هذا من الأعذار في ترك الجماعة (١)، وهذا على أصلهم ومذهبهم من كون الجماعة سنّة أو فرضَ كفاية على الخلاف، وأما على قواعد مذهبنا، فليس هذا عذرًا في ترك جمعة ولا جماعة، اللهم إلا أن يخاف عليها ضررًا، والله أعلم.

стр. 2866

الحديث الثاني عشر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأَتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ في ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهْ الشَّيْطَانُ أَبدًا" (١).

стр. 2867

(عن) حبر الأمة عبدِ الله (بنِ عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لو أن أحدكم)، وفي لفظ للبخاري: "أما لو أن أحدهم" (١)، وفي آخر له: "أما إن أحدكم" (٢) (إذا أراد أن يأتي أهله) يعني: زوجته، وكَنَّى بالإتيان عن الجماع كما هو عادته ﷺ أن يكني عن الأمور المستفظعة، كتكنيته عن الفرج بالهن، وعن الجماع بالمخالطة والمواقعة، وكذا الجماعُ كنى به عن فعل الوطء، والوطء كني به عما هو معلوم. وفي رواية عند الإسماعيلي: "أما إن أحدكم لو يقول حين يجامع أهله"، وهو ظاهر في أن القول يكون مع الفعل، ولكن الأولى حمله على ما في رواية "الصحيحين": أنه يكون عند إرادة الجماع (٣)، فإذا أراد أن يجامع أهله، (قال: باسم الله، اللهم جنبنا)، وفي بعض الروايات: "جنبني" بالإفراد (٤). (الشيطان)؛ أي: أبعدنا عنه، (وجنب)؛ أي: أبعد (الشيطانَ ما رزقتنا)؛ أي: من الّذي رزقتناه من الولد والذرية، (فإنه)؛ أي: الشأن والأمر. (إن يقدر بينهما)؛ أي: الزوجين (ولد) من ذكر أو أنثى (في ذلك) الجماعِ، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاريّ: "ثمَّ قدر بينهما ولد، أو قضي ولد" كذا بالشك (٥)، وزاد في رواية الكشميهني: "ثمَّ قدر بينهما في ذلك"؛

стр. 2868

أي: الحال "ولد" (١)، وفي رواية سفيان بن عينية عن منصور: "فإن قضى الله بينهما ولدًا"، ومثله في رواية إسرائيل (٢)، وفي رواية شعبة: "فإن كان بينهما ولد" (٣). (لم يضره الشيطان أبدًا)، وفي لفظٍ: "لم يضره شيطان أبدًا" (٤)، وفي لفظٍ للبخاري -أيضًا-: "لم يضره الشيطان، ولم يُسَلَّط عليه" (٥)، وفي رواية شعبة عند الإمام أحمد ومسلم: "لم يُسَلَّط عليه الشيطان"، أو: "لم يضره الشيطان" (٦)، وفي لفظٍ عند الإمام أحمد: "لم يضرَّ ذلك الولدَ الشيطانُ أبدًا" (٧)، وفي مرسل الحسن عند عبد الرزاق: "إذا أتى الرَّجلُ أهلَه، فليقل: باسم الله، اللهم باركْ لنا فيما رزقتنا، ولا تجعل للشيطان نصيبًا فيما رزقتنا" وكان يرجى إن حملت أن يكون ولدًا صالحًا (٨)؛ يعني: أنه بسبب الذكر المذكور لا يكون للشيطان المبعود المدحور على الولد سلطان، فيكون من المحفوظين. قال في "الفتح": واختلف في الضرر المنفي بعدَ الاتفاق على ما نقل عياض على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر (٩)، وإن كان ظاهرًا

стр. 2869

في الحمل على عموم الأحوال من صيغة النفي مع التأبيد، وكان سبب ذلك ما ثبت وصح عنه ﷺ كما في "الصحيح": أن كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد، إلا من استثني (١)، فإن في هذا الطعن نوعَ ضرر في الجملة، مع أن ذلك سبب صُراخه، ثمَّ اختلفوا، فقيل: المعنى: لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، ويؤيده مرسَل الحسن المذكور. وقيل: المراد: لم يطعن في بطنه، وهو بعيد، لمنابذته لظاهر حديث أبي هريرة عند الشيخين: أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مولود إلا ينخسه الشيطان، فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان، إلا ابنَ مريمَ وأمَّه"، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢) [آل عمران: ٣٦]. وفي بعض طرق البخاري: "كلّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بإصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم، ذهب يطعن، فطعن [في] الحجاب" (٣)، فليس تخصيص حديث أبي هريرة بأولى من تخصيص هذا. وقيل: المراد: لم يصرعه. وقيل: لم يضره في بدنه.

стр. 2870

وقال: ابن دقيق العيد: يحتمل ألَّا يضره في دينه -أيضًا- (١)، ولكن يبعده انتفاء العصمة، وتعقب بأن اختصاص من خص بالعصمة بطريق الوجوب لا بطريق الجواز، فلا مانع أن يوجد من لا تصدر منه معصية عمدًا، وإن لم يكن ذلك واجبًا له. وقال: الداودي: معنى لم يضره: لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية. وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه، كما جاء عن مجاهد: أن الذي يجامع ولا يسمي، يلتف الشيطان على إحليله، فيجامع معه، رواه ابن جرير في "تهذيب الآثار"، ولفظه عن مجاهد، قال: إذا جامع الرجل، ولم يسم، انطوى الجان على إحليله، فجامع معه، فذلك في قوله -تعالى-: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (٢) [الرحمن: ٧٤]. قال في "الفتح": ولعل هذا -يعني: ما في ضمن خبر مجاهد- أقربُ الأجوبة، ويتأيد الحمل على الأول بأن الكثير ممن يعرف هذا الفضل العظيم قد يذهل عنه عند إرادة المواقعة، والقليل الذي قد يستحضره ويفعله لا يقع معه الحملة، فإذا كان ذلك نادرًا، لم يبعد. وفي الحديث من الفوائد: استحبابُ التسمية والدعاء والمحافظة على ذلك في حالة الملاذ، كالوقاع، وفيه الاعتصام بذكر الله ودعائه من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستعاذة به من جميع الأسواء، وفيه إشعار بأن الشيطان ملازم لابن آدم، لا ينطرد عنه إلا إذا ذكر الله -تعالى- (٣).

стр. 2871

تنبيهات: الأول: قال شيخنا العلامة الشهاب المنيني الحنفي (١): إن قلت: لم خولف الأسلوب السابق في قوله ﷺ : "اللهم جنبنا الشيطان"، وكان المطابقة له "وجنب ما رزقتنا الشيطان"؟ قلت: لما كانت بهمجانبة الشيطان من الدواعي متأتية بالاعتصام بهذا الدعاء وبغيره، أرشده ﷺ إلى التوسل بإقدار الله -تعالى- عليه، ولما كان ما يُرْزَقه هذا الداعي لا تتأتى منه المجانبة في تلك الحالة إذ هو نطفة، أرشده ﷺ إلى الدعاء بمجانبة الشيطان إياه؛ لأن المجانبة من طرفه غير متأتية. فإن قلت: هلا غَيَّرَ الأسلوبَ الأول إلى الثاني، فتيطابق الأسلوبان، ويحصل المقصود -أيضًا-؛ لأن كل من جانبك فقد جانبته؟ قلت: لم يغير لنكتتين: إحداهما لفظية، والأخرى معنوية. أما اللفظية، فتأتي [من] اتصال الضمير في "جنبنا"، إذ لا يعدل إلى الانفصال مع إمكان الاتصال. وأما المعنوية: فلأن المجانبة لو كانت من قبل الشيطان بترك الوسوسة مثلًا، لم يكن للعبد في ذلك فضيلة ولا ثواب، بخلاف ما إذا كانت من طرف العبد، فإن فيها كفاية لنفسه عن متابعة الشيطان، وله في مباعدة نفسه عن متابعته ثواب، فهو يسأل الله -تعالى- أن يجعله مجانبًا له، ليأمن من غوائل موافقته ويُثاب على المجاهدة والمثابرة على مخالفته.

стр. 2872

ثمَّ قال: هذا ماظهر لي من بعض أسرار هذا التعبير من البشير النذيره، ومن فمه سمعته، ومن خطه نقلته. قلت: وفي حديث أبي أمامة ﵁ عند الطبراني: "جنبني وجنب ما رزقتنا من الشيطان الرجيم" (١)، ففي هذا الحديث المجانبة من طرف المرزق [كالمجامع] (٢)، والله أعلم. الثاني: روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن ابن مسعود مرفوعًا: أنه إذا أنزل يقول: "اللهم لا تجعل للشيطان فيما رزقتني نصيبًا" (٣). قال علماؤنا: فيستحب أن يقول ذلك عند إنزاله. قال في "شرح الوجيز": وهو حسن (٤). الثالث: قال ابن نصر الله: وتقول المرأة -أيضًا- الذكر، يعني: أنه يشرع لها أن تقول: "باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا". قال: ولم أجده في كلام أصحابنا (٥)، والله الموفق.

стр. 2873

الحديث الثالث عشر عَنْ عُقْبهَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إيَّاكُمْ وَالدُّخُولُ عَلَى النِّسَاءِ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قال: "الحَمُوْ: المَوْتُ" (١). وَلِمُسْلِم عَنْ أَبي الطَّاهِرِ، عَنْ ابنِ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ: الحَمُوْ: أَخو الزَّوْجِ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ، كابْنِ العَمِّ وَنَحْوِهِ (٢).

стр. 2874

(عن) أبي حماد (عقبةَ بنِ عامرٍ) الجهنيِّ (﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إياكم والدخولَ على النساء) بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليحترز منه، كما قيل: إياك والأسدَ، فقوله: "إياكم" مفعول بفعل مضمر تقديره: اتقوا، وتقدير الكلام: اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يدخلن عليكم. ووقع في رواية: "لا تدخلوا على النساء" (١). وتضمن: منعُ الدخول منعَ الخلوة بها بطريق الأولى (٢)، (فقال رجل من الأنصار) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسميته (٣): ([يا رسول الله] أفرأيت الحمو؟، قال) ﷺ : (الحمو) هو (الموتُ). (ولمسلم) منفردًا به عن البخاري (عن أبي الطاهر) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح، مولى عتبة بن أبي سفيان الأموي، فقيه كبير مصري، يروي عن سفيان بن عينية، وعبد الله بن وهب، وخلق، روى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وقال: ثقة، وابن ماجه، وغيرهم، مات يوم الاثنين رابع عشر خلت من ذي القعدة سنة خمسين ومئتين وعمره ثمانون سنة (٤). (عن) الإمام عبد الله (بنِ وَهْب) هو أبو محمّد عبدُ الله بنُ وهب المصريُّ القرشيُّ الفِهْريُّ، مولى أبي عبد الرحمن يزيدَ بنِ أنسٍ الفهري، فقيه كبير، سمع مالكًا، وما كتب

стр. 2875

مالكٌ ﵁ لأحد وعنونه بالفقيه إلاله، وسمع سفيانَ الثوري، وابن أبي ذئب، وابنَ جريج، والليث، وعبدَ العزيز بنَ محمّد الداودي، وخلقًا كثيرًا. وحكى الحافظ عبد الغني المصنف -قدس الله روحه-: أن الذين سمع منهم ابنُ وهب نحوُ أربع مئة رجل. وروى عنه: الليث بن سعد، وسعيد بن أبي مريم، ويحيى بن بكير، وقتيبة بن سعيد، وآخرون. وقال ابن أبي حاتم: نظرت في نحو ثلاثين ألف حديث من حديث ابن وهب في غير مصرة، لا أعلم أني رأيت حديثًا إلا أصلُه له. وقال أحمد بن صالح: حدث ابن وهب بمئة ألف حديث، وقرىء عليه تصنيفه في أحوال يوم القيامة، فخرّ مغشيًا عليه، فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد أيام بمصر سنة سبع وتسعين ومئة، أخرج له الجماعة (١). (قال) ابن وهب -رحمه الله تعالى-: (سمعت الليثَ) يعني: ابنَ سعدِ بنِ عبد الرحمن الإمامَ المجتهدَ، يكنى: أبا الحارث، فقيه أهل مصر، يقال: إنه مولى خالد بن ثابت الفَهَمْي -بفتح الفاء وسكون الهاء-، وأهل بيته يقولون: إنه من الفرس، والأول هو المشهور. قال ابن حبان: قال الإمام الشّافعيّ ﵁: كان الليث أفقهَ من مالك، إلا أنه ضيعه أصحابه.
следующие страницы →