← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

تنبيهات: الأول: قال شيخنا العلامة الشهاب المنيني الحنفي (١): إن قلت: لم خولف الأسلوب السابق في قوله ﷺ : "اللهم جنبنا الشيطان"، وكان المطابقة له "وجنب ما رزقتنا الشيطان"؟ قلت: لما كانت بهمجانبة الشيطان من الدواعي متأتية بالاعتصام بهذا الدعاء وبغيره، أرشده ﷺ إلى التوسل بإقدار الله -تعالى- عليه، ولما كان ما يُرْزَقه هذا الداعي لا تتأتى منه المجانبة في تلك الحالة إذ هو نطفة، أرشده ﷺ إلى الدعاء بمجانبة الشيطان إياه؛ لأن المجانبة من طرفه غير متأتية. فإن قلت: هلا غَيَّرَ الأسلوبَ الأول إلى الثاني، فتيطابق الأسلوبان، ويحصل المقصود -أيضًا-؛ لأن كل من جانبك فقد جانبته؟ قلت: لم يغير لنكتتين: إحداهما لفظية، والأخرى معنوية. أما اللفظية، فتأتي [من] اتصال الضمير في "جنبنا"، إذ لا يعدل إلى الانفصال مع إمكان الاتصال. وأما المعنوية: فلأن المجانبة لو كانت من قبل الشيطان بترك الوسوسة مثلًا، لم يكن للعبد في ذلك فضيلة ولا ثواب، بخلاف ما إذا كانت من طرف العبد، فإن فيها كفاية لنفسه عن متابعة الشيطان، وله في مباعدة نفسه عن متابعته ثواب، فهو يسأل الله -تعالى- أن يجعله مجانبًا له، ليأمن من غوائل موافقته ويُثاب على المجاهدة والمثابرة على مخالفته.

стр. 2872

ثمَّ قال: هذا ماظهر لي من بعض أسرار هذا التعبير من البشير النذيره، ومن فمه سمعته، ومن خطه نقلته. قلت: وفي حديث أبي أمامة ﵁ عند الطبراني: "جنبني وجنب ما رزقتنا من الشيطان الرجيم" (١)، ففي هذا الحديث المجانبة من طرف المرزق [كالمجامع] (٢)، والله أعلم. الثاني: روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن ابن مسعود مرفوعًا: أنه إذا أنزل يقول: "اللهم لا تجعل للشيطان فيما رزقتني نصيبًا" (٣). قال علماؤنا: فيستحب أن يقول ذلك عند إنزاله. قال في "شرح الوجيز": وهو حسن (٤). الثالث: قال ابن نصر الله: وتقول المرأة -أيضًا- الذكر، يعني: أنه يشرع لها أن تقول: "باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا". قال: ولم أجده في كلام أصحابنا (٥)، والله الموفق.

стр. 2873

الحديث الثالث عشر عَنْ عُقْبهَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إيَّاكُمْ وَالدُّخُولُ عَلَى النِّسَاءِ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قال: "الحَمُوْ: المَوْتُ" (١). وَلِمُسْلِم عَنْ أَبي الطَّاهِرِ، عَنْ ابنِ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ: الحَمُوْ: أَخو الزَّوْجِ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ، كابْنِ العَمِّ وَنَحْوِهِ (٢).

стр. 2874

(عن) أبي حماد (عقبةَ بنِ عامرٍ) الجهنيِّ (﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إياكم والدخولَ على النساء) بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليحترز منه، كما قيل: إياك والأسدَ، فقوله: "إياكم" مفعول بفعل مضمر تقديره: اتقوا، وتقدير الكلام: اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يدخلن عليكم. ووقع في رواية: "لا تدخلوا على النساء" (١). وتضمن: منعُ الدخول منعَ الخلوة بها بطريق الأولى (٢)، (فقال رجل من الأنصار) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسميته (٣): ([يا رسول الله] أفرأيت الحمو؟، قال) ﷺ : (الحمو) هو (الموتُ). (ولمسلم) منفردًا به عن البخاري (عن أبي الطاهر) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح، مولى عتبة بن أبي سفيان الأموي، فقيه كبير مصري، يروي عن سفيان بن عينية، وعبد الله بن وهب، وخلق، روى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وقال: ثقة، وابن ماجه، وغيرهم، مات يوم الاثنين رابع عشر خلت من ذي القعدة سنة خمسين ومئتين وعمره ثمانون سنة (٤). (عن) الإمام عبد الله (بنِ وَهْب) هو أبو محمّد عبدُ الله بنُ وهب المصريُّ القرشيُّ الفِهْريُّ، مولى أبي عبد الرحمن يزيدَ بنِ أنسٍ الفهري، فقيه كبير، سمع مالكًا، وما كتب

стр. 2875

مالكٌ ﵁ لأحد وعنونه بالفقيه إلاله، وسمع سفيانَ الثوري، وابن أبي ذئب، وابنَ جريج، والليث، وعبدَ العزيز بنَ محمّد الداودي، وخلقًا كثيرًا. وحكى الحافظ عبد الغني المصنف -قدس الله روحه-: أن الذين سمع منهم ابنُ وهب نحوُ أربع مئة رجل. وروى عنه: الليث بن سعد، وسعيد بن أبي مريم، ويحيى بن بكير، وقتيبة بن سعيد، وآخرون. وقال ابن أبي حاتم: نظرت في نحو ثلاثين ألف حديث من حديث ابن وهب في غير مصرة، لا أعلم أني رأيت حديثًا إلا أصلُه له. وقال أحمد بن صالح: حدث ابن وهب بمئة ألف حديث، وقرىء عليه تصنيفه في أحوال يوم القيامة، فخرّ مغشيًا عليه، فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد أيام بمصر سنة سبع وتسعين ومئة، أخرج له الجماعة (١). (قال) ابن وهب -رحمه الله تعالى-: (سمعت الليثَ) يعني: ابنَ سعدِ بنِ عبد الرحمن الإمامَ المجتهدَ، يكنى: أبا الحارث، فقيه أهل مصر، يقال: إنه مولى خالد بن ثابت الفَهَمْي -بفتح الفاء وسكون الهاء-، وأهل بيته يقولون: إنه من الفرس، والأول هو المشهور. قال ابن حبان: قال الإمام الشّافعيّ ﵁: كان الليث أفقهَ من مالك، إلا أنه ضيعه أصحابه.

стр. 2876

ولد بقرية في أسفل مصر سنة أربع وتسعين، وقيل: اثنتين وتسعين، وقيل: ثلاثة. روى عن عطاء بن أبي رباح، والزهري، وابن أبي مليكة، وسعيد المقبري، ونافع، وغيرهم. وحدث عنه: هشيم، وابن المبارك، وابن وهب، ويحيى بن بكير، وغيرهم. وقدم بغداد سنة إحدى وستين ومئة، وعرض عليه المنصور ولاية القضاء، فأبى واستعفى. قال يحيى بن بكير: ما رأيت أحدًا أكملَ من الليث بنِ سعد. وقال ابنُ وهب: كل ما في كتاب مالك: أخبرني مَنْ أرضى من أهل العلم، فهو الليث بن سعد. وقال قتيبة بن سعيد: كان الليث بن سعد يستغل في كل سنة عشرين ألف دينار، وما وجبت عليه زكاة. مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومئة، في قول ابن بكير. وقال ابن حبان: إنه مات سنة ست أو سبع وسبعين ﵀، ورضي عنه- (١).

стр. 2877

(يقول) في تفسير الحمو (الحَمُوْ) -بفتح الحاء المهملة وضم الميم ثمَّ واو بعدها ساكنة بلا همز- كما جاءت الرواية به كما في "المطالع". قال: وفيه لغات هذه إحداها، ويقال: هذا حَمُك، ورأيت حَمَك، ومررت بحَمِك، ويقال بالهمز: هذا حَمُؤُك، ورأيت حَمَأَك (١)، والحاصل: أن فيه خمس لغات، منها: إلزامُه الألف في حالاته الثلاث مثل فتاك. وقال في "الفتح": واختلف في ضبط الحمو، فصرح القرطبي بأن الذي وقع في هذا الحديث: حمؤ -بالهمز- (٢)، وأما الخطابي، فضبطه بواو غير همز؛ لأنه قال: إنه وزن دَلْو (٣)، وهو الذي اقتصر عليه أبو عبيد الهروي (٤)، وابن الأثير (٥)، وغيرهما، وهو الثابت في روايات البخاري، وفيه لغتان أخريان: إحداهما: حَمْ بوزن أخ، والأخرى: حمى بوزن عصى، ويخرج من ضبط المهموز تحريك الميم لغة أخرى خامسة حكاها صاحب "المحكم"، انتهى (٦). (أخو الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج كابن العم ونحوه)، ووقع عند الترمذي: يقال: هو أخو الزوج، كره له أن يخلو بها، قال: ومعنى الحديث على نحو ما روي: "لا يخلونّ رجلٌ بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان" (٧)، انتهى.

стр. 2878

والحديث الذي أشار إليه أخرجه الإمام أحمد من حديث عامر بن ربيعة ﵁ (١) -. قال: النَّوويُّ: اتفق أهل اللُّغة على أن الأسماء أقاربُ زوج المرأة، كأبيه، وعمه، وأخيه، وابن أخيه، وابن عمه، ونحوهم، وأن الأختانَ أقاربُ زوجة الرجل، وأن الأصهار يقع على النوعين (٢)، انتهى. وقد اقتصر أبو عبيد، وتبعه ابن فارس، والداودي، على أن الحمو أبو الزوجة، زاد ابن فارس: وأبو الزوج، يعني: أن والد الزوج حمو المرأة، ووالد الزوجة حمو الرجل، وهذا الذي عليه عرف الناس اليوم. قال: الأصمعي، وتبعه الطّبريّ، والخطابي: ما نقله النّوويّ، وكذا نقل عن الخليل، ويؤيده قول عائشة ﵂: ما كان بيني وبين علي إلا ما كان بين المرأة وأحمائها (٣). وقد قال: النّوويُّ: المراد في الحديث: أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه؛ لأنهم محارم الزوجة، يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت. قال: وإنما المراد: الأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم، وابن الأخت، ونحوهم ممن يحل له تزويجها لو لم تكن متزوجة، وقد جرت العادة بالتساهل فيه، فيخلو الأخ بامرأة أخيه، فشبهه بالموت، وهو أولى بالمنع من الأجنبي (٤)، انتهى. وقد جزم التّرمذيّ وغيره -كما تقدم-، وتبعه المازري بأن الحمو

стр. 2879

أبو الزوج، وأشار المازري إلى أنه ذكر للتنبيه على منع غيره بطريق الأولى، وتبعه ابن الأثير في "النهاية" (١). ورده النّوويّ، فقال: هذا كلام فاسد مردود، ولا يجوز حملُ الحديث عليه (٢)، انتهى. وفي "الفروع" للإمام العلامةِ ابنِ مفلح: وليكن -يعني: الزوج- غيورًا، قال ﷺ : "إياكم والدخول على النساء"، وذكر الحديث (٣)، وقال ﷺ : "أتعجبون من غيرة سعد؟! لأنا أغيرُ منه، والله أغيرُ مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهرَ منها وما بَطَنَ" (٤). قال الشاعر: [من الكامل] لَا يَأْمَنَنَّ عَلَى النِّسَاءِ أَخٌ أَخًا ... مَا فِي الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ أَمِينُ إِنَّ الأَمِينَ وَإِنْ تَحَفَّظَ جُهْدَهَ ... لابُدَّ أَنَّ بِنَظْرَةٍ سَيَخُونُ (٥) والحاصل: عدمُ جواز الخلوة بالأجنبيات دون المحارم، وهذا الذي استقرت عليه مذاهب الناس من الشريعة الغراء، والله -تعالى- الموفق.

стр. 2880

باب الصداق وهو العَوِضُ المسمَّى في عَقْد النكاح، وما قام مقامَه، وفيه خمس لغات: صَدِاق -بفتح الصادِ المهملة، وبكسرها-، وصَدُقة -بفتح الصاد وضم الدال المهملتين-، وصُدْقة -بسكون الدال مع ضم الصاد وفتحها- كما في "المطلع"، وله ثمانية أسماء: الصداق، والمهر، والنحلة، والفريضة، والأجر، والعُقْر -بضم العين المهملة وسكون القاف-، والحِباء -بكسر الحاء المهملة ممدودًا-، والعلائق، وقد نظمها صاحب "المطلع" في قوله: [من الطويل] صدَاقٌ وَمَهْرٌ نِحْلَةٌ وَفَرِيضَةٌ ... حِبَاءٌ وَأَجْرٌ ثُمَّ عُقْرٌ عَلَائِقُ يقال: أصدقت المرأة، ومهرتها، وأمهرتها، نقلهما الزجاج وغيره (١). والأصلُ في مشروعيته: الكتابُ والسنّةُ والإجماعُ: أما الكتاب، فقوله -تعالى-: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤].

стр. 2881

وأما السنّة: فما سيذكر بعضه. وأجمع المسلمون على مشروعيته. وذكر الحافظ -رَوَّحَ الله روحه- في هذا الباب ثلاثة أحاديث.

стр. 2882

الحديث الأول عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا (١). * * * (عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ مالك ﵁: أن النبي ﷺ أعتق

стр. 2883

صفيةَ) بنتَ حُيَيِّ بنِ أخطبَ أُمَّ المؤمنين ﵂، وتقدمت ترجمتها في "الاعتكاف"، (وجعل) ﷺ (عتقَها صداقَها)، أخذ بهذا الإمام أحمد ﵁. قال الإمام ابن القيم في "الهدي": ثبت عنه ﷺ : أنه أعتق صفية ﵂، وجعل عتقها صداقها، قيل لأنس بن مالك ﵁: ما أصدقَها؟ قال: أصدقَها نفسَها (١). وقد ذهب إلى جواز ذلك عليُّ بن أبي طالب ﵁، وفعله أنسُ بن مالك، وهو مذهب أعلم التابعين وسيدهم سعيدِ بنِ المسيب، وأبي سلمةَ بنِ عبد الرحمن، والحسنِ البصري، والزهري، وإسحاق (٢)، انتهى. وفي "شرح البخاريّ" للحافظ ابن حجر: أنه ذهب للقول بصحة ذلك -أيضًا-: إبراهيمُ النخعي، وطاوس، والزهري، ومن فقهاء الأمصار: الثوري، وأبو يوسف، فقال هؤلاء كإمامنا: إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها، صح العتق والعقد والمهر على ظاهر الحديث. وقول أنس ﵁: أمهرها نفسَها (٣)، ظاهر جدًا في أن المجعول مهرًا هو نفس العتق. وأجاب من لم يقل بصحة ذلك بأجوبة عن ظاهر هذا الحديث، منها: أنه أعتقها بشرط أن يتزوجها، فوجب له عليها قيمتها، وكانت معلومة، فتزوجها بها.

стр. 2884

وقال بعضهم: بل جعل ﷺ نفسَ العتق المهرَ، ولكنه من خصائصه، فجعل الجواب عن ظاهر الحديث: أن ذلك من خصائص النبي ﷺ التي لا تشاركه فيها أمته، وممن جزم بذلك الماوردي من الشّافعيّة. وقال آخرون: قوله: أعتقها وتزوجها، معناه: أعتقها، ثمَّ تزوجها، فلما لم يعلم أنس ﵁ أنه ساق لها صداقًا، قال: أصدقها نفسَها؛ أي: لم يصدقها فيما أعلم، ولم ينف أصل الصداق. ومن ثمَّ قال أبو الطيب الطبري من الشّافعيّة، وابنُ المرابط من المالكية، ومن تبعهما: إن قول أنس قاله ظنًا من قِبل نفسه، ولم يرفعه، وربما تعللوا بما أخرجه البيهقي من حديث أميمة، ويقال: أمة الله بنت رزينة، عن أمها: أن النبي ﷺ أعتق صفية، وخطبها، وتزوجها، وأمهرها رزينة (١)، وكان أتى بها سبية من قريظة والنضير، وهذا لا تقوم به حجة، لضعف إسناده، ويعارضه ما أخرجه الطبراني، وأبو الشيخ من حديث صفية نفسها، قالت: أعتقني رسول الله ﷺ ، وجعل عتقي صداقي، رواه الأثرم -أيضًا (٢) -، وهذا موافق لحديث أنس، وفيه رد على من قال: إن أنسًا قال ذلك بناء على ما ظنه، ثمَّ إن هذا الحديث الذي ذكره البيهقي خلاف ما عليه كافة أهل السير من أن صفية من سبي خيبرو لا من سبي قريظة والنضير. وأجاب بعضهم: أن حديث أنس باحتمال أنه ﷺ أعتق صفية ﵂ بغير عوض، وتزوجها بغير مهر في الحال ولا في المآل. قال ابن الصلاح: معناه: أن العتق حلَّ محل الصداق، وإن لم يكن

стр. 2885

صداقًا، قال: وهذا كقولهم: الجوعُ زادُ من لا زادَ له، قال: وهذا الوجه أصحُّ الأوجه وأقربُها إلى لفظ الحديث. وتبعه النّوويّ في "الروضة" (١). قال في "الفتح": ومن المستغربات قولُ التّرمذيّ بعد أن أخرج الحديث: وهو قول الشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق. قال: وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقَها صداقَها حتى يجعل لها مهرًا سوى العتق، والقول الأول أصح، وكذا نقل ابن حزم عن الشافعي. قال الحافظ في "الفتح": والمعروف عند الشافعية أن ذلك لا يصح، لكن لعل مراد من نقله عنه صورة الاحتمال الأول، ولاسيما نص الشّافعيّ على من أعتق أمته على أن يتزوجها، فقبلت، عتقت، ولم يلزمها أن تتزوج به، لكن يلزمها له قيمتها؛ لأنه لم يرض بعتقها مجانًا، فصار كسائر الشروط الفاسدة، فإن رضيت وتزوجته على مهرٍ يتفقان عليه، كان لها ذلك المسمى، وعليها له قيمتها، فإن اتحداو تقاصا. قال في "الفتح": وممن قال بقول الإمام أحمد من الشافعية: ابنُ حبان، صرّح بذلك في "صحيحه" (٢). قال ابن دقيق العيد: الظاهرُ مع الإمام أحمد ومن وافقه، والقياسُ مع الآخرين، فيتردد الحال بين ظن نشأ عن قياس، وبين ظن نشأ عن ظاهر الخبر، مع كون ما تحتمله الواقعة من الخصوصية، وهي وإن كانت على خلاف الأصل، لكن يتقوى ذلك بكثرة خصائص النبي ﷺ في النكاح،

стр. 2886

وخصوصًا خصوصيته بتزويج الواهبة من قوله -تعالى-: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآية (١). وممن جزم بأن ذلك كان من خصائصه ﷺ : يحيى بن أكثم فيما أخرجه البيهقي، قال: وكذا نقله المزني عن الشافعي، قال: وموضع الخصوصية: أنه أعتقها مطلقًا، وتزوجها بغير مهر ولا ولي ولا شهود (٢)، وهذا بخلاف غيره (٣). قلت: وقد أطالوا في رد ظاهر الحديث بأقيسة جدلية وتخيلات فكرية لا طائل تحتها، وما دلّ عليه الحديث الصحيح هو الصحيح. ولذا قال: الإمام ابن القيم في "الهدي": والقول الأولُ هو الموافق للسنّة، وأقوال الصحابة، والقياس، فإنّه كان يملك رقبتها وملكها، فأزال ملكه عن رقبتها، وأبقى ملك المنفعة بعقد النكاح، فهو أولى بالجواز مما لو أعتقها واستثنى خدمتها (٤). تنبيه: معتمد مذهب الإمام أحمد ﵁: أنه إذا قال لأمته القِنِّ، أو المدَبَّرة، أو المكاتَبة، أو أُمِّ ولده، أو المعلَّقِ عتقُها على صفةٍ بشرطِ كونها تحلُّ له إذن: أعتقتك، وجعلت عتقك صداقك، أو جعلت عتق أمتي صداقَها، أو صداقُ أمتي عتقُها، أو قد أعتقتها، وجعلت عتقها صداقها، أو أعتقيها على أن عتقها صداقها، أو أعتقتك على أن أتزوجك وعتقك

стр. 2887

صداقك، صحَّ بشرط كونه متصلًا، نصًا، وأن يكون بحضرة شاهدين، نصّ عليه في رواية ابنه عبد الله -رحمهما الله ورضي عنهما-، وفي رواية مرجوحة عنه: أنه لا يصح حتى يستأنف نكاحها بإذثها، فإن أبت، فعليها قيمتها، وعنه رواية ثالثة: أنه يوكل رجلًا يزوجه إياها، وعلى معتمد المذهب: إن طلقها قبل الدخول بها، رجع عليها بنصف قيمتها وقتَ الاعتاق، فإن لم تكن قادرة، أُجبرت على الاستسعاء، نصًا، فإن أدت، أو فعلت ما يفسخ نكاحها؛ مثل أن أرضعت له زوجة صغيرة قبل الدخول، فعليها قيمة نفسها (١)، والله -تعالى- الموفق.

стр. 2888

الحديث الثاني عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَاَلَتْ: إنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقَامَتْ طَوِيلًا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! زَوِّجْنِيهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءَ تُصْدِقُهَا؟ "، فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِزَارُكَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ، جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا"، فَقَالَ: مَا أَجِدُ، قَالَ: "فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ"، فَالْتَمَسَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" (١).

стр. 2889

(عن) أبي العباس (سهلِ بنِ سعدِ) بنِ مالكٍ (الساعديِّ) الخزرجيِّ الأنصاريِّ (﵁) كان اسمه حَزْنًا، فسماه النبي ﷺ سهلًا، مات النبي ﷺ وله خمسَ عشرةَ سنةً، ومات سهلٌ بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وتقدمت ترجمته في أول باب: صلاة الجمعة: (أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة) هي: أم شريك، واسمها غُزِّيَّة -بضم الغين وتشديد الزاي مكسورة- من دوس من الأزد، وقيل: غُزَيلة -بضم الغين المعجمة وفتح الزاي- بنتُ دوران، وقيل: بنت جابر، وقيل: خولة بنت حكيم امرأةُ عثمان بن مظعون، وقيل: أُمُّ سليك العامرية، ويقال: الأنصارية، وقيل: اسمها ميمونة بنت حكيم، وقيل: بنت خزيمة الأنصارية، ذكره البرماوي (١).

стр. 2890

وفي "الفتح" ما نصه: وهذه المرأة لم أقف على اسمها. ووقع في "الأحكام" لابن الطلاع (١): أن خولة بنت حكيم، أو أم شريك، وهذا نقل عن اسم الواهبة الوارد في قوله -تعالى-: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ (٢) [الأحزاب: ٥٠]. وفي تفسير سورة الأحزاب من "الفتح" -أيضًا- من حديث عائشة ﵂: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن (٣)، هذا ظاهرٌ في أن الواهبة أكثر من واحدة، وذكر الواهبة في قصة حديث سهل، وذكر أخرى في حديث أنس: أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فقالت: إن لي ابنة، فذكرت من جمالها، فآثرتُكَ بها، فقال: "قد قبلتها"، فلم تزل تذكر حتى قالت: لم تُصْدع قط، فقال: "لا حاجة لي في ابنتك"، وأخرجه الإمام أحمد -أيضًا- (٤). قال الحافظ في "الفتح": وهذه امرأة أخرى بلا شك. وعند ابن أبي حاتم من حديث عائشة ﵂: التي وهبت نفسها للنبي هي خولة بنت حكيم (٥). قال: ومن الواهبات أم شريك،

стр. 2891

وأخرجه النّسائيّ من طريق عروة (١)، وعند أبي عبيدة معمرِ بنِ المثنى: أن من الواهبات فاطمة بنت شريح، وقيل: إن ليلى بنت الحُطيم ممن وهبت نفسها له ﷺ ، ومنهن زينبُ بنتُ خزيمة، جاء عن الشعبي، -وليس بثابت-. وخولة بنت حكيم، قال: وهو في هذا الصحيح (٢). ومن طريق قتادة عن ابن عباس، قال: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ هي ميمونةُ بنتُ الحارث وهذا منقطع، ورواه من وجهٍ آخر مرسل ضعيف (٣)، ويعارضه حديث سِماك عن عِكرمة، عن ابن عباس ﵄: لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأةٌ وهبت نفسها له، أخرجه الطبري، وإسناده حسن (٤)، والمراد: أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان مباحًا له؛ لأنه راجعٌ إلى إرادته، لقوله -تعالى-: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ (٥) [الأحزاب: ٥٠]، (فقالت) تلك المرأة: يا رسول الله! (إني) قد (وهبت نفسي لك). وفي لفظ: قال سهل بنُ سعدٍ الساعدي: إني لفي القوم عندَ رسول الله ﷺ إذ قامت امرأة (٦)، وفي لفظ: فيما نحن عند رسول الله ﷺ ، أتت امرأة إليه، وفي رواية سفيان الثوري عند الإسماعيلي: جاءت امرأة

стр. 2892

إلى النبي ﷺ وهو في المسجد، فأفاد تعيينَ المكان الذي وقعت فيه القصة (١). وفي لفظ: أنها قالت: إنها وهبت نفسها لله ورسوله (٢). في كلّ هذه الروايات حذفُ مضاف تقديرُه: أمر نفسي، أو نحوه، وإلا، فالحقيقة غير مرادة؛ لأن رقبة الحر لا تُملك، فكأنها قالت: أتزوجك من غير عوض (٣)، (فقامت طويلًا) كذا في رواية الإمام مالك، ومثله الثوري. وفي لفظ: أنها قالت: يا رسول الله! جئتُ أهبُ لك نفسي، فنظر إليها رسول الله ﷺ ، فصَعَّدَ النظرَ فيها وصَوَّبه، ثمّ طأطأَ رسولُ الله ﷺ رأسه، فلما نظرت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا، جلست، رواه مسلم (٤)، وأخرجه البخاري في باب التزويج على القرآن، وعلى غير صداق، وذكر فيه: أنها وهبت نفسها للنبي ﷺ ثلاث مرات، تعيد القول عليه، فلا يجيبها بشيء (٥). وفي بعض ألفاظه: أنه ﷺ قال لها: "ما لي اليوم بالنساء من حاجة" (٦). (فقال رجل)، وفي لفظ: فقام رجل (٧)، فقال: (يا رسول الله!

стр. 2893

زَوِّجنيها)، وفي لفظ عند البخاريّ وغيره: أنكحنيها (١) (إن لم يكن لك بها حاجة)، ولا يعارض هذا قوله ﷺ في رواية حماد بن زيد "لا حاجة لي"، لجواز أن تتجدد الرغبة فيها بعد أن لم تكن (٢). قال البرماوي: لم نصل إلى اسم الرجل الذي تزوج بها. وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": لم أقف على اسمه، لكن وقع في رواية معمر، والثوري عند الطبراني: فقام رجل أحسبه من الأنصار (٣)، وفي رواية زائدة عنده: فقال رجل من الأنصار (٤)، ووقع في حديث ابن مسعود ﵁: فقال رسول الله ﷺ : "من ينكح هذه؟ "، فقام رجل (٥)، (فقال) ﷺ : (هل عندك من شيء تُصْدِقُها؟). وفي حديث ابن مسعود: "ألك مال؟ " (٦) (فقال) الرجل: لا، واللهِ! يا رسولَ الله (ما عندي إلا إزاري هذا)، زاد في رواية هشام بن سعد: قال: "فلابد لها من شيء" (٧)، وفي رواية قال: والذي بعثك بالحق! ما أملك شيئًا (٨)، (فقال رسول الله ﷺ للرجل) لمّا عرض إزاره: (إزارُك إن

стр. 2894

أعطيتَها) يجوز في إزارك الرفع على الابتداء، والجملة الشرطية الخبر، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إياه؛ كما ثبت كذلك في رواية، ويجوز النصب على أنه مفعول ثان لأعطيتها، والإزارُ يذكَّر ويؤنَّث. وقد جاء هنا مذكرًا (جلست ولا إزارَ لك) فيه الإرشاد إلى المصالح من الكبير، والرفق بالرعية، وجملة "ولا إزار لك" جملة حالية (١) (فالتمسْ)؛ أي: اطلب، ومنه حديث: "من سلكَ طريقًا يلتمسُ فيه علمًا" (٢)؛ أي: يطلبه، وحديثُ عائشة: فالتمستُ عِقْدي (٣) (شيئًا) قَلَّ أو جَلَّ، (فقال) الرجل: (ما أجد) شيئًا، (قال) ﷺ : (فالتمسْ ولو خاتمًا من حديد، فالتمس) الرجلُ (فلم يجد شيئًا) ولا خاتمًا من حديد، وإنما تنزَّلَ رسولُ الله ﷺ إلى ما ذكر حرصًا على استحباب عدم خلو العَقْد من ذكر الصَّداق؛ لأنه أقطعُ للنزاع، وأنفعُ للمرأة، وبه استدل علماؤنا كالشّافعيّة على جواز الصداق بما قل أو أكثر (٤). قال الإمام ابن القيم في "الهدي": ثبت في "صحيح مسلم" عن عائشة ﵂: كان صداق النبي ﷺ لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونَشًّا، فذلك خمس مئة درهم (٥).

стр. 2895

قال عمر ﵁: ما علمتُ رسولَ الله ﷺ نكح شيئًا من نسائه ولا أنكح شيئًا من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية. قال الترمذي: حديثٌ حسن صحيح (١). والأوقية أربعون درهمًا. وفي "الصحيح" من حديث سهل بن سعد الساعدي: أن النبي ﷺ قال لرجل: "تزوج ولو بخاتم من حديد" (٢). وفي "سنن أبي داود" من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "من أعطى في صداق ملءَ كفيه سويقًا أو تمرًا، فقد استحل" (٣). وفي التّرمذيّ: أن امرأة من فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ : "رضيتِ من نفسِكِ ومالِكِ بنعلين؟ "، فقالت: نعم، فأجازه. قال التّرمذيّ: حديث صحيح (٤). وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ : "إن أعظم النكاح بركةً أيسرُه مؤنةً" (٥). كل هذه الأحاديث وغيرها مما لم نذكره تدل على عدم اعتبار تحديد الصداق بنحو أربع دراهم أو عشرة كما ترى.

стр. 2896

وقال الإمام مالك: لا يكون المهر أقلَّ من ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو قيمتها. ومذهب الإمام أبي حنيفة: أن أقله عشرة دراهم، واستدل بحديث: "لامهرَ أقلُّ من عشرة دراهم" (١). قال الإمام ابن القيم في أول كتابه "إعلام الموقعين": أجمعوا على ضعف هذا الحديث، بل على بطلانه (٢)، انتهى. ومذهب بعضهم: أن أقله خمسة دراهم. وهذه أقوال لا دليل عليها من كتاب ولا سنّة، ولا إجماع ولا قياس، ولا قول صحابي، ومن ادعى في هذه الأحاديث التي ذكرناها اختصاصها بالنبي ﷺ ، أو أما منسوخة، أو أن عمل أهل المدينة على خلافه، فقد جاء بدعوى لا يقوم عليها دليل، والأصلُ يردُّها، وقد زوج سيدُ أهل المدينة من التابعين سعيدُ بنُ المسيَّب ابنتَه على درهمين، ولم ينكر عليه أحد، بل عدّ ذلك في مناقبه وفضائله، ولا سبيل إلى إثبات المقادير لها من جهة صاحب الشرع ﷺ (٣)، انتهى. قلت: ذكر الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية -رَوَّحَ الله روحَه- في "الرسالة المالكية والتنبيه على بعض ما امتاز أهل المدينة به من العلم": أن بعض المدنيين قد اعترض على الإمام مالك ﵁ لمّا حدّ المهر بثلاثة دراهم، فقال: ولسنا ننكر أن من الناس من أنكر على الإمام مالك مخالفتَه

стр. 2897

لبعض الأحاديث في بعض المسائل، كما يذكر عن عبد العزيز الدراوردي، روي أنه قال: له في مسألة تقدير المهر بنصاب السّرقة: تَعَرَّقْتَ يا أبا عبد الله؛ أي: صرت فيها إلى قول أهل العراق الذين يقدرون أقل المهر بنصاب السّرقة، لكن النصاب عند أبي حنيفة وأصحابه عشرة دراهم، وأما مالك، والشّافعيّ، وأحمد، فالنصاب عندهم ثلاثة دراهم، أو ربع دينار كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. ثمَّ قال شيخ الإسلام: هذه الحكاية تدل على ضعف أقوال أهل العراق عند أهل المدينة، وأنهم كانوا يكرهون للرجل أن يوافقهم، وهذا مشهورٌ عندهم، كما قال ابن عمر ﵄ لمن استفتاه عن دم البعوض؛ يعني: من قوله: انظروا هذا، يستفتي في دم البعوض، وقد أراقوا دم الحسين بن رسول الله ﷺ ، أو كما قال. ثمَّ إن شيخ الإسلام اعتذر عن الإمام مالك بأنه ما من عالم إلا وله ما يُرد عليه، والله أعلم (١). (فقال رسول الله ﷺ ) للرجل بعد أمره له أن يلتمس شيئًا، ولو خاتمًا من حديد، فلم يجد شيئًا: (زوجتكها)، وفي لفظ: "اذهب فقد زوجتكها" (٢) (بما معك من القرآن)، وفي رواية: "قد ملّكتكها بما معك من القرآن" (٣)، وفي لفظ عند الإمام أحمد: "قد أملكتكها"، والباقي مثله، وقال في آخره: فرأيته يمضي وهي تتبعه (٤)، وفي حديث ابن مسعود: "قد أنكحتكها على

стр. 2898

أن تقرئها وتعلمها، وإذا رزقك الله، عوضتها" (١). قال في "الفتح": في هذا الحديث دليل على أنه لاحد لأقل المهر. قال: ابن المنذر: فيه ردٌّ على من زعم أن أقل المهر عشرة دراهم، وكذا ربع دينار؛ لأن خاتمًا خاتمًا من حديد لا يساوي ذلك. وقال: المازري: تعلق به من أجاز النكاح بأقل من ربع دينار؛ لأنه خرج مخرج التقليل، ولكن مالكًا قاسه على القطع في السرقة. قال: القاضي عياض: تفرد بهذا مالك عن الحجازيين، لكن مستنده الالتفات إلى قوله -تعالى-: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وبقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، فإنه يدل على أن المراد: ما له بالٌ من المال، وأقلّه ما استُبيح به قطع العضو المحترم. قال: وأجازه الشافعية بما تراضى عليه الزوجان، أو من العقد إليه بما فيه منفعة، كالسوط والنعل، وإن كانت قيمته أقل من درهم، وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو الزناد، وربيعة، وابن أبي ذئب، وغيرهم من أهل المدينة غير مالك ومن تبعه، وابن جريج، ومسلم بن خالد من أهل مكة، والأوزاعي من أهل الشام، والليث من أهل مصر، والثوري، وابن أبي ليلى، وغيرهما من العراقيين غير أبي حنيفة ومن تبعه، والشّافعيّ، وداود، وفقهاء أصحاب الحديث، وابن وهب من المالكية. وقال: ابن شبرمة: أقل المهر خمسة دراهم (٢). قال: القرطبي: استدل من قاسه بنصاب السّقة بأنه عضو آدمي محترم،

стр. 2899

فلا يستباح بأقل من كذا، قياسًا على يد السارق (١)، وتعقبه الجمهور بأنه قياس في مقابل النص، فلا يصح، وبأن اليد تقطع وتبين، ولا كذلك الفرج، وبأن القدر المسروق يجب على السارق رده مع القطع، ولا كذلك الصداق، وقد ضعّف جماعة من المالكية هذا القياس. فقال: أبو الحسن اللخمي: قياس قدر الصداق بنصاب السرقة ليس بالبيّن؛ لأن اليد إنما قُطعت في ربع دينار نكالًا للمعصية، والنكاح مستباح بوجهٍ جائز. ونحوه لأبي عبد الله بن الفخار عنهم، نعم قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، يدل على أن صداق الحرة لابد وأن يكون ما ينطلق عليه اسم مال له قدر، ليجعل الفرق بينه وبين مهر الأمة. وأما قوله -تعالى-: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فإنه يدل على اشتراط ما يسمى مالًا في الجملة، قَلَّ أو كَثُر، وقد حدّه بعض المالكية بما تجب فيه الزكاة، وهو أقوى من قياسه على نصاب السرقة، وأقوى من ذلك رَدُّه إلى المتعارَف. وقال ابن العربي: وزن الخاتم من الحديد لا يساوي ربع دينار، وهو مما لا جواب عنه، ولا عذر فيه. لكن المحققين من أصحابنا نظروا إلى قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، فمنع الله القادر على الطول من نكاح الأمة، فلو كان الطول درهمًا، ما تعذر على أحد، ثمَّ تعقبه بأن ثلاثة دراهم كذلك (٢)، يعني: فلا حجة فيه للتحديد، ولاسيما مع الاختلاف في المراد بالطول (٣).

стр. 2900

تنبيهات: الأول: قوله ﷺ : "زوجتكها"، ومنهم من رواه: "مَلَّكتكها"، وفي لفظ: "ملكتها" -كما مر- مما اختلف فيه العلماء، والمشهور من مذهب المالكية جوازه بكل لفظ دل على معناه إذا قرن بذلك الصداق، أو قصد النكاح، كالتمليك والهِبَة والصدقة والبيع، ولا يصح عندهم بلفظ الإجارة ولا العارية ولا الوصية، واختلف عندهم في الإحلال والإباحة. وأجازه الحنفية بكل لفظ يقتضي التأبيد مع القصد، وموضع الدليل من هذا الحديث ورود قوله ﷺ : "ملكتكها"، لكن ورد -أيضًا- بلفظ: "زوجتكها". قال ابن دقيق العيد: هذه لفظة واحدة في قصة واحدة اختلف فيها، مع اتحاد مخرج الحديث، فالظاهر أن الواقع من النبي ﷺ أحدُ الألفاظ المذكورة. فالصواب في مثل هذا النظرُ إلى الترجيح. وقد نقل عن الدارقطني: أن الصواب رواية من روى: "زوجتكها"، وأنهم أكثرُ وأحفظ. قال: وقال بعض المتأخرين -يعني: النّوويّ في "شرح مسلم" (١) - يحتمل صحة اللفظين، ويكون قال لفظَ التزويج أولًا، ثمَّ قال: "اذهب فقد ملكتكها"، والتزويجُ السابقُ، واستبعده ابن دقيق العيد؛ لأن سياق الحديث يقتضي تعين لفظة: قبلت، لا تعددها، وأنها هي التي انعقد بها النكاح، وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر انعقد به النكاح، والذي قاله بعيد جدًا،

стр. 2901

أيضًا- فملخصه أن يعكس، ويدّعي أن العقد وقع بلفظ التمليك. ثمَّ قال: "زوجتكها" التمليكُ السابق، قال: ثمَّ إنه لم يتعرض لرواية: "ملكتكها" مع ثبوتها، وكل هذا يقتضي تعين المصير إلى الترجيح (١). وقال الحافظ ابن الجوزي في "التحقيق": إن رواية أبي غسان: "أنكحتكها"، ورواية: الباقين: "زوجتكها" إلا ثلاثة أنفس، وهم: معمر، ويعقوب، وابن أبي حازم، قال: ومعمر كثير الغلط، والآخران لم يكونا حافظين (٢)، انتهى. واعترض عليه في رواية أبي غسان، فإنها بلفظ: "أنكحتكها" في جميع نسخ البخاريّ، نعم وقعت بلفظ: "زوجتكها" عند الإسماعيلي من طريق حسين بن محمّد، وقد خرّجه أبو نعيم في "المستخرج" بلفظ: "أنكحتكها"، فهذه ثلاثة ألفاظ عن أبي غسان، ورواية: "أنكحتكها" في "البخاري" لابن عُيينة، كما حرره الحافظ ابن حجر في "الفتح"، ورد الحافظ ابن حجر الطعن في الثلاثة المذكورين، ثم قال: نعم، الذي تحرر: أن الذي رووه بلفظ التزويج أكثر عددًا، ولاسيما وفيهم الحفاظ مثل الإمام مالك، ورواية سفيان بن عُيينة: "أنكحتكها" مساويةٌ لروايتهم. والحاصل: أن رواية التزويج أو الإنكاح أرجح، كما قرره غير واحد من الحفاظ، آخرهم الحافظ ابن حجر في "الفتح". وبالغ ابنُ التين فقال: أجمع أهلُ الحديث على أن الصحيح رواية: "زوجتكها"، وأن رواية "ملّكتكها" وهَمْ، وتعلق بعض المتأخرين بأن الذين اختلفوا في هذه اللفظة أئمة، فلولا أن هذه الألفاظ عندهم مترادفة،

стр. 2902

ما عبّروا بها، فدلّ على أن كل لفظ منها يقوم مقام الآخر عند ذلك الإمام، وهذا لا يكفي في الاحتجاج لجواز انعقاد النكاح بكل لفظة منها. وقد ذهب جمهور من العلماء إلى أن النكاح ينعقد بكل لفظ يدل عليه، وهو قول الحنفية، والمالكية، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وقد اختلف الترجيح في مذهبه ﵁، فأكثر نصوصه تدل على موافقة أبي حنيفة، ومالك، والجمهور (١). قال في "الفروع": ذكر ابن عقيل عن بعضهم: أنه خرج صحته بكل لفظ يقتضي التمليك، وخرجه هو في "عمد الأدلة" من جعلِه عتقَ أمتِه مهرَها. قال: وقال شيخنا- يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: ينعقد بما عده الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ وفعل كان، وإن مثله كل عقد، وإن الشرط بين الناس ما عدوه شرطًا فالأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع، وتارة باللغة، وتارة بالعرف، وكذلك العقود (٢). قلت: الذي استقر عليه المذهب: اعتبارُ الإيجاب والقبول، فلا ينعقد النكاح إلا بهما مرتبين، الإيجاب أولًا، وهو اللفظ الصادر من قبل الولي، أو من يقوم مقامه، فالقَبولُ بعده، وهو اللفظ الصادر من قبل الزوج، أو من يقوم مقامه، ولا يصح إيجاب ممّن يحسن العربية إلا بلفظ: أنكحت، أو زوجت، ولمن يملكها، أو يملك بعضها، وبعضُها الآخر حر: أعتقها وجعلت عتقها صداقها، ونحوه، ولا يصح قَبولٌ لمن يحسن العربية إلا قبلت تزويجها ونكاحها، أو قبلت هذا النكاح، أو هذا التزويج، أو تزوجت، أو رضيت هذا النكاح، أو قبلت فقط، أو تزوجت.

стр. 2903

واختار الموفق، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجمعٌ انعقادَه بغير العربية، ولو أحسنها (١). ومذهب الشافعي ﵁ في اعتبار لفظ التزويج أو الإنكاح كمذهبنا. الثاني: دل الحديث على اعتبار الصداق، فلا يكون عقد بلا مهر، لقوله ﷺ : "هل عندك من شيء؟ "، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجًا وُهِب له دون الرقبة بغير صداق. وفيه: أن الأولى أن يذكر الصداق في العقد؛ لأنه أقطعُ للنزاع، فلو عُقد بغير صداق، صحَّ، ووجب لها مهرُ المثل بالدخول، على الصحيح. وفي قوله ﷺ للرجل: "هل عندك من شيء"، فقال: لا، دليلٌ على صحة عقد النكاح ممن لا يملك شيئًا (٢). وقد نقل القاضي عياض الإجماع على أن مثل الشيء الذي لا يُتمول، ولا له قيمة، لا يكون صداقًا، ولا يحل النكاح به. وقد خرق هذا الإجماع أبو محمد بن حزم، فقال: يجوز بكل ما يسمى شيئًا، ولو حبة من شعير (٣)، ويؤيد ما ذهب إليه الكافة قولُه ﷺ : "التمس ولو خاتمًا من حديد"؛ لأنه أورده مورد التقليل بالنسبة لما فوقه، ولا شك أن الخاتم من حديد له قيمة، وهو أعلى خطرًا من النواة وحبة الشعير، ومساقُ الخبر يدل على أنه لا شيء دونه يُستحل به البُضع، وأقلُّ ما ورد من الصداق ما عند الدارقطني من حديث أبي سعيد في أثناء حديث المهر: ولو

стр. 2904

على سواك من أراك (١)، وأقوى شيء ورد في ذلك حديثُ جابر عند مسلم: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله ﷺ حتى نَهَى عنها عمر (٢). قال البيهقي: إنما نهى عمر عن النكاح إلى أجل، لا عن قدر الصداق (٣). قال في "الفتح": وهو كما قال (٤). قلت: الّذي اعتمده علماؤنا كالشافعية: كلُّ ما صح ثمنًا أو أجرة، صح أن يكون مهرًا، وإن قل، من عين أو دين ومؤجل، ومنفعة معلومة، كرعاية ضمنها مدة معلومة، وخياطة ثوب، لا ما لا يُتمول عادة، كحبة حنطة وشعير. قال في "الإقناع": ويجب أن يكون له نصف يُتمول عادة، ويبذل العوض في مثله عرفًا، والمراد: نصف القيمة، لا نصف عين الصداق (٥). قال الإمام ابن هبيرة في "اختلاف الأئمة": وقد حدَّ الخرقي في ذلك بما له نصف يحصل، وكان الشيخ محمد بن يحيى يقول: إنما عنى بذلك الخرقي الجزء الذي يقبل التجزئة، قال: وعلى ذلك، فهو كلام صحيح، فإنه لو طلقها قبل الدخول، استحقت النصف (٦)، انتهى.

стр. 2905

وفي "الغاية": وشرط جمعٌ أن يكون له نصف يُتمول عادة، ويُبذل العوض في مثله عرفًا (١). وفي "شرح الوجيز": ظاهر إطلاق الإمام أحمد وعامة علمائنا: أنه لا فرق بين أن يكون له نصف متمول، أو لا، وشرط الخرقي: أن يكون له نصف يحصل (٢)، وتبعه على ذلك الإمام الموفق في "المغني" (٣). فائدة: لا يتقدر أكثر الصداق على الصحيح، وقد حكى ابنُ عبد البر الإجماعَ على ذلك (٤)، لقوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، قال أبو صالح: القنطار: مئة رطل، وهو عرف الناس الآن. وقال أبو سعيد الخدري: ملء مَسْكِ ثورٍ ذهبًا (٥). وعن مجاهد: سبعون ألف مثقال (٦). ويروى أن أمير المؤمنين عمر ﵁ قال: خرجت وأنا أريد أن أنهى عن كثرة الصداق، فذكرت هذه الآية: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٧) [النساء: ٢٠].

стр. 2906

وروى أبو حفص بإسناده: أن أمير المؤمين عمر ﵄ أصدقَ أمَّ كلثوم ابنةَ عليٍّ من فاطمة الزهراء -رضوان الله عليهم- أربعين ألفًا (١). وقد ذكرنا -فيما تقدم- ما أمهر به النجاشي أم حبيبة ﵂، والله -تعالى- الموفق. الثالث: اختلفوا في قوله ﷺ : "زوجتكها بما معك من القرآن"، فمنهم من قال بجواز جعل تعليم شيء من القرآن معيَّنٍ صداقًا بناءً على كون الباء للتعويض، كقولك: بعتك ثوبي بدرهم، وهذا -أعني: كون الباء للتعويض- هو الظاهر، وإلا لو كانت بمعنى اللام على معنى تكريمه لكونه حامل للقرآن، لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والهبةُ خاصة بالنبي ﷺ ، وحمله بعضهم على الخصوصية بذلك الرجل، لكون النبي ﷺ كان يجوز له نكاحُ الواهبة، فكذلك يجوز له أن يُنكحها لمن شاء بغير صداق، ولأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقواه بعضهم بأنه لما قال له: "ملّكتكها"، لم يشاورها، ولم يستأذنها، وهذه التقوية ضعيفة؛ لأن المرأة أولًا فوضت أمرها إلى النبي ﷺ ، ففي "الصحيح" أما قالت له: فَرَ فيّ رأيَك (٢). ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائي بعد قوله ﷺ : "لا حاجة لي، ولكن تملِّكيني أمرَك"، قالت: نعم، وفيه: فقالت: ما رضيتَ لي رضيتُ (٣)، فهذه صارت كمن قالت لوليها: زوجني بما ترى من كثير الصداق وقليله.

стр. 2907

واستدل لمن قال بالخصوصية بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزدي، قال: زوّج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن، وقال: "لا يكون لأحد بعدَكَ مهرًا" (١)، لكنه مع إرساله فيه من لا يُعرف. وأخرج أبو داود من طريق مكحوله، قال: ليس هذا لأحد بعد النبي ﷺ (٢). وأخرج أبو عوانة من طريق الليث بن سعد نحوَه (٣). وقال: القاضي: يحتمل قولُه: "بما معك من القرآن" وجهين: أظهرهما: أن يعلمها ما معه من القرآن، أو مقدارًا معينًا، ويكون ذلك صداقَها، وقد جاء هذا التفسير عن الإمام مالك (٤)، ويؤيده قوله في بعض طرقه الصحيحة: "فعلمها من القرآن" (٥)، وعين في حديث أبي هريرة مقدار ما يعلمها، وهو عشرون آية (٦). قال: البرماوي في "شرح الزهر البسام": واعلم أن القرآن الذي زوّجها رسول الله ﷺ من ذلك الرجل عشرون آية من سورة البقرة والتي بعدها، كما جاء في بعض الروايات نحوُ هذه القصة من حديث أبي هريرة من غير ذكر الإزار والخاتم إلى أن قال: "وما تحفظ من القرآن؟ "، قال: سورة البقرة، والتي تليها، قال: "قمْ فعلِّمها عشرين آية، وهي امرأتك" خرّجه

стр. 2908

أبو داود، والنسائي (١) لكن في "كتابيهما": سورة البقرة، أو التي تليها، بلفظ أو. وقال: الحافظ ابن حجر في "الفتح": وزعم بعضُ من لقيناه أنه عند أبي داود بالواو، وعند النّسائيّ بلفظ: "أو" (٢)، وفي بعض الروايات من حديث ابن عباس وجابر ﵃: "هل تقرأ من القرآن شيئًا؟ "، قال: نعم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، قال: "أصدِقْها إياها" (٣)، وفي رواية: خمس سور، أو أربع سور من القرآن، وفي رواية: على سور المفصل، ويُجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره، أو أن القصص متعددة (٤). والوجه الثاني: أن تكون الباء بمعنى اللام، أي: لأجل ما معك من القرآن، فأكرمَه بأن زوّجه المرأة بلا مهر، لأجل كونه حافظًا للقرآن، أو لبعضه (٥). الرابع: اختلف الفقهاء في تعلم القرآن هل يجوز أن يكون مهرًا: فقال: أبو حنيفة، وأحمد في أظهر روايتيه: لا يكون ذلك مهرًا. وقال مالك، والشافعي: يجوز أن يكون مهرًا. وعن الإمام أحمد مثله (٦).

стр. 2909

قلت: وقد مال في "الهدي" ميلًا كليًا إلى صحة كون المرأة إن رضيت بعلم زوجها أو حفظه للقرآن أو بعضه من مهرها، وأن ما يحصل لها من انتفاعها القرآن والعلم هو صداقها، كما إذا جعل السيد عتقَها صداقَها، وكان انتفاعُها بحريتها وملكها لرقبتها هو صداقها، فإن الصداق شُرع في الأصل حقًا للمرأة تنتفعُ به، فإذا رضيت بالعلم والدين وإسلام الزوج، كما في قصة أبي سليم وقراءته للقرآن، كان هذا من أفضلِ المهور وأنفعِها وأجلِّها، فما خل العقد من مهر، وأين الحكم بتقدير المهر بثلاثة دراهم أو عشرة من النص والقياس إلى الحكم بصحة كون المهر ما ذكرنا نصًا وقياسًا، وليس هذا مساويًا للموهوبة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وهي خاصة له من دون المؤمنين، فإن تلك وبيت نفسها هبةً مجردة عن ولي وصداق، بخلاف هذه، فإنه نكاحٌ بولي وصداق، فإنه وإن كان غير مالي، فإن المرأة جعلته عوضًا عن المال، لما يرجع إليها من نفعه، ولم تهب نفسها للزوج هبة مجردة كهبة شيء من مالها، انتهى ملخصًا (١). ومعتمد المذهب: أنه إن أصدقها تعليم قرآن، لم يصح، بل فقه أو أدب أو شعر مباح معلوم. قال في "شرح الوجيز": كونه إذا أصدقها تعليم قرآن لا يصح؛ لأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال، بدليل قوله -تعالى-: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، والقرآن ليس بمال، ولأن تعليم القرآن من شرطه أن يقع قربة لفاعله، فلم تصح المعاوضة عليه، دليله إذا استأجر قومًا يصلون معه الجمعة والفرائض والتراويح.

стр. 2910

قال: وهذا المذهب نص عليه، وعليه علماؤنا، منهم: أبو بكر، والموفق (١)، والشارح (٢)، وغيرهم، وصححه في "الهداية"، و"الخلاصة" وغيرهما. قال في "البلغة" و"النظم": هذا المشهور، وجزم به في "المنور" (٣)، و"منتخب الأدمي"، وغيرهما، وقدمه في "الفروع" (٤)، وغيره، وهو الذي جزم به في "الإقناع" (٥)، و"المنتهى" (٦)، و"الغاية" (٧)، وغيرها. والرواية الثانية: يصح. قال ابن رزين: هذا الأظهر، واختاره ابنُ عبدوس في "تذكرته"، وجزم به في "عيون المسائل"، لهذا الحديث، ولأن تعليم القرآن منفع مباحة، فجاز جعلُه صداقًا، كتعليم قصيدة من الشعر المباح (٨)، والله أعلم.
следующие страницы →