← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال في "القاموس": الرطبُ: ضدُّ اليابس، ومن الغصن والريش وغيره: الناعمُ، انتهى (١). وفي لفظٍ من حديث ابن عباس ﵄ في "الصحيحين": "فدعا بِعَسيبٍ رَطْبٍ" (٢). العسيبُ: الجريدةُ من النخل، وهي السَّعفةُ مما لا ينبت عليه الخوص، كذا في "النهاية" (٣). والمراد به هنا: مجرد الجريدة. قال في "القاموس": العَسيبُ: جريدةٌ من النخل مستقيمةٌ يُكْشَط خوصُها، والذي لم ينبت عليه الخوص من السعف، انتهى (٤). قلت: فالعسيبُ يطلق على الشيئين معاً، والمراد هنا: الجريدة وخوصُها عليها لم يُكشط. (فشقَّها)؛ أي: شقَّ النبيُّ ﷺ تلك الجريدةَ الرطبةَ (نصفين). وفي لفظٍ: "فدعا بعسيبٍ رَطْبٍ، فشقَّه باثنينِ" (٥)؛ يعني: جعله شقين متساويين، والنصفان تثنية نصف، وفيه أربع لغات، نِصف -بكسر النون وفتحها وضمها -، ونَصيف -بفتح النون وزيادة الياء (٦)، ومنه حديث: "لو أنفقَ أحدُكم مثلَ أُحُدٍ ذهباً، ما أدَركَ مُدَّ [أحدِ] هِمْ ولا نَصيفَهُ" (٧).

стр. 317

(فغرزَ) ﷺ ، وفي لفظٍ: "غرسَ" (١) (في كل قبرٍ) من القبرين (واحدةً) من القطعتين، وفي لفظٍ: "ثم غرسَ على هذا واحداً، وعلى هذا واحداً" (٢). (فقالوا: يا رسول الله! لم فعلت هذا؟) فيه: أنهم كانوا يبحثون عن العلة والسبب، ولم يكتفوا بمجرد المعاينة. (قال) ﷺ مجيباً لهم عن سؤالهم عن العلة والسبب الحامل له على فعله الذي فعله: (لعلَّه)؛ أي: هذا الذي فعلتُه (يُخَفَّفُ) -بضم أوله مبنياً للفاعل، ويحتمل بناؤه للمفعول، ويكون الضمير ضمير الشأن- (عنهما)؛ أي: صاحبي القبرين من عذابهما، (ما لم يَيْبَسا) أي: الجريدتان. وفي حديث أبي أمامة ﵁ عند الإمام أحمد: "ليخففن عنهما" (٣). ومن حديث أبي هريرةَ ﵁ في "صحيح ابنِ حِبَّان": فدعا بجريدتين من جرائدِ النخل، فجعلَ في كلِّ قبرٍ واحدة، قلنا: وهل ينفعهم ذلك؟ قال: "نعم، يُخَفَّفُ عنهما ما دامتا رَطْبتين" (٤). قال الخطابي: هذا عند أهل العلم محمولٌ على أن الأشياء ما دامت

стр. 318

على أصل خلقتها أو خضرتها وطراوتها، فإنها تسبح الله حتى تجفَّ رطوبتها، أو تحول خضرتها، أو تُقْطَعَ من أصلها. قال: فإذا خُفف عن الميت بوضعه ﷺ الجريدةَ على قبره؛ لكونها تسبح الله، فبطريق الأولى والأحرى أن تُخَفِّفَ القُرَبُ، على اختلاف أسبابها، وإنَّ أعظمَ القُرَبِ كلامُ ربِّ العالمين الذي نزلَ به الروحُ الأمين على قلب أشرف المرسلين (١). وقد أوصى بريدة ﵁ أن يُجْعَلَ جريدة على قبره، ذكره البخاري (٢). وقد استحبَّ ذلك جماعة من العلماء من أصحابنا وغيرهم، وأنكره آخرون. وقال الإمام النووي في "شرح مسلم": ذُكر أن العلماء استحبوا القراءة؛ لخبر الجريدة؛ لأنه إذا رُجي التخفيفُ لتسبيحها، فالقراءة أولى، انتهى (٣).

стр. 319

تنبيهات: الأول: قال قتادة: عذابُ القبر ثلاثةُ أثلاثٍ: ثلثٌ من الغيبة، وثلثٌ من النميمة، وثلثٌ من البول، رواه الخلال (١). وقد ذكر بعضهم السرَّ والمناسبةَ في تخصيص الغيبة والنميمة والبول بعذاب القبر: وهو أن القبر أولُ منازل الآخرة، وفيه أنموذجُ ما يقع في يوم القيامة من العقاب والثواب، والمعاصي التي يعاقَبُ عليها يوم القيامة نوعان: حقٌّ لله، وحقٌّ لعباده، وأول ما يقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاةُ، ومن حقوق العباد الدماءُ، والبرزخُ مقدمة عذاب الآخرة، فيقضى فيه في مقدمات هذين الحقين ووسائلهما؛ فمقدمة الصلاة: الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء: النميمة والوقيعة في الأعراض بالغيبة، وهي من أيسر أنواع الأذى، فيبدأ في البرزخ بالمحاسبة والعقاب عليهما، فيبدأ بالأخف فا لأخف، ويؤخر الأثقل إلى الأثقل. نبه على هذا الحافظ ابن رجب، وتلميذُه البقاعي، والحافظُ ابنُ حجرٍ في "شرح البخاري" (٢)، والحافظُ السيوطي في "البدور السافرة" (٣)، وغيرُهم. الثاني: قال الإمام ابن القيم في كتابه "الروح": قد أخبر رسولُ الله ﷺ عن الرجلين اللذين رآهما يعذبان في قبورهما يمشي أحدهما بالنميمة بين الناس، ويترك الآخرُ الاستبراءَ من البول.

стр. 320

فهذا تركَ الطهارة الواجبة، وذلك ارتكبَ السببَ الموقع للعداوة بين الناس بلسانه، وإن كان صادقاً. وفي هذا تنبيهٌ على أن الموقع بينهم العداوةَ بالكذب والزور والبهتان أعظمُ عذاباً، كما أن في ترك الاستبواء من البول تنبيهاً على أن من ترك الصلاةَ التي الاستبواءُ من البول بعضُ واجباتها وشروطها، فهو أشد عذاباً، انتهى (١). الثالث: قال الإمام ابن القيم في كتاب "الروح ": اختلف الناس في هذين -يعني: صاحبي القبرين اللذين يعذبان-: هل كانا كافرين، أو مؤمنين؟! فقيل: كانا كافرين، وقوله: "وما يعذبان في كبيرٍ"، يعني: بالإضافة إلى الكفر والشرك. قالوا: ويدل عليه أن العذاب لم يرتفع عنهما، وإنما خفف، وأيضاً: فإنه خفف مدةَ رطوبة الجريدة فقط. وأيضاً: فإنهما لو كانا مؤمنين، لشفع النبي ﷺ فيهما، ودعا لهما، فرفع عنهما العذاب بشفاعته. وأيضاً: ففي بعض طرق الحديث: أنهما كانا كافرين (٢)، وهذا

стр. 321

التعذيب زيادة على تعذيبهما بكفرهما وخطاياهما، وهو دليلٌ على أن الكافر يعذب بكفره وذنوبه جميعاً، وهذا اختيار أبي الحكم بن حيان. وقيل: كانا مسلمينِ؛ لنفي النبيِّ ﷺ التعذيب بسببٍ غيرِ السببين المذكورينِ، ولقوله: "وما يُعذبان في كبير"، والكفر والشرك أكبرُ الكبائر على الإطلاق، ولا يلزمُ أن يشفع النبيُّ ﷺ لكل مسلمٍ يعذب في قبره من الحرام، فقد أخبر عن صاحب الشملةِ الذي قُتل في الجهاد: أن الشملة تشتعل عليه ناراً في قبره (١)، وكان مسلماً مجاهداً، ولا يعلم ثبوت هذه اللفظة، وهي قوله: "وكانا كافرين"، ولعلها لو صحت، فهي من قول بعض الرواة، وهذا اختيار أبي عبد الله القرطبي، انتهى كلام ابن القيم (٢). قلت: الذي تدل عليه الأحاديث: الثاني، ففي حديث أبي أمامة ﵁ عند الإمام أحمد، قال: مر النبيُّ ﷺ في يومٍ شديد الحر في بقيع الغَرْقَد، قال: فكان الناس يمشون خلفه، فلما سمع صوتَ النعال، وقر ذلك في نفسه، فجلس حتى قدَّمهم أمامه؛ لئلا يقع في نفسه شيءٌ من الكِبْر، فلما مر ببقيع الغرقد، إذا بقبرين قد دَفَنوا فيهما رجلين، قال: فوقف النبيُّ ﷺ ، فقال: "من دفنتم هاهنا اليوم؟ "، قالوا: فلانٌ وفلانٌ، قالوا:

стр. 322

يانبي الله! وما ذاك؟ قال: "أما أحدُهما؛ فكان لا يتنزه من البول، وأما الآخرُ، فكان يمشي بالنميمة"، وأخذ جريدةً رطبة، فشقها، ثم جعلها على القبر، قالوا: يا نبي الله! لم فعلت؟ قال: "ليخففن عنهما"، قالوا: يا نبي الله! حتى متى هما يعذبان؟ قال: "غيبٌ لا يعلمُه إلا الله" (١). فهذا يدل دلالةً قاطعةً على أنهما مسلمان؛ فإن بقيع الغرقد جبَّانة (٢) المسلمين في المدينة، والقبرانِ فيها، ودفنُهما حديث لا قديم، والله الموفق. * * *

стр. 323

باب السواك قال في "المطلع": السواك: اسمٌ للعود الذي يُتَسَوَّكُ به، وكذلك المِسْواك -بكسر الميم- (١). قال ابن فارس: سُمي بذلك؛ لكون الرجل يردِّده في فمه، ومنه: جاءت الإبل هَزْلى تَساوكُ، إذا كانت أعناقها تضطرب من الهزال. وذكر صاحب "المحكم": أن السواك يذكر ويؤنث، وجمعه: سُوُك؛ ككتاب وكتب، وذكر أنه يقال في جمعه: سُؤُكٌ -بالهمز-، انتهى. وفي "الفتح" للحافظ ابن حجر: السواك -بكسر السين، على الأفصح-، ويطلق على الآلة، وعلى الفعل، وهو المراد هنا (٢). وذكر فيه أربعة أحاديث. * * *

стр. 324

الحديث الأول عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قالَ: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي؛ لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ" (١). * * * (عن أبي هريرة) عبدِ الرحمنِ بنِ صخر (﵁، عن

стр. 325

النبي ﷺ ): أنه (قال: لولا أن أشق) محل (أن أشقَّ) الرفعُ با لابتداء، والخبرُ محذوفٌ وجوباً؛ أي: لولا المشقة موجودةٌ (١)، أي: لولا مخافةُ وجودها (على أمتي) التي أجابتني، وأطاعتني، واتبعَتْ ما جئتُ به من الدين القويم. (لأمرتهم بالسواك): أمرَ إيجاب؛ أي: باستعمالِ السواك إن أريد به الآلة، وقد يطلق على الفعل، فلا يفتقر إلى تقدير (٢). وقال في "المغني": التقدير: لولا مخافُة أن أشق، لأمرتهم أمرَ إيجابٍ، وإلا، لانعكس معناه؛ إذ الممتنع المشقةُ، والموجود الأمرُ (٣). وقال البيضاوي: "لولا": كلمةٌ تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره (٤). قال القاضي (٥): والحق: أنها مركبة من "لو" الدالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره، و"لا" النافية، فدل الحديث على انتفاء الأمر بثبوت المشقة؛ لأن انتفاء النفي ثبوتٌ، فيكون الأمر منفياً لثبوت المشقة، انتهى (٦). وقال ابن القيم في "البدائع": اعلم أنَّ "لو" حرف وضع للملازمة بين أمرين، يدل على أن الجزء الأول منهما: ملزوم، والثاني: لازمٌ، هذا وضع هذا الحرف وطبيعته، وموارده في هذه الملازمة أربعة: فإنه إما أن يلازم

стр. 326

بين نفيين، أو ثبوتين، أو بين ملزوم مثبت، ولازم منفيٌ، أو عكسه، ونعني بالثبوت والنفي هنا: الصوري اللفظي، لا المعنوي. فمثال الأول: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]. ومثال الثاني: "لو لم تكنْ ربيبتي في حَجْري، لما حَلَّتْ لي" (١)، "لو لم يخفِ اللهَ لم يعصِهِ" (٢). ومثال الثالث: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]. ومثال الرابع: "لو لم تُذْنِبوا، لذهبَ اللهُ بكم، ولجاء بقومٍ يُذْنِبون، فيستغفرونَ اللهَ، فيغفرُ لهم" (٣). فهذه صورة ورودها على النفي والإثبات. قال: وأما حكم ذلك، فأمران:

стр. 327

أحدهما: نفي الأول لنفي الثاني؛ لأن الأول ملزومٌ والثاني لازمٌ، والملزوم يعدم عند عدم لازمه. والثاني: تَحَقُّقُ الثاني لتحقق الأول؛ لأن تحقق الملزوم يستلزم تحققَ لازمه "لو لم تذنبوا إلخ" مثل قوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي"، فمخافةُ وجود المشقة متحققةٌ، فتحقق لازمه، وهو عدُم أمرِ الإيجاب للسواك، وأطالَ الكلام على ذلك - رحمه الله تعالى - (١). واستدل بعض الأصوليين بهذا على أن الأمر للوجوب؛ لأن كلمة "لولا" تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره، فيدل على انتفاء الأمر لوجود المشقة، والمنتفي لأجل المشقة إنما هو الوجوب، وأما الاستحباب، فثابتٌ عند كل صلاةٍ، فيقتضي ذلك أن الأمر للوجوب (٢). قال بعض أهل العلم من الأصولين -أيضاً-: في هذا الحديث دليلٌ على أن الاستدعاء على جهةِ الندب ليس بأمر حقيقة؛ لأن السواك مندوبٌ عند كل صلاةٍ من الفرائض والنوافل (٣). قال الشافعي: وفيه دليلٌ على عدم وجوب السواك؛ لأنه لو كان واجباً، لأمرهم به، شق عليهم، أو لم يشق، انتهى (٤). وفي روايةٍ عند النسائي: "لفرضْتُ عليهم" (٥) بدل "لأمرتُهم".

стр. 328

وإلى القول بعدم وجوب السواك ذهب أكثر أهل العلم، بل زعم بعضهم فيه الإجماع. لكن حكى الشيخ أبو حامد، وتبعه الماوردي، عن الإمام إسحاق بن راهوية، قال: هو واجب لكل صلاة، فمن تركه عامداً، بطلت صلاته. وعن داود الظاهري: أنه قال: هو واجبٌ، لكن ليس شرطاً. واستدل به على أن الأمر يقتضي التكرار؛ لأن الحديث دل على كون المشقة هي المانعة من الأمر بالسواك، ولا مشقة في وجوبه مرةً، وإنما المشقة في وجوب التكرار. وفيه نظرٌ؛ لأن التكرار استفيد من قيد (عند كل صلاة) (١). وفيه: ما كان النبي ﷺ عليه من الشفقة على أمته. وفيه: جواز الاجتهاد منه فيما لم ينزل عليه فيه نص؛ لكونه جعلَ المشقةَ سبباً لعدم أمره، فلو كان الحكم متوقفاً على النص، لكان سببُ انتفاء الوجوب عدمَ ورود النص، لا وجود المشقة. قال ابن دقيق العيد: وفيه احتمالٌ للبحث والتأويل (٢). قال العلقمي: وهو كما قال، ووجهه أنه يجوز أن يكون إخباراً منه ﷺ بأن سبب عدم ورود النص وجود الشفقة، فيكون معنى قوله: "لأمرتهم"؛ أي: عن الله بأنه واجبٌ (٣).

стр. 329

قلت: ويجوز أن يكون فوض اللهُ أمرَ ذلك لنبيه ﷺ ؛ كما قيل في تكرار وجوب الحج لمَّا قال له القائل: أفي كل عامٍ؟ فقال: "أما إني لو قلتُ: نعم، لوجب، ولما أطقتُم .. " الحديث (١). واستدل به النسائي وغيره على استحباب السواك للصائم بعد الزوال؛ لعموم قوله ﷺ : "لكل صلاة" (٢). قلت: وهي الرواية الثالثة عن الإمام أحمد، والأولى: الكراهة، والثانية: الإباحة (٣). واختار كونَ السواك مستحباً حتى بعدَ الزوال للصائم: شيخُ الإسلام ابن تيمية (٤)، وتلميذُه ابن القيم، وانتصر له في "الهدي" (٥). وقال في "الفروع": هي أظهر (٦)، واختارها في "الفائق"، وإليها ميله في "مجمع البحرين"، وقدمه في "نهاية ابن رُزين" و"نَظْمِها" (٧). قال في "الإقناع": هو أظهر دليلاً (٨)، وهو المختار؛ لقوله ﷺ : "من

стр. 330

خيرِ خصال الصائم السواكُ" رواه ابن ماجه من حديث عائشة ﵂ (١). وقول عامر بن ربيعة ﵁: رأيت النبيَّ ﷺ ما لا أحصي يتسوَّكُ وهو صائمٌ. رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وحسنه، ورواه البخاري تعليقاً (٢). وتخصيصه قبل الزوال دعوى مجردةٌ عن الدليل. وفي البخاري: كان ابن عمر ﵄ يستاك أولىَ النهار، وآخِرَه (٣) -يعني: وهو صائمٌ-. واعلم: أن المشهور من المذهب استحبابُ السواك كلَّ وقتٍ اتفاقاً، إلا بعدَ الزوال للصائم، فيكره؛ وفاقاً للشافعي؛ لما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "خلوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عند الله من ريح المِسْك" متفقٌ عليه (٤).

стр. 331

والخلوف إنما يظهر غالباً بعد الزوال؛ ولأنه أثرُ عبادةٍ مستطابٌ شرعاً، فأشبهَ دمَ الشهيد، وشعثَ الإحرام عمَّن كان مُحْرِماً، وأولُ النهار لا خلوف فيه من الصوم غالباً (١). قال في "شرح الوجيز": وعنه: يستحب؛ وفاقاً لمالك، وأصحاب الرأي؛ واختارها الشيخ تقي الدين. تتمة: يتأكد استحباب السواك عند الصلاة؛ لهذا الحديث، ولما روى الإمام أحمد، وأبو داود من حديث عبد الله بن حنظلة الغسيل ﵄: أن رسول الله ﷺ أُمر بالوضوء لكل صلاة، طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه، أُمر بالسواك لكل صلاة (٢). وفي حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "فضلُ الصلاةِ بالسواكِ على الصلاةِ بغيرِ سواكٍ سبعون صلاةً" رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن خزيمة في "صحيحه"، وقال: في القلب من هذا شيءٌ، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد (٣).

стр. 332

وقول ابن خزيمة: في القلب منه شيءٌ، مع إيراده له في "صحيحه"؛ لكونه من رجاله محمدُ بنُ إسحاقَ صاحبُ "السيرة"، وهو مدلِّس، فخاف ابنُ خزيمة في أن يكون ابنُ إسحاق لم يسمع من ابن شهاب. وقول الحاكم: صحيحُ الإسناد على شرط مسلم، فيه نظرٌ؛ فإن ابنَ إسحاق إنما أخرج له مسلمٌ في المتابعات. قال الإمام ابن القيم في كتابه "المنار المُنيف" بعد إيراده لهذا الحديث: لم يرو في "الصحيحين"، ولا في الكتب الستة، ولكن رواه الإمام أحمد، وابن خزيمة، والحاكم في "صحيحيهما"، والبزار في "مسنده"، والبيهقي، وإسناده غير قوي؛ وذلك أن مداره على ابن إسحاقَ عن الزهري، ولم يصرِّحْ بسماعه منه، بل قال: ذكر الزهريُّ عن عروةَ، عن عائشة ﵂، فذكره، وله شاهد، فقد رواه البيهقي من طريق معاويةَ بنِ يحيى الصيرفي، عن الزهري، ومعاويةُ هذا ليس بقويّ، وقال في "شعب الإيمان": تفرد به معاوية بن يحيى، ويقال: إن ابن إسحاق أخذه عنه (١)، ورواه من حديث الواقدي، عن عبد الله بن أبي يحيى الأسلمي، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، ولفظه: "الركعتانِ بعدَ السواكِ أحبُّ إلى الله من سبعينَ ركعةً قبلَ السواك" (٢)، لكن الواقديَّ لا يُحتج به (٣). وأخرج أبو نعيم في كتاب "السواك"، عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً: "لأَنْ أُصلِّيَ رَكعتين بسواكٍ، أحبُّ إليَّ من أن أُصلي سبعينَ ركعةً

стр. 333

بغيرِ سواكٍ". قال الحافظ المنذري: إسناده جيدٌ (١). وأخرج أبو نُعيم أيضاً بإسنادٍ حسنٍ عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ : "ركعتانِ بالسواك، أفضلُ من سبعينَ ركعةً بغير سواكٍ" (٢). وبيان هذا - والله أعلم -: أن السواك سنةٌ من سنن الصلاة المطلوبة عندها، وهو مرضاةٌ للربّ، مَطْهَرَةٌ للفم، ولم يزل النبي ﷺ يحثُّ عليه ويفعلُه، حتى إنه استاكَ عند موته - وهو في السياق كما يأتي -. وكان السواك من أُذن النبيِّ ﷺ موضعَ القلمِ من الكاتب، فإذا كانَ هذا شأن السواك، فلا يمتنع أن تكون الصلاة التي يستاك لها، أحبَّ إلى الله من سبعين صلاة لم يستك لها؛ وإن كان ثواب السبعين أفضل، كما نبه عليه ابن القيم في "المنار" (٣). وذكرنا ما فيه من الأحاديث والآثار في رسالتنا: "بغية النساك في فضل السواك" (٤). ويتأكد السواك أيضاً عند الوضوء؛ لحديث: "لولا أن أشقَّ على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كلِّ وضوءٍ" رواه الإمام أحمد، من حديث أبي هريرة (٥). وفي معنى الوضوء الغسلُ، وعند قراءة القرآن؛ لأن الملَكَ يضع فاه

стр. 334

على في المصلِّي، فلا يخرج من في المصلي قرآنٌ إلا في جوف المَلَك، ومثل المصلي غيرُه؛ إذ الملائكةُ تضع ذلك عند كل قراءة. * وهل مثل قراءة القرآن مطلَقُ الذكر؟ لم أر من تعرَّض له، والظاهر: نعم؛ لأن السواك ينظف مجاري ذكر الله - تعالى -، وذلك مطلوب؛ لأنه ينشط العبادة، ويرضي الرب، ويطهر الفم، ويُرغم الشيطان. وعند الانتباه من النوم، ليلاً كان أو نهاراً، ولعل مثلَه: الإفاقةُ من نحو إغماء، لما في "الصحيحين" من حديث حذيفة ﵁ الآتي. وفي حديث عائشة ﵂: كان النبي ﷺ لا يرقد من ليلٍ أو نهارٍ، فيستيقظ، إلا تسوك قبل أن يتوضأ (١). وعند تغير رائحة الفم بمأكول أو غيره. قال بعض الشافعية: ولو كان التغير بأكل صائمٍ بعد الزوال ما له ريح سهواً. وعند دخول مسجدٍ، وعند دخول منزلٍ، كما في "صحيح مسلم" عن شُريح بن هانىء، قال: سألت عائشة ﵂: بأي شيءٍ كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك (٢). والمسجدُ أولى بذلك. وعند إطالة سكوت؛ لأن به يحصل تغير رائحة الفم غالباً. وعند صفرة أسنانٍ؛ لأن السواك شُرع لتنظيف الفم وتطييب رائحته،

стр. 335

فتأكد لزوال الصفرة المنافية للتنظيف، ولأنه ينشأ عن الصفرة تغيرٌ غالباً. وعند خروجه من منزله إلى الصلوات؛ لحديث زيدِ بن خالدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ قال: ما كان رسول الله ﷺ يخرج من بيته لشيءٍ من الصلوات حتى يستاك. رواه الطبراني بإسنادٍ لا بأس به (١). وزاد غير واحدٍ: خلوّ المعدة من الطعام، وكأن من أخلَّ بذكرها، استغنى عنها بدخولها تحت قولهم: تغير رائحة فمٍ، والله أعلم (٢). * * *

стр. 336

الحديث الثاني عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﵁، قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ (١). قالَ الحافِظُ: "يَشُوصُ": معناه يَغْسِلُ. يُقال: شاصَهُ يَشوصُهُ، ومَاصَه يَمُوصُهُ: إذا غَسَلَهُ.

стр. 337

(عن حذيفةَ بنِ اليمانِ) - واسمُ اليمانِ: حِسْلٌ -بكسر الحاء وسكون السين المهملتين-، وقيل: بالتصغير. وفي "مستدرك الحاكم": أنه حذيفةُ بنُ اليمانِ بنِ حِسْل (١) ﵁، فجعل حسلاً جدَّه، لا اسمَ أبيه، وإنما قيل لحسلٍ: اليمان؛ لأن جدهُ جُرْوةَ كان أصاب في قومه دماً، فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه: اليمان؛ لأنه حالف اليمانية؛ يعنون: الأنصار، والمنتسب إلى اليمن: يَمانٍ - على غير قياسٍ -، جعلوا الألف عوضاً من ياء النسبة، وربما قالوا: اليمني - على القياس -، ولا يقال: اليماني؛ لأنه جمعٌ بين العِوض والمعوَّض. وقيل: هو ابنُ جابرِ بنِ عمرِو بنِ ربيعةَ بنِ جُرْوة -بكسر الجيم كما قاله النووي، أو بضمها كما قاله ابن الأثير، وسكون الراء- بنِ الحارت بنِ مازنِ بنِ قُطَيعة -بضم القاف وفتح الطاء المهملة ثم تحتانية ساكنةٍ ثم عينٍ مهملةٍ- بنِ عَبْسٍ -بفتح العين المهملة وسكون الموحدة فسينٍ مهملةٍ- العبسيُّ: حليفُ بني عبد الأشهل من الأنصار، وابنُ أختهم، شهد حذيفةُ وأبوه أُحُداً، وقُتل أبوه يومئذٍ، قتله المسلمون خطأً؛ ظنوه كافراً، فأراد النبي ﷺ أن يَدِيَه، فتصدق حذيفةُ ﵁ بديته على المسلمين، فلم يأخذ له ديةً. وأسلمت أم حذيفة -أيضاً-، واسمها الرَّيانُ -بفتح الراء وبالمثناة تحت - بنتُ كعبِ بنِ عديٍّ، من الأنصار، من بني عبد الأشهل. وكان حذيفةُ- ﵁ صاحبَ سِرِّ رسول الله ﷺ في المنافقين يعلمُهم وحدَه، وفي غيرهم -أيضاً-.

стр. 338

ففي مسلمٍ، عنه: حدثني رسولُ الله ﷺ بما يكون حتى تقومَ الساعة، غير أني لم أسأله: ما يُخرج أهلَ المدينة منها (١)؟ وكان عمر- ﵁ إذا مات أحدٌ، فإن صلَّى عليه حذيفةُ، صلى عليه، وإلا، فلا، وهاجر مع أبويه أيام بدر، فلم يشهدها. وقد روى عنه خلقٌ كثر من الصحابة والتابعين. قال الحافظ ابن الجوزي: ولا يُحصى ما روى عن رسولِ الله ﷺ ، إلا أنه قد أُخرج له في "الصحيحين" سبعة وثلاثون حديثاً، اتفقا منها على اثني عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلمٌ بسبعة عشر. وشهد فتحَ نهاوندَ، وكان فتحُ همذانَ والريِّ والدِّيْنَوَرِ على يديه، وذلك كله سنة اثنتين وعشرين، ولاَّه عمرُ المدائنَ، فتوفي بها سنة ست وثلاثين أولَ خلافة علي بعد قتلِ عثمان بأربعين ليلةً، وقبره بالمدائن - ﵁ - (٢). فمما اتفقا عليه من حديثه ﵁ هذا الحديث. (قال) حذيفة ﵁: (كانَ النبيُّ ﷺ إذا قامَ من الليلِ) ظاهرُه: يقتضي تعليقَ الحكم بمجرد القيام، ويحتمل أن يكون المراد: إذا

стр. 339

قامَ من الليل للصلاة، وحينئذ يعود إلى محش حديث أبي هريرةَ الأولِ، فالأولى عدمُ قيدِ: للصلاة؛ لأن النوم مقتضٍ لتغير الفم، والسواك آلةٌ التنظيف للفم، فيتأكد عندَ مقتضي التغير. وهذا الذي يرشد إليه صنيعُ الحافظ؛ فإنه ذكر حديثَ أبي هريرةَ ليدلَّ على الإتيان بالسواك في ابتداء العبادة من الصلاة منطوقاً، ومثلُها الوضوء والقراءة والذكرُ ونحوُها. وحديثُ حذيفةَ ليدل على زوال التغير؛ فإن النوم مظنةُ تغير رائحة الفم، فيشمل طلب التسوك لسائر التغيرات من أكلِ ما له رائحةٌ كريهةٌ، ومن إطالةِ سكوتٍ، وصفرةِ أسنانٍ، ونحوِها. وذكرَ حديثَ عائشة؛ ليدل على طلبه عند ختام الحياة؛ لأنه يُسَهِّلُ خروجَ الروح، ويُذَكِّر الشهادةَ، ويُطْلق اللسان، فيفصح بكلماتِ الذكر؛ فحملُ قيامه من الليل؛ لكونه للصلاة يفوِّتُ غرضَ الحافظ، والله أعلم. (يَشُوصُ) -بضم المعجمة وسكون الواو، وبعدها صادٌ مهملة-. (فاه) قال في "القاموس": الفاه والفوه بالضم، والفيه بالكسر [والفُوهة] والفم سواءٌ، والجمع: أفواه وأفمام، ولا واحد لها؛ لأن فماً أصلُه: فَوَهٌ، حذفت الهاء كما حذفت من سَنَةٍ، فبقيت الواو طرفاً متحركةً، فوجب إبدالها ألفاً؛ لانفتاح ما قبلها، فبقي فاً، ولا يكون الاسم على حرفين أحدُهما التنوين، فأُبدل مكانَها حرفٌ مشاكلٌ لها، وهو الميم؛ لأنهما شفهيتان، وفي الميم هُوِيٌّ في الفم يضارع امتداد الواو، ويقال في تثنيته: فَمَان وفَمَوان وفَمَيان، والأخيران نادران (١). (بالسواك) متعلقٌ بـ"يشوص".

стр. 340

قال الحافظ ﵀: (يشوص معناه: يغسل) على ما في "الصحاح" (١)، (يقال: شاصَهُ يشوصُهُ، وماصَهُ يَموصُه: إذا غسله). وفي "القاموس": الشوص: نصبُ الشيء بيدك وزعزعتُه عن مكانه، والدَّلْكُ باليد، ومضغُ السواك، والاستياكُ به، أو الاستياكُ من أسفل إلى علو؛ كالإشاصة، ثم قال: والغسل والتنقية (٢). والمَوْصُ: غَسْلٌ لينٌ، والدلكُ باليد، قاله في "القاموس" -أيضاً- (٣). وفي "النهاية": المَوْص: الغسلُ بالأصابع، يقال: مُصْته أموصُه مَوْصاً (٤). وفي "الفتح" (٥): يشُوصُ (٦) -بضم المعجمة وسكون الواو، وبعدها مهملةٌ-، والشَّوص -بالفتح-: الغسلُ والتنظيف، كذا في "الصحاح" (٧). وفي "المحكم": الغسل، عن كراع (٨)، والتنقية، عن أبي عبيدٍ (٩)،

стр. 341

والدلك، عن ابن الأنباري (١). وقيل: الإمرارُ على الأسنان من أسفل إلى فوق. واستدل قائله: بأنه مأخوذٌ من الشوصة، وهي ريحٌ ترفع القلبَ عن موضعه (٢). وعكسه الخطابي، فقال: هو دلكُ الأسنان بالسواك أو الأصابع عَرْضاً، والله أعلم (٣). * * *

стр. 342

الحديث الثالث عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِه؛ فَأَبَّدَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بصَرهُ؛ فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ، فَقَضَمْتُهُ، وَطَيَّبْتُهُ، ثم دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَاسْتَنَّ بهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَنَّ اسْتِنَاناً أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَفَعَ يَدَهُ، أَوْ إصْبَعَهُ، ثُمَّ قالَ: "في الرَّفِيقِ الأَعْلَى"، ثَلاثاً، ثُمَّ قَضَى، وكانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بين حَاقِنَتِي وذَاقِنَتِي (١). وفي لفظ: فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْه، وَعَرَفْتُ اَّنه يُحِبُّ السِّوَاك، فَقُلْتُ: آخُذُهُ

стр. 343

لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ؛ أَنْ: نَعَمْ، هَذَا لَفْظُ البُخَارِيِّ (١)، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ (٢). * * * (عن عائشة) أمِّ المؤمنين (﵂، قالت: دخلُ عبد الرحمن بنُ أبي بكرٍ الصديقِ) ﵃. كان عبدُ الرحمن بنُ أبي بكرٍ الصديق يكنى: أبا محمد، ويقال: أبا عبد الله، ويقال: أبا عثمان، أسلم عامَ الحُديبية، وحسن إسلامه، وكان اسمه: عبدَ الكعبة، وقيل: عبد العزى، فسماه النبيُّ ﷺ : عبدَ الرحمن، وكان أسنَّ أولادِ أبي بكرٍ الصديقِ، وأمُّه أُمُّ رومان؛ فهو شقيقُ عائشةَ ﵄. شهد مع قومه بدراً وأُحُداً، ثم أسلم وحسن إسلامه، وهاجر إلى المدينة قبل الفتح، وكان ﵁ من أشجع قريشٍ، وأرماهم بسهمٍ.

стр. 344

قال الحافظ ابن الجوزي في "منتخب المنتخب": دعي عبدُ الرحمن ﵁ يومَ بدرٍ إلى المبارزة، فنهض إليه الصدِّيقُ، فقال له النبيُّ ﷺ : "أَمْتِعْنا بنفسِكَ"، قال: ثم أسلم عبدُ الرحمن في هدنة الحديبية، وهاجر، ومات سنة ثلاثٍ وخمسين فجأةً بالحُبْشِيِّ، وهو جبلٌ بينه وبين مكة ستة أميال، فحمل إلى مكة، فدفن بها، فقدمت عائشة، فأتت قبره، فصلّت عليه، وتمثَّلَتْ: [من الطويل] وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيْمَةَ حِقْبَةً ... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا وَعِشْنَا بِخَيْرٍ فِي الْحَيَاةِ وَقَبْلَنا ... أَصَابَ المَنايا رَهْطَ كِسْرَى وَتُبَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكاً ... لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا (١) روي لعبد الرحمن ﵁ عن رسول الله ﷺ ثمانيةُ أحاديثَ، اتفقا منها على ثلاثةٍ (٢). (على النبي ﷺ ) متعلق بـ"دخل". قالت عائشة ﵂: (وَأَنا مُسْنِدَتُهُ)؛ أي: النبيَّ ﷺ (إلى صَدْري) جملة "وأنا مسنِدَتُه" إلخ، من المبتدأ والخبر جملة حالية، (وَ)

стр. 345

الحالُ أنه (مَعَ عبدِ الرحمنِ) أخي ﵁؛ أي: في حال دخوله إلى النبي ﷺ (سواكٌ رطبٌ)، وهو الذي لم يجفَّ بعدُ، فهو ضد اليابس (يَسْتَنُّ) عبدُ الرحمن (به)؛ أي: بذلك السواك الرطبِ (فَأبَّدَه)؛ أي: أطالَ النظرَ إليه (رسولُ الله ﷺ بَصَرَهُ). يقال: أَبَّدْتُ فلاناً النظرَ: إذا طَوَّلته إليه، وكأن أصله من معنى التبديد الذي هو التفريق، قاله ابن دقيق العيد (١). وفي "المطالع": فَأبَّدَهُ بصرَه؛ أي: أمدَّه. قاله الحربي. قال الضَّبي: معنى أَبَّدَ: أَمَدَّ، وقيل: طَوَّل (٢). فقالت عائشة ﵂: آخذه لك؟ فأشار ﷺ برأسه أن نعم، كما يأتي. قالت ﵂ (فأخذْتُ السواكَ) من عبدِ الرحمن بنِ أبي بكرٍ ﵄، (فقضَمْتُه)؛ أي: مضغتُه بأسناني. (فطيبته)؛ أي: لَيَّنْتُهُ، (ثم دفعتُه)؛ أي: السواكَ (إلى النبيِّ ﷺ ، فاسْتَنَّ به) -بسكون السين المهملة، وفتح المثناة، وتشديد النون- من السَّنِّ -بالكسر أو الفتح-؛ إما لأن السواك يمد على الأسنان فيجليها ويَصقُلها، أو يَسُنُّها؛ أي: يُحَدِّدُها. وفي "القاموس": استنَّ: استاك (٣). قالت عائشة ﵂: (فما رأيتُ رسولَ الله ﷺ استَنَّ)؛ أي: استاك (استِناناً)؛ أي: استياكاً.

стр. 346

(أحسنَ منهُ)؛ أي: من ذلكَ الاستياك الذي فعلَه ﷺ حينئذٍ. (فما عدا)؛ أي: ما تجاوزَ (أن فرغَ) أن -بفتح الهمزة وسكون النون -: مصدرية؛ أي: ما عدا فراغَ (رسولُ الله ﷺ ) من استنانه بالسواك، حتى (رفعَ يدَه). وفي روايةٍ: "ثم نصبَ يده" (١)، (أو) قالت: رفع (إصبعَه). وفي روايةٍ: "فرفع برأسه إلى السماء" (٢)، (ثم قال) ﷺ بعد رفع يده أو إصبعه أو رأسه، ولا تدافع في شيء من ذلك؛ لأنه رفع إصبعه المسبحة بعد نصب يده، ورفع رأسه ليرمُقَ السماءَ: (في الرفيق الأعلى، ثلاثاً) من المرَّات، إشارةً إلى قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. قال ابن دقيق العيد: قوله ﷺ : "الرفيق الأعلى": يجوز أن يكون الأعلى صفةً من الصفات اللازمةً التي ليس لها مفهومٌ يخالف المنطوق، كما في قوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وليس ثَمَّ داعٍ إلهاً له به برهان، وكذلك: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، ولا يكون قتلُ النبيين إلا بغير الحق، فيكون الرفيق لم يطلق إلا على الذي اختص الرفيق به، ويقوي هذا ما ورد في بعض الروايات، "وأَلْحِقْني بالرفيق" (٣) ولم يصفه بالأعلى، وذلك دليل على أنه

стр. 347

المراد بلفظ "الرفيق الأعلى"، ويحتمل أن يراد بالرفيق: ما يعم الأعلى وغيره، وذلك على وجهين: أحدهما: أن يخص الفريقان معاً بالمقربين المرضيين، ولا شك أن مراتبهم متفاوتةٌ، فيكون ﷺ طلب أن يكون في أعلى مراتب الرفيق، وإن كان الكل من السعداء المرضيين. الثاني: أن يطلق الرفيق بالمعنى الوضعي، الذي يعم كل رفيق، ثم يخص منه الأعلى بالطلب، وهو مطلب المرضيين، ويكون الأعلى بمعنى العالي، ويخرج منه غيرهم، وإن كان اسم الرفيق منطلقاً عليهم، انتهى (١). وقال ابن قرقول في "المطالع": قوله: "في الرفيق الأعلى"؛ أي: اجعلني وألحقني بهم، وهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون المذكورون في قوله - تعالى -: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وهو يقع على الجمع والواحد، وقيل: أراد: رفق الرفيق، وقيل: أراد: مرتفق الجنة،؛ وقال الداودي: هو اسم لكل سماء، وقال: "الأعلى"؛ لأن الجنة فوق ذلك. قال: وأهل اللغة: لا يعرفون هذا، ولعله تصحيفط من الرفيع. وقال الجوهري: الرفيق: أعلى الجنة، انتهى (٢). وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في "الرفيق الأعلى": الملائكة، أو مَنْ في آية الذين أنعم عليهم، أو المكان الذي تحصل فيه مرافقتُهم، وهو الجنة، أو السماء، أقوالٌ.

стр. 348

قال الحافظ ابن حجر: الثالثُ هو المعتمد، وعليه اقتصر أكثر الشراح، انتهى (١). قال السيوطي: وقيل: المراد به: الله - جل وعلا - لأنه من أسمائه. قال السهيلي "في اختياره": هذه الكلمة تتضمن التوحيد، والذكرَ بالقلب، حتى يستفاد منه الرخصة لغيره؛ لأنه لا يشترط الذكر باللسان. قال: وقد وجدت في بعض كتب الواقدي: أن أول كلمةٍ تكلم بها النبيُّ ﷺ وهو مسترضَع عندَ حليمةَ: الله أكبر، وآخر كلمةٍ تكلم بها: "في الرفيق الأعلى". وروى الحاكم من حديث أنس ﵁: أن آخر ما تكلم به: "جلال ربي الرفيع" (٢)، انتهى (٣). (ثم قضى) رسولُ الله ﷺ ؛ أي: تُوفي. قال الأزهري: القضاءُ في اللغة على وجوهٍ؛ مرجعها: إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أُحكم عملُه، أو أُتِمَّ، أو خُتِم، أو أُدِّيَ، أو أُوجبَ، أو أُعلم، أو أُنفذ، أو أُمضي، فقد قُضي، انتهى (٤). وفي "القاموس": قضى عليه يقضي قَضياً وقَضاءً وقَضِيَّةً، وهي الاسم -أيضاً-، والصنع، والحتم، والبيان، والقاضية: الموت؛ كالقَضيِّ. ثم قال: قضى: مات، وعليه: قتله، انتهى (٥).

стр. 349

(وكانت) عائشةُ الصديقةُ بنتُ الصديق ﵄ (تقول: ماتَ) رسولُ الله ﷺ (بين حاقِنَتي)؛ أي: أسفل بطني، (وذاقِنَتي)؛ أي: ثُغرة نحري، وقيل: الذاقنة: طرف الحلقوم، كما قاله ابن دقيق العيد (١). وفي "المطالع": الحاقنة: ما سفل من البطن (٢)، والذاقنة: ما علا. وقيل: الحاقنة: ما فيه الطعام، وقيل: الحاقنتان: الهيطتان اللتان بين الترقُوتين من الصدر وحبلي العاتق. قال أبو عبيدٍ: الحاقن: ما يحقن الطعام في البطنِ، والذواقن أسفل من ذلك، وقيل: الذاقنة: ثغرة الذقن، وقيل: طرف الحلقوم (٣)، انتهى (٤). وخرج البخاري أيضاً من حديث عائشة ﵂: أنها كانت تقول: إن من نعم الله عليَّ أَنَّ رسولَ الله ﷺ تُوفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته (٥). قال في "النهاية": النحر: أعلى الصدر (٦). وفي " القاموس": السَّحْر، ويحرَّكُ ويضم: الرئةُ، والجمعُ: سُحور وأسحار (٧).

стр. 350

وقال: نحر الصدر: أعلاه، أو موضعُ القلادة، مذكر، والجمع: نُحورٌ (١). وحاصل هذا كله: أنه ﷺ توفي ورأسه الشريف من جسد عائشة الصديقة ﵂ ما بين عنقها وخاصرتها أو بطنها، والله أعلم. قال الحافظ - رحمه الله تعالى -: (وفي لفظٍ) للبخاري: قالت عائشة ﵂: (فرأيتُه)؛ أي: رسولَ الله (ينظرُ إليه)؛ أي: للسواك الذي بيدِ عبدِ الرحمن بن أبي بكرٍ يتسوك به، فعرفتُ، وفي لفظٍ: (وعرفْتُ أنه) ﷺ (يحبُّ السواك)، قالت: (فقلتُ؛ آخذه)؛ أي: السواك (لك) من عبد الرحمن، (فأشار) ﷺ (برأسه) الشريف (أن: نَعَمْ)؛ أي: خذيه لي. (هذا لفظ) الإمام (البخاريِّ)، وتمامُ سياق حديث البخاري: قالت: عائشة ﵂: فتناولته، فاشتدَّ عليه، فقلتُ: أُلينه لك؟ فأشار أن: نعم، فلينته، فأمره، وبين يديه ركو أو علبة فيها ماء، فأمره، فجعل يُدخل يدَه في الماء، فيمسح بها وجهه، ويقول: "لا إله إلا الله، إن للموتِ سَكَرات"، ثم نصب يده، فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى" حتى قُبض، ومالت يده (٢). وفي روايةٍ: ومرَّ عبدُ الرحمن وفي يده جريدةٌ رطبةٌ، فنظر إليه النبيُّ ﷺ ، فظننتُ أن له به حاجة، فأخذتها؛ أي: الجريدةَ، فمضغتُ رأسَها، ونفضتها، فدفعتها إليه، فاستنَّ بها أحسنَ ما كان مستناً، ثم ناولنيها، فسقطت يدُه، أو سقطَتْ من يدِه، فجمعَ الله بينَ ريقي وريقه في

стр. 351

آخر يومٍ من الدنيا، وأولِ يومٍ من الآخرة (١). (ولـ) الإمامِ (مسلمٍ) في "صحيحه" (نحوُه)، ففي "صحيح مسلم" من حديثها: فلما كان يومي، قبضه الله بين سحري ونحري (٢). وفي روايةٍ له عنها: أنها سمعت رسولَ الله ﷺ قبل أن يموت، وهو مستندٌ إلى صدرها، وأصغت إليه وهو يقول: "اللهمَّ اغفرْ لي وارحمْني، وأَلْحِقْني بالرفيقِ الأعلى" (٣). وفي روايةٍ: فسمعتُ النبيَّ ﷺ في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بُحَّةٌ يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، فظننته خُيِّرَ حينئذ (٤). وفي حديثها عنده: كنتُ أسمعُ أنه لن يموتَ نبيٌّ حتى يُخَيَّرَ بينَ الدنيا والآخرة (٥). وفي روايةٍ: كان النبيُّ ﷺ يقول وهو صحيح: "إنه لم يُقبض نبيٌّ قطُّ حتى يرى مقعدَه في الجنة، ثم يُخيَّر". قالت عائشة: فلما نزل برسولِ الله ﷺ ، ورأسُه على فخذي، غُشِي عليه ساعة، ثم أفاق، فأشخصَ بصرَه إلى السقف، ثم قال: "اللهمَّ الرفيق الأعلى". قالت عائشة: قلت: إذاً لا يختارُنا، قالت: وعرفت أن الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيحٌ

стр. 352

في (١) قوله: "إنه لم يُقْبَضْ نبيٌّ قَطُّ حتى يرى مقعدَه من الجنةِ، ثم يُخير". قالت عائشة: فكانت تلك آخرَ كلمةٍ تكلم بها رسولُ الله ﷺ قوله: "اللهمَّ الرفيق الأعلى" (٢). تنبيه: في هذا الحديث من الفوائد -غير ما مر مما أشرنا إليه في شرحه-: الاستياكُ بالرطب. وقال بعض الفقهاء: الأخضرُ لغير الصائم أحسنُ، وهذا مقتضى كلام علمائنا. قال في "الإقناع" كغيره: يُسن التسوكُ بسواكٍ رطبٍ، أو أخضر، ويابس مُنَدًّى، ولصائمٍ بيابسٍ قبلَ الزوال، ويُباحُ له برطبٍ قبله (٣). ومنها: إصلاحُ السواك وتهيئته؛ لقول عائشة: فقضمتُهُ. ومنها: تلينيه، حيث كان يابساً، فيندَّى بالماء، وبماءِ وردٍ أجودُ، ثم يُغسل قبل وضعه في الفم؛ لقول الحسنِ البصريِّ: إنَّ الشيطان يستاك به إن لم يُغْسَل؛ لأنه يأمن من جرح لثته لشدة يبسه. ومنها: كونُ السواكِ من عُرجون النخلِ كما في الحديث. قال في "الفروع": يتسوك بعودٍ لا يضره ولا يتفتت. قال: وظاهره التساوي. قال: ويتوجه احتمالُ: أن الأراك أولى؛ لفعله ﵇،

стр. 353

وقاله بعض الشافعية، وبعض الأطباء، وأنه قياسُ قولهم في استحباب الفطر على التمر، وأنه أولى في الفطرة؛ لفعله ﵊. وذكر الأزَجيُّ من علمائنا: أنه لا يُعْدَلُ عنه، وعن الزيتون والعُرجون. وقال صاحب "التيسير" (١) من الأطباء: زعموا أنَّ التسوك من أصول الجوز في كل خامسٍ من الأيام، يُنْقي الرأس، ويُصَفِّي الحواسَّ، ويُحِدُّ الذهنَ (٢). وفيه: الاستياك بسواك الغير. وفيه: العمل بما يفهم من الإشارة والحركات. ومنها: استحباب استعمال المسواك إذا كان للغير؛ لأن عائشة ﵂ قالت: فطيَّبتُه. قال في "الفتح": استعمالُ سواكِ الغيرِ ليس بمكروهٍ -يعني: أنه لإباحة التسوك به -، إلا أن المستحب: أن يغسله، ثم يستعمله. وفيه حديث عن عائشة ﵂ في "سنن أبي داود" قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُعطيني السواك لأغسلَهُ، فأبدأُ به، فأستاكُ، ثم أغسلُه، ثم أدفعُه إليه (٣). وهذا دالٌّ على عظيم أدبها، وكبر فطنتها؛ لأنها لم تغسله ابتداءً؛ حتى لا يفوتها الاستشفاءُ بريقه، ثم غسلته تأدباً وامتثالاً.

стр. 354

قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون المراد بأمرها بغسله: تطييبُه وتهيئتُه بالماء قبل أن يستعمله، انتهى (١). وشديد حرص عائشة ﵂ على الاستشفاء والتبرك بأثر ريقه يشعر بأن المراد باجتماع ريقه ﷺ بريقها لكل من الطرفين، فإنه لما استن ﷺ بالسواك، ناوله لها لم تكن لتدع فضلة ريقه والتبرك بها حتى تستاك بالسواك ليصدق الاجتماعُ لكل منها ومنه ﷺ . ومنها: ما في هذا الحديث من المزايا والمناقب لسيدتنا عائشة على غيرها، والله الموفق. * * *

стр. 355

الحديث الرابع عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، قالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ يَسْتَاكُ بسِوَاكٍ، قالَ: وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ؛ يَقُولُ: "أُعْ أُعْ"، والسِّوَاكُ في فِيهِ، كأنَه يَتَهَوَّعُ (١). * * * (عن أبي موسى) عبدِ الله بنِ قيسِ بنِ عامرٍ (الأشعريِّ) -بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة-، نسبةً إلى الأشعر، واسمه نَبْت -بفتح النون وسكون الموحدة فمثناة- بنُ أُدَد -بضم الهمزة بوزن عُمَر- بنِ زيدٍ. قدم أبو موسى (﵁)، فحالفه سعيدُ بنُ العاصِ بنِ أميةَ، فأسلم بمكةَ، ثم هاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مع أهل السفينتين
следующие страницы →