← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

وروى أبو حفص بإسناده: أن أمير المؤمين عمر ﵄ أصدقَ أمَّ كلثوم ابنةَ عليٍّ من فاطمة الزهراء -رضوان الله عليهم- أربعين ألفًا (١). وقد ذكرنا -فيما تقدم- ما أمهر به النجاشي أم حبيبة ﵂، والله -تعالى- الموفق. الثالث: اختلفوا في قوله ﷺ : "زوجتكها بما معك من القرآن"، فمنهم من قال بجواز جعل تعليم شيء من القرآن معيَّنٍ صداقًا بناءً على كون الباء للتعويض، كقولك: بعتك ثوبي بدرهم، وهذا -أعني: كون الباء للتعويض- هو الظاهر، وإلا لو كانت بمعنى اللام على معنى تكريمه لكونه حامل للقرآن، لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والهبةُ خاصة بالنبي ﷺ ، وحمله بعضهم على الخصوصية بذلك الرجل، لكون النبي ﷺ كان يجوز له نكاحُ الواهبة، فكذلك يجوز له أن يُنكحها لمن شاء بغير صداق، ولأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقواه بعضهم بأنه لما قال له: "ملّكتكها"، لم يشاورها، ولم يستأذنها، وهذه التقوية ضعيفة؛ لأن المرأة أولًا فوضت أمرها إلى النبي ﷺ ، ففي "الصحيح" أما قالت له: فَرَ فيّ رأيَك (٢). ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائي بعد قوله ﷺ : "لا حاجة لي، ولكن تملِّكيني أمرَك"، قالت: نعم، وفيه: فقالت: ما رضيتَ لي رضيتُ (٣)، فهذه صارت كمن قالت لوليها: زوجني بما ترى من كثير الصداق وقليله.

стр. 2907

واستدل لمن قال بالخصوصية بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزدي، قال: زوّج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن، وقال: "لا يكون لأحد بعدَكَ مهرًا" (١)، لكنه مع إرساله فيه من لا يُعرف. وأخرج أبو داود من طريق مكحوله، قال: ليس هذا لأحد بعد النبي ﷺ (٢). وأخرج أبو عوانة من طريق الليث بن سعد نحوَه (٣). وقال: القاضي: يحتمل قولُه: "بما معك من القرآن" وجهين: أظهرهما: أن يعلمها ما معه من القرآن، أو مقدارًا معينًا، ويكون ذلك صداقَها، وقد جاء هذا التفسير عن الإمام مالك (٤)، ويؤيده قوله في بعض طرقه الصحيحة: "فعلمها من القرآن" (٥)، وعين في حديث أبي هريرة مقدار ما يعلمها، وهو عشرون آية (٦). قال: البرماوي في "شرح الزهر البسام": واعلم أن القرآن الذي زوّجها رسول الله ﷺ من ذلك الرجل عشرون آية من سورة البقرة والتي بعدها، كما جاء في بعض الروايات نحوُ هذه القصة من حديث أبي هريرة من غير ذكر الإزار والخاتم إلى أن قال: "وما تحفظ من القرآن؟ "، قال: سورة البقرة، والتي تليها، قال: "قمْ فعلِّمها عشرين آية، وهي امرأتك" خرّجه

стр. 2908

أبو داود، والنسائي (١) لكن في "كتابيهما": سورة البقرة، أو التي تليها، بلفظ أو. وقال: الحافظ ابن حجر في "الفتح": وزعم بعضُ من لقيناه أنه عند أبي داود بالواو، وعند النّسائيّ بلفظ: "أو" (٢)، وفي بعض الروايات من حديث ابن عباس وجابر ﵃: "هل تقرأ من القرآن شيئًا؟ "، قال: نعم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، قال: "أصدِقْها إياها" (٣)، وفي رواية: خمس سور، أو أربع سور من القرآن، وفي رواية: على سور المفصل، ويُجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره، أو أن القصص متعددة (٤). والوجه الثاني: أن تكون الباء بمعنى اللام، أي: لأجل ما معك من القرآن، فأكرمَه بأن زوّجه المرأة بلا مهر، لأجل كونه حافظًا للقرآن، أو لبعضه (٥). الرابع: اختلف الفقهاء في تعلم القرآن هل يجوز أن يكون مهرًا: فقال: أبو حنيفة، وأحمد في أظهر روايتيه: لا يكون ذلك مهرًا. وقال مالك، والشافعي: يجوز أن يكون مهرًا. وعن الإمام أحمد مثله (٦).

стр. 2909

قلت: وقد مال في "الهدي" ميلًا كليًا إلى صحة كون المرأة إن رضيت بعلم زوجها أو حفظه للقرآن أو بعضه من مهرها، وأن ما يحصل لها من انتفاعها القرآن والعلم هو صداقها، كما إذا جعل السيد عتقَها صداقَها، وكان انتفاعُها بحريتها وملكها لرقبتها هو صداقها، فإن الصداق شُرع في الأصل حقًا للمرأة تنتفعُ به، فإذا رضيت بالعلم والدين وإسلام الزوج، كما في قصة أبي سليم وقراءته للقرآن، كان هذا من أفضلِ المهور وأنفعِها وأجلِّها، فما خل العقد من مهر، وأين الحكم بتقدير المهر بثلاثة دراهم أو عشرة من النص والقياس إلى الحكم بصحة كون المهر ما ذكرنا نصًا وقياسًا، وليس هذا مساويًا للموهوبة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وهي خاصة له من دون المؤمنين، فإن تلك وبيت نفسها هبةً مجردة عن ولي وصداق، بخلاف هذه، فإنه نكاحٌ بولي وصداق، فإنه وإن كان غير مالي، فإن المرأة جعلته عوضًا عن المال، لما يرجع إليها من نفعه، ولم تهب نفسها للزوج هبة مجردة كهبة شيء من مالها، انتهى ملخصًا (١). ومعتمد المذهب: أنه إن أصدقها تعليم قرآن، لم يصح، بل فقه أو أدب أو شعر مباح معلوم. قال في "شرح الوجيز": كونه إذا أصدقها تعليم قرآن لا يصح؛ لأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال، بدليل قوله -تعالى-: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، والقرآن ليس بمال، ولأن تعليم القرآن من شرطه أن يقع قربة لفاعله، فلم تصح المعاوضة عليه، دليله إذا استأجر قومًا يصلون معه الجمعة والفرائض والتراويح.

стр. 2910

قال: وهذا المذهب نص عليه، وعليه علماؤنا، منهم: أبو بكر، والموفق (١)، والشارح (٢)، وغيرهم، وصححه في "الهداية"، و"الخلاصة" وغيرهما. قال في "البلغة" و"النظم": هذا المشهور، وجزم به في "المنور" (٣)، و"منتخب الأدمي"، وغيرهما، وقدمه في "الفروع" (٤)، وغيره، وهو الذي جزم به في "الإقناع" (٥)، و"المنتهى" (٦)، و"الغاية" (٧)، وغيرها. والرواية الثانية: يصح. قال ابن رزين: هذا الأظهر، واختاره ابنُ عبدوس في "تذكرته"، وجزم به في "عيون المسائل"، لهذا الحديث، ولأن تعليم القرآن منفع مباحة، فجاز جعلُه صداقًا، كتعليم قصيدة من الشعر المباح (٨)، والله أعلم.

стр. 2911

الحديث الثالث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَهْيَمْ؟ " فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! تَزَوَّجْتُ امْرأَةً، فَقَالَ: "مَا أَصْدَقْتَهَا؟ " قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: "فَبَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" (١).

стр. 2912

(عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ مالكٍ) الأنصاريِّ النجاريِّ (﵁: أن رسول الله ﷺ رأى عبدَ الرحمن بنَ عوف) بنِ عبدِ عوف بنِ عبدِ الحارثِ بنِ زهرةَ بنِ كلابِ بنِ مرةَ بنِ كعبِ بنِ لؤيِّ بنِ غالبٍ، هو أبو محمدٍ القرشيُّ الزّهريُّ ﵁، كان اسمه في الجاهلية عبدَ عمرو، فسماه النبي ﷺ عبدَ الرحمن، وأمه الشِّفَّا بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة، أسلمت وهاجرت كما في "جامع الأصول" لابن الأثير. وَقَدَّمَ البرماوي: أن أمه صفيةُ بنتُ عبد منافِ بنِ زهرة، ثم قال:

стр. 2913

ويقال: الشفا -بكسر الشين المعجمة وبالفاء- بنتُ عوفِ بنِ الحارث، ويقال: الشفا بنتُ عوف إنما هي أخته. وأسلم عبد الرحمن ﵁ قديمًا على يد أبي بكرٍ الصديق ﵁، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ ، وثبت يوم أحد، وصلّى النبي ﷺ خلفه في غزوة تبوك، وأَتَمَّ ما فاته، كان نحيلًا رقيقَ البشرة أبيضَ مشربًا حمرة ضخمَ الكفين أقنى، وقيل: كان ساقط الثنيتين أعرجَ، أُصيب يوم أحد، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، فأصابه بعضُها في رجله، فعرج. ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، وبعثه ﷺ إلى دومة الجندل، وعَمَّمه بيده، وسدلَها بين كتفيه، وقال له: "إن فتح الله عليك، فتزوَّجْ بنتَ ملكهم وعريفهم"، فتزوجَ بنتَ شريفهم، وهي تُمَاضِرُ بنتُ الأصبغ بنِ ثعلبة بنِ ضمضم، فولدت له أبا سلمةَ الفقيهَ، وهي أول كلبية نكحها قرشيٌّ، وكان الأصبغُ بنُ ثعلبةَ شريفَهم، وكان زواجُ عبد الرّحمن ﵁ على تُماضِرَ بنتِ الأصبغِ الكلبيةِ في شعبانَ سنة سِتٍّ من الهجرة، فأسلم ناس كثير، منهم الأصبغُ، وتُماضِرُ -بضم التاء المثناة فوق وبالضاد المعجمة-، والأَصْبَغ بسكون الصاد المهملة وفتح الموحدة، فغين معجمة-، وكان عبد الرحمن ﵁ طلقها في مرض موته طلقةً واحدة، وهي آخر طلاقها، يعني: تمام الثلاث، فورَّثَها عثمانُ ﵁، وقصتها في ذلك مشهورة، وتُوفي عبد الرحمن بن عوف ﵁ سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع، وله اثنتان وسبعون سنة، وقيل: خمس وسبعون سنة، وقيل: ثمانٍ وسبعون سنة، ويلتقي مع النبي ﷺ في كلابِ بنِ مرة، وتزوج ﵁ ثلاث عشرة امرأة، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة.

стр. 2914

روي له عن رسول الله ﷺ خمسةَ عشرَ حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة. وقال الحافظ ابن الجوزي في كتابه "مشكل الصحيح": روى خمسة وستين حديثًا، اتفقا على سبعة، ومناقبه ﵁ كثيرة شهيرة (١). (وعليه) أي: والحال أنَّ على عبد الرحمن بن عوف ﵁ (رَدْعُ) -براء ودال وعين مهملات مفتوح الأول ساكن الثاني-: هو أثر (٢) (زعفران). وفي رواية: لقيه ﷺ في سكة من سكك المدينة، وعليه وَضَرٌ من صفرة (٣)، والوَضَرُ -بفتح الواو والضاد المعجمة وآخره راء- هو في الأصل: الأثر، والمراد بالصفرة صفرة الخلوق (٤). وفي رواية عند الإمام أحمد: وعليه وَضَرٌ من خلوق (٥)، وفي رواية:

стр. 2915

وعليه أثر صفرة (١)، [وفي رواية:] (٢) فرأى رسول الله ﷺ عليه بشاشة العرس (٣)، (فقال رسول الله ﷺ : مهيم؟)؛ أي: ما أمُرك، وما خبرُك، وما شأنك؟ وهي كلمة استفهام مبنية على السكون. قال ابن دقيق العيد: قيل: إنها لغة يمانية، قال بعضهم: ويشبه أن تكون مركبة (٤). وفي "الفتح": وهل هي بسيطة أو مركبة؟ قولان لأهل اللغة. وقال ابن مالك: هي اسم فعل بمعنى: أخبر. ووقع في رواية عند الطبراني في "الأوسط": فقال له: "مهيم"، وكانت كلمته: إذا أراد أن يسأل عن الشيء (٥). ووقع في رواية: "مهين" -بنون آخره بدل الميم- (٦)، والأول المعروف. ووقع في رواية عند البخاري: "ما هذا يا عبد الرحمن؟ " (٧). وفي رواية: أن عبد الرحمن بن عوف أتى النبي ﷺ وقد خضب بالصفرة، فقال: "ما هذا الخضاب؟ أَعرستَ؟ "، قال: نعم، الحديث (٨).

стр. 2916

وعند أبي عوانة: أنه قال له: "ما هذا؟ " (١)، (فقال) عبد الرحمن ﵁: (يا رسول الله! تزوجت) من (امرأة) زاد في رواية مالك: من الأنصار (٢). قال البرماوي: المرأة التي تزوج بها هي بنتُ أنس بن رافع بنِ امرىء القيس بنِ زيد بنِ عبدِ الأشهل بنِ أوسِ، ولدت له القاسمَ، وعبد الله الأكبر، أما عثمانُ، وعبدُ الله الأصغرُ أبو سلمة، وهو الفقيه التابعي الذي أخرج له الجماعة، فأمه تُماضِر بنتُ الأصبغ -كما مرّ آنفًا-، وتزوج عبد الرحمن بن عوف ﵁ -أيضًا- أُمَّ كلثوم بنتَ عقبةَ بنِ أبي مُعيط، وبُجَيْرَةَ بنتَ هانىء، وسهلةَ بنتَ سهيلِ بنِ عمرو، وأمَّ حكيم بنت قارط، وأسماءَ بنتَ سلامة، ونسيبة من بهراء، ومجدة بنتَ يزيد الحِمْيَري، وغزال بنتَ كسرى من سبي سعدِ بن أبي وقاص يومَ المدائن، وباديةَ بنتَ غيلان، وسهلة الصغرى بنتَ عامر العجلاني، وله أولاد كثيرة من هؤلاء يطول ذكرُهم، ولم يسمِّ المرأةَ البرماويُّ. وفي "الفتح": أما أم إياس بنتُ أبي الحَيْسَر -بفتح المهملتين بينهما تحتانية ساكنة، وآخره راء-، واسمه أنس بن رافع الأوسي (٣)، (فقال) له رسول الله ﷺ : و (ما أصدقتها؟)، وفي لفظ: " [كم] (٤) أصدقتها؟ (٥) "، وفي آخر: "على كم؟ (٦) "، وفي رواية: "ما سُقْتَ

стр. 2917

إليها؟ (١) "، وفي رواية مالك: "كم سُقْتَ إليها؟ (٢) "، (قال): أصدقتها (وزن نواة من ذهب)، كذا وقع الجزم به في رواية ابن عُيَيْنَة، وفي رواية: نواة من ذهب، أو وزن نواة من ذهب (٣)، وفي لفظ: على وزن نواة من ذهب (٤)، وفي أخرى عند مسلم: على وزن نواة، قال: فقال رجل من ولد عبد الرحمن: من ذهب (٥)، ورجح الداودي رواية من قال: على نواة من ذهب، واستنكر رواية من روى: وزن نواة. قال في "الفتح": واستنكاره هو المنكر؛ لأن الذين جزموا بذلك أئمة حفاظ (٦). قال عياض: لا وهم في الرواية؛ لأنها إن كانت نواة تمر أو غيره، أو كان للنواة قدر معلوم، صلحّ أن يقال: ذلك وزن نواة (٧)، ويأتي الكلام على النواة في كلام المصنف -رحمه الله تعالى-. (قال) النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف ﵁: [فبارك الله لك] (٨)، وفي رواية: (بارك الله لكَ) (٩).

стр. 2918

قال ابن بطّال: فيه رد قول العامة عند العرس: بالرفاء والبنين، وترجم [له] (١) البخاري في "صحيحه" باب: كيف يدعى للمتزوج (٢)؟ فكأنه أشار إلى تضعيف قول العامّة، وإلى تضعيف حديث معاذ بن جبل ﵁: أنه شهد إملاك رجل من الأنصار، فخطب رسول الله ﷺ ، وأنكح الأنصاري، وقال: "على الألفة والخير والبركة، والطير الميمون والسعة في الرزق" الحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" بسندٍ ضعيف، وفي "الأوسط" بسندٍ أضعف منه (٣)، وأخرجه أبو عمر البَرقاني في كتاب "معاشرة الأهلين" من حديث أنس، وزاد فيه: والرفاء والبنين، وفي سنده أبانُ العبديُّ، وهو ضعيف، وأقوى من ذلك ما أخرجه أصحاب "السنن"، وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رَفَّأَ إنسانًا، قال: "بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير" (٤). وقوله: رَفَّأَ -بفتح الراء وتشديد الفاء مهموز- معناه: دعا له في موضع قولهم: بالرفاء والبنين، وكانت كلمة يقولها أهلُ الجاهلية، فورد النّهي، عنها كما روي من طريق غالب، عن الحسن البصري، عن رجل من بني تميم، قال: كنا نقول في الجاهلية: بالرفاء والبنين، فلما جاء الإسلام،

стр. 2919

علّمنا نبينا، قال: "قولوا: بارك الله لكم، وبارك فيكم، وبارك عليكم" (١) وأخرج النسائي (٢)، والطبراني عن الحسن، عن عقيل بن أبي طالب ﵁: أنه قدم البصرة، فتزوج امرأة، فقالوا له: بالرفاء والبنين، فقال: لا تقولوا هكذا، وقولوا كما قال رسول الله ﷺ : "اللهم بارك لهم، وبارك عليهم" (٣)، ورجالهم ثقات، إلا أن الحسن لم يسمع من عقيل فيما يقال. ودلّ حديث أبي هريرة الذي في "السنن" على أن هذا القول كان مشهورًا عندهم غالبًا حتى سمي كلُّ دعاء للمتزوج ترفية. واختلف في علة النهي عن ذلك، فقيل: لأنه لأحمدَ فيه ولا ثناء ولا ذكر لله -تعالى-، وقيل: لما فيه من بغض البنات، لتخصيص البنين بالذكر. وأمّا الرَّفاء: فمعناه: الالتئام من رَفَأْت الثوبَ، ورَفَوْتُه رَفْوًا، وهو دعاء للزوج بالالتئام والائتلاف، فلا كراهة فيه. وقال: ابن المنير: الذي يظهر: أنه ﷺ كره اللفظ، لما فيه من موافقة الجاهلية لأنهم كانوا يقولونه تفاؤلًا، لا دعاء، فيظهر أنه لو قيل للمتزوج بصورة الدعاء لم يكره، كأن يقال: اللهم ألّف بينهما، وارزقهما بنين صالحين مثلًا، أو ألّف اللهُ بينكما، ورزقكما ولدًا ذكرًا، ونحو ذلك.

стр. 2920

وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عمر بن قيس الماصر، قال: شهدت شريحًا -وأتاه رجل من أهل الشّام-، فقال: إني تزوجت امرأة، فقال: بالرفاء والبنين، وأخرجه عبد الرزاق من طريق عدي بن أرطاة، قال: حدّثتُ شريحًا: أني تزوجت امرأة، فقال: بالرفاء والبنين (١)، فمحمول على أن شريحًا لم يبلغه النهي عن ذلك. ودلّ الحديث على أن الدعاء بالبركة للمتزوج مشروع، وهي لفظة جامعة يدخل فيها كل مقصود من ولد وغيره، ومثله قوله ﷺ لجابر ﵁ لمّا سأله: "تزوجت بكرًا أم ثيّبًا؟: بارك الله لك" (٢)، والأحاديث في مثل هذا معروفة (٣). ثم قال ﷺ لعبد الرحمن بن عوف ﵁: (أَوْلِمْ) أمر بالوليمة، وهي اسم لطعام العرس خاصة، لا يقع على غيره. وفي "المطلع": قال بعض الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: الوليمة تقع على كل طعام لسرور وحادث، إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر، ثم قال: وقول أهل اللغة إنها مختصة بطعام العرس أولى؛ لأنهم أهل اللسان، وأعرف بموضوعات اللغة، هذا معنى ما حكاه الإمام الموفق في "المغني" (٤). وقال صاحب "المستوعب": وليمة الشيء: كمالُه وجمعه، وسميت

стр. 2921

دعوة العرس وليمة، لاجتماع الزوجين (١). (ولو بشاة). قال في "شرح الوجيز": قوله ﷺ : (ولو بشاة) للتقليل؛ أي: ولو بشيء قليل كشاة، فيستفاد منه: أن الوليمة جائزة بدونها (٢). كما روى البخاري: أن النبي ﷺ أولمَ على صفيةَ بمدَّين من شعير (٣). وقال: ابن دقيق العيد: "ولو بشاة" يفيد معنى التقليل، وليست "لو" هذه هي التي تقتضي امتناع الشيء لوجود غيره، وقال بعضهم: هي التي تقتضي معنى التّمني (٤)، انتهى. تنبيهان: الأوّل: الوليمة سنّة مؤكدة، لأمره ﷺ بها، ولأنه فعلها. قال أنس ﵁: ما أولم رسول الله ﷺ على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، جعل يبعثني، فأدعو له الناسَ، فأطعمهم خبزًا ولحمًا حتى شبعوا (٥). قال: ابن دقيق العيد: صيغة الأمر في هذا الحديث محمولة عند الجمهور على الاستحباب (٦)، انتهى.

стр. 2922

وقد أخرج الطبراني من حديث وحشيِّ بن حرب، رفعه: "الوليمة حقّ، والثانية معروف، والثالثة فخر" (١). وفي مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: "شرُّ الطعام طعامُ الوليمة، يدعى إليها الأغنياء، وتترك الفقراء، ومن لم يُجِبْ، فقد عصى الله ورسوله" (٢). ولأبي الشيخ، والطبراني في "الأوسط" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "الوليمة حقّ وسنّة، فمن دُعي فلم يُجب، فقد عصى" (٣). وروى الإمام أحمد من حديث بريدة ﵁ قال: لمّا خطب علي ﵁ فاطمةَ ﵍، قال رسول الله ﷺ : "لابد للعروس من وليمة" (٤)، وسنده لا بأس به. قال: ابن بطال: قوله: "الوليمة حق"؛ أي: ليست بباطل، يندب إليها، وهي سنّة فضيلة، وليس المراد بالحق الوجوب. قال: ولا أعلم أحدًا أوجبها، كذا قاله، مع أن في مذهبه رواية بوجوبها، نقلها القرطبي، وقال: مشهور المذهب: أما مندوبة (٥).

стр. 2923

قال في "الفروع": وليمة العرس تستحب بالعقد، قاله ابن الجوزي ولو بشاة. وقال ابن عقيل: ذكر الإمام أحمد: أما تجب ولو بها، للأمر، وقال ابن عقيل: السنّة أن يكثر للبكر (١)، انتهى. قال الموفق في "المغني": هي سنّة، بل وافق ابن بطّال فى نفى الخلاف بين أهل العلم في ذلك. وقال بعض الشّافعيّة: هي واجبة، لأمر النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف، ولأن الإجابة إليها واجبة، فكانت واجبة. وأجاب الموفق: بأنه طعام لسرور حادث، فأشبه سائر الأطعمة، والأمر محمول على الاستحباب بدليل ما ذكرناه، ولكونه أمره بشاة، وهي غير واجبة اتفاقًا (٢). وفي "الإفصاح" لابن هبيرة: اتفقوا على أن وليمة العرس مستحبة، ثم اختلفوا في وجوبها: فقال الشّافعيّ وحده: وهي واجبة في أظهر القولين عنه (٣)، انتهى. وقد علمت أما مستحبة على معتمد مذهب الشّافعيّ. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": القول بوجوبها وجهٌ معروف عند الشّافعيّة، وقد جزم به سليم الرازي، وقال: إنه ظاهر نص الإمام الشّافعيّ،

стр. 2924

ونقله عن النص -أيضًا- الشيخ أبو إسحاق في "المذهب"، وهو قول أهل الظاهر كما صرح به ابن حزم (١)، انتهى. الثاني: الإجابة إلى الوليمة المذكورة واجبة في المشهور عن مالك، وأظهر قولي الشافعي، وأصح الروايتين عن الإمام أحمد ﵃، وقال أبو حنيفة: إن الإجابة إليها مستحبة، وليست بواجبة، وروى الطحاوي عن أبي حنيفة: الوجوب -أيضًا- (٢). ويعتبر لوجوب الإجابة: أَلَّا يكون عذر من نحو حرّ وبرد وشغل، وكونُ داعٍ مسلمًا يحرم هجرُه، ولو أنثى، وقِنًا أَذِن له سيدُه، وكونُ كسبه طيبًا، وأن يكون أولَ مرة، وهي حقّ للدّاعي، تسقط بعفوه، فإن دعي للوليمة الجَفَلى أيها النَّاس تعالوا للطعام، كُرهت الإجابة، ولم تجِب (٣)، والله أعلم. قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى ورضي عنه-: (النواة) المذكورة في الحديث أنه أصدقَها وزنها هي (وزن خمسة دراهم). قال في "الفتح": اختلف في المراد بالنواة، فقيل: النواة: واحدةُ نوى التمر، كما يوزن بنوى الخروب، وإن القيمة عنها يومئذٍ كانت خمسة دراهم، وقيل: كان قدرها يومئذٍ ربع دينار، ورُدَّ بأن نوى التمر يختلف في الوزن، فكيف يُجعل معيارًا لما يوزن به؟ وقيل: لفظ النواة من ذهب عبارة عمّا قيمته خمسة دراهم من الوَرِق، وهذا مراد المصنف ﵀

стр. 2925

تعالى-، وجزم به الخطابي (١)، واختاره الأزهري (٢)، ونقله القاضي عياض عن أكثر العلماء (٣)، ويؤيده أن في رواية عند البيهقي من طريق سعيد بن بشر، عن قتادة: وزن نواة من ذهب قوّمت خمسة دراهم (٤)، وقيل: وزنها من الذهب خمسة دراهم، حكاه ابن قتيبة (٥)، وجزم به ابن فارس، واستظهره البيضاوي، واستبعد؛ لأنه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل وبضعًا، ووقع في رواية حجاج بن أرطاة عن قتادة عند البيهقي: قوّمت ثلاثة دراهم وثلثًا، وإسناده ضعيف (٦)، ولكن جزم به الإمام أحمد، وقيل: ثلاثة ونصف، وقيل: ثلاثة وربع، وعن بعض المالكية: النواة عند أهل المدينة ربع دينار، ويؤيده ما وقع عند الطبراني في "الأوسط" في آخر حديث أنس: حزرناها ربعَ دينار (٧). وقد قال الشّافعيّ: النواة ربع النَّشِّ، والنشُ نصف أوقية، والأوقية أربعون درهمًا، فيكون خمسة دراهم، وكذا قال أبو عبيد: إن عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم، وهي تسمى نواة، وكما يسمى الأربعون أوقية (٨)، وبه جزم أبو عو انة وآخرون (٩)، والله أعلم.

стр. 2926

كتاب الطلاق (١) هو في اللغة: حلُّ الوثاق، مشتق من الإطلاق، وهو الإرسال والتخلية (٢)، يقال: أُطلقتِ الناقةُ: إذا سَرَحَتْ حيث شاءت، وحُبِس فلانٌ في السجن طَلْقًا: بغير قيد، وفرسٌ طلقُ إحدى القوائم: إذا كانت إحدى قوائمِها غيرَ محجَّلة، وفلانٌ طلقُ اليدِ بالخير؛ أي: كثير البذل. وفي الشرع: حلّ عقدة النكاح، وهو راجعٌ إلى معناه في اللغة؛ لأن من حُلَّ قيدُ نِكاحها، فقد خُلّيت (٣). قال في "الفتح": الطلاق لفظ جاهليّ ورد الشرعُ بتقريره (٤). قال في "المطلع": يقال: طَلُقت المرأةُ، وطَلَقت -بفتح اللام وضمها- تَطْلُق -بضم اللام- فيهما، طلاقًا، وطلقة، وجمعُها طَلَقات -بفتح اللام لا غير-، فهي طالق، وطلَّقها زوجُها، فهي مُطَلَّقة. ثم الطلاق من حيث تعتريه الأحكام الخمسة.

стр. 2927

فقد يكون واجبًا، كطلاق المؤلي بعدَ المدةِ والامتناعِ من الفيئة. ومكروهًا: إذا كان لغير حاجة، مع استقامة الحال. ومباحًا، وذلك عند نحو ضرورة، ككونه لا يريدها، ولا تطيب نفسه أن يتحمل مؤنتها من غير حصول غرض الاستمتاع. ومستحبًا، وذلك عند تضرر المرأة بالمقام، لبغض أو غيره، أو لكونها مفرِّطة في حقوق الله -تعالى-، قالوا: أو لكونها غير عفيفة. وعن الإمام أحمد: يجب الطلاق فيما إذا كانت مفرِّطة في حقوق الله تعالى، أو غير عفيفة. قلت: وهو الصواب في الأخير من غير شك. وحرامًا، وهو طلاق المدخول بها إذا كانت حائضًا أو في طهر قد وطئها فيه (١). وقد ذكر الحافظ المصنف ﵀ في هذا الأمر حديثين.

стр. 2928

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَر ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَغَيَّظَ فيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "لِيُرَاجعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ فَتَطْهُرُ، فَإنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلًّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ العِدَّةُ، كَمَا أَمَرَ اللهُ " (١). وفي لفظٍ: "حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا" (٢). وفي لفظٍ: فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللهِ كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٣).

стр. 2929

(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ عمرَ ﵄: أنه)، أي: عبد الله بن عمر (طلق امرأة له) وفي لفظ: طلق امرأته (١) واللفظ الأول لمسلم، وله -أيضًا- عن نافع عن ابن عمر ﵄: طلقت امرأتي (٢). قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": اسمها آمنة بنتُ غِفار، قاله ابن باطيش (٣)، ونقله عن النووي جماعة ممن بعده، منهم: الذهبي في "تجريد الصحابة"، لكن قال في "مبهماته": فكأنه أراد: "مبهمات التهذيب"، أو "مبهمات النووي"، وأوردها الذهبي في آمِنة -بالمد وكسر الميم ثم نون- (٤)، وأبوها ضبطه ابن نقطة -بكسر المعجمة وتخفيف الفاء-. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" بعد نقله لما تقدم: لكن رأيت مستند

стр. 2930

ابن باطيش في أحاديث قتيبة جمع سعيد العيار، بسندٍ فيه ابنُ لهيعة: أن ابن عمر طلق امرأته آمنةَ بنتَ عمَّار، كذا رأيتها في بعض الأصول -بمهملة مفتوحة فميم ثقيلة-، والأول أولى وأقوى. وفي "مسند الإمام أحمد": حدثنا يونس، حدثنا الليث، عن نافع: أن عبد الله طلق امرأته وهي حائض، فقال عمر: يا رسول الله! إن عبد الله طلق امرأته النوار، فأمره أن يراجعها، الحديث (١)، وهذا بسند صحيح على شرط الشيخين، ويونس شيخُ الإمام أحمد في هذا الحديث هو ابنُ محمد المعروف بالمؤدب من رجال الصحيحين، ويمكن الجمعُ بين هذا وما ذكره النووي بأن يكون اسمها آمنة، ولقبها النوار (٢) (وهي حائض)، وفي رواية: وهي في دمها حائض (٣)، وعند البيهقي: أنه طلق امرأته في حيضها (٤)، زاد في رواية عند الشيخين: على عهد رسول الله ﷺ (٥)، وأكثرُ الرواة لم يذكروا هذه الزيادة استغناءً عنها بما في الخبر: أن عمر سأل عن ذلك رسول الله ﷺ ، فاستلزم أن ذلك وقع في عهده، وزاد الليث عن نافع: تطليقة واحدة، أخرجه مسلم، وقال في آخره: جود الليث في قوله: تطليقة واحدة (٦).

стр. 2931

ومن طريق عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر: أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض (١). وكذا وقع عند مسلم من طريق محمّد بن سيرين، قال: مكثت عشرين سنة يحدّثني من لا أتهم: أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فأُمر أن يراجعها، فكنت لا أتهم، ولا أعرف وجه الحديث، حتى لقيت أبا غلاَّب يونسَ بنَ جبير، وكان ذا ثَبَت، فحدّثني: أنه سأل ابن عمر، فحدّثه: أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض (٢). وأخرجه الدارقطني، والبيهقي عن طريق الشعبي، قال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض (٣)، (فذكر ذلك)؛ أي: طلاقة لها وهي حائض (عمرُ) ﵁ الرسول الله ﷺ ) متعلق بذكر، وفي لفظ: فسأل عمر بن الخطاب ﵁ رسول الله ﷺ عن ذلك (٤)، (فتَغَيَّظَ) -بفتح التاء المثناة فوق والغين المعجمة فمثناة تحت مشددة فظاء مشالة-؛ أي: حصل له غيظ (فيه رسول الله ﷺ ) أي: من أجل ذلك وبسببه، والغيظ: تغير يحصل للإنسان عند احتداده (٥)، وزيادة: فتغيظ فيه في رواية سالم بن عبد الله بن عمر ﵄ (٦)، وهو أجلّ من روى الحديث عن ابن عمر، وفيه إشعار بأن الطلاق في الحيض كان تقدم النهي عنه، وإلا، لم يقع التغيظ على أمرٍ لم يسبق النهي عنه، ولا يعكّر على ذلك مبادرةُ عمر

стр. 2932

بالسؤال عن ذلك، لاحتمال أن يكون عرف حكم الطلاق في الحيض، وأنه منهي عنه، ولم يعرف ماذا يصنع من وقع له مثل ذلك، كما في "الفتح" (١). وقال ابن دقيق العيد: وتغيظُ النبيِّ ﷺ إمّا لأن المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهرًا، فكان مقتضى الحال التثبت في ذلك، أو لأنه كان مقتضى الحال مشاورة النبي ﷺ في ذلك إذا عزم عليه (٢)، (ثمّ قال) ﵊: (ليراجعْها)، وفي رواية مرة: "فليراجعها" (٣). قال ابن دقيق العيد: تتعلق به مسألة أصولية، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو أمر بذلك الشيء، أو لا؟ فإن النبي ﷺ قال: "مره"، فأمر بأن يأمره (٤). قلت: الذي جزم به علماؤنا، منهم: صاحب "مختصر التحرير" للعلامة ابن النجار في "شرحه" (٥): إنه ليس بأمر بذلك الشيء، وعبارته: وأمرٌ من الشارع بأمرٍ لآخر ليس أمرًا به؛ أي: بذلك الشيء عندنا وعند الأكثر، ومَثَّل بقول النبي ﷺ لعمر عن ابنه عبد الله: "مره فليراجعها"، وقوله في: "مُروهم بها لسبع" (٦)، وقوله -تعالى-: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]؛ لأنه مبلغ الأمر، ولأنه لو كان أمرًا، لكان قول القائل: مُرْ عبدَكَ بكذا، مع قول السَّيِّد لعبده: لا تفعله، أمرين متناقضين.

стр. 2933

وكذا قال: ابن الحاجب: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا بذلك الشيء. وفصل بعضهم بأن عدم كونه أمرًا حيث تجرد الأمر عن قرينة، وأما إذا وجدت قرينة تدل على أن الأمر الأول أمرُ المأمور الأول أن يبلغ المأمور الثاني، فلا. قال في "الفتح": وينبغي أن ينزل كلام الفريقين على هذا التفصيل، فيرتفع الخلاف. ومنهم من فرق بين الأمرين، فقال: إن كان الأمر الأول بحيث يسوغ له الحكم على المأمور الثاني، فهو أمرٌ له، وإلا فلا. قال: وهذا أقوى، وهو مستفاد من الدليل الذي استدل به ابن الحاجب على النفي؛ لأنه لا يكون متعديًا إلا إذا أمر من لا حكم له عليه، لئلا يصير متصرفًا في ملك غيره بغير إذنه، والشارع حاكم على الآمر والمأمور، فوجد فيه سلطان التكليف على الفريقين، ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]، فإن كل أحد يفهم منه أمر الله لأهل بيته بالصلاة، ومثله حديث الباب، فإن عمر إنما استفتى النبي ﷺ عن ذلك لتبيين ما يأمره النبي ﷺ به، ويلزم ابنه به، فالقرينة واضحة في أن عمر في هذه الكائنة كان مأمورًا بالتبليغ، ولهذا قال فيما يأتي: فراجعها عبد الله كما أمر رسول الله ﷺ . واقتضى كلام سليم الرازي أنه يجب على الثاني الفعل جزمًا، وإنما الخلاف في تسميته أمرًا، فرجع الخلاف عنده لفظيًا. وقال: ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يتردد في اقتضاء ذلك الطلب، وإنما ينبغي أن ينظر في لوازم صيغة الأمر بالأمر أولًا، بمعنى: أنهما يستويان في الدلالة على الطلب من وجهٍ واحد، أولا (١)، واستحسنه في "الفتح"، قال:

стр. 2934

لأن أصل المسألة الذي انبنى عليها هذا الخلاف حديث: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع" (١)، فإن الأولاد ليسوا بمكلفين، فلا يتجه عليهم الوجوب، وإنما الطلب متوجب على أوليائهم أن يعلموهم ذلك، فهو مطلوب من الأولاد بهذه الطريق، وليس مساويًا للأمر الأول (٢). قلت: قال العلامة ابن اللحام في "قواعده الأصولية": فائدة الأمر بالأمر بالشيء ليس إعرابه مع عدم الدليل عليه، ذكره أبو محمد المقدسي؛ يعني: الإمام الموفق، والرازي. قال ابن اللحام: وحينيذٍ فلا يستقيم استدلال من استدل من الأصحاب على مراجعة الحائض إذا طلقت في الحيض بأمر النبي ﷺ أن عمر يأمر ابنه ﵁ بمراجعة زوجته لمّا طلقها وهي حائض (٣)، والله أعلم. (ثم يمسكها) في عصمته بعد مراجعته، لها وفي لفظ: "ثم ليمسكها" (٤) بزيادة لام الأمر، وتستمر في عصمته (حتى تطهر) من تلك الحيضة (ثم تحيض) حيضة أخرى (فتطهر) منها -أيضًا- (فإن بدا له)؛ أي: لعبد الله بن عمر ﵁ بعد ذلك (أن يطلقها)، أي: امرأته، (فليطلقها قبل أن يمسَّها) بجماع، وفي لفظ: "قبل أن يمس" (٥)، وفي رواية: "فإذا طهرت، فليطلقها قبل أن يجامعها" (٦)، وفي رواية: "فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها

стр. 2935

طاهرًا قبل أن يمسها" (١)، وفي رواية: "ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا" (٢)، (فتلك العدّة كما أمر الله ) أن تُطَلَّق لها النساء، أي: أذِن، وهذا بيان لمراد الآية، وهي قوله -تعالى-: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ أي: وقت ابتداء عدتهن. (وفي لفظ) من حديث ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال لعمر: "مره فليراجعها" (حتى تحيض) وهي عنده في عصمته (حيضة مستقبلة سوى حيضتها) الأولى (التي طلقها فيها)، فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها طاهرًا من حيضتها قبل أن يمسها، فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله . قال في "الإقناع" عن صاحب "الترغيب" من علمائنا: ويلزمه وطؤها (٣)؛ أي: وطء من طلقها وهي حائض، ثم راجعها إذا طهرت واغتسلت. واختلفوا في حكمة الأمر بالمراجعة، وأن يطلقها إن شاء بعد طهرها من الحيضة الثانية التي بعد الحيضةِ المطلَّقِة فيها، فقيل: ليكون تطليقها وهي تعلم عدّتها، إما بحملٍ، أو بحيض، أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل وهو غير جاهل بما صنع، إذ ربما يرغب فيها فيمسكها لأجل الحمل. وقيل: الحكمة فيه أَلَّا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فإذا أمسكها زمانًا يحل له فيه طلاقها، ظهرت فائدة الرجعة؛ لأنه قد يطول مقامه معها، فقد

стр. 2936

يجامعها، فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها، فيمسكها، ولاسيما على القول بوجوب جماعه لها (١). تنبيهات: الأول: اختلف الفقهاء في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق والرجعة، فمعتمد مذهبنا، وأصح الوجهين عند الشّافعيّة: المنع (٢). قال في "الإقناع"، وغيره: السنّة أن يطلقها واحدة في طهرٍ لم يصبها فيه، ثم يدعها، فلا يتبعها طلاقًا آخر حتى تنقضي عدّتها، إلا في طهرٍ متعقب لرجعة من طلاق في حيضٍ، فبدعة زاد في "الترغيب": ويلزمه طؤها، قال: وإن طلق المدخول بها في حيضٍ، أو طهرٍ أصابها فيه، ولو في آخره، ولم يستبن حملها، فهو طلاق بدعة محرم، ويقع نصًا، وتسن رجعتها إن كان رجعيًا، فإذا راجحها، وجب إمساكها حتى تطهر، فإذا طهرت، سنّ أن يمسكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر، فإن طلقها في هذا الطهر قبل أن يمسها، فهو طلاق سنّة (٣). وكلام المالكية يقتضي أن التأخير مستحب. وفي كتب الحنفية عن أبي حنيفة: الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد: المنع، وجه من قال بالجواز: أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا

стр. 2937

طهرت، زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز طلاقها في الطهر إن لم يتقدم طلاق في الحيض، ومن منعَ، قال: لو جاز له طلاقها عقب تلك الحيضة، كان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنها شرعت لإِيْوَاءِ المرأة، ولهذا سماها إمساكًا، فأمره أن يمسكها في ذلك الطهر، وأَلَّا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ثمّ تطهر؛ لتكون الرجعة للإمساك، لا للطلاق، ويؤكد ذلك: أن الشارع أكد هذا المعنى، حيث أمر بأن يمسكها في الطهر الّذي يلي الحيض الّذي طلقها فيه، لقوله في رواية عبد الحميد بن جعفر: "مُرْهُ أن يراجعها، فإذا طهرت، مسّها، حتى إذا طهرت أخرى، فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها" (١)، فإذا كان قد أمره أن يمسها في ذلك الطهر، فكيف يحيى له أن يطلقها، وقد ثبت النهي عن الطلاق في طهرٍ جامعها فيه؟ (٢) الثاني: اختلفوا في وجوب المراجعة إذا طلقها في الحيضة، أو في طهر وطئها فيه، ولم يتبين حملها، فمعتمد مذهب أحمد: تسنّ رجعتها، للأمر، وأقل أحوال الاستحباب، ولأنه بالرجعة يزيل المعنى الذي حرم الطلاق من أجله، ولا تجب الرجعة على الأصح؛ لأنه طلاقٌ لا يرتفع بالرجعة، فلم تجب عليه، كالطلاق في طهر لم يصبها فيه، فإنهم أجمعوا على أن الرجعة لا تجب (٣). قال في "شرح الكافي": تستحب رجعتها، هذا الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وجزم به في "الوجيز"، وقدّمه في "الهداية"،

стр. 2938

و"المذهب" (١)، و"مسبوك الذهب"، و"المستوعب"، و"الخلاصة"، و"المحرر"، و"الرعايتين"، و"الحاوي الصغير"، و"الفروع" (٢)، وغيرهم. قلت: وجزم به في "الإقناع" (٣)، و"المنتهى" (٤)، وهو المذهب بلا ريب. وعنه: أنها واجبة في الحيض، اختارها في "الإرشاد"، و"المبهج" (٥). ومذهب مالك: وجوب المراجعة. وقول الجمهور: عدم الوجوب، لكن صحح صاحب "الهداية" من الحنفية: أنها واجبة، وحجة من أوجبها ورودُ الأمر بها، ولأن الطّلاق لما كان محرمًا في الحيض، كانت استدامة النكاح فيه واجبة، فلو تمادى الذي طلق في الحيض حتى طهرت، فعند مالك وأكثر أصحابه: يجبر على الرجعة -أيضًا-، وقال أشهب منهم: إذا طهرت، انتهى الأمر بالرجعة. واتفقوا على أنه إذا انقضت عدّتها أن لا رجعة. ونقل ابن بطال: أنه لو طلقها في طهر مسها فيه، لا يؤمر بمراجعتها، لكن الخلاف فيه ثابت في الجملة. واتفقوا على أنه لو طلق قبل الدخول وهي حائض، لم يؤمر بالمراجعة إلا ما نقل عن زُفَر، فطرد الباب. قال في "الفتح": لو طلقها في طهر مسّها فيه، هل يجبر على الرجعة

стр. 2939

كما يُجبر عليها إذا طلقها وهي حائض؟ فردّه بعض المالكية فيهما، والمشهور عنه: إجباره في الحائض دون الطّاهر، وقالوا فيما إذا طلقها وهي حائض: يجبر على الرجعة، فإن امتنع، أدّبه الحاكم، فإن أصرّ، ارتجع الحاكم عليه. وهل يجوز له طؤها بذلك؟ روايتان لهم: أصحهما: الجواز، وعن داود: يجبر على الرجعة إذا طلقها حائضًا، ولا يجبر إذا طلقها نفساء، وهو جمود كما في "الفتح" (١). الثالث: اختلفوا في علة منع الطلاق في الحيض، هل هو لتطويل العدّة؟ وهذا قول عامة علمائنا، وخالفهم أبو الخطاب، فقال: بل لكونه طلقها في زمن رغبته عنها، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد يقال: الذي يتعقبه عدّة؛ لأنه لابد من عدّة، كذا في "شرح الكافي" (٢). الرابع: اختلف في الطلاق في الحيض، هل هو محرم لحق الله، فلا يباح بسؤالها، أو لحقها، فيباح فيه؟ وجهان لعلمائنا، قال الزركشي، ظاهر إطلاق الكتاب والسنّة: أنه حقٌّ لله (٣)، وهو ظاهر كلام الإمام الموفق في "الكافي" (٤)، وغيره، ولكن صرح في "الهداية"، و"المذهب"، و"مسبوك الذهب"، و"المستوعب"، و"الخلاصة"، وغيرهم، وقدّمه في "المحرر" (٥)، و"الرعايتين"، و"الحاوي الصغير"، وغيرهم: أن خُلع

стр. 2940

الحائض وطلاقَها بسؤالها غير محرم ولا بدعة (١). قلت: وهو معتمد المذهب. قال في "الإقناع": ويباح خُلع، وطلاق بسؤالها زمن بدعة (٢)، وقال في كتاب: الحيض: ويمنع الحيض سنّة الطلاق ما لم تسأله طلاقًا بعوض، أو خلعًا، فإن سألته بغير عوض، لم يبح (٣)، انتهى. وإذا كانت المرأة صغيرة أو آيسة، أو غير مدخولٍ بها، واستبان حملها، فلا سنّة لطلاقها ولا بدعة في وقت ولا في عدد (٤). قال الحافظ المصنِّف -رحمه الله تعالى-: (وفي لفظ) عن ابن عمر ﵄ (فحسبت) تلك التطليقة التي طلقها لامرأته وهي حائض (من طلاقها) وفي بعض الألفاظ عن ابن عمر: حسبت علي بتطليقة (٥). وفي "الصحيحين" عن يونس بن جبير، وكان ذا ثبت، قال: قلت لابن عمر: رجل طلق امرأته وهي حائض؟ فقال: أتعرف عبد الله بن عمر، فإنه طلق امرأته وهي حائض، الحديث، فقلت له: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض، أتعتدّ بتلك الطلقة؟ قال: فمه؟ أو إن عجز أو استحمق (٦). وفي لفظٍ: قلت لابن عمر: أفاحتسبت بها؟ قال: ما يمنعه؟ أرأيت إن

стр. 2941

عجز واستحمق (١)؟! وفي لفظ عن ابن عمر: حُسبت عليَّ بتطليقة (٢)، وهو -بضم أوله- من الحساب (وراجعها)؛ أي: راجع المرأة التي طلقها في الحيض، فأمر رسول الله ﷺ بمراجعتها (عبد الله) بن عمر ﵄ (كما أمر رسول الله ﷺ ) حيث قال لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "مُرْهُ فَلْيراجعْها". تنبيه: الصحيح من المذاهب الأربعة: أن طلاقها في حيضها، وكذا طهر أصابها فيه، طلاقُ بدعة، ومحرم، ويقع (٣)، نصَّ على ذلك الإمام أحمد، وعليه جلّ الأصحاب من علمائنا. قال في "شرح الكافي": إن طلاقها يقع، نص عليه الأصحاب، وقال الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم: لا يقع الطلاق فيهما. قال الشيخ تقي الدين: اختار طائفة من أصحاب الإمام أحمد عدمَ الوقوع في الطلاق المحرم (٤). وقال -أيضًا-: ظاهر كلام ابن أبي موسى: أن طلاق المجامعة مكروه، وطلاق الحائض محرم. قال النووي: شذَّ بعض أهل الظاهر، فقال: إذا طلق الحائض، لم يقع

стр. 2942

الطّلاق؛ لأنه غير مأذون فيه، فأشبه طلاق الأجنبية (١)، وحكاه الخطابي عن الخوارج والروافض (٢)، وقال ابن عبد البرّ: لا يخالف في ذلك إلا أهلُ البدع والضلال، يعني: الآن، وروى مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذ (٣)، وحكاه ابن العربي وغيره عن ابن عليّة (٤)؛ يعني: إبراهيم بن إسماعيل بن عليّة الذي قال الشّافعيّ في حقه: إبراهيمُ ضالّ، جلس في باب الضوال يضل الناس (٥)، وكان بمصر، وله مسائل ينفرد بها، وكان من فقهاء المعتزلة، وقد غلط فيه من ظن أن المنقول عنه المسائل الشاذّة أبوه، وحاشاه، فإنه من كبار أهل السنّة. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": وكأن النووي أراد ببعض الظاهرية: ابن حزم، فإنه ممن جرّد القول بذلك، وانتصر له، وبالغ، وأجاب عن أمر ابن عمر بالمراجعة: بأن ابن عمر كان اجتنبها، فأمر أن يعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، فحمل المراجعة على معناها اللغوي. وتعقب بأن الحمل على الحقيقة الشرعية مقدّم على اللغوية اتفاقًا. وأجاب عن قول ابن عمر: حُسبت عليّ بتطليقة: بأنه لم يصرح بمن حسبها عليه، ولا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ . وتعقب بأنه مثل قول الصحابي: أمرنا في عهد رسول الله ﷺ بكذا، فإنه ينصرف إلى من له الأمر حينيذٍ، وهو النبي ﷺ ، كذا قال بعض الشراح.

стр. 2943

قال الحافظ ابن حجر: وعندي: لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول الصحابي: أُمرنا بكذا، فإن ذلك محله حيث يكون اطلاع النبي ﷺ على ذلك ليس صريحًا، وليس كذلك في قصة ابن عمر هذه، فإن النبي ﷺ هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حسبت عليه بتطليقة، كان احتمال كون الذي حسبها غير النبي ﷺ بعيدًا جدًا، مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك، وقد جاء في بعض روايات الحديث: أن النبي ﷺ قال عن طلاق ابن عمر: "هي واحدة" (١)، وهذا نص في موضع الخلاف، فيجب المصير إليه، وقد أورده بعض العلماء على ابن حزم، فأجاب بأن قوله: "هي واحدة" لعله ليس من كلام النبي ﷺ ، فألزمه بأنه نقض أصله؛ لأن الأصل لا ينقض بالاحتمال. قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": وقد وافق ابنَ حزم على ذلك من المتأخرين ابنُ تيمية، وله كلام طويل في تقرير ذلك، والانتصارِ له، وأعظمُ ما احتجوا به: ما في أبي داود، والنسائي من حديث ابن عمر: فردّها علي، ولم يرها شيئًا، وإسناده على شرط الصحيح (٢)، وأخرج الإمامُ أحمد الحديثَ بالزيادة المذكورة (٣)، والجمهور أجابوا عن هذه الزيادة بأجوبة متعددة: منها: أن الراوي -وهو أبو الزبير- خالف نافعًا، ونافعٌ أثبت منه.

стр. 2944

ومنها: أنه لم يرها شيئًا مستقيمًا، أو شيئًا تحرم معه المراجعة، أو شيئًا جائزًا في السنّة، أو ماضيًا في الاختيار، وإن كان لازمًا مع الكراهة. واحتج من لم يوقع الطلاق بما روي عن الشعبي، قال: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض، لم يعتد بها في قول ابن عمر (١). وروى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك، عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله ﷺ : "ليس ذلك بشيء" (٢). قال في "الفتح": وهذه متابعات لأبي الزبير، إلا أما كلها قابلة للتأويل، وهو أولى من إلغاء الصريح في قول ابن عمر: إنها حسبت عليه بتطليقة، فإنه، وإن لم يصرح برفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فإن فيه تسليم كون ابن عمر قال: إنها حسبت عليه، فكيف يلتئم مع هذا قوله: إنه لم يعتد بها، أو لم يرها شيئًا على المعنى الذي ذهب إليه من لم يوقع [عليه] (٣) الطلاق. قال: واحتج ابن القيم بترجيح ما ذهب إليه شيخه بأقيسة ترجع إلى مسألة: أن النهي يقتضي الفساد، فقال: الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام، فالقياس أن حرامه باطل كالنكاح وسائر العقود، وأيضًا فكما أن النهي يقتضي التحريم، فكذلك يقتضي الفساد. وأيضًا، فهو طلاق منع منه الشرع، فأفاد منعُه عدمَ جواز إيقاعه، فكذلك يفيد عدم نفوذه، وإلا لم يكن للمنع فائدة؛ لأن الزوج لو وكل رجلًا أن يطلق امرأته على وجه، فطلقها على غير الوجه المأذون فيه، لم ينفذ،

стр. 2945

فكذلك لم يأذن الشارع للمكلف في الطّلاق إلا إذا كان مباحًا، فإذا طلق طلاقًا محرمًا، لم يصح. وأيضًا كلُّ ما حرّمه الله من العقود مطلوبُ الإعدام، فالحكم ببطلان ما حرّمة أقربُ إلى تحصيل هذا المطلوب من تصحيحه، ومعلومٌ أن الحلال المأذون ليس كالحرام الممنوع منه، وأطال على أن القياس في معارضة النص لا ينهض (١)، على أن الطلاق ليس من أعمال البر الذي يتقرب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حق آدمي، فكيفما أوقعه، وقع، سواءٌ أُجر في ذلك، أو أثم ولو لزمَ المطيعَ ولم يلزم العاصي، لكان العاصي أخفّ حالًا من المطيع، قاله ابن عبد البر (٢). قلت: ولشيخ الإسلام ابن تيمية ولتلميذه كلامٌ طويل على ذلك في عدة مؤلفات، كـ"إعلام الموقعين"، و"الهدي"، و"إغاثة اللهفان" لابن القيم، ولشيخ الإسلام عدة مؤلفات في هذه المسائل بخصوصها، غير أن معتمد مذهب الإمام أحمد على الوقوع كسائر مذاهب الأئمة، والله الموفق.
следующие страницы →