← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

عجز واستحمق (١)؟! وفي لفظ عن ابن عمر: حُسبت عليَّ بتطليقة (٢)، وهو -بضم أوله- من الحساب (وراجعها)؛ أي: راجع المرأة التي طلقها في الحيض، فأمر رسول الله ﷺ بمراجعتها (عبد الله) بن عمر ﵄ (كما أمر رسول الله ﷺ ) حيث قال لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "مُرْهُ فَلْيراجعْها". تنبيه: الصحيح من المذاهب الأربعة: أن طلاقها في حيضها، وكذا طهر أصابها فيه، طلاقُ بدعة، ومحرم، ويقع (٣)، نصَّ على ذلك الإمام أحمد، وعليه جلّ الأصحاب من علمائنا. قال في "شرح الكافي": إن طلاقها يقع، نص عليه الأصحاب، وقال الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم: لا يقع الطلاق فيهما. قال الشيخ تقي الدين: اختار طائفة من أصحاب الإمام أحمد عدمَ الوقوع في الطلاق المحرم (٤). وقال -أيضًا-: ظاهر كلام ابن أبي موسى: أن طلاق المجامعة مكروه، وطلاق الحائض محرم. قال النووي: شذَّ بعض أهل الظاهر، فقال: إذا طلق الحائض، لم يقع

стр. 2942

الطّلاق؛ لأنه غير مأذون فيه، فأشبه طلاق الأجنبية (١)، وحكاه الخطابي عن الخوارج والروافض (٢)، وقال ابن عبد البرّ: لا يخالف في ذلك إلا أهلُ البدع والضلال، يعني: الآن، وروى مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذ (٣)، وحكاه ابن العربي وغيره عن ابن عليّة (٤)؛ يعني: إبراهيم بن إسماعيل بن عليّة الذي قال الشّافعيّ في حقه: إبراهيمُ ضالّ، جلس في باب الضوال يضل الناس (٥)، وكان بمصر، وله مسائل ينفرد بها، وكان من فقهاء المعتزلة، وقد غلط فيه من ظن أن المنقول عنه المسائل الشاذّة أبوه، وحاشاه، فإنه من كبار أهل السنّة. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": وكأن النووي أراد ببعض الظاهرية: ابن حزم، فإنه ممن جرّد القول بذلك، وانتصر له، وبالغ، وأجاب عن أمر ابن عمر بالمراجعة: بأن ابن عمر كان اجتنبها، فأمر أن يعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، فحمل المراجعة على معناها اللغوي. وتعقب بأن الحمل على الحقيقة الشرعية مقدّم على اللغوية اتفاقًا. وأجاب عن قول ابن عمر: حُسبت عليّ بتطليقة: بأنه لم يصرح بمن حسبها عليه، ولا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ . وتعقب بأنه مثل قول الصحابي: أمرنا في عهد رسول الله ﷺ بكذا، فإنه ينصرف إلى من له الأمر حينيذٍ، وهو النبي ﷺ ، كذا قال بعض الشراح.

стр. 2943

قال الحافظ ابن حجر: وعندي: لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول الصحابي: أُمرنا بكذا، فإن ذلك محله حيث يكون اطلاع النبي ﷺ على ذلك ليس صريحًا، وليس كذلك في قصة ابن عمر هذه، فإن النبي ﷺ هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حسبت عليه بتطليقة، كان احتمال كون الذي حسبها غير النبي ﷺ بعيدًا جدًا، مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك، وقد جاء في بعض روايات الحديث: أن النبي ﷺ قال عن طلاق ابن عمر: "هي واحدة" (١)، وهذا نص في موضع الخلاف، فيجب المصير إليه، وقد أورده بعض العلماء على ابن حزم، فأجاب بأن قوله: "هي واحدة" لعله ليس من كلام النبي ﷺ ، فألزمه بأنه نقض أصله؛ لأن الأصل لا ينقض بالاحتمال. قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": وقد وافق ابنَ حزم على ذلك من المتأخرين ابنُ تيمية، وله كلام طويل في تقرير ذلك، والانتصارِ له، وأعظمُ ما احتجوا به: ما في أبي داود، والنسائي من حديث ابن عمر: فردّها علي، ولم يرها شيئًا، وإسناده على شرط الصحيح (٢)، وأخرج الإمامُ أحمد الحديثَ بالزيادة المذكورة (٣)، والجمهور أجابوا عن هذه الزيادة بأجوبة متعددة: منها: أن الراوي -وهو أبو الزبير- خالف نافعًا، ونافعٌ أثبت منه.

стр. 2944

ومنها: أنه لم يرها شيئًا مستقيمًا، أو شيئًا تحرم معه المراجعة، أو شيئًا جائزًا في السنّة، أو ماضيًا في الاختيار، وإن كان لازمًا مع الكراهة. واحتج من لم يوقع الطلاق بما روي عن الشعبي، قال: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض، لم يعتد بها في قول ابن عمر (١). وروى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك، عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله ﷺ : "ليس ذلك بشيء" (٢). قال في "الفتح": وهذه متابعات لأبي الزبير، إلا أما كلها قابلة للتأويل، وهو أولى من إلغاء الصريح في قول ابن عمر: إنها حسبت عليه بتطليقة، فإنه، وإن لم يصرح برفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فإن فيه تسليم كون ابن عمر قال: إنها حسبت عليه، فكيف يلتئم مع هذا قوله: إنه لم يعتد بها، أو لم يرها شيئًا على المعنى الذي ذهب إليه من لم يوقع [عليه] (٣) الطلاق. قال: واحتج ابن القيم بترجيح ما ذهب إليه شيخه بأقيسة ترجع إلى مسألة: أن النهي يقتضي الفساد، فقال: الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام، فالقياس أن حرامه باطل كالنكاح وسائر العقود، وأيضًا فكما أن النهي يقتضي التحريم، فكذلك يقتضي الفساد. وأيضًا، فهو طلاق منع منه الشرع، فأفاد منعُه عدمَ جواز إيقاعه، فكذلك يفيد عدم نفوذه، وإلا لم يكن للمنع فائدة؛ لأن الزوج لو وكل رجلًا أن يطلق امرأته على وجه، فطلقها على غير الوجه المأذون فيه، لم ينفذ،

стр. 2945

فكذلك لم يأذن الشارع للمكلف في الطّلاق إلا إذا كان مباحًا، فإذا طلق طلاقًا محرمًا، لم يصح. وأيضًا كلُّ ما حرّمه الله من العقود مطلوبُ الإعدام، فالحكم ببطلان ما حرّمة أقربُ إلى تحصيل هذا المطلوب من تصحيحه، ومعلومٌ أن الحلال المأذون ليس كالحرام الممنوع منه، وأطال على أن القياس في معارضة النص لا ينهض (١)، على أن الطلاق ليس من أعمال البر الذي يتقرب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حق آدمي، فكيفما أوقعه، وقع، سواءٌ أُجر في ذلك، أو أثم ولو لزمَ المطيعَ ولم يلزم العاصي، لكان العاصي أخفّ حالًا من المطيع، قاله ابن عبد البر (٢). قلت: ولشيخ الإسلام ابن تيمية ولتلميذه كلامٌ طويل على ذلك في عدة مؤلفات، كـ"إعلام الموقعين"، و"الهدي"، و"إغاثة اللهفان" لابن القيم، ولشيخ الإسلام عدة مؤلفات في هذه المسائل بخصوصها، غير أن معتمد مذهب الإمام أحمد على الوقوع كسائر مذاهب الأئمة، والله الموفق.

стр. 2946

الحديث الثاني عَنْ فَاطِمَةَ بنَتِ قَيْسِ: أَنَّ أَبَا عَمْرِو بنَ حَفْصٍ طَلَّقَها البَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، وَفي رِوَايةٍ: طَلَّقَهَا ثلاثًا (١)، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكيلُهُ بشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْةُ، فَقَالَ: وَاللهِ! مَالَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ" (٢). وفي لفظ: "وَلَا سُكْنَى" (٣)، فأمرها أَنْ تَعْتدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: "تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكَ، فَإذَا حَلَلْتِ، فَآذِنِيني"، قَالَتْ:

стр. 2947

فَلَمَّا حَلَلْتُ، ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا أَبُو الجَهْمِ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زيْدٍ"، فَكَرِهَتْهُ، ثُمَّ قَالَ: "انْكحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ"، فَنكحَتْهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، واغْتبَطَتْ به (١). * * * (عن فاطمةَ بنتِ قيس) بنِ خالدٍ الأكبرِ بنِ وهبِ بنِ ثعلبةَ بنِ وايِلةَ -بكسر الياء التحتية- بنِ عمرَ بنِ شيبانَ بنِ محاربِ بنِ فهرِ بنِ مالكِ بنِ النضرِ بنِ كنانةَ الفهريَّةِ القرشيةِ، وهي أخت الضحَّاك بن قيس. يقال: إنها كانت أكبر منه بعشر سنين، وكانت من المهاجرات الأُول، وهي التي تروي

стр. 2948

حديث الدجال والجساسة، وكانت ذات عقل وافر وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى. روى عنها: أبو سلمة بنُ عبد الرحمن، وسليمانُ بن يسار، وعروة بن الزبير، والشعبي، وغيرهم. روي لها عن رسول الله ﷺ : ثلاثة وثلاثون حديثًا، اتفقا على واحد، وهو هذا، وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنها الجماعة ﵂ (١): (أَنَّ أبا عمرِو بنَ حفصِ) بنِ المغيرة بنِ عبد الله بنِ عمر بنِ مخزوم، القرشيَّ، المخزوميَّ، اسمه عبد المجيد، وقيل: عبد الحميد، وصححه القاضي عياض، وقيل: أحمد، قاله النسائي، قيل: ولا يعرف في الصحابة من اسمه أحمد غيره على هذا القول، لكن ذكر الذهبي في "تجريده" أحمد بن جعفر بن أبي طالب، وقال: تفرد بذكره الواقدي، ويقال: ولد لجعفر بالحبشة عبدُ الله، ومحمد، وأحمد، نقله الحافظ عبد الرحمن بن منده، وذكر الذهبي -أيضًا- أحمدَ بنَ حفص بن المغيرة المذكور، قال: وهو بكنيته أشهر، وفيه ترجيح أن اسمه أحمد عند من سماه، وهو ابن عم خالد بن الوليد ﵁.

стр. 2949

ولم يؤرخ البرماوي، ولا ابن الأثير في "جامع الأصول" ولا غيرهما ممن رأيت وفاته، إلا أن الحافظ ابن حجر في "الفتح" قال: قد ذهب جمع جمُّ إلى أنه مات مع علي باليمن، وذلك بعد أن أرسل إليها، بطلاقها، إلا أنه يبعده قول من قال: إنه بقي إلى خلافة عمر ﵃ أجمعين (١) -، وقد بعثه رسول الله ﷺ مع علي بن أبي طالب حين بعثه أميرًا إلى اليمن. روى عنه عمر بن الخطاب، وناشزة بن سمي اليزني (٢). (طلقها)؛ أي: فاطمةَ بنتَ قيس ﵂ (البتةَ) بمعنى: المقطوعة، وهي في الأصل: المرة من بته يبتُّه بتًا وبتة، يقال: طلقها ثلاثًا بتة، وصدقة بتة؛ أي: منقطعة (٣)، (وهو) أي: أبو عمر بن حفص (غائب) فيه دليل على وقوع الطلاق في غيبة المرأة، وهو مجمعَ عليه، (وفي رواية: طلقها ثلاثًا) يحتمل أن يكون الراوي عبّر عمّا وقع من الطلاق بلفظ: البتة، وهذا على مذهب من جعل لفظ البتة للطلاق الثلاث، ويحتمل أن يكون اللفظ الذي وقع به الطلاق هو الطلاق الثلاث، وحينيذٍ يكون قوله: طلقها البتة تعبيرًا عمّا وقع من الطلاق بلفظ الطلاق ثلاثًا، وهذا يتمسك به من يرى جواز إيقاع الطلاق الثلاث دفعة واحدة، لعدم الإنكار من النبي ﷺ ، إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: طلقها ثلاثًا؛ أي: أوقع طلقةً يتم بها الثلاث، وقد

стр. 2950

جاء مصرحًا بذلك عنها: كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات (١) (فأرسل إليها وكيلُه)؛ أي: وكيل أبي عمرو المذكور، والوكيلُ هو عَيَّاشُ -بفتح العين المهملة وتشديد المثناة تحت فشين معجمة بينهما ألف- ابنُ أبي ربيعة، واسمُ ابن ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي القرشي، وهو أخو أبي لهب لأمه، أسلم قديمًا قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة هو وعمر بن الخطاب، ورده أخوه أبو جهل، وأوثقه، فكان من المستضعفين الذين كان رسول الله ﷺ يدعو لهم في القنوت فيقول: "اللهم أنجِ عيّاشَ بنَ أبي ربيعة" (٢)، واستشهد يوم اليرموك بالشام، وقيل: مات بمكة. روى عنه ابنه عبد الله، وعمر بن الخطاب، وغيرهما (٣). وقيل: الوكيلُ الحارثُ بنُ هشام. وجوز ابن دقيق العيد رفعَ الوكيل ونصبَه، فإن رفعَ، كان الوكيل هو الذي أرسل رسوله إليها، وإن نصب، كان الوكيل هو الذي جاء إليها رسولًا (٤) (بشعيرٍ) متعلق بأرسل. وفي رواية لمسلم عن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: أرسل

стр. 2951

إلي زوجي أبو عمرو بنُ حفص بن المغيرة عياش بن أبي ربيعة بطلاقي، وأرسل معه بخمسة آصُع تمر، وخمسة آصع شعير (١) (فسخطتُه)؛ أي: الشعيرَ المرسلَ إليّ، كذا التمر -بضم التاء- ضمير المتكلم؛ أي: كرهتُه ولم أرضَ به. وفي "صحيح مسلم" -أيضًا-: أن أبا عمرو بن حفص المخزومي طلقها ثلاثًا، ثم انطلق إلى اليمن (٢). وفي آخر في "صحيح مسلم" عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب ﵁ إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمةَ بنتِ قيس بتطليقة كانت بقيتْ من طلاقها، وأمر لها الحارثُ بنُ هشام وعياشُ بن أبي ربيعة بنفقة (٣)، (فقال) الوكيلُ، وفي لفظ حديث عبيد الله: فقالا (٤): (والله ما لك علينا من شيء)، وفي لفظ: مالَكِ نفقة إلا أن تكوني حاملًا (٥)، (فجاءت) فاطمةُ بنت قيس (رسولَ الله ﷺ ، فذكرت ذلك) الذي قاله لها وكيل زوجها، من عدم النفقة والسكنى الواجبين لها، لبينونتها من زوجها، وعدم حملها منه (له) ﷺ (فقال) ﵊ لها: (ليس لك عليه)؛ أي: على أبي عمرو بن حفص المخزومي (نفقةٌ)، (وفي لفظٍ) عند مسلم عنها: أنها طلقها زوجها في عهد النبي ﷺ ، وكان أنفق عليها نفقة دونًا، فلما رأت ذلك، قالت: والله لأُعْلِمنّ رسول الله ﷺ ، فإن كانت لي نفقة، أخذت

стр. 2952

الذي يصلحني، وإن لم تكن لي نفقة، لم آخذ منه شيئًا، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "لا نفقة لك (ولا سكنى) ". وفي مسلم -أيضًا- عن الشعبي، قال: دخلت عليَّ فاطمةُ بنتُ قيس، فسألتُها عن قضاء رسول الله ﷺ عليها، فقالت: طلقها زوجها البتة، قالت: فخاصمته إلى رسول الله ﷺ في السكنى والنفقة، قالت، فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، (فأمرها) رسول الله ﷺ أن تنتقل من بيت أبي عمرو بن حفص المخزومي، و (أن تعتدَّ في بيت أم شريك). اعلم أن هذه الكنية لعدة نساء من الصحابيات، والأمر يدور في هذا الحديث بين أم شريك غُزَيَّةَ -بضم الغين المعجمة وفتح الزاي وتشديد الياء- بنتِ دودان -بضم الدال المهملة الأولى- بنِ عوفٍ القرشيةُ العامريةُ: صحابية مشهورة، وبين أم شريك الأنصارية، واسمها غزيلة، ويقال: غزيّة. قال ابن الأثير: وهي التي جاء ذكرها في حديث فاطمة بنت قيس حيث قال النبي ﷺ لها: "اعتدي في بيت أم شريك"، وقال بعضهم: إن التي أمرها ﷺ بأن تعتدّ في بيتها هي أم شريك الأولة، قال: ولا يصح؛ لأن الأولى قرشية من بني لؤي بن غالب، وهذه أنصارية، فإنه قد جاء في بعض روايات حديث فاطمة بنت قيس: أن أمَّ شريك امرأةٌ غنية من الأنصار، [وذكر ابن عبد البر في "الكنى" أن أم شريك القرشية اسمها غزيّة، ويقال: غزيلة] (١) وذكر في الغين من الأسماء: أم شريك الأنصارية غزيلة، ويقال: غزيّة، ووافقه ابن منده في الأنصارية والقرشية.

стр. 2953

وقد جاء عن ابن حبيب: في الأنصار امرأتان، كلتاهما أم شريك، فقال: في بني عبد الأشهل أم شريك بنت أنس بن نافع بن امرىء القيس بن زيد، وفي بني ساعدة أمُّ شريك بنتُ خالد بنِ خُنَيْس بنِ لوذان بن عبد ود، فيحتمل أن تكون التي أمر فاطمة أن تعتدّ في بيتها إحدى هاتين الأنصاريتين (١)، (ثم) بعد أمرِه ﷺ لفاطمة أن تعتدّ في بيت أم شريك (قال: تلك)؛ أي: أم شريك (امرأة يغشاها أصحابي)، قيل: كانوا يزورونها، ويُكثرون التردد إليها، لصلاحها (٢) (اعتدي عند) ابنِ عمك عمرو، وقيل: عبد الله بن قيس بن زائدة -كما مرّ ذكره في باب الأذان- (ابنِ أمِّ مكتوم)، وهي أمه، واسمها عاتكةُ بنتُ عبد الله من بني مخزوم، وهو ابن خال خديجةَ بنتِ خويلد. وفي "صحيح مسلم" أنه قال لها: "انتقلي إلى بيت ابن عمك عمرو بن أم مكتوم، فاعتدّي عنده" (٣)؛ (فإنّه) أي: ابن أم مكتوم (رجلٌ أعمى)، وفي رواية: "فإنه ضرير البصر" (٤) (تضعين)، وفي لفظٍ: "تلقين (ثيابك) عنده" (٥)، وفي رواية: "فإنك إذا وضعتِ خمارك، لم يرك" (٦) (فإذا حللت) للخطاب بانقضاء عدتك (فآذنيني)؛ أي: أعلميني زاد (قالت) فاطمة بنت قيس ﵂: (فلما حللت) بانقضاء عدتي (ذكرت ذلك له) ﷺ (وأن معاوية بن أبي سفيان) صخرِ بنِ حرب بن أمية القرشي

стр. 2954

الأموي ﵁، وتقدمت ترجمته - (وأبا جهم) -بفتح الجيم وسكون الهاء على التكبير، وربما قيل: أبو [جهيم بدون أل] (١)، واسمه عامر، وتقدمت ترجمته في آخر باب: الذكر عقب الصلاة (خطباني) خطبة النكاح -بكسر الخاء المعجمة؛ أي: طلبا نكاحي من نفسي، والخَطبة -بالفتح-: المرَّة من خطب القوم، و-بالضم-: ما يقوله الخطيب (٢)، (فقال رسول الله ﷺ ) لها: (أما أبو الجهم فلا يضع عصاه)؛ أي: العود المعروف (عن عاتقه)؛ أي: موضع ردائه من منكبه، قيل: أراد ﷺ : أنه يؤدب أهله بالضرب. قلت: ويؤيد هذا المعنى في "صحيح مسلم" وغيره من حديث أبي بكر بن أبي الجهم العدوي، عن فاطمة بنت قيس ﵂، وذكرت الحديث، وفيه: "وأما أبو الجهم، فرجلٌ ضَرَّاب للنساء" (٣)، وفي رواية أخرى: "وأبو الجهم منه شدة على النساء، أو يضرب النساء، أو نحو هذا" (٤)، وفي "سنن النسائي": "أما أبو الجهم فرجلٌ أخافُ عليك قسقاسته" (٥)؛ أي: عصاه، أي: إنه يضربها بها (٦)، وفي لفظٍ: "فإنه صاحب شر لا خير فيه" (٧)، وقيل: أراد بذلك كثرة الأسفار، يقال: رفع

стр. 2955

عصاه: إذا سافر، وألقى عصاه: إذا نزل وأقام؛ أي: لا حظّ لك في صحبته؛ لأنه كثير السفر، قليل المقام. وفي رواية: "إني أخاف عليكِ قسقاسته العصا" (١)، فذكر العصا تفسيرًا للقسقاسة، وقيل: أراد: قسقسته للعصا، أي: تحريكه إياها، فزاد الألف ليفصل بين توالي الحركات (٢). والحاصل: أنه ﷺ كنّى عن كثرة الضرب أو السفر بكونه لا يضع العصا من عاتقه مبالغةً في الكثرة. (وأما معاوية) بن أبي سفيان فغلامٌ من غلمان قريش لا شيء له، (فـ) ـهو (صعلوك) -بضم الصاد وسكون العين المهملتين فلامٌ مضمومة فواو فكاف- كعصفور، وهو الذي (لا مال له)، قال في "القاموس": صعلكه: أفقره، والصعلوك، كعصفور: الفقير، وتصعلك: افتقر، والجمع صعاليك (٣). وفي رواية للنسائي: "وأما معاوية فرجلٌ أملق من المال" (٤)؛ أي: فقير منه، يقال: أملق الرجل، فهو مُمْلِق، وأصل الإملاق: الإنفاق، يقال: أملق ما معه إملاقًا، وملقه ملقًا: إذا أخرجه من يده، ولم يحبسه، والفقر تابع لذلك، فاستعملوا لفظ السبب في موضع المسبب حتى صار به أشهر كما في "النهاية" (٥).

стр. 2956

(انكحي أسامة بن زيد) بن حارثة ﵄ مولى رسول الله ﷺ وحِبَّه وابن حِبّه -تقدمت ترجمته في باب: فسخ الحج إلى العمرة-، قالت فاطمة ﵂: (فكرهته)؛ أي: أسامة بن زيد ﵄، وسبب كراهتها له إما لكونه مولى، أو لسواده، وفيه: جواز نكاح القرشية للمولى (١)، (ثم قال) ﷺ لها: (انكحي أسامة بن زيد) ﵄، وفي رواية: فقالت فاطمة ﵂ بيدها هكذا أسامة، أسامة! فقال لها رسول الله ﷺ : "طاعةُ الله وطاعةُ رسوله خيرٌ لكِ" (٢)، قالت: (فنكحته)؛ أي: تزوجت أسامة ﵁، (فجعل الله) (فيه)؛ أي: في نكاحي له أو فيه نفسه (خيرًا) كثيرًا (واغتبطت)؛ أي: فرحتُ وحصل لي السرور (به). وفي حديث: "اللهم غَبْطًا لا هَبْطًا" (٣)؛ أي: أَوْلِنا منزلةً نُغبط عليها، وجَنِّبنا منازلَ الهبوط والضَّعة، وقيل: معناه: نسألك الغبطة، وهي النعمة والسرور، ونعوذ بك من الذل والخضوع (٤). وفي الحديث دليلٌ على جواز ذكر الإنسان بما فيه عند النصيحة، فلا يكون من الغيبة المحرمة، وهذا أحد المواضع التي أبيحت فيها الغيبة لأجل المصلحة (٥). قال الإمام ابن عقيل في "الفصول": قال أبو طالب: سئل أبو عبد الله؛

стр. 2957

يعني: الإمام أحمد ﵁ عن الرجل يخطب إليه، فيسأل عنه، فيكون رجل سوءٍ، فيخبره مثل ما أخبر النبي ﷺ حين قال لفاطمة: معاوية عائل، وأبو جهم عصاه على عاتقه، يكون غيبة أن أخبره؟ قال: المستشار مؤتمن يخبره بما فيه. قال: ابن عقيل: لا يقصد الإزراء على المذكور، ولا الطعن فيه. وسئل الإمام أحمد ﵁ عن معنى الغيبة - يعني: في النصيحة -، قال: إذا لم ترد عيب الرّجل. وقال: الخلال: أخبرني حرب: سمعت الإمام أحمد ﵁ يقول: إذا كان الرجل معلِنًا بفسقه، فليست له غيبة. وقال: أنس، والحسن: من ألقى جلباب الحياء، فلا غيبة فيه (١). قال: ابن مفلح في "الآداب": الأشهرُ عنه -يعني: الإمام أحمد- الفرقُ بين المعلِن وغيره (٢). ومن المواضع التي يجوز فيها أن يذكر المرء بما فيه ونحوه بأن يكون لا يُعرف إلا بلقبه، كالأعرج، والأعمش، وقد سهل الإمام أحمد في مثل هذا إذا كان قد شهر. قال في "شرح مسلم": قال: العلماء من أصحاب الحديث والفقه وغيرهم: يجوز ذكر الراوي بلقبه، وصفته، وبنسبه الذي يكرهه إذا كان المراد تعريفه، لا تنقصه، للحاجة، ومنها: جرح الراوي للحاجة (٣).

стр. 2958

قال في "الآداب الكبرى": لكن يمتاز الجرح بالوجوب، فإنّه من النصيحة الواجبة بالإجماع (١). وفي "الفصول" لابن عقيل، و"المستوعب" للسامري: من جاز هجره من أهل البدع، أو المجاهر بالكبائر، جازت غيبته (٢). ومنها: إذا رفع المنكِر على المنكَر عليه لمن يقدر على إزالته، وقد نظم بعضهم ذلك فقال (٣): [من الكامل] القَدْحُ لَيْسَ بِغِيبةٍ فِي سِتَّةٍ ... مُتَظلِّمٍ وَمُعَرِّفٍ وَمُحَذِّرِ وَلِمُظْهِرٍ فِسْقًا وْمُسْتَفْتٍ وَمَنْ ... طَلَبَ الإِعَانَةَ فِي إِزَالَةِ مُنْكَرِ تنبيهان: الأول: اشتمل حديث فاطمةَ بنتِ قيس ﵂ على فوائد كثيرة، وأحكام غزيرة، إلا أن عمدة ذلك أربعةُ أشياء: * الأول: جواز الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، ووقوعه، وقد اختلف الناس في وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة على أربعة مذاهب، أحدها: أنها تقع الثلاث، وهذا قول الأئمة الأربعة، وجمهور التابعين، وكثير من الصحابة. * الثاني: أنها لا تقع، بل تُرد؛ لأنها بدعة محرمة، والبدعة مردودة، لقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ" (٤).

стр. 2959

وهذا المذهب حكاه أبو محمّد بن حزم، وحكي للإمام أحمد، فأنكره، وقال: هذا قول الرّافضة. * الثالث: أنه يقع به واحدة رجعية، وهذا ثابت عن ابن عباس ﵄، ذكره أبو داود عنه. قال الإمام أحمد: وهذا مذهب ابن إسحاق، يقول: خالف السنّة، فيرد إلى السنّة، انتهى. وهو قول طاوس، وعكرمة كما في "الهدي" (١). قال في "شرح الوجيز" وغيره: وأوقع الشّيخ تقي الدين بن تيمية -قدّس الله روحه- من ثلاث مجموعة أو متفرقة قبل رجعة طلقة واحدة، وقال: لا نعلم لها فرقًا بين الصورتين، وحكى عدم وقوع الطلاق الثلاث جملة، بل واحدة في المجموعة أو المفرقة عن جده المجد، وأنه كان يفتي به أحيانًا سرًا، ذكره عنه في "الطبقات". وقال: في إيقاع الثلاث إنما جعله عمر ﵁، لإكثارهم منه، فوافقهم على الإكثار منه لما عصوا بجمع الثلاث، فتكون عقوبة من لم يتق الله من التعزير الذي يرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة، كالزيادة على الأربعين في حد الخمر، لمّا أكثر الناس منها، وأظهروه، ساغت الزيادة عقوبة (٢)، انتهى. واختاره ابن القيم، وكثير من أتباع شيخ الإسلام. قال ابن المنذر: وهذا هو مذهب أصحاب ابن عباس، كعطاء،

стр. 2960

وطاوس، وعَمْرِو بن دينار، كما نقله الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري" (١). وقال: القرطبي في "تفسيره" على قوله -تعالى-: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]: اتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الثلاث، وهو قول جمهور السلف، ونقل طاوس وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة تقع به واحدة. ويروى هذا عن محمد بن إسحاق، والحجاج بن أرطاة، وقال بعده: ولا فرق بين أن يوقع ثلاثًا مجتمعًا في كلمة، أو متفرقًا في كلمات (٢). وانتصر ابن القيم لهذا في "إغاثة اللهفان" (٣)، وفي "الهدي" (٤)، و"إعلام الموقعين" (٥)، وغيرها انتصارًا لا مزيد عليه، وأقام عليه حججًا ظاهرة، وأدلة باهرة، غير أن مذهب الإمام أحمد وقوع الثلاث، والله أعلم. * المذهب الرابع: أن يفرق بين المدخول بها وغيرها، فيقع الثلاث بالمدخول بها، ويقع بغيرها واحدة، وهذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس، وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه محمّد بن نصر المروزي في كتاب "اختلاف العلماء"، فأمّا من لم يوقعها جملة، فاحتجوا بأنه طلاق بدعة محرم، والبدعة مردودة، وقد اعترف أبو محمّد بن حزم

стр. 2961

بأنها لو كانت بدعة محرمة، لوجب أن ترد وتبطل، ولكنه اختار مذهب الشّافعيّ: أن جمع الثلاث جائز غير محرم (١). وحجة من لم يحرم الثلاث ما في حديث فاطمة هذا من قولها: طلقني ثلاثًا مع أن في نفس حديثها في "صحيح مسلم": أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها (٢)، وفي لفظٍ فيه: طلقها آخر ثلاث تطليقات (٣)، وهو سند صحيح متصل لاخفاء عليه. الثاني والثالث: نفقة البائن وسكناها، والحديث صريح في عدم وجوب ذلك للبائن، وفي بعض ألفاظ "سنن النسائي" بسند صحيح لا مطعن فيه: فقال لها النبي ﷺ : "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة"، ورواه الدارقطني (٤)، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة (٥)، وقال ﷺ : "إنما السكنى والنفقة لمن يملك الرجعة" (٦)، وإسناد هذا صحيح، وهذا قول ابن عباس وأصحابه، وجابر بن عبد الله، وفاطمة بنت قيس إحدى فقهاء نساء الصحابة، وكانت تناظر عليه، وبه يقول الإمام أحمد وأصحابه، وإسحاق بن راهويه وأصحابه، وداود بن علي وأصحابه، وسائر أهل الحديث. وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال، وهي ثلاث روايات عن الإمام

стр. 2962

أحمد، أحدُها: هذا، والثاني: أن لها النفقة والسكنى، وهو قول عمر بن الخطاب، وابن مسعود ﵄، وهو قول فقهاء الكوفة، والثالث: أن لها السكنى دون النفقة، وهذا مذهب أهل المدينة، وبه يقول الإمام مالك والشّافعيّ. قال الدارقطني: السنّة بيد فاطمة بنت قيس قطعًا، ومن له إلمام بسنّة رسول الله ﷺ ، علم حقية عدم ثبوت السكنى والنفقة للبائن ما لم تكن حاملًا. قال في "الهدي" وقد تناظرَ في هذه المسألة ميمونُ بن مروان، وسعيدُ بن المسيَّب، فذكر له ميمون خبرَ فاطمة، فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، فقال له ميمون: لئن كانت إنما أخذت ما أفتاها به النبي ﷺ ، ما فتنت النَّاس، وإن لنا في رسول الله ﷺ أسوةٌ حسنةٌ. وأطال صاحب "الهدي" في الانتصار لهذا، ورد على من خالف حديث فاطمة بما يشفي ويكفي (١)، والله أعلم. الرابع: العدّة، فمان كانت حاملًا، فبتمام وضع الحمل، سواء كانت بائنة أو رجعية، مفارقة في الحياة أو متوفى عنها زوجها حيث كان الحمل من الزوج، وإن لم تكن حاملًا، وكانت تحيض، فعدّتها ثلاثة أقراء، وسواء كانت بائنة أو رجعية، وعدّة التي لا حيض لها، وهي الصغيرة والآيسة ثلاثة أشهر، وأما المتوفى عنها زوجها، فعدتها إن لم تكن حاملًا أربعة أشهر وعشر ليال (٢)، ويأتي قريبًا.

стр. 2963

التنبيه الثاني: ظاهر صنيع المصنف -رحمه الله تعالى-: أن حديث فاطمة بنت قيس من متفق الشيخين، وليس كذلك، بل رواه الإمام أحمد في "المسند" (١)، ومسلم في "صحيحه" (٢)، والإمام مالك في "الموطأ" (٣)، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٤)، وغيرهم. وأما البخاري، فقال قصة فاطمة بنت قيس، وذكر بسنده أن يحيى بن سعيد [بن العاص] (٥) طلق امرأته بنت عبد الرحمن بن الحكم، واسمها عمرة، وهي بنت أخ مروان بن الحكم الذي ولي الخلافة بعد ذلك، فأنقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة أم المؤمنين إلى مروان وهو أمير المدينة: اتق الله، وارددها إلى بيتها، قال مروان: أوَ ما بلغك شأنُ فاطمة بنت قيس؟ قالت: لا يضرك أَلَّا تذكر حديث فاطمة (٦). ثم ذكر بسنده عن عائشة أنها قالت: ما لفاطمة ألا تتقي الله، يعني: في قولها: لا سكنى ولا نفقة (٧). ثم ذكر سنده عن عروة بن الزبير: أنه قال لعائشة: ألم تسمعي إلى قول فاطمة؟ قالت: أما إنّه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث، زاد ابن أبي الزناد

стр. 2964

عن هشام عن أبيه: عابت عائشة أشد العيب، وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحشٍ، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها النبي ﷺ (١). فلم يذكر قصتها في "البخاري"، وإنما أشار إلى أشياء منها فقط، ومن ثمّ لم يعز القصّة في "الجمع بين الصحيحين" إلا إلى مسلم فقط، ثمّ قال: لم يخرج البخاري من حديث فاطمة إلا من حديث هشام إلى آخر الباب (٢)، وهو القدر الذي ذكرناه، ومن ثمّ وَهَّمَ الحافظ ابن حجر في "الفتح" المصنفَ -رحمه الله تعالى (٣) -، ولم ينبه على ذلك ابنُ دقيق العيد في "شرحه" (٤)، والله الموفق. تتمة: في ذكر بعض ما أشار إليه حديث فاطمة بنت قيس ﵂ من النفقة، وما احتج به العلماء: احتج الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد في سقوط نفقة المبتوتة إذا كانت حائلًا لا حاملًا. وأحمد وإسحاق على إسقاط السكنى -أيضًا-. والشّافعيّ ومن وافقه على جواز جمع الطلقات الثلاث، لقولها في بعض الألفاظ: طلقني، وقد بينا أنه إنما طلقها آخر ثلاث كما أخبرت به عن نفسها. واحتج به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال.

стр. 2965

واحتج به الأئمة كلهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه، إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول. واحتج [به] على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة -كما تقدم-، وعلى جواز نكاح القرشية غيرَ القرشي، وعلى وقوع الطلاق في غيبة أحد الزوجين عن الآخر -كما تقدم-، وعلى جواز التعريض بخطبة المعتدّة البائن؛ لأنه ﷺ قال لها -كما في بعض الروايات-: "لا تسبقيني بنفسك" (١)، وفي بعضها: "فإذا حللت فآذنيني" (٢)، وغيرها من الأحكام (٣)، والله أعلم.

стр. 2966

باب العدة بكسر العين المهملة، وهي ما تعدُّه المرأة من أيام أَقرائها وأيام حملها، [أو] أربعة أشهر وعشر ليال للمتوفى عنها زوجها. قال ابن فارس: عِدَّة المرأة: أيامُ أقرائها، والمرأة معتدَّة (١). وذكر الحافظ في هذا الباب أربعة أحاديث.

стр. 2967

الحديث الأول عَنْ سُبَيْعةَ الأَسْلَمِيَةِ: أَنَّها كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَهُوَ فِي بَنِي عَامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نَفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابلِ بْنُ بَعْكَكٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكَ مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تُرَجِّيْنَ النِّكَاحَ، وَاللهِ! مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَني بِالتَّزْوِيجِ إِنْ بَدَا لي. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، وإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُها زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ (١).

стр. 2968

(عن سبيعة) -بضم السين المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون المثناة التحتية وعين مهملة، مصغرة- بنت الحارث، وفي رواية لابن إسحاق عند الإمام أحمد: سبيعة بنت أبي برزة، فإن كان محفوظًا، فهو أبو برزة آخر غير الصحابي المشهور، وهو إما كنية للحارث والد سبيعة، أو نسبت في الرواية المذكورة إلى جدٍّ لها (الأسلمية) أبوها الحارثُ من ولد أسلَم -بفتح اللام-، وهي صحابية جليلة، روي لها عن النبي ﷺ اثنا عشر حديثًا. روى عنها: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عتبة بن مسعود. قال ابن عبد البر: روى عنها حديثَ العدة فقهاءُ المدينة، وفقهاء الكوفة، والتابعون ﵂ (١). (أنها)؛ أي: سبيعة الأسلمية (كانت تحت) زوجِها (سعدِ بنِ خولةَ) -بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو-، وقدّمنا بعض ترجمته في حديث سعد بن أبي وقّاص في "الوصايا"

стр. 2969

في قوله ﷺ : "لكن البائس سعد بن خولة" (وهو في) عداد (بني عامر بن لؤي) من أنفسِهم، وقيل: هو حليفٌ لهم، وقيل: هو مولى أبي رهم بن عبد العزى العامري، (وكان) سعدُ بن خولة ﵁ من الصحابة الأول، (ممن شهد بدرًا)، ومن مهاجرة الحبشة الهجرة الثانية، (فتوفي) ﵁ (عنها)؛ أي: سبيعة (في حجة الوداع). نقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك (١)، ونظر فيه في "الفتح" بأن محمد بن سعد ذكر أنه كان مات قبل الفتح (٢)، وذكر الطبري أنه مات سنة سبع، والصحيح أنه مات بمكة في حجة الوداع (٣)، (وهي) زوجته؛ أي: سبيعة (حامل، فلم تنشب)؛ أي: لم تلبث (أن وضعت حملها بعد وفاته)؛ أي: زوجها وحقيقته؛ أي: لم تتعلق بشيءٍ غيره، ولا اشتغلت بسواه، والمراد: قرب ولادتها بعد موت زوجها كما في رواية في "الصحيحين": بعد وفاة زوجها بليالٍ (٤). وفي حديث سبيعة عن الإمام أحمد: فلم أمكث إلا شهرين حتى وضعت (٥). وفي رواية: فولدت لأدنى من أربعة أشهر (٦).

стр. 2970

وفي رواية يحيى بن أبي كثير عند البخاري: فوضعت بعد موته بأربعين ليلة (١). وفي بعض طرق البخاري -أيضًا-: فمكثت قريبًا من عشر ليال، ثم جاءت النبي ﷺ (٢). وفي رواية عند النسائي: أما وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلة (٣). وفي رواية عند ابن أبي حاتم: أو خمس عشرة (٤). وفي رواية الأسود: فوضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يومًا، أو خمسة وعشرين يومًا، كذا عند الترمذيّ والنسائي (٥). والحاصل أنه ورد في تقدير المدة ما بين موت زوجها ووضعها روايات متعددة والجمع بينها متعذر، أقل ما ورد في ذلك خمسة عشر (٦)، وأما رواية عشر، أو ثمان، فالمراد: ما بين وضعها واستفتائها النبي ﷺ ، وأكثر

стр. 2971

ما قيل في المدة ما بين وفاة زوجها ووضعها بالصريح مدة شهرين، وبغيره دون أربعة أشهر، (فلما تَعَلَّتْ من نفاسها)؛ أي: طهرت منه، يقال: تَعَلَّتْ المرأة من نفاسها -بتشديد اللام-. إذا ارتفعت منه، وطهرت عن دمها كما في "جامع الأصول" لابن الأثير (١). و"في كتاب" الخطابي: تعالت (٢)، وهما بمعنى. قال في "النهاية": ويجوز أن يكون من قولهم: تعلَّى الرجل من علّته: إذا برىء؛ أي: خرجت من نفاسها وسلمت (٣) (تجملت) بالغسل والتنظيف ولباس ثياب الزينة (للخطاب) جمع خاطب، وهو الطالب من المرأة أو وليها أن يتزوجها، (فدخل عليها)؛ أي: سبيعة (أبو السنابل) -بسين مهملة فنون فألف فموحدة فلام- جمع سنبلة (بن بَعْكَك) -بموحدة مفتوحة فعين مهملة ساكنة فكافين، بوزن جعفر- بنِ الحارث بن عميلة بن السباق [بن ([رجل من بني] (٤) عبد الدار) كذا نسبه ابن إسحاق، وقيل: هو بعكك بن الحجاج بن الحارث بن السباق، نقله ابن عبد البر عن الكلبي، وكان أبو السنابل بن بعكك من المؤلِّفة، وسكن الكوفة، وكان شاعرًا. ونقل الترمذيّ عن البخاري: أنه قال: لا نعلم أن أبا السنابل عاش بعد النبي ﷺ ، كذا قاله، لكن جزم ابن سعد أنه بقي بعد النبي ﷺ زمنًا. وقال: ابن منده في "الصحابة": عداده في أهل الكوفة. وكذا قال: أبو نعيم أنه سكن الكوفة، ونظر فيه الحافظ ابن حجر بأن

стр. 2972

خليفة قال: أقام بمكة حتى مات، وتبعه ابن عبد البر، ويؤيد كونَه عاش بعد النبي: قول ابن البرقي أن أبا السنابل تزوج سبيعة بعد ذلك، وأولدها سنابلَ بن أبي السنابل، ومقتضى ذلك أن يكون عاش أبو السنابل بعد النبي ﷺ ؛ لأنه وقع في رواية عبد ربه بن سعيد، عن أبي سلمة: أنها تزوجت الشاب، وكذا في رواية داود بن أبي عاصم: أنها تزوجت فتى من قومها (١). تنبيه: اختلف في اسم أبي السنابل، فقيل: عمرو، وقيل: حبة -بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة-، وقيل: -بالنون-، قال: ابن ماكولا: ولا يصح، وقيل: اسمه لبيد -بفتح اللام وكسر الموحدة-، وقيل: لبيد ربّه، وقيل: عامر، وقيل: أصرم، وقيل: عبد الله، وفي "الفتح" وقع في بعض الشروح وقيل: بغيض، وغلط قائله، قال: وسبب الغلط أن بعض الأئمة سئل عن اسمه، فقال: بَغيضٌ يسأل عن بغيض، فظن الشارح أنه اسمه، وليس كذلك؛ لأن في بقية الخبر اسمه لبيد ربّه، وجزم العسكري بأن اسمه كنيته (٢)، فهو رجل من بني عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، وهو من مسلمة الفتح، ومات بمكة. روى عنه الأسود بن يزيد النخعي، روى له الترمذيّ، والنسائي، وابن ماجه (٣).

стр. 2973

(فقال) أبو السنابل (لها)؛ أي: سبيعة: (مالي أراكِ متجملة؟). وفي رواية: صحيحة أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها توفي عنها وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبت أن تنكحه (١)، فقال: (لعلّك تُرَجِّين) -بضم المثناة فوق وبفتح الراء وتشديد الجيم- من الرجاء (النكاحَ) مفعول ترجين (والله! ما أنت بناكح)؛ أي: ما أنت بمتزوجة؛ أي: لا يحلّ لك ذلك. وقد أفاد ابن بشكوال فيما حكاه عن محمّد بن وضاح: أن أبا السنابل خطب سبيعة هو وشاب، فآثرت الشاب على أبي السنابل، وأن اسم الشاب أبو البِشْر بن الحارث، وضبطه -بكسر الموحدة وسكون المعجمة- (٢). ووقع في رواية "الموطأ": فخطبها رجلان، أحدهما شاب، و [الآخر] كهل، فحطت إلى الشاب (٣)، فقال: والله ما يصلح أن تنكحيه (٤). وفي رواية "الموطأ": فقال الكهل: لم تحلِّي، وكان أهلها غيبًا، فرجا أن يؤثروه بها (٥) (حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر) ليال. وفي رواية: حتى تعتدي آخر الأجلين (٦). وفي رواية عند النسائي، قال: وضعت سبيعة حملها بعد وفاة زوجها

стр. 2974

بثلاثة وعشرين، أو خمسة وعشرين ليلة، فلما تعلّه، تَشَوَّفت للأزواج، فعيب ذلك عليها، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، الحديث (١)، ومعنى تشوفت: رغبت ومالت للأزواج، (قالت سبيعة: فلما قال لي) أبو السنابل (ذلك) أي: لا يسوغ لها النكاح إلا بعد أربعة أشهر وعشر (جمعتُ عليَّ ثيابي حين أمسيت)، وظاهر هذا أنه مساء اليوم الذي قال لها أبو السنابل فيه ما قال، ويؤيده قولها: (فأتيت النبي ﷺ ، فسألته عن ذلك)، فإنه يفيد التعقيب. وفي رواية عند البخاري: فقال: والله! ما يصلح أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين، فمكثتْ قريبًا من عشر ليال، ثمّ جاءت النبي ﷺ (٢)، ويمكن الجمع بينهما بأن يحمل قولها: حين أمسيت، على إرادة وقت توجيهها، ولا يلزم منه أن يكون ذلك في اليوم الذي قال لها فيه أبو السنابل ما قال، (فأفتاني) رسولُ الله ﷺ (بأني قد حللتُ) للأزواج (حين وضعتُ حملي، وأمرني) ﷺ أمرَ إرشادٍ وبيانٍ (بالتزويج إن بدا لي) أن أتزوجَ، فلا حرج لانقضاء العدة بوضع الحمل. قال في "الفتح": ويظهر من مجموع الطرق في قصة سبيعة: أن أبا السنابل رجع عن فتواه أولًا أما لا تحل حتى تمضي مدة عدة الوفاة؛ لأنه قد روى قصة سبيعة، وقد ردّ النبي ﷺ ما أفتاها أبو السنابل من أنها لا تحل حتى يمضي لها أربعة أشهر وعشر ليال، ولم يرد عن أبي السنابل تصريح في حكمها لو انقضت المدة قبل الوضع، هل كان يقول بظاهر إطلاقه من

стр. 2975

انقضاء العدة، أو لا؟ لكن نقل غير واحد الإجماع على أما لا تنقضي حتى تضع. وفي هذا دليل [على] أن الصحابة ﵃ كانوا يفتون في حياة النبي ﷺ . وفيه: أن المفتي إذ كان له ميل إلى الشيء، لا ينبغي له أن يفتي فيه، لئلا يحمله الميلُ إليه على ترجيح ما هو مرجوح، كما وقع لأبي السنابل، حيث أفتى سبيعة أما لا تحل بالوضع، لكونه كان خطبها، فمنعته، ورجا أما إذا قبلت ذلك منه، وانتظرت مضيَّ العدة، حضر أهلها، فرغبوها في زواجه دون غيره. وفيه: ما كان في سبيعة من الشهامة والفطنة حتى ترددت فيما أفتاها به حتى حملها ذلك على استيضاح الحكم من الشارع: وهكذا ينبغي لمن ارتاب في فتوى المفتي، أو حكمِ الحاكم في مواضع الاجتهاد أن يبحث عن النص في تلك المسألة، ولعلّ ما وقع من أبي السنابل من ذلك هو السر في إطلاق النبي ﷺ أنه كذب في الفتوى المذكورة، كما أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود (١)، على أن الخطأ قد يطلق عليه الكذب، وهو في كلام أهل الحجاز كثير، وحمله بعض العلماء على ظاهره، فقال: إنما كذبه؛ لأنه كان عالمًا بالقصة، وأفتى بخلافه، حكاه ابن داود عن الشافعي في "شرح المختصر"، واستبعده في "الفتح". وفيه: الرجوع في الوقائع إلى الأعلم، ومباشرة المرأة السؤال عمّا ينزل بها، ولو كان مما يستحيي النساء من مثله.

стр. 2976

وفيه: جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها، ففي رواية غير ما مر: أن سبيعة تهيأت للنكاح، واختضبت، وفي رواية عند الإمام أحمد، فلقيها أبو السنابل وقد اكتحلت، وفي رواية: تطيبت وتَصنَّعت. وفيه: أن الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل (١)، وهو المقصود من إيراد الحديث. (قال) الإمام الجليل أبو بكر محمّد بن مسلم بن عبد الله (ابن شهاب) بنُ الحارث بنِ زهرة بنِ كلاب بنِ مرّة بنِ كعب بنِ لؤي الزهريُّ، أحد أئمة الفقهاء والمحدِّثين، تابعي جليل، سكن الشام، وسمع سهل بن سعد، وأنس بن مالك، وأبا الطفيل، وغيرهم، وذكر جماعة من حفاظ الحديث أن ابن شهاب سمع عشرة من الصحابة ﵃. وقد روى عن ابن شهاب خلق كثير، ومناقبه مشهورة، مات في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومئة، وقيل: خمس وعشرين، وهو ابن سبعين سنة، ودفن بقرية بأطراف الشام يقال لها: شَغْبَدا -بشين مفتوحة فغين ساكنة معجمتين وباء موحدة مفتوحة ثم دال مهملة-، ويقال لها -أيضًا-: شغب بدا، بإفصال لفظة: بدا عن شغب كما في "شرح الزهر" للبرماوي -رحمه الله تعالى (٢) -. فمما زاده مسلم على البخاري: و (لا أرى بأسًا أن

стр. 2977

تتزوج) المرأةُ المتوفَّى عنها زوجُها وهي حامل (حين وضعت)؛ أي: وقت وضعها [يعني: بعد تمام وضعها، (١) لحملها، (وإن كانت في دمها) لم تطهر منه بعد (غير أنه)؛ أي: الزوج (لا يقربُها)؛ أي: لا يطؤها لأجل نفاسها (حتى تطهر) من دمها، وأخرجه أبو داود بالزيادة المذكورة (٢). وقد قال أئمة الفتوى في الأمصار: إن الحامل إذا مات عنها زوجها تحلُّ بوضع الحمل، وتنقضي عدة الوفاة (٣). قال الإمام ابن القيم في "الهدي": قال جمهور الصحابة ومَنْ بعدهم، والأئمةُ الأربعة: عدتها وضعُ الحمل، ولو كان الزوج على مغتسله، فوضعت، حلّت (٤)، انتهى. وخالف في ذلك علي، وابن عباس، وجماعة من الصحابة، فقالوا: تعتد بأبعدِ الأجلين، من وضع الحمل، أو أربعة أشهر وعشر ليال. قال في "الهدي": وهذا أحد القولين في مذهب مالك، اختاره سحنون. قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب يقولان في عدة الحامل بأبعد الأجلين، وكان ابن مسعود يقول: من شاء باهَلْتُه أن سورة النساء القصرى نزلت بعدُ (٥)، وحديث سبيعة يقضي بينهم،

стр. 2978

إذا وضعت، فقد حلّت، وابنُ مسعود يتأوّل القرآن ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] هي المتوفَّى عنها زوجها، والمطلقة مثلُها إذا وضعت [حملها] (١)، فقد حلّت، وانقضت عدتها، قال: ولا تنقضي عدتها إذا ولدت ولدًا وفي بطنها آخر حتى تلد الآخرَ، قال: ولا تنقضي عدة الحامل إذا أسقطت حتى يتبين خلقُه، فإذا بأن له يدٌ أو رِجْلٌ، عتقت به الأَمَة، وتنقضي به العدة. قال: ولا تثبت في منزلها الذي أُصيب فيه زوجها أربعة أشهر وعشرًا إذا لم تكن حاملًا، والعدة من يوم يموت، أو يطلق، هذا كلام الإمام أحمد ﵁. وقد تناظرَ في هذه المسألة ابنُ عباس وأبو هريرة، فقال: أبو هريرة: عِدَّتها وضعُ الحمل، وقال: ابن عباس: تعتدُّ أطولَ الأجلين، فحكّما أُمَّ سلمةَ، فحكمت لأبي هريرة، واحتجت بحديث سُبيعة (٢). وقد قيل: إن ابن عباس ﵄ رجع (٣)، ويقويه: أنّ المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة. وفي البخاري، وأبي داود، والنسائي عن الإمام محمّد بن سيرين، قال: جلست إلى مجلس فيه عظم من الأنصار، وفيهم عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكان أصحابه يعظمونه، فذكرت حديث عبد الله بن عتبة في شأن سبيعة بنت الحارث، فقال عبد الرحمن: لكن عمّه كان لا يقول ذلك، فقلت: إنّي لجريءٌ إن كذبتُ على رجل في جانب الكوفة -يعني:

стр. 2979

عبدَ الله بن عتبة-، ورفع صوته، ثم خرجتُ فلقيت مالكَ بنَ عامر، فقلت: كيف كان قول عبد الله بن مسعود في المتوفى عنها زوجها وهي حامل؟ فقال: قال ابن مسعود: أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون لها الرخصة؟! أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) [الطلاق: ٤]. وله في رواية أخرى: سورة النساء القصرى نزلت بعد البقرة (٢). وفي رواية أبي داود: من شاء لاعنته، لأُنزلت سورةُ النساء القصرى بعد الأربعة أشهر وعشر (٣). وفي "موطأ الإمام مالك": قال نافع: إن عبد الله بن عمر سئل عن المرأة يتوفَّى عنها زوجها وهي حامل، فقال: إذا وضعت، فقد حلت، فأخبره رجل كان عنده: أن عمر قال: لو ولدت وزوجُها على السرير لم يُدفن بعدُ، حلّت (٤). قال الحافظ ابن حجر عن اختيار سحنون من المالكية بعدم انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها بالحمل: هو شذوذ مردود؛ لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع، والذي حمله على ما اختاره الحرصُ على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومُهما، فقوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، عامٌّ في كلّ مَنْ مات

стр. 2980

عنها زوجها، يشمل الحامل وغيرها وقوله -تعالى-: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، عام -أيضًا-يشمل المطلقة والمتوفى عنها، فجمع من قال بعدم انقضاء العدة بوضع الحمل بين العمومين بقَصْر الثانية على المطلقة، بدليل ذكر عدد الطلقات، كالآيسة والصغيرة قبلها، ثم لم يهملوا ما تناولته الآية الثانية من العموم، لكن قصروه على من مضت عليها المدة، ولم تضع، فكان تخصيص بعض العموم أولى وأقربَ إلى العمل بمقتضى الآيتين من إلغاء أحدهما في حق بعض من شمله العموم. وقد استحسن هذا النظر القرطبيُّ، قال: لأن الجمعَ أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول، لكن حديث سبيعة نص بأنها تحل بوضع الحمل، فكان فيه بيان للمراد بقوله -تعالى-: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، أنه في حق من لم تضع، وإلى ذلك أشار ابن مسعود بقوله: إن آية الطلاق نزلت بعد آية البقرة. قال في "الفتح" وقد فهم بعضهم منه أنه يرى نسخ الأولى بالآخرة، وليس ذلك مراده، وإنما يعني: أما مخصِّصة لها، فإنها أخرجَتْ منها بعضَ متناولاتها (١).
следующие страницы →