← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وفيه: جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها، ففي رواية غير ما مر: أن سبيعة تهيأت للنكاح، واختضبت، وفي رواية عند الإمام أحمد، فلقيها أبو السنابل وقد اكتحلت، وفي رواية: تطيبت وتَصنَّعت. وفيه: أن الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل (١)، وهو المقصود من إيراد الحديث. (قال) الإمام الجليل أبو بكر محمّد بن مسلم بن عبد الله (ابن شهاب) بنُ الحارث بنِ زهرة بنِ كلاب بنِ مرّة بنِ كعب بنِ لؤي الزهريُّ، أحد أئمة الفقهاء والمحدِّثين، تابعي جليل، سكن الشام، وسمع سهل بن سعد، وأنس بن مالك، وأبا الطفيل، وغيرهم، وذكر جماعة من حفاظ الحديث أن ابن شهاب سمع عشرة من الصحابة ﵃. وقد روى عن ابن شهاب خلق كثير، ومناقبه مشهورة، مات في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومئة، وقيل: خمس وعشرين، وهو ابن سبعين سنة، ودفن بقرية بأطراف الشام يقال لها: شَغْبَدا -بشين مفتوحة فغين ساكنة معجمتين وباء موحدة مفتوحة ثم دال مهملة-، ويقال لها -أيضًا-: شغب بدا، بإفصال لفظة: بدا عن شغب كما في "شرح الزهر" للبرماوي -رحمه الله تعالى (٢) -. فمما زاده مسلم على البخاري: و (لا أرى بأسًا أن

стр. 2977

تتزوج) المرأةُ المتوفَّى عنها زوجُها وهي حامل (حين وضعت)؛ أي: وقت وضعها [يعني: بعد تمام وضعها، (١) لحملها، (وإن كانت في دمها) لم تطهر منه بعد (غير أنه)؛ أي: الزوج (لا يقربُها)؛ أي: لا يطؤها لأجل نفاسها (حتى تطهر) من دمها، وأخرجه أبو داود بالزيادة المذكورة (٢). وقد قال أئمة الفتوى في الأمصار: إن الحامل إذا مات عنها زوجها تحلُّ بوضع الحمل، وتنقضي عدة الوفاة (٣). قال الإمام ابن القيم في "الهدي": قال جمهور الصحابة ومَنْ بعدهم، والأئمةُ الأربعة: عدتها وضعُ الحمل، ولو كان الزوج على مغتسله، فوضعت، حلّت (٤)، انتهى. وخالف في ذلك علي، وابن عباس، وجماعة من الصحابة، فقالوا: تعتد بأبعدِ الأجلين، من وضع الحمل، أو أربعة أشهر وعشر ليال. قال في "الهدي": وهذا أحد القولين في مذهب مالك، اختاره سحنون. قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب يقولان في عدة الحامل بأبعد الأجلين، وكان ابن مسعود يقول: من شاء باهَلْتُه أن سورة النساء القصرى نزلت بعدُ (٥)، وحديث سبيعة يقضي بينهم،

стр. 2978

إذا وضعت، فقد حلّت، وابنُ مسعود يتأوّل القرآن ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] هي المتوفَّى عنها زوجها، والمطلقة مثلُها إذا وضعت [حملها] (١)، فقد حلّت، وانقضت عدتها، قال: ولا تنقضي عدتها إذا ولدت ولدًا وفي بطنها آخر حتى تلد الآخرَ، قال: ولا تنقضي عدة الحامل إذا أسقطت حتى يتبين خلقُه، فإذا بأن له يدٌ أو رِجْلٌ، عتقت به الأَمَة، وتنقضي به العدة. قال: ولا تثبت في منزلها الذي أُصيب فيه زوجها أربعة أشهر وعشرًا إذا لم تكن حاملًا، والعدة من يوم يموت، أو يطلق، هذا كلام الإمام أحمد ﵁. وقد تناظرَ في هذه المسألة ابنُ عباس وأبو هريرة، فقال: أبو هريرة: عِدَّتها وضعُ الحمل، وقال: ابن عباس: تعتدُّ أطولَ الأجلين، فحكّما أُمَّ سلمةَ، فحكمت لأبي هريرة، واحتجت بحديث سُبيعة (٢). وقد قيل: إن ابن عباس ﵄ رجع (٣)، ويقويه: أنّ المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة. وفي البخاري، وأبي داود، والنسائي عن الإمام محمّد بن سيرين، قال: جلست إلى مجلس فيه عظم من الأنصار، وفيهم عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكان أصحابه يعظمونه، فذكرت حديث عبد الله بن عتبة في شأن سبيعة بنت الحارث، فقال عبد الرحمن: لكن عمّه كان لا يقول ذلك، فقلت: إنّي لجريءٌ إن كذبتُ على رجل في جانب الكوفة -يعني:

стр. 2979

عبدَ الله بن عتبة-، ورفع صوته، ثم خرجتُ فلقيت مالكَ بنَ عامر، فقلت: كيف كان قول عبد الله بن مسعود في المتوفى عنها زوجها وهي حامل؟ فقال: قال ابن مسعود: أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون لها الرخصة؟! أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) [الطلاق: ٤]. وله في رواية أخرى: سورة النساء القصرى نزلت بعد البقرة (٢). وفي رواية أبي داود: من شاء لاعنته، لأُنزلت سورةُ النساء القصرى بعد الأربعة أشهر وعشر (٣). وفي "موطأ الإمام مالك": قال نافع: إن عبد الله بن عمر سئل عن المرأة يتوفَّى عنها زوجها وهي حامل، فقال: إذا وضعت، فقد حلت، فأخبره رجل كان عنده: أن عمر قال: لو ولدت وزوجُها على السرير لم يُدفن بعدُ، حلّت (٤). قال الحافظ ابن حجر عن اختيار سحنون من المالكية بعدم انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها بالحمل: هو شذوذ مردود؛ لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع، والذي حمله على ما اختاره الحرصُ على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومُهما، فقوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، عامٌّ في كلّ مَنْ مات

стр. 2980

عنها زوجها، يشمل الحامل وغيرها وقوله -تعالى-: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، عام -أيضًا-يشمل المطلقة والمتوفى عنها، فجمع من قال بعدم انقضاء العدة بوضع الحمل بين العمومين بقَصْر الثانية على المطلقة، بدليل ذكر عدد الطلقات، كالآيسة والصغيرة قبلها، ثم لم يهملوا ما تناولته الآية الثانية من العموم، لكن قصروه على من مضت عليها المدة، ولم تضع، فكان تخصيص بعض العموم أولى وأقربَ إلى العمل بمقتضى الآيتين من إلغاء أحدهما في حق بعض من شمله العموم. وقد استحسن هذا النظر القرطبيُّ، قال: لأن الجمعَ أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول، لكن حديث سبيعة نص بأنها تحل بوضع الحمل، فكان فيه بيان للمراد بقوله -تعالى-: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، أنه في حق من لم تضع، وإلى ذلك أشار ابن مسعود بقوله: إن آية الطلاق نزلت بعد آية البقرة. قال في "الفتح" وقد فهم بعضهم منه أنه يرى نسخ الأولى بالآخرة، وليس ذلك مراده، وإنما يعني: أما مخصِّصة لها، فإنها أخرجَتْ منها بعضَ متناولاتها (١).

стр. 2981

قلت: وكأنه أراد الإمام ابن القيم؛ لأنه قال في "الهدي" في جواب ابن مسعود ﵁ من قوله: أشهد لَنزلت سورةُ النساء القصرى بعد الطولى إلى آخره. قال الإمام ابن القيم: وهذا الجواب يحتاج إلى تقرير، فإن ظاهره: أن آية الطلاق مقدمة على آية البقرة، لتأخرها عنها، فكانت ناسخة لها، قال: ولكن النسخ عند الصحابة والسلف أعمُّ منه عند المتأخرين، فإنهم يريدون به ثلاثة معانٍ: أحدها: رفع الحكم الثابت بخطاب، الثاني: رفع دلالة الظاهر إما بتخصيص وإما بتقييد، وهو أعم مما قبله، الثالث: بيان المراد باللفظ الذي بيانه من خارج، وهذا أعم من المعنيين الأولين، فإن ابن مسعود ﵁ أشار بتأخر نزول آية الطلاق إلى آية الاعتداد بوضع الحمل بأنها ناسخة لآية البقرة إن كان عمومها مرادًا، أو مخصِّصَةً إن لم يكن عمومُها مرادًا ومُبيِّنَةً للمراد منها، ومقيدة لإطلاقها، وعلى التقديرات الثلاث، فيتعين تقديمُها على عموم تلك وإطلاقها، قال: وهذا من كمال فقهه ﵁، ورسوخه في العلم (١)، انتهى. فإن كان مراد الحافظِ ابنِ حجر ابنَ القيم، فلا يخفى ما في كلامه من المؤاخذة؛ لأن ابن القيم فصّل ذلك أتم تفصيل، فقدس الله روحه ما أجزل كلامه! تنبيهان: الأول: دل عموم حديث سبيعة مع قوله -تعالى-: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ

стр. 2982

أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] على أن العدة تنقضي بوضع جميع الحمل على أي صفة، حيًا كان أو ميتًا، تام الخلقة أو ناقصها، نفخ فيه الروح أو لم ينفخ، أَمَّا مِنْ عموم الآية، فظاهر، وأما من الحديث، فإنه ﷺ أفتى سبيعة بانقضاء عدتها بوضعها، ولم يستفصل، وتركُ الاستفصال في قضايا الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال (١)، وقد قال ﷺ : "إنها حلّت حين وضعت"، وفي رواية: "حللتِ حين وضعتِ" (٢)، وعند الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب: أن امرأته أم الطفيل قالت لعمر: قد أمر رسول الله ﷺ سُبيعة أن تنكحَ إذا وضعت (٣). ومعتمد المذهب: انقضاءُ عدة ذوات الحمل بوضعه، سواء كن حرائر أو إماءً، مسلمات أو كافرات، في فرقة حياة أو وفاة. ولابد من وضع جميع الحمل، ولو لم تطهر وتغتسل من نفاسها، خلافًا للشعبي، والحسن البصري، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، حيث قالوا: لا تنكح حتى تطهر (٤)، نعم، يحرم وطؤها في الفرج حتى تطهر، فلو ظهر بعض الولد، فهي عدة حتى ينفصل باقيه إن كان واحدًا، وإن كان أكثر، فحتى ينفصل باقي الأخير، والحمل الذي تنقضي به العدة ما تصير به الأمة أم ولد، وهو ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، كرأسٍ ورِجلٍ، وأما إن وضعت مضغة لم يتبين فيها شيء من ذلك، فذكر ثقاتٌ من النساء أنه مبدأ خلق آدمي، لم تنقض به العدة، وكذا لو وضعت نطفة أو دمًا أو علقة،

стр. 2983

نعم لو وضعت مضغة لم يتبين فيها الخلق، فشهدت ثقاتٌ من القوابل أن فيها صورة خفية بانَ بها أنها خلقة آدمي، انقضت بها العدة (١). ومذهب أبي حنيفة كمذهبنا. وعند الإمام مالك، والشّافعيّ في أحد قوليه: تنقضي عدتها بالوضع على أي صفة كان من مضغة أو علقة، سواء استبان خلق الآدمي، أو لا، لكونه ﷺ رتّب الحل على الوضع من غير تفصيل (٢). قال ابن دقيق العيد: هذا ها هنا ضعيف؛ لأن الغالب هو الحمل التام المتخلق، ووضع المضغة والعلقة نادر، وحمل الجواب على الغالب ظاهر، وإنما تقوى قاعدة ترك الاستفصال حيث لا يترجح الاحتمالات بعضُها على بعض، ويختَلَفُ الحكم باختلافها (٣). قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": ولهذا نقل عن الشافعي قوله بأن العدة لا تنقضي بوضع قطعة لحم ليس فيها صورة بيّنة ولا خفية (٤). قلت: معتمد مذهب الشافعية: انقضاءُ العدة بوضع المضغة بشرط قول القائل: إنها مبدأ خلق إنسان، دون وضع العلقة، والله الموفق. الثاني: معتمد المذهب: لزومُ عدة الوفاة في المنزل الذي وجبت فيه، وهو الذي مات زوجها فيه وهي ساكنة فيه، وسواء كان لزوجها، أو بإجارة، أو عارية حيث تطوَّع الورثة بإسكانها فيه، أو السلطان، أو أجنبي، وإن انتقلت إلى غيره، لزم العود إليه، إلا أن تدعو الضرورة إلى خروجها

стр. 2984

منه، بأن يحولها مالك، أو تخشى على نفسها من هدم أو غرق أو عدو، أو غير ذلك، كخروجها لحق، أو لا تجد ما تكتري، أو لا تجد إلا من مالها (١). وفي "المغني"، وغيره: أو يطلب منها فوق أجرته، فتسقط السكنى، وتسكن حيث شاءت (٢). ولا سكنى لها ولا نفقةَ في مال الميِّت، ولا على الورثة إذا لم تكن حاملًا، ولهم إخراجها لأذاها، ولا تخرج ليلًا -ولو لحاجة-، بل لضرورة، ولها الخروج نهارًا لحوائجها فقط، ولو وجدت من يقضيها، وليس لها المبيت في غير بيتها، فإن تركت الاحداد في المنزل، أو لم تحد، عصت، وتمت العدة بمضيّ الزمان، والأمة كالحرة في الإحداد والاعتداد في منزلها، إلا أن تكون سكناها في العدة كسكناها في حياة زوجها، للسيد إمساكُها نهارًا، وإرسالُها ليلًا، فإن أرسلها ليلًا ونهارًا، اعتدّت زمانها كله في المنزل، والبدوية كالحضرية فإن انتقلت الحلة، انتقلت معهم، وإن انتقل غير أهل المرأة، لزمها المقام مع أهلها، وإن انتقل أهلها، انتقلت معهم، إلا أن يبقى من الحلة من لا تخاف على نفسها معهم، فتخير بين الإقامة والرحيل (٣). وقال أبو حنيفة فيمن توفي عنها زوجها وهي في الحج: تلزمها الإقامة على كل حال إن كانت في بلد، أو ما يقاربها.

стр. 2985

وقال الثلاثة: إن خافت فوات الحج إن جلست لقضاء العدة، جاز لها المضي فيه (١). وقال أبو حنيفة في البائن: لايجوز لها أن تخرج من بيتها لقضاء حوائجها، ولو نهارًا وقال مالك، وأحمد: يجوز لها ذلك. وعن الشّافعيّ قولان (٢). والقول بلزوم عدة الوفاة في المنزل الذي توفي زوجها وهي فيه قولُ الأئمة الأربعة، وأصحابهم، والأوزاعي، وأبي عبيد وإسحاق. قال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر (٣)، وحجتهم حديث الفريعة بنتِ مالك أختِ أبي سعيد الخدري ﵄: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أَعْبُد له أَبَقُوا، حتى إذا كانوا بطرف القدوم، لحقهم، فقتلوه، فسألته ﷺ أن ترجع إلى أهلها، وقالت: إنه لم يتركني في مسكنه بملكه، ولا نفقة، فقال رسول الله ﷺ : "نعم"، فخرجتُ، قالت: حتى إذا كنتُ في الحجرة، أو في المسجد، دعاني، أو أمر بي فدعيت له، فقال: "كيف قلت؟ "، فرددت عليه القصة التي ذكرتُ من شأن زوجي، قالت: فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتابُ أجله"، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان عثمان، أرسل إليَّ، فسألني عن ذلك فأخبرته، فقضى به، واتبعه، رواه

стр. 2986

الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائي، وابن ماجه، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح (١)، وقال ابن عبد البرّ: هذا حديث مشهور معروف (٢). قال الإمام ابن القيم في "الهدي": قد تلقاه عثمان بن عفان ﵁ بالقبول، وقضى به بمحضر المهاجرين والأنصار، وتلقاه أهل المدينة والحجاز والشام والعراق ومصر بالقبول، ولم يعلم أن أحدًا منهم طعن فيه، وقد أدخله الإمام مالك في "الموطأ" (٣)، وبنى عليه مذهبه، مع تحريه وتشدده في الرواية (٤). وقالت الظاهرية بعدم وجوب لزومها مسكنًا معينًا، لأنه إنما أمرها باعتداد أربعة أشهر وعشرًا، ولم يأمرها بمكان معين، وهذا الذي احتج به ابن عباس ﵄، قال ابن عباس ﵄: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وهو قوله -تعالى-: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجِ﴾ (٥) [البقرة: ٢٤٠].

стр. 2987

قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهله، وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، لقوله -تعالى-: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. قال الجمهور: نحن لا ننكر النزاع بين السلف في المسألة، ولكن السنّة تفصل بين المتنازعين. قال ابن عبد البر: أما السنّة، فثابتة بحمد الله -تعالى-، وأما الإجماع، فمستغنى عنه مع السنّة؛ لأن الخلاف إذا نزل في مسألة، كانت الحجة في قول من وافقته السنّة (١). فإن قيل: فهل ملازمة المنزل حقٌّ للزوجة أو حقٌّ عليها؟ فالجواب: أنه حقٌّ عليها إذا تركه لها الورثة، [ولم يكن عليها فيه ضرر، وكان المسكن لها، فلو حولها الورثة، أو طلبوا منها الأجرة] (٢)، لم يلزمها السكن، وجاز لها التحول؛ لأنها غير ملزومة ببذل أجر المسكن، وإنما هي ملزومة بفعل السكنى، لا تحصيل السكن، وإذا تعذرت السكنى، سقطت، هذا قول أصحاب أحمد، والشّافعيّ، كما في "الهدي" (٣). فإن قيل: هل الإسكان حقٌّ على الورثة، فتقدَّم الزوجةُ على الغرماء، وعلى الميراث، أم لا حق لها في التركة سوى الميراث؟ فأجاب في "الهدي": بأن هذا الموضع مما اختلف فيه، فقال الإمام أحمد: إن كانت حائلًا، فلا سكنى لها في التركة، ولكن عليها ملازمة المنزل إذا بُذل لها -كما تقدم-، وإن كانت حاملًا، ففيه روايتان، إحداهما: أن الحكم كذلك،

стр. 2988

والثانية: أن لها السكنى حقٌّ ثابت في المال تقدَّم به على الورثة والغرماء، ويكون من رأس المال. وعن الإمام أحمد رواية ثالثة: أن للمتوفى عنها السكنى بكل حال، حاملًا كانت أو حائلًا، فصار في مذهبه ثلاث روايات: وجوبُها للحامل والحائل، وإسقاطُها في حقّهما، ووجوبُها للحامل دون الحائل، هذا محصل مذهب الإمام أحمد في سكنى المتوفَّى عنها. وأما مذهب مالك، فإيجاب السكنى لها حاملًا كانت أو حائلًا، وإيجاب السكنى عليها مدة العدة، فهي أحق بالسكنى من الورثة والغرماء إذا كان الملك للميت، أو كان قد أدى كراءه، فإن لم يكن أدى كراءه، ففي "التهذيب": لا سكنى لها في مال الميت، وإن كان معسرًا وللشافعى في سكنى المتوفى عنها قولان: أحدهما: لها السكنى حاملًا كانت أو حائلًا. والثاني: لا سكنى لها، حاملًا كانت أو حائلًا، وعنده: يجب عليها ملازمتها للمسكن في العدة، حاملًا كانت أو متوفّى عنها، إلا أن ملازمة البائن للمنزل عنده آكد، فإنه يجوز للمتوفى عنها الخروجُ نهارًا لقضاء حوائجها، ولا يجوز ذلك للبائن في أحد قوليه، وهو القديم، ولا يوجبه، بل يستحبه. وأما الإمام أحمد، فعنده ملازمةُ المتوفى عنها للمنزل آكدُ من الرجعية. وأما أصحاب أبي حنيفة، فقالوا: لا يجوز للمطلقة الرجعية ولا للبائن الخروجُ من بيتها ليلًا ولا نهارًا، وأما المتوفى عنها، فتخرج نهارًا وبعضَ الليل، ولكن لا تبيت إلا في منزلها، قالوا: لأن المطلقة نفقتُها في مال زوجها، فلا يجوز لها الخروج كالزوجة، بخلاف المتوفَّى عنها، فإنها

стр. 2989

لا نفقة لها، فلابد أن تخرج في النهار لإصلاح حالها. قالوا: وعليها أن تعتد في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى حالَ وقوع الفرقة، فإن كان نصيبها من دار الميِّت لا يكفيها، وأخرجها الورثة من نصيبهم، انتقلت؛ لأن هذا عذر، والكون في بيتها عبادة، والعبادة تسقط بالعذر، وظاهر كلامهم أن أجرة السكن عليها؛ لأن المتوفى عنها عندهم لا سكنى لها، حاملًا كانت أو حائلًا، وإنما عليها أن تلزم مسكنها الذي تُوفي زوجها فيه ليلًا لا نهارًا، فإن بذله لها الورثة، وإلا كانت الأجرة عليها، فهذا تحرير مذاهب الأئمة في هذه المسألة كما في "الهدي" (١)، وغيره، والله الموفق.

стр. 2990

الحديث الثاني عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لأُمِّ حَبِيبَةَ، فَدَعَتْ بصُفْرَةٍ، فَمَسَحَتْهُ بذِرَاعَيْهَا، وَقَالَتْ: إنَّما أَصْنَعُ هَذَا؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "لَا يّحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" (١). الحميم: القرابة.

стр. 2991

(عن زينبَ بنتِ) أمِّ المؤمنين (أم سلمةَ)، وهي بنت أبي سلمة، ربيبةُ رسول الله ﷺ من أم سلمة ﵄، وكان اسمها بَرَّةَ، فسماها النبي ﷺ زينبَ، ولدت بأرض الحبشة، وكانت تحت عبدِ الله بنِ زمعة بنِ الأسود، وولدت له، وكانت من أفقه أهل زمانها، ماتت ﵂ بعد وقعة الحرة، وقد قتل لها في الحَرَّة ابنان. ويروى: أنها دخلت على النبي ﷺ وهو يغتسل، فنضح في وجهها، قالوا: فلم يَزَل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت وعجزت. روى عنها: علي بن الحسين، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وغيرهم (١). (قالت: توفي)؛ أي: مات (حَميمٌ) على وزن أمير: هو القريب، ومثل المُحِمّ كالمُهِمّ، والجمعُ أَحِمَّاء، وقد يكون الحميم للجمع والمؤنث، كما في "القاموس" (٢)، لـ (أم) المؤمنين (أم حبيبةَ) رملةَ بنتِ أبي سفيان ﵄، وحميمُها الذي توفي هو أبوها كما صرح به في بعض طرق "الصحيحين"، فقال: لما توفي أبوها أبو سفيان (٣)، وفي

стр. 2992

رواية: لما جاءها نعيُ أبيها (١)، أبي سفيان من الشام. قلت: كذا في البرماوي، مع جزمهم بأن أبا سفيان صخرَ بن حرب إنما توفي بالمدينة، ونقل القسطلاني الإجماع على ذلك (٢)، ودُفن في البقيع، وصلّى عليه عثمان بن عفان ﵁، وذلك سنة ثلاثين، أو إحدى وثلاثين (فدعت) أم حبيبة (بصفرة)، وفي رواية: فدعت بطيب فيه صفرة، خلوقٌ أو غيره (٣). قال في "القاموس" الخلوق، كصبور، وكتاب: ضرب من الطيب (٤). وقال في "المطالع": الخلوق: طيب يخلط بالزعفران (٥). (فمسحته)؛ أي: مسحت أم حبيبة ذلك الطيب (بذراعيها) تثنية ذراع -بكسر المعجمة- يذكر ويؤنث، وهو العظم من المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى (٦). وفي رواية في "الصحيحين": فدعت أم حبيبة بطيبٍ فيه صفرة خلوق أو غيره، فدهنت منه جارية، ثمّ مسّت بعارضيها (٧)، (وقالت) أم حبيبة ﵂: (إنما أصنع هذا) يعني: مسحها الطيب بذراعيها؛ (لأني

стр. 2993

سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل)، استدل به على تحريم الإحداد على غير الزوج، وهو واضح، وعلى وجوب الإحداد المدة المذكورة على الزوج، واستشكل بأن الاستثناء وقع بعد النفي، فيدل على الحل فوق الثلاث على الزوج، لا على الوجوب، وأجيب بأن الوجوب اسْتُفِيدَ من دليلٍ آخر كالإجماع، ورُد نقلُ الإجماع بأن المنقول عن الحسن البصري: أن الإحداد غيرُ واجب، أخرجه ابن أبي شيبة (١)، ونقل الخلال بسنده عن الإمام أحمد عن هشيم، عن داود، عن الشعبي: أنه كان لا يعرف الإحداد. قال الإمام أحمد: ما كان بالعراق أشد تَبَحُّرًا من هذين -يعني: الحسن والشعبي-، قال وخفي ذلك عليهما، ثم إن مخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج، نعم يرد القول بدعوى الإجماع (٢). وفي "الشرح الكبير" للإمام شمس الدين بن أبي عمر نفى الخلافَ بين أهل العلم بوجوب الإحداد، إلا عن الحسن. قال: وهو قول قد شذّ به عن أهل العلم، وخالف فيه السنّة، فلا يعرَّج عليه (٣). وسبقه إلى مثل ذلك ابن المنذر. وقال الإمام ابن القيم في "الهدي": أجمعت الأمة على وجوبه على المتوفَّى عنها زوجُها، إلا ما حُكي عن الحسن، والحكم بن عُيينة، أما الحسن، فروى حماد بن سلمة عن حميد عنه: أن المطلقة ثلاثًا، والمتوفى عنها زوجها يكتحلان ويمتشطان ويتطيبان ويختضبان وينتقلان ويصنعان

стр. 2994

ما شاءتا، وأما الحكم، فذكر عنه شعبة: أن المتوفى عنها زوجُها لا تُحِدّ. قال أبو محمَّد بن حزم: واحتج أهل هذه المقالة بحديث عبد الله بن شداد بن الهاد: أن النبي ﷺ قال لامرأةِ جعفرِ بنِ أبي طالب: "إذا كان ثلاثة أيام، فالبسي ما شئتِ"، [أو] إذا كان بعد ثلاثة أيام، شك شعبة (١)، وفي طريقٍ آخر عن عبد الله بن شداد المذكور: أن أسماء بنتَ عُميس استأذنت النبيَّ ﷺ أن تبكي على جعفر، وهي امرأته، فأذن لها ثلاثة أيام، ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام: أن "تَطَهَّري واكتحلي" (٢)، قالوا: وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد. وأجاب الجمهور: بأن هذا الحديث منقطع، فإن عبد الله بن شداد بن الهاد لم يسمع من رسول الله ﷺ ، ولا رآه، فكيف يقدَّم حديثه على الأحاديث الصحيحة المسنَدة الصريحة التي لا مطعن فيها؟ وفي الطريق الثاني الحجاجُ بن أرطاة، ولا يعارض حديثه حديثَ الأئمة الأثبات الذين هم فرسان هذا الشأن (٣). (لامرأةٍ) متعلق بـ: (لا يحل)، وقد تمسك بمفهومه الحنفية، فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة، وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد [عليها] (٤) كما تجب العدة، وأجابوا عن التقييد بالمرأة: أنه خرج مخرج الغالب، وعن كونها غير مكلفة: بأن الولي هو المخاطَب بمنعها مما تمنع منه المعتدّة (٥).

стр. 2995

قال في "الهدي": الإحداد يستوي فيه جميع الزوجات، المسلمة والكافرة، والحرة والأمة، والكبيرة والصغيرة، قال: وهذا قول الجمهور، وأحمد، ومالك، والشّافعيّ، إلا أن أشهب وابن نافع قالا: لا إحداد على الذميّة، ورواه أشهب عن مالك، وهو قول أبي حنيفة (١)، واحتجوا بقوله ﷺ : (تؤمن بالله واليوم الآخر)، فقالوا: التقييد بالإيمان مُخْرِج للذمية، وبه قال أبو ثور، وترجم عليه النسائي بذلك، وأجاب الجمهور: بأنه ذُكر تأكيدًا للمبالغة في الزجر، فلا مفهوم له، كما يقال: هذا طريق المسلمين، وقد يسلكه غيرهم (٢). قال في "الهدي": و"التحقيق أن نفيَ حل الفعل عن المؤمنين لا يقتضي نفيَ حلِّه عن الكفار، ولا إثباتَ الحل لهم -أيضًا-،وإنما يقتضي أن من التزم الإيمان وشرائعه، فهذا لا يحل له، ويجب على كل أحد أن يلزم الإيمان وشرائعه، لكن لا يُلزمه الشارعُ بشرائع الإيمان إلا بعد دخوله فيه، وهذا كما لو قيل: لا يحل لمؤمن أن يترك الصلاة والزكاة والحج، فهذا لا يدل على أن ذلك حل للكفار، وكما لو قال: لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانًا، وسرُّ المسألة: أن شرائع الحلال والحرام والإيجاب إنما شرعت لمن التزم أصلَ الإيمان، ومن لم يلتزمه، وخلِّي بينه وبين دينه، فإنه يخلَّى بينه وبين شرائع الدين الذي التزمه كما خُلِّي بينه وبين أصله ما لم يحاكم إلينا، وهذه القاعدةُ متفق عليها بين العلماء، ولكن عذر من أوجب الإحداد على الذميّة: أنه يتعلق به حق الزوج المسلم، فهو ملتحق بالعدّة في حفظ النسب، ولهذا لا تلزم في عدّتها من الذميّ بالإحداد، ولا يتعرض لها فيها،

стр. 2996

فيلتزمون بعقودهم مع المسلمين بأحكام الإسلام، وأما عقود بعضهم مع بعض، فلا يتعرض لهم فيها ما لم يرتفعوا إلينا، والله الموفق (١). (أن تُحِدَّ): أن وما بعدها في تأويل مصدر فاعل [لا يحل؛ أي] (٢): لا يحل إحدادُها على ميّت، استدل به لمن قال: لا إحداد على امرأةِ المفقود، لعدم تحقق وفاته، خلافًا للمالكية، ولمن قال: لا يجب الإحداد على البائن، على الأصح عندنا كالشّافعيّة، خلافًا لسعيد بن المسيَّب، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وبعدم وجوب الإحداد على البائن، قال عطاء، وربيعة، ومالك، وابن المنذر: ونحوه قول الإمام الشّافعيّ. قلت: قال صاحب "الهدي" في القول بوجوب الإحداد: قال: وهو قول من ذكرنا، والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، واختارها الخرقي، قال: وهذا محض القياس؛ لأنها معتدة بائن من نكاحٍ، فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها؛ لأنهما اشتركا في العدّة، واختلفا في سببها (٣). وقال الإمام شمس الدين بن أبي عمر في تأييد المذهب: الحديث: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت" دلّ على أن الإحداد إنما يجب في عدّة الوفاة، والبائنُ معتدّةٌ من غير وفاة، فلم يجب عليها، كالرجعية، والموطوءة بشبهةٍ؛ ولأن الإحداد في عدة الوفاة لإظهار الأسف على فراق زوجها وموته، وأما الطلاق، فإنه فارقها باختيار نفسه، وقطع نكاحها منافٍ لتكليفها الحزنَ عليه (٤).

стр. 2997

وأما الرجعية، فلا إحداد عليها بغير خلاف، ونقل في "الفتح": الإجماع على ذلك (١). (فوق ثلاث) من الليالي بأيامها (إلا على زوج) سواء كان أبًا أو غيره، وأما ما رواه أبو داود في "المراسيل" من رواية عمرو بن شعيب: أن النبي ﷺ رخص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام (٢)، فلم يصح؛ لأنه مرسل أو معضل؛ لأنّ جُلَّ رواية عمرو بن شعيب عن التابعين، ولم يرو عن أحد من الصحابة إلا الشيءَ اليسير عن بعض صغار الصحابة، ووهم من تعقب على أبي داود تخريج هذا الحديث في "المراسيل"، فقال: عمرو بن شعيب ليس تابعيًا، فلا يخرج حديثه في "المراسيل"، وهذا تعقب مردود لِما قلناه، لاحتمال أن يكون أبو داود كان يخص المرسل برواية التابعي كما هو منقول عن غيره -أيضًا-، كما في "الفتح" (٣). واستدل به على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال فما دونها، وتحريمه فيما زاد عليها، وكأن هذا القدر أبيح لأجل حفظ النفس ومراعاتها، وغلبة الطباع البشرية، ولهذا تناولت أم حبيبة وغيرُها الطيب لتخرجَ به عن عهدة الإحداد، مع تصريحها بأنها لم تتطيب لحاجة، إشارة إلى أن آثار الحزن باقية عندها، لكنها لم يسعها إلا امتثال الأمر (٤). وأما الأَمَة وأمُّ الولد، فلا إحداد عليهما (٥)، نعم لهما أن يحدا على

стр. 2998

سيدهما ثلاثة أيام فما دون، وأما الزوجة، فعليها أن تحد على زوجها (أربعة أشهر وعشرًا)، قيل: الحكمة في التخصيص بهذه المدة: أن الولد يتكامل تخليقُه وينفخ فيه الرُّوح بعد مضي مئة وعشرين يومًا، وهي أن العشر زيادة على الأربعة أشهر ينقصان الأهلة، فجبر الكسر إلى العقد -يعني: العشر- على طريق الاحتياط (١). قال في "الهدي": قيل لسعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيها تنفخ الروح (٢). وذكر العشر مؤنثًا، لإراده الليالي. والمراد: بأيامها عند الجمهور، فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشرة (٣). قال في "شرح المقنع": والعشر المعتبرة في العدة هي عشر ليال، فيجب عشرة أيام مع الليالي، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. قال الأوزاعي: يجب عشر ليال وتسعة أيام؛ لأن العشر تستعمل في الليالي دون الأيام، وإنما دخلت الأيام في أثناء الليالي تبعًا، قلنا: العرب تغلِّب حكمَ التأنيث في العدد خاصة على المذكر، فيطلق لفظ الليالي، ويراد الليالي بأيامها، كما في قوله -تعالى- لزكريا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، يريد: بأيامها، بدليل أنه قال في

стр. 2999

موضع آخر: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]. يريد: بلياليها (١). قال الحافظ المصنف ﵀ ورضي عنه-: (الحميم) في قول زينب بنت أم سلمة ﵄: توفي حميم لأم حبيبة هو (القرابة) -كما تقدم-، وتقدم أنه أبوها أبو سفيان ﵁

стр. 3000

الحديث الثالث عَنْ أُمِّ عَطِيَّة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ" (١). العَصْبُ -: ثِيابٌ مِنَ اليَمَنِ، فِيها بَيَاضٌ وَسَوَادٌ.

стр. 3001

(عن أم عطية) نُسَيْبَةَ -بضم النون وفتح السين المهملة وسكون المثناة تحت فموحدة-، ومنهم من -فتح النون وكسر السين- الأنصاريةِ ﵂، وتقدمت ترجمتها، قالت: (أن رسول الله ﷺ قال: لا تُحِدُّ المرأة على ميت) لها أو لغيرها (فوق ثلاثٍ) من الليالي بأيامها، كائنًا من كان (إلا على زوج)، فيجب أن تحد عليه إذا توفي عنها (أربعةَ أشهرٍ وعشرًا) من الليالي بأيامها. وتضمن هذا الحديث مع ما يأتي الفرقَ بين الإحدادين من وجهين: أحدهما: من جهة الوجوب والجواز، فالإحداد على الزوج واجب، وعلى غيره جائز من مقدار مدة الإحداد، فالإحداد على الزوج عزيمة، وعلى غيره رخصة (١). قلت: لكن معتمد مذهب الإمام أحمد: جواز إحداد لبائن، فيباح لها أن تُحد من العدة، ويلزم المتوفَّى عنها فقط، بشرط أن يكون نكاحها صحيحًا لا فاسدًا، فإذا زادت مدة الحمل على أربعة أشهر وعشر، وجب استمرار الإحداد إلى أن تضع كل حملها؛ لأنه من توابع عدة الوفاة، ولهذا قيد بمدتها، فهو حكم من أحكام العدة المذكورة، وواجبٌ من واجباتها، فكان معها وجودًا وعدمًا. (و) المرأة الحادة (لا تلبس ثوبًا مصبوغًا)، وهذا يعم المعصفر،

стр. 3002

والأخضر والأزرق الصافيين، وسائر الأحمر والمزعفر، وسائر الملون للتحسين والتزيين (١). وفي لفظ: "ولا تلبس المعصفر من الثياب والممشق" (٢). قال في "النهاية": المِشْق -بالكسر- المغرة، وثوب ممشَّق مصبوغ به (٣)، ومنه حديث أبي هريرة ﵁: وعليه ثوبان ممشقان (٤). (إلا ثوبَ عصبٍ)، قال في "النهاية": العصب: برودٌ يَمَنِيَّةٌ يعصب غزلها؛ أي: يُجمَع ويُشَدُّ، ثم يُصبغ وينسج، فيأتي موشيًا، لبقاء ما عُصب منه أبيضَ لم يأخذه صبغ، يقال: برد عصب، وبرود عصب بالتنوين والإضافة، وقيل: هي برود مخططة، والعصب: الفتل، والعَصَّاب: الغَزَّال، فيكون النّهي للمعتدة عما صُبغ بعد النسج، ومنه حديث عمر: أنه أراد أن ينهى عن عصب اليمن، وقال: ثبت أنه يصبغ بالبول، ثم قال: نُهينا عن التعمق (٥)، انتهى (٦). ويأتي عليه كلام عند ذكر المصنف له، (ولا تكتحل) المرأةُ الحادّة بالإثمد، ولو كانت سوداء، إلا إذا احتاجت للتداوي، فتكتحل ليلًا،

стр. 3003

وتمسحه نهارًا، ويباح الكحل للحادة بتوتياء، وعَنْزَرُوت، ونحوهما، كما يباح لها التنظيف، وتقليم أظفار، ونتف إبط، وحلق شعر مندوبٍ أخذُه، واغتسالٌ بسدر، وامتشاط، ودخول حمام (١)، وهذا معتمد مذهب الإمام أحمد، والجمهور، وحجّتهم حديث أم سلمة ﵂ الذي أخرجه أبو داود في "سننه" من حديث ابن وهب: أخبرني مخرمة عن أبيه، قال: سمعت المغيرةَ بنَ النعمات يقول: أخبرتني أمُّ حكيم بنتُ أسيد عن أمها: أن زوجها توفي، وكانت تشتكي عينها، أفتكتحل بالجلا؟ قال: أحمد بن صالح الصواب تكتحل بالجلا، فأرسلت مولى لها إلى أم سلمة، فسألتها عن كحل الجلا، فقالت: لا تكتحل به إلا من أمرٍ لابدَّ منه يشتدُّ عليكِ، فتكتحلين بالليل، وتمسحينه بالنهار. ثمّ قالت عند ذلك أمُّ سلمة: دخل عليَّ رسول الله ﷺ حين تُوفي أبو سلمة، وجعلت عليَّ صبرًا، فقال: "ما هذا يا أم سلمة؟ "، فقلت: هو صبرٌ يا رسول الله، ليس فيه طيب، قال: "إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل، وتنزعيه بالنهار" الحديث (٢). قال في "الهدي": الكحلُ المنهيُّ عنه -يعني: للحادّة- ثابتٌ بالنص الصريح الصحيح، ثم قال طائفة من أهل العلم من السلف والخلف، ومنهم أبو محمد بن حزم: لا تكتحل ولو ذهبت عيناها ليلًا و [لا] (٣) نهارًا، ويساعد قولهم الحديث الآتي، ثم قال: ولا ريب أن الكحل من أبلغ الزينة، فهو كالطيب، وأشدُّ منه، وقال بعض الشّافعيّة للسوداء أن تكتحل.

стр. 3004

قال في "الهدي": هذا تصرف مخالف للنص، والمعنى، وأحكام رسول الله ﷺ لا تفرق بين السود والبيض، كما لا يفرق بين الطوال والقصار، ومثل هذا القياس والرأي الفاسد الذي اشتد إنكار السلف له وذمهم إياه. قال: وأما جمهور العلماء، وأحمد، والشّافعيّ، وأبو حنيفة وأصحابهم، قالوا: إن اضطرت إلى الكحل تداويًا لا زينة، فلها أن تكتحل به ليلًا، وتمسحه نهارًا، لحديث أم سلمة المذكور، وقد ذكره الإمام مالك في "موطئه" بلاغًا (١)، وذكر أبو عمر بنُ عبد البر في "التمهيد" له طرقًا يشد بعضها بعضًا (٢)، ويكفي احتجاج الإمام مالك به، وأدخله أهل السنن في كتبهم، واحتج به الأئمة، وأقل درجاته أن يكون حسنًا، لكنه مخالف لظاهر حديثها المتفق عليه، فيحمل على أن الشّكاة التي لم يأذن في الاكتحال لأجلها لم تبلغ منها مبلغًا لابد لها فيه من الكحل، لذلك نهاها، ولو كانت محتاجة مضطرة تخاف ذهابَ بصرها، لأذن لها في ذلك كما فعل بالتي قال لها: "اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار". قال في "الهدي": والنظر يشهد لهذا التأويل؛ لأن الضرورات تنقل المحظورات إلى الإباحة في الأصوله، ولهذا جعل الإمام مالك فتوى أم سلمة تفسيرًا للحديث المسند في الكحل؛ لأن أم سلمة روته، وما كانت لتخالفه إذا صح عندها، وهي أعلم بتأويله، والنظر يشهد لذلك (٣)، ويأتي له تتمة في الحديث الاتي إن شاء الله -تعالى- (ولا تمسّ) المرأةُ المتوفَّى

стр. 3005

عنها زوجها في مدة عدَّتها منه (طيبًا) من المسك، والكافور، والصبر، والند، والغالية، والزباد، والذريرة، والبخور، والأدهان، كدهن البان، والبنفسج، والورد، والياسمين، والمياه المعتصرة من الأدهان الطيبة، كماء الورد، وماء القرنفل، وماء زهر النارنج، فهذا كلُّه طيب، كما في "الهدي"، لا الزيت، ولا الشيرج، ولا السمن، فلا تمنع من الادّهان بشيء من ذلك (١). قال في "الهدي": لا خلاف بتحريم التطيب بالطيب على الحادّة عند من أوجب الإحداد، ولهذا لما خرجت أم حبيبة من إحدادها على أبيها أبي سفيان، دعت بطيب، فدهنت منه جاريةً، ثم مسّت بعارضها، ثم ذكر الحديث (٢) (إلا إذا طهرت) الحادّة من حيضها، واغتسلت من محيضها، فتستعمل (نُبْذَةً) -بضم النون وسكون الموحدة بعدها معجمة-؛ أي: قطعة، وتطلق على الشيء اليسير (٣) (من قسط أو أظفار). [وفي رواية: من قسطٍ وأظفارٍ (٤) -بالواو من غير ألف قبلها-] (٥)، وفي رواية: من قسطِ أظفارٍ -بالإضافة-، قال في "النهاية": القسط: ضرب من الطيب، وقيل: هو العود، والقسط: عقار معروف من عقاقير الأدوية طيب الريح تبخر به النساء والأطفال، وهو أشبه الحديث، لإضافته إلى الأظفار كذا في "النهاية" (٦).

стр. 3006

وقال -أيضًا- في حديث أم عطية: "لا تمس المحدَّةُ إلا نبذةً من قسطِ أظفار" (١)، الأظفار: جنس من الطيب لا واحدَ له من لفظه، وقيل: واحدُه ظفر، وقيل: هي شيء من العطر أسود، والقطعة منه شبيـ[ـ هـ]ـة بالظفر، وفي حديث الإفك عقد من جزع أظفار (٢)، هكذا روي، وأريد بها: العطر المذكور، كان يؤخذ ويُثقب، ويجعل في العقد والقلادة، لكن الصحيح في الرواية أنه من جزع ظَفارِ بوزن قَطامِ، وهي اسم مدينة لحمير باليمن، وفي المثل: من دخل ظفار حمير، وقيل: كلّ أرضٍ ذات معزة ظفار (٣). وفي لفظ في حديث أم عطية: من كست -بالكاف (٤) -، واستوجه في "الفتح" القاف، والعطف؛ أي: من القسط وأظفار، وخطأ القاضي عياض رواية الكاف مع الإضافة (٥). قال: الإمام البخاري في "صحيحه": القسطُ، والكست: مثل الكافور، والقافور (٦)، ويجوز في كلٍّ منهما القاف والكاف، وزاد القسط بأن يقال: بالتاء المثناة بدل الطاء. قال: الإمام النووي: القسطُ والأظفارُ: نوعان معروفان من البخور:

стр. 3007

وليسا من مقصود الطيب، رُخِّص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدِّم، لا للطيب (١). قال في "الفتح": المقصود من التطيب بهما، أن يخلطا في أجزاء أخر، ثم تُسحق، فتصير طيبًا، والمقصود بهما هنا كما قال: الشّيخ -أي: النووي-: أن يتبع بهما أثر الدم لإزالة الرائحة. قال: وزعم الداودي: أن المراد: أما تسحق القسط، وتلقيه في الماء آخر غسلها، ليذهب رائحة الحيض، ورده القاضي عياض بأن ظاهر الحديث يأباه، وأنه لا يحصل منه رائحة طيبة إلا من التبخُّر به، كذا قال (٢)، ونظر فيه في "الفتح" (٣). وقد نصَّ علماؤنا على أن للحادّة جعلَ طيب في فرجها إذا اغتسلت من الحيض. وفي "شرح المقنع": عند أدنى طهرها إذا طهرت من حيضها من قسطٍ أو أظفار، للحديث (٤)، انتهى. قال: الحافظ ابن حجر في "الفتح": قال: النووي: والمقصود باستعمال الطيب: دفعُ الرائحة الكريهة على الصحيح (٥)، وقيل: لكونه أسرع للحبل، حكاه الماوردي، فعلى الأول: إن فقدت الحائض المسك، استعملت ما يخلفه في طيب الريح، وضعف النووي الثاني، قال لو كان

стр. 3008

صحيحًا، لاختص به ذات الزوج، وليس كذلك، انتهى ملخصًا (١). قال الحافظ المصنف -قدس الله روحه-: (العَصْب) -بمهملتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة فموحدة-: (ثياب)، جمع ثوب (من) بلاد (اليمن، فيها بياض وسواد)؛ لأنه يعصب غزلها؛ أي: يربط ثم يصبغ ثم ينسج معصوبًا، فيخرج موشًّى، لبقاء ما عصب من أبيض لم ينصبغ -كما تقدم-، وإنما يعصب السَّدَى دون اللحمة (٢). وفي "الفتح" ذكر أبو موسى [المديني] (٣) في "ذيل الغريب" عن بعض أهل اليمن: أنه من دابةٍ بحرية تسمى: فرس فرعون، يتخذ منها الخرز وغيره، ويكون أبيض، وهذا غريب. قال في "الفتح": وأغرب منه قول السهيلي: إنه نبات لا ينبت إلا باليمن، وعزاه لأبي حنيفة الدينوري (٤). قال: وأغرب منه قولُ الداودي: المراد بالثوب العصب: الخضرة، وهي الحبرة. قال: وليس له سلف في أن العصب الأخضر. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادّة لبسُ الثياب المعصفرة، ولا المصبغة، إلا ما صبغ بسواد، فرخص فيه مالك، والشافعي، لكونه لا يتخذ للزينة، بل هو من لباس الحزن، وكره عروة العصب -أيضًا-. وكره مالك غليظه.

стр. 3009

قال النووي: الأصح عند أصحابنا تحريمُه مطلقًا (١)، قاله في "الفتح"، وقال: هذا الحديث حجة لمن أجازه (٢)، انتهى. وفي "الهدي" للإمام ابن القيم: فإن قيل: فما تقولون في الثوب إذا صبغ غزلُه ثمّ نُسج، هل للحادّة لبسه؟ قيل: فيه وجهان: وهما احتمالان في "المغني": أحدهما: يحرم لبسه؛ لأنه أحسن وأرفع، ولأنه يصبغ للحسن، فأشبه ما صُبغ بعد نسجه. والثاني: لا يحرم، لقوله ﷺ : "إلا ثوبَ عصب"، وهو ما صبغ غزلُه قبل نسجه، ذكره القاضي. قال الإمام الموفق: والأول أصح (٣). قال: والصحيح في العصب: أنه نبت يُصبغ به الثياب، قال السهيلي: الورس والعصب نبتان باليمن، لا ينبتان إلا به (٤)، فأرخص النبي ﷺ للحادة في لبس ما يُصبغ بالعصب؛ لأنه في معنى ما يصبغ لغير تحسين، وأما ما صبغ غزله للتحسين، كالأحمر والأصفر، فلا معنى لتجويز لبسه، مع حصول الزينة بصبغه كحصولها بما صبغ بعد نسجه (٥)، وقاله أيضًا شمس الدين بن أبي عمر في "شرح المقنع" (٦).

стр. 3010

قلت: وهذا الذي استقر عليه المذهب، فيحرم على الحادّة لبس الثياب المصبغة للتحسين، كالمعصفر، والمزعفر، والأحمر، والأزرق والأخضر الصافيين، والأصفر -كما تقدّم-، وكذا المطرز. قال في "الإقناع"، وغيره: وما صُبغ غزله، ثم نُسج، فكمصبوغ بعد نسجه (١)، والله أعلم. تنبيهان: الأول: الإحداد مصدر أَحدَّت المرأةُ على زوجها: إذا تركت الزينة لموته، فهي مُحِدّ، ويقال -أيضًا-: حَدَّت تَحُدُّ -بكسر الحاء وضمها-، فيكون في مضارعه ثلاث لغات: واحدة من الرباعي، واثنتان من الثلاثي، كما في "المطلع"، قال: والحِداد -بكسر الحاء المهملة-: ثياب سود يحزن بها، والحدّ: المنع فالمحدّة ممتنعة من الزينة (٢)، انتهى. وفي "الفتح": أصل الإحداد: المنع، ومنه سُمِّي البواب حدادًا، منعه الداخل، وسميت العقوبة حدًا؛ لأنها تردع عن المعصية. قال: ابن درستويه: معنى الإحداد: منعُ المعتدة نفسَها الزينة، وبدنَها الطيبَ، ومنع الخطّاب خطبتَها والطمعَ فيها، كما منع الحدّ المعصية. وقال: الفراء: سمي الحديد حديدًا، للامتناع به، ولامتناعه على محاوله، ومنه تحديد النظر بمعنى: امتناع تقلبه في النظر. قال: ويروى بالجيم، حكاه الخطابي، ولفظه: يروى بالحاء والجيم،

стр. 3011

والحاء أشهر، وبالجيم مأخوذ من جدَدت الشيء: إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة. وقال أبو حاتم: أنكر الأصمعي جَدَّتْ، ولم يعرف إلا أَحَدَّت. وقال الفراء: كان القدماء يؤثرون أحدَّت، والأخرى أكثر في كلام العرب (١). الثاني: الخصال التي تجتنبها الحادّة مما دل عليها النص أربعة أشياء: أحدها: الطيب -كما تقدم-. الثاني: الزينة، وهي ثلاثة أنواع: أحدها: الزينة في يديها، فيحرم عليها الخضاب، والنقش، والتطريف، والحمرة، والإسفيذاج، فإنه ﷺ نصّ على الخضاب كما في حديث أم عطية عند الإمام أحمد، وأبي داود، والنسائي: "ولا تختضب" (٢)، وفي حديث أم سلمة ﵂: "ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء، فإنه خضاب" (٣) مُنَبِّهًا به على هذه الأنواع التي هي أكثر زينة منه، وأعظم فتنة، وأشد مضادة لمقصود الإحداد، ومن ذلك الكحل، وهو ثابتٌ بالنص -كما تقدم-، ويأتي -أيضًا-.

стр. 3012

النوع الثاني: زينة الثياب. الثالث: الحلي كله، حتى الخاتم في قول عامة أهل العلم، لقوله ﷺ : "ولا الحلي" كما في حديث أم سلمة عند الإمام أحمد، وأبي داود، والنسائي (١). وقال عطاء: تُباح الفضةُ دون الذهب (٢). قال في "شرح المقنع": ولا يصح، لعموم النهي، ولأن الحلي يزيد حسنَها، ويدعو إلى مباشرتها، قال الشاعر: [من الطويل] وَمَا الحَلْيُ إلَّا زِينَةٌ لِنَقِيَصةٍ ... يُتَمِّمُ مِنْ حُسْنٍ إِذَا الحُسْنُ قَصَّرَا (٣) ومعتمد المذهب: لا يحرم ملونٌ لدفع وسخ، كأسود، وكُحلي، وأخضر مشبع، ولا نقاب، وبُرْقع (٤)، نصّ عليه الإمام أحمد، خلافًا لما في الخرقي وغيره، وكذا لا يحرم الأبيض، ولو كان حسنًا، وعلى المعتمد، ولو حريرًا (٥)، ومنع بعض المالكية المرتفع من الأبيض الذي يتزين به، وكذا الأسود إذا كان يتزين به، وقال النووي: رخص أصحابنا فيما لا يتزين به، ولو كان مصبوغًا (٦).

стр. 3013

واختلف في الحرير قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": الأصح عند الشّافعيّة منعُه مطلقًا، مصبوغًا أو غير مصبوغ؛ لأنه أبيح للنساء التزين به، والحادة ممنوعة من التزين، فكان في حقها كالرجال. قال: وفي التحلي بالذهب وبالفضة وباللؤلؤ ونحوه وجهان، الأصح: جوازه، قال: وفيه نظر من جهة المعنى في المقصود بلبسه، وفي المقصود بالإحداد، فإنّه عند تأمّلهما يترجح المنع (١)، انتهى. وقال أبو حنيفة: لا تلبس الحادّة ثوب عصب، ولا خز، وإن لم يكن مصبوغًا، إذا أرادت به الزينة، وإن لم ترد بلبس الثّوب المصبوغ الزينة، فلا بأس أن تلبسه (٢). الثالث: قال في "الهدي": تمنع الحادّة من لبس ما كان من لبس الزينة من أي نوع كان، قال: وعلى هذا مدار كلام أحمد، والشّافعيّ، وأبي حنيفة، وهو الصواب قطعًا، فإن المعنى الذي منعت من الممشق والمعصفر لأجله مفهوم، والنبي ﷺ خصه بالذكر مع المصبوغ تنبيهًا على ما هو مثله، وأولى بالمنع، فإذا كان الأبيض والبُرد المحبّرة الرفيعة الغالية الأثمان مما تراد للزينة لارتفاعها وتناهي جودتها، كان أولى بالمنع من الثوب المصبوغ. قال: وكل من عقل عن الله ورسوله لم يسترب في ذلك، لا كما قال أبو محمد بن حزم: إنها تجتنب الثياب المصبغة فقط، ويباح لها ما شاءت من حرير أبيض وأصفر من لونه الذي لم يصبغ، وصوف البحري الذي هو لونه، وغير ذلك.

стр. 3014

قال: ويباح لها أن تلبس المنسوج بالذهب، والحلي كله من ذهب وفضة وجوهر وياقوت وزمرد وغير ذلك. قال: فهي -يعني الممنوعة- خمسة أشياء عليها أن تجتنبها فقط: الكحل كله، لضرورة أو غيرها، ولو ذهبت عيناها، لا ليلًا ولا نهارًا، وتجتنب فرضًا كلَّ ثوب مصبوغ مما يلبس في الرأس، أو على الجسد، أو على شيء منه، سواء في ذلك السواد والخضرة والحمرة والصفرة وغير ذلك، إلا العصب وحده، وتجتنب فرضًا الخضاب كله جملة، وتجتنب الامتشاط، حاشا التسريح بالمشط فقط، فهو حلال لها، وتجتنب -أيضًا- فرضًا الطيب كله، فلا تقربه، حاشا شيئًا من قسط أو أظفار عند طهرها فقط، فهذه الخمسة التي تجتنبها الحادّة عنده. قال ابن القيم في "الهدي" منكرًا عليه: وليس بعجيب منه تحريم لبس ثوب أسود عليها ليس من الزينة في شيء، وإباحة ثوب يتقد ذهبًا ولؤلؤًا وجوهرًا، وتحريم المصبوغ الغليظ الحمل الوسخ، وإباحة الحرير الذي يأخذ العيون حسنه وبهاؤه ورؤياه، وإنما العجيب منه في زعمه أن هذا دين الله سبحانه في نفس الأمر الذي لا يحل لأحد خلافه، وأعجب من هذا إقدامه على خلاف الحديث الصحيح في نهيه ﷺ لها عن لباس الحرير، وأطال في التنكيت عليه، والتعجب من مقالته (١)، والله -تعالى- أعلم.

стр. 3015

الحديث الرابع عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّي عَنْهَا زَوْجُها، وَقَدِ اشْتكتْ عَيْنُهَا، أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا"، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّما هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ في الجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ". قَالَتْ زينَبُ: كَانَتِ المَرْأَةُ إِذَا تُوُفيِّ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا، وَلَا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بها سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّهٍ، حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ، فَتَفْتَضُّ بهِ، فَقَلَّ ما تَفْتَضُّ بشَيءٍ إلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ، فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ (١). الحِفْشُ: البيت الصغير، وتفتضُّ: تدلك به جسدها.
следующие страницы →