← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

والحاء أشهر، وبالجيم مأخوذ من جدَدت الشيء: إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة. وقال أبو حاتم: أنكر الأصمعي جَدَّتْ، ولم يعرف إلا أَحَدَّت. وقال الفراء: كان القدماء يؤثرون أحدَّت، والأخرى أكثر في كلام العرب (١). الثاني: الخصال التي تجتنبها الحادّة مما دل عليها النص أربعة أشياء: أحدها: الطيب -كما تقدم-. الثاني: الزينة، وهي ثلاثة أنواع: أحدها: الزينة في يديها، فيحرم عليها الخضاب، والنقش، والتطريف، والحمرة، والإسفيذاج، فإنه ﷺ نصّ على الخضاب كما في حديث أم عطية عند الإمام أحمد، وأبي داود، والنسائي: "ولا تختضب" (٢)، وفي حديث أم سلمة ﵂: "ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء، فإنه خضاب" (٣) مُنَبِّهًا به على هذه الأنواع التي هي أكثر زينة منه، وأعظم فتنة، وأشد مضادة لمقصود الإحداد، ومن ذلك الكحل، وهو ثابتٌ بالنص -كما تقدم-، ويأتي -أيضًا-.

стр. 3012

النوع الثاني: زينة الثياب. الثالث: الحلي كله، حتى الخاتم في قول عامة أهل العلم، لقوله ﷺ : "ولا الحلي" كما في حديث أم سلمة عند الإمام أحمد، وأبي داود، والنسائي (١). وقال عطاء: تُباح الفضةُ دون الذهب (٢). قال في "شرح المقنع": ولا يصح، لعموم النهي، ولأن الحلي يزيد حسنَها، ويدعو إلى مباشرتها، قال الشاعر: [من الطويل] وَمَا الحَلْيُ إلَّا زِينَةٌ لِنَقِيَصةٍ ... يُتَمِّمُ مِنْ حُسْنٍ إِذَا الحُسْنُ قَصَّرَا (٣) ومعتمد المذهب: لا يحرم ملونٌ لدفع وسخ، كأسود، وكُحلي، وأخضر مشبع، ولا نقاب، وبُرْقع (٤)، نصّ عليه الإمام أحمد، خلافًا لما في الخرقي وغيره، وكذا لا يحرم الأبيض، ولو كان حسنًا، وعلى المعتمد، ولو حريرًا (٥)، ومنع بعض المالكية المرتفع من الأبيض الذي يتزين به، وكذا الأسود إذا كان يتزين به، وقال النووي: رخص أصحابنا فيما لا يتزين به، ولو كان مصبوغًا (٦).

стр. 3013

واختلف في الحرير قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": الأصح عند الشّافعيّة منعُه مطلقًا، مصبوغًا أو غير مصبوغ؛ لأنه أبيح للنساء التزين به، والحادة ممنوعة من التزين، فكان في حقها كالرجال. قال: وفي التحلي بالذهب وبالفضة وباللؤلؤ ونحوه وجهان، الأصح: جوازه، قال: وفيه نظر من جهة المعنى في المقصود بلبسه، وفي المقصود بالإحداد، فإنّه عند تأمّلهما يترجح المنع (١)، انتهى. وقال أبو حنيفة: لا تلبس الحادّة ثوب عصب، ولا خز، وإن لم يكن مصبوغًا، إذا أرادت به الزينة، وإن لم ترد بلبس الثّوب المصبوغ الزينة، فلا بأس أن تلبسه (٢). الثالث: قال في "الهدي": تمنع الحادّة من لبس ما كان من لبس الزينة من أي نوع كان، قال: وعلى هذا مدار كلام أحمد، والشّافعيّ، وأبي حنيفة، وهو الصواب قطعًا، فإن المعنى الذي منعت من الممشق والمعصفر لأجله مفهوم، والنبي ﷺ خصه بالذكر مع المصبوغ تنبيهًا على ما هو مثله، وأولى بالمنع، فإذا كان الأبيض والبُرد المحبّرة الرفيعة الغالية الأثمان مما تراد للزينة لارتفاعها وتناهي جودتها، كان أولى بالمنع من الثوب المصبوغ. قال: وكل من عقل عن الله ورسوله لم يسترب في ذلك، لا كما قال أبو محمد بن حزم: إنها تجتنب الثياب المصبغة فقط، ويباح لها ما شاءت من حرير أبيض وأصفر من لونه الذي لم يصبغ، وصوف البحري الذي هو لونه، وغير ذلك.

стр. 3014

قال: ويباح لها أن تلبس المنسوج بالذهب، والحلي كله من ذهب وفضة وجوهر وياقوت وزمرد وغير ذلك. قال: فهي -يعني الممنوعة- خمسة أشياء عليها أن تجتنبها فقط: الكحل كله، لضرورة أو غيرها، ولو ذهبت عيناها، لا ليلًا ولا نهارًا، وتجتنب فرضًا كلَّ ثوب مصبوغ مما يلبس في الرأس، أو على الجسد، أو على شيء منه، سواء في ذلك السواد والخضرة والحمرة والصفرة وغير ذلك، إلا العصب وحده، وتجتنب فرضًا الخضاب كله جملة، وتجتنب الامتشاط، حاشا التسريح بالمشط فقط، فهو حلال لها، وتجتنب -أيضًا- فرضًا الطيب كله، فلا تقربه، حاشا شيئًا من قسط أو أظفار عند طهرها فقط، فهذه الخمسة التي تجتنبها الحادّة عنده. قال ابن القيم في "الهدي" منكرًا عليه: وليس بعجيب منه تحريم لبس ثوب أسود عليها ليس من الزينة في شيء، وإباحة ثوب يتقد ذهبًا ولؤلؤًا وجوهرًا، وتحريم المصبوغ الغليظ الحمل الوسخ، وإباحة الحرير الذي يأخذ العيون حسنه وبهاؤه ورؤياه، وإنما العجيب منه في زعمه أن هذا دين الله سبحانه في نفس الأمر الذي لا يحل لأحد خلافه، وأعجب من هذا إقدامه على خلاف الحديث الصحيح في نهيه ﷺ لها عن لباس الحرير، وأطال في التنكيت عليه، والتعجب من مقالته (١)، والله -تعالى- أعلم.

стр. 3015

الحديث الرابع عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّي عَنْهَا زَوْجُها، وَقَدِ اشْتكتْ عَيْنُهَا، أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا"، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّما هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ في الجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ". قَالَتْ زينَبُ: كَانَتِ المَرْأَةُ إِذَا تُوُفيِّ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا، وَلَا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بها سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّهٍ، حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ، فَتَفْتَضُّ بهِ، فَقَلَّ ما تَفْتَضُّ بشَيءٍ إلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ، فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ (١). الحِفْشُ: البيت الصغير، وتفتضُّ: تدلك به جسدها.

стр. 3016

(عن أم سلمة) هند بنت أبي أمية أم المؤمنين (﵄ قالت: جاءت امرأة)، زاد النسائي من طريق الليث عن حميد بن نافع من قريش (١)، وسماها ابن وهب في "موطئه"، وأخرجه إسماعيل القاضي في "أحكامه" من طريق عاتكة بنت نعيم بن عبد الله، وأخرجه ابن وهب عن أبي الأسود النوفلي، عن القاسم بن محمّد، عن زينب، عن أمها أم سلمة: أن عاتكة بنت نعيم بن عبد الله جاءت (٢) (إلى رسول الله ﷺ ) تستفتيه (فقالت: يا رسول الله! إنّ ابنتي) لم تسمِّ البنت، قاله الحافظ في "الفتح" (٣)، وكذا لم يسمّها البرماوي في "مبهمات العمدة" (توفي) أي: مات (عنها زوجها). قال في "الفتح": وكانت ابنتها تحت المغيرة المخزومي، قال: ولم أقف على اسم أبي المغيرة المخزومي، قال: وقد

стр. 3017

أغفله ابن منده في الصحابة، وكذا أبو موسى فى الذّيل عليه، وكذا ابن عبد البر لكن استدركه ابن فتحون عليه (١)، انتهى. وقال البرماوي: لم يذكر في "التجريد" المغيرة سوى أنه قال: المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وقال: إن مولده في الثانية من الهجرة، أو قبلها، وهو مجهول (٢)، انتهى. قال: فينبغي أن يكشف عن المغيرة المتوفّى عن زوجته مَنْ هو، انتهى كلام البرماوي. (وقد اشتكت عينُها)، قال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان -ضم النون على الفاعلية على أن تكون العين هي المشتكية، وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل يعود على المرأة، وعينها مفعول، ورجح هذا، ووقع في بعض الروايات: عيناها (٣)، وهي ترجح الضم وهذه الرواية في مسلم كما في "الفتح" (٤)، وعلى الضم اقتصر النووي (٥)، والذي رجّح الأول هو المنذري (٦). (أفتكحُلها) -بضم الحاء المهملة-. (فقال رسول الله ﷺ : لا) (مرتين) يكرر لا (أو ثلاثًا) من المرات (كل ذلك يقول) ﵊: (لا) أي لا تكتحل. قال النووي: فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادّة سواء احتاجت

стр. 3018

إليه أم لا، وجاء في حديث أم سلمة في الموطأ وغيره: "اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار" (١). ووجه الجمع: أما إذا لم تحتج إليه لا يحل، وإذا احتاجت إليه لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل مع أنّ الأولى تركه، فإن فعلت مسحته بالنهار، قال: وتأوّل بعضهم الحديث على أنه لم يتحقق الخوف على عينها (٢). وتعقب بأن في "الصحيحين"، فخافوا على عينها (٣)، وفي رواية عند ابن منده: [و] (٤) رمدت رمدًا شديدًا وقد خشيت على بصرها، وفي رواية قال: الطبراني: أنها قالت: في المرة الثانية أما تشتكي عينها فوق ما يظن، فقال: لا (٥)، وفي رواية القاسم بن أصبغ أخرجها ابن حزم: إني أخشى أن تنفقأ عينها، قال: لا، وإن انفقأت (٦)، وسنده صحيح. وبمثل ذلك أفتت أسماء بنت عميس، أخرجه ابن أبي شيبة (٧). وفي "الموطأ": أن صفية بنت أبي عبيد اشتكت عينها، وهي حاد على زوجها ابن عمر، فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان (٨)، قال في "جامع الأصول": رمصت العين إذا حصل فيها ذلك الوسخ الذي يجتمع فيها، فإن

стр. 3019

سأل فهو غمص، وإن جمد فهو رمص (١)، انتهى. وقال في "المطالع": ترمصان -بصادٍ مهملة وفتح الميم وضمها- كذا قيّدناه، ومعناه تقذيان، والرمص: القذى الذي تقذفه العين، فيجتمع في مآقيها وبين أهدابها، قال: ورواه الطباع عن مالك -بضاد معجمة- من الرمض وهو شدة الحر، والأول هو المعروف (٢)، انتهى. ولهذا قال مالك في رواية عنه: تمنعه، أي: تمنع الحادّة الكحلَ مطلقًا، وعنه: يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه وبه قال الشافعية: مقيدًا بالليل (٣). وتقدم في الحديث المار ما ذكره في "الهدي"، وقوله فيه: أن النظر يشهد لذلك؛ لأن المضطر إلى شيء لا يحكم له بحكم المترفِّه المتزيِّن، وليس الدواء والتداوي من الزينة في شيء، وإنما نهيت الحادّ عن الزينة لا عن التداوي، وأم سلمة أعلم بما روت مع صحته في النظر، وعليه أهل الفقه، وبه قال مالك والشّافعيّ وأكثر الفقهاء، وقد ذكر مالك في "الموطأ": أنه بلغه عن سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار أنهما كانا يقولان في المرأة يتوفى عنها زوجها: أما إذا خشيت على بصرها من رمدٍ بعينها، أو شكوى إصابتها أما تكتحل وتداوى بالكحل ولو كان فية طيب (٤). قال أبو عمر ابن عبد البر: لأن القصد التداوي لا التطيب، والأعمال

стр. 3020

بالنيات، وقال: الشّافعيّ: يصفرّ فيكون زينة، وليس بطيب وهو كحل الجلا، فأذنت أم سلمة للمرأة بالليل حيث لا يرى، وتمسحه بالنهار حيث يرى، وكذلك ما أشبهه (١). وقال: الإمام الموفق في "المغني": إنما تمنع الحادّة من الكحل بالإثمد؛ لأنه الذي يحصل به الزينة، وأما الكحل بالتوتياء والعنزروت ونحوهما فلا بأس به -كما تقدم-، فإنه لا زينة فيه، بل يفتح العين ويزيدها مرهًا، قال: ولا تمنع من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها؛ لأنه إنما منع منه في الوجه لأنه يصفره فيشبه الخضاب (٢)، وقد قيل لأبي عبد الله يعني: الإمام أحمد: المتوفى عنها تكتحل بالإثمد؟ قال: لا، ولكن إن أرادت اكتحلت بالصبر إذا خافت على عينها، أو شَكَتْ شكوى شديدة (٣)، انتهى. (إنما هي أربعة أشهر وعشر ليالٍ) وفي لفظ: وعشرًا (٤) -بالنصب- على حكاية [لفظ] (٥) القرآن. قال: ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى تقليل المدة بالنسبة لما كان قبل ذلك، وتهوين المدة عليها (٦)، ولهذا قال: (وقد كانت إحداكنَّ) معشر النساء إذا توفي عنها زوجها (في الجاهلية) قبل الإسلام، وإنما قيده بالجاهلية للإشارة بأن الحكم في الإسلام صار بخلافه، وهو كذلك بالنسبة إلى ما وصف بأن إحداهن كانت (ترمي بالبعرة على رأس الحول) وقد كان

стр. 3021

في صدر الإسلام بنص قوله -تعالى-: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، ثم نسخت بالآية التي قبل وهي أن: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. قال حميد بن نافع -راوي الحديث-: قلت لزينب بنت أبي سلمة: وما ترمي بالبعرة على رأس الحوله (١) أي: بَيِّنِي لي المراد بهذا الكلام الذي خوطبت به هذه المرأة؛ (قالت زينب:) بنت أبي سلمة ﵂: (كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، دخلت حِفشًا) -بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء وبعدها شين معجمة-، فسره أبو داود في روايته عن مالك بالبيت الصغير (٢)، وعند النسائي من طريق ابن القاسم عن مالك: الحِفش: الخُصُّ -بضم الحاء المعجمة فصادٌ مهملة (٣) - وهو أخص من الذي قبله. وقال: الشّافعيّ: الحفش: البيت الذليل الشعث البناء (٤) وقيل: هو شيء من خوص يشبه القفه تجمع فيه المعتدة متاعها من غزل ونحوه، وظاهر سياق القصة يأبى هذا خصوصًا في رواية شعبة في "الصحيحين" قد كانت إحداكن تمكث في شرّ أحلاسها أو شرّ بيتها (٥). وفي رواية النسائي: عمدت إلى شرّ بيت لها فجلست فيه (٦). قال في "الفتح": ولعل الحفش ما ذكر ثم استعمل في البيت الصغير الحقير على طريق الاستعارة، والأحلاس: جمع حِلس -بكسر الحاء

стр. 3022

وبالسين المهملتين بينهن لام- ثوب أو كساء رقيق يكون تحت البرذعة، والمراد أن الراوي شك في أي اللفظين وقع وصف ثيابها، أو وصف مكانها، وجمع بينهما في هذا الحديث (١)، فلهذا قالت زينب: (ولبست) الحادّة (شرّ ثيابها) فتجمع بين شرّ الثياب وشرّ المكان الذي هو البيت الذي تأوي إليه، (ولم تمسَّ) في كلّ مدة الإحداد (طيبًا ولا شيئًا) مما يبيض وجهها، أو بحمرة وبجنسها من نحو أَسْفِيْداج (٢) العرائس، أو أن تجعل عليه صبرًا يصفره ونحوه (٣)، ولا تزال كذلك (حتى تمر بها)، وفي لفظ: لها (سنة) كاملة (ثم) بعد مضي السنة (تُؤتى) المرأة الحادّة (بدابةٍ) -بالتنوين- (حمارٍ) -بالجر والتنوين- على البدل من دابة (أو شاة أو طير) أو هذه للتنويع لا الشك، وإطلاق الدابة على ما ذكرٍ بطريق الحقيقة اللغوية (فتفتضُّ به) -بفاء فمثناة فوقية فضاد معجمة ثقيلة- فسره مالك ﵁، في آخر الحديث بما فسره المصنف فيما يأتي من قوله: تدلك به جسدها، ولفظ مالك: تمسح به جلدها (٤)، وأصل الفض الكسر؛ أي: تكسر ما كانت فيه وتخرج منه بما تفعله بالدابة، ووقع في روايةٍ للنسائي: (تقبص) -بقاف فموحدة فصاد مهملة خفيفة- وهي رواية الشّافعيّ (٥)، والقبص: الأخذ بأطراف الأنامل.

стр. 3023

قال الأصبهاني وابن الأثير: هو كناية عن الإسراع أي: تذهب [بعدوٍ] (١) وسرعة إلى منزل أبويها، لكثرة حيائها لقبح منظرها (٢) أو لشدة شوقها إلى التزويج لبعد عهدها به، والباء في قوله: به سببيّة، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": والضبط الأول أشهر (٣)، قال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض؟ فذكروا أنّ المعتدّة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرًا ولا تزين شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تفتض أي: تكسر ما فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش ما تفتض به (٤). قال في "الفتح": وهذا لا يخالف تفسير مالك لكنه أخص منه؛ لأنه أطلق الجلد وتبين أن المراد به جلد القبل. قال ابن وهب: معناه أنها تمسح بيدها على الدابة وعلى ظهره. وقيل: المراد تمسح به (٥). وهذا الظاهر يدل عليه قولها (فَقَلَّ مَا) ما موصول حرفي تسبك مع ما بعدها بمصدر. (تفتض)؛ أي: افتضاضها (بشيء) من طير أو نحوه (إلا مات) لتمسُّحِا به، والافتضاض: الاغتسال بالماء العذب لإزالة الوسخ، وإرادة النقاء حتى تصير بيضاء نقية كالفضة، ومن ثم قال الأخفش: معناه: تتنظّف، فتنقّى من الوسخ النقاء، فتشبه الفضة في نقائها وبياضها، والغرض بذلك الإشارة إلى إهلاك ما هي فيه، وجوّز الكرماني أن تكون الباء في قوله: "فتفتض به"

стр. 3024

للتعدية، أو تكون زائدة؛ أي: تفتض الطائر، بأن تكسر بعضَ أعضائه، ورده في "الفتح" (١) (ثم تخرج) مما هي فيه، (فتعُطى) بالبناء للمجهول (بَعْرَةً) -بفتح الموحدة وسكون العين المهملة-، ويجوز فتحُها (فترمي بها) في رواية مطرف، وابن الماجشون عن مالك: ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل، فترمي بها أمامها، فيكون ذلك إحلالًا لها. وفي رواية ابن وهب: ترمي ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها (٢). ووقع في رواية شعبة الآتية: فإذا كان حوله، فمر كلب، رمت ببعرة، وظاهره أن رميها البعرة يتوقف على مرور كلب، سواء طال زمن انتظار مروره، أم قصر، وبه جزم بعض الشراح، وقال: ترمي بها من عرضَ من كلب أو غيره، ترى من حصرها أن مقامها حولًا أهونُ عليها من بعرة ترمي بها كلبًا أو غيره. وقال عياض: يمكن الجمع بأن الكلب إذا مرّ، افتضت به، ثم رمت البعرة (٣)، واستبعده في "الفتح"، قال: واختلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدّة رميَ البعرة، وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته، من التربُّص، والصبر على البلاء الذي كانت فيه، لما انقضى، كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها، استحقارًا له، وتعظيمًا لحق زوجها، وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل، لعدم عودها إلى مثل ذلك (٤)، (ثم) بعدَ صنيعها الأشياءَ المذكورةَ (تراجع بعدُ) بالبناء على

стр. 3025

الضم؛ أي: بعد ما تقدم (ما شاءت من طيب) بسائر أنواعه (أو غيره) مما يحمر الوجه، ومن أنواع ثياب الزينة، واستعمال الحلي والكحل والخضاب، وكل ما يدعو إلى نكاحها ويحسنها من أنواع الزينة والتجمل (١). قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى ورضي عنه-: (الحفش) -بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء وبالشين المعجمة-: (البيت الصغير) كما تقدم الكلام عليه عند ذكره، (و) قوله: (تفتض)؛ أي: (تدلك به)؛ أي: بالحمار، أو ما عطف عليه ونحو ذلك (جسدَها) كما بيّنا ذلك، والله -تعالى- أعلم. تنبيه: ظاهر صنيعه كما في "الصحيحين" وغيرهما أن القصة غير مسندة، بل من كلام زينب، وفي "الصحيحين" ما يدل على أنها من المرفوع، لكنه باختصار، ففيهما عن حميد عن زينب، عن أمها أم سلمة ﵄: أن امرأة توفي عنها زوجها، فخشوا على عينها، فأتوا النبيَّ ﷺ ، فاستأذنوه في الكحل، فقال: "لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها، أو شر بيتها، فإذا كان حول، فمر كلب، رمت ببعرة، فلا تكتحل حتى تمضي أربعة أشهر وعشر" (٢). وفي رواية عند النسائي من حديث أم حبيبة وأم سلمة: أنه ﷺ قال: "قد كانت إحداكن في الجاهلية إذا تُوفي عنها زوجُها، أقامت سنة، ثم قذفت

стр. 3026

خلفها ببعرة، ثم خرجت" الحديث (١)، والذي في "الصحيحين" من كون القصة من مرفوع أم سلمة من رواية شعبة، وهو من أحفظ الناس، فلا يُقْضَى على روايته برواية غيره بالاحتمال، قاله في "الفتح"، ثم قال: ولعلّ الموقوف منه الزيادة التي ليست في رواية شعبة (٢)، والله أعلم.

стр. 3027

كتاب اللعان اللعان: مصدر لاعَنَ لِعانًا: إذا فعل ما ذكر، أو لعنَ كلُّ واحد من الاثنين الآخر. قال الأزهري: وأصل اللعن: الطرد والإبعاد، يقال: لعنه الله؛ أي: باعده، والتَعَنَ الرجل: إذا لعن نفسه من قبل نفسه، واللعان لا يكون إلا من اثنين، يقال: لاعن امرأتَه لِعانًا ومُلاعنةً، فتلاعنا، والتعنا بمعنى واحد، ولاعنَ الإمامُ بينهما، ورجل لُعَنَة بوزن هُمَزة: إذا كان يلعن الناس كثيرًا، ولُعْنَة -بسكون العين-: يلعنه الناس (١)، كما في "المطلع" (٢). واللعان شرعًا: شهادات مؤكَّدات بأيمان من الجانبين، مقرونة باللعن والغضب، قائمة مقام حدّ قذف أو تعزير في جانبه، وحد زنا في جانبها (٣). وذكر المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب ثمانية أحاديث.

стр. 3028

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ- ﵄: أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فاحِشَةٍ، كيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ، تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ، سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَؤُلَاءِ الآياتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ، وَوَعَظَهُ، وَذَكَّرَهُ أَنَّ عَذَابِ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةُ. فَقَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْونُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةُ، فَقَالَتْ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ! إِنَّهُ لَكَاذِبٌ. فَبَدَأَ بالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادَقِينَ، وَالخَامِسَةُ أَنَّ لعْنهَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الكَاذِبينَ، ثُمَّ ثَنَّى بالمَرْأَةِ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبينَ، وَالخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ قَالَ: "اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ثَلَاثًا" (١).

стр. 3029

وفي لفظ: قالَ "لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا". قَالَ: يَا رَسُولِ اللهِ! مَالِي. قَالَ: "لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كنتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا" (١). * * * (عن) أبي عبد الرحمن (عبدِ الله بنِ عمرَ ﵄) قال: (إنَّ فلانَ بنَ فلانٍ) يعني: عُويمرَ بنَ الحارث، ويقال: ابن النضر العجلاني، نسبة إلى عجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف. وقال: النووي: هو هلالُ بنُ أميةَ بنِ عامر بن قيس، شهد بدرًا (٢) (قال: يا رسول الله! أرأيتَ) من الرأي، أو من الرؤية؛ أي: أخبرني عن حكم ما (لو وجدَ أحدُنا) معشرَ المسلمين (امرأتَه على فاحشةٍ).

стр. 3030

وفي حديث سهل بن سعد الساعدي: أن عُويمرًا العجلانيَّ جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري، فقال له: أرأيت يا عاصم! لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتلُه فتقتلونه (١)؛ يعني: قصاصًا، لتقدم علمه بحكم القصاص، لعموم قوله -تعالى-: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، لكن تطرق إليه احتمال أن يخص من ذلك ما يقع بالسبب الذي لا يقدر على الصبر عليه غالبًا من الغيرة التي في طبع البشر، ولهذا قال في حديث سهل: أم كيف يفعل (٢)؟. وفي حديث ابن عمر: (كيف يصنع)؟ وقد قال سعد بن عبادة: لو رأيتُه لضربتُه بالسيف غيرَ مصفح (٣)، ثمّ قال عويمرٌ العجلاني: (إن تكلّم) بما وجدَ من ذلك (تكلَّمَ بأمرٍ عظيم) تأباه العقول السليمة، والشيمُ المستقيمة. وفي حديث ابن مسعود ﵁: عندهما: إن تكلم، جلدتموه، أو قتل، قتلتموه (٤) (وإن سكت) عمّا وجد (سكتَ على مثلِ ذلك)؛ أي: على أمرٍ عظيم. وفي حديث ابن مسعود: سكت على غيظ (٥)، (فسكت النبي ﷺ ) عن جواب مسألته (فلم يجبه) بشيء، (فلما كان بعد ذلك) الحديث (أتاه)؛ أي: أتى السائلُ النبيَّ ﷺ ، (فقال) له: يا رسول الله! (إنَّ الذي سألتك عنه): من

стр. 3031

وجدان أحدِنا امرأتَه على الفاحشة، قد ابُتليتُ به، وكأنه كان قد اطلع على مخايل ما سأل عنه، لكنه لم يتحققه، فلذلك لم يفصح به، أو اطلع ﷺ الحقيقة، إلا أنه خشي إذا صرح به من العقوبة التي ضمنها من رمي المحصنة بغير بيّنة، كما أشار إليه ابن العربي، قال: ويحتمل أن يكون لم يقع له شيء من ذلك، لكن اتفق أنه وقع في نفسه إرادة الاطلاع على الحكم، فابتُلي به؛ عنه، يقال: البلاء موكَّلٌ بالمنطق (١)، ومن ثم قال: إن الذي سألتك عنه (٢) (قد ابتليت به، فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور)، وهو قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، فتلاهُنَّ)؛ أي: الآياتِ (عليه)؛ أي: على السائل، وهو عويمر، أو هلال. وفي حديث سهل: فقال رسول الله ﷺ : "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك" (٣). وفي حديث ابن مسعود: فلما قال: وإن سكتَ، سكتَ على غيظ، قال النبيُّ في: "اللهم افتحْ"، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان (٤). وقد اختلف أئمة الحديث والتفسير وغيرهم فيمن نزلت فيه، فظاهر سياق أحاديث "الصحيحين" وغيرهما: أنها نزلت بسبب عويمر، ويعارضه

стр. 3032

ما رواه الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه من حديث ابن عباس ﵄: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشَريك بن سَحماء، فقال: النبي ﷺ : "البيّنة، أو حدٌّ في ظهرك" فقال: يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا، ينطلق يلتمس البيّنة! فجعل رسول الله ﷺ يقول: "البيِّنة، وإلا حدٌّ في ظهرك"، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل، وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) [النور: ٩]. وفي رواية في هذا الحديث عن ابن عباس عند أبي داود: فقال هلال: وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجًا، قال: فبينا رسول الله في كذلك، إذْ نزل عليه الوحي (٢). وفي حديث أنس عند الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي: أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، وكان أخا البراء بن مالك لأمه، وكان أول رجل لاعنَ في الإسلام (٣)، فهذا يدل على أن الآية نزلت بسبب هلال.

стр. 3033

وقد روى النسائي من حديث أنس ﵁: أول لعان كان في الإسلام: أن هلال بن أمية قذف شريك بن سحماء بامرأته، الحديث (١). قال الحافظ ابن حجر في كتاب: التفسير من "الفتح" في تفسير سورة النور: وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع، فمنهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينهما: بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر -أيضًا-، فنزلت في شأنهما معًا. وقد جنح النووي إلى هذا (٢)، وسبقه الخطيب، فقال: لعلهما اتفق كونهما جاءا في وقت واحد، ويؤيّد التعدد أن القائل في قصة هلال سعدُ بنُ عُبادة كما أخرجه أبو داود، والطبري عن ابن عباس، وفي أوله: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، الآية، قال سعد بن عبادة: لو رأيت لكاعٍ قد تفخّذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء، ما كنت لآتي بهم حتى يفرغ من حاجته! قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية، الحديث (٣). وعند الطبري عن عكرمة مرسلًا نحوه، وفيه: فلم يلبثوا أن جاء ابن عم له، فرمى امرأته، الحديث (٤). وفي قصة عويمر القائلُ عاصمُ بنُ عدي.

стр. 3034

وأخرج الطبري عن طريق الشعبي مرسلًا، قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، الآية، قال: عاصمُ بنُ عَدِيّ: إن أنا رأيتُ فتكلمتُ، جُلدت، وإن سكتُّ، سكتُّ على غيظ، الحديث (١). ولا مانع من تعدد القصص واتحاد النزول. وقد روى البزار من حديث حذيفة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "لو رأيت مع أمّ رومان رجلًا، ما كنت فاعلًا به؟ "، [قال: كنت فاعلًا به] (٢) شرًا، قال: "فأنت يا عمر؟ "، قال: كنت أقول: لعن الله الأبعدَ، قال: فنزلت (٣). ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال، فلما جاء عويمر، ولم يكن علمَ بما وقع لهلال، أعلمه النبي ﷺ بالحكم، ولهذا قال في قصة هلال: فنزل جبريل، وفي قصة عويمر: "قد أنزل الله فيك"؛ أي: وفيمن كان قبلك، وبهذا أجاب ابن الصباغ في "الشامل"، قال: أنزلت الآية في هلال، وأما قوله لعويمر: قد نزل فيك وفي صاحبتك، فمعناه ما نزل في قصة هلال، ويؤيده ما في حديث أنس: أولُ لعان كان في الإسلام: أن شريكَ بن سحماء قذفه هلالُ بنُ أمية بامرأته، الحديث (٤). وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرتين، قال: وهذه الاحتمالات -وإن بعدت- أولى من تغليط الرواة الحفاظ (٥).

стр. 3035

وقد أنكر جماعةٌ ذكرَ هلال فيمن لاعنَ، منهم: عبد الله بن أبي صفرة أخو المهلب، والطبري. وقال: ابن العربي: قال: الناس: هو وهمٌ من هشام بن حسان، وعليه دار حديث ابن عباس وأنس بذلك (١). وقال عياض في "المشارق": كذا جاء في رواية هشام بن حسان، ولم يقله غيره، وإنما القصة لعويمر العجلاني، لكن وقع في "المدونة" في حديث العجلاني ذكر شريك (٢). وقال النووي في "مبهماته": اختلفوا في الملاعن على ثلاثة أقوال: عويمر العجلاني، وهلال بن أمية، وعاصم بن عدي، ثم نقل عن الواحدي: أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر. وقد تعقّب الحافظ ابن حجر كلامهم في "الفتح"، واستظهر في باب: اللعان احتمالَ في وجه الجمع أن يكون عاصم سأل قبل النزوله، ثم جاء هلال بعده، فنزلت عند سؤاله، فجاء عويمر في المرة الثانية التي قال فيها: إن الذي قد سألتك عنه ابتُليت به، فوجد الآية نزلت في شأن هلاله، فأعلمه النبي ﷺ بأنها نزلت فيه؛ يعني: أنها نزلت في كلّ من وقع له ذلك؛ [لأن ذلك] (٣) لا يختص بهلال، وكذا يجاب عن سياق حديث ابن مسعود (٤). (و) لما قال عويمر ما قال في حق زوجته، (وعظه) النبي ﷺ ، (وذكَّره) -بتشديد الكاف- بمعنى: وعَظَه ونبهه من غفلته (أنَّ عذاب الدنيا) من الحد

стр. 3036

ونحوه (أهونُ) وأخفُّ (من عذاب الآخرة) الذي هو دخول النار، وغضبُ الجبار، ومجاورةُ الفجار في دار البوار، (فقال) الرجل: (لا والذي بعثك بالحق) نبيًا! (ما كذبتُ عليها) فيما نسبته إليها، (ثم دعاها) النبي ﷺ ، يعني: امرأة عويمر، وهي خولة بنت عاصم بن عدي. قال ابن منده في كتاب "الصحابة": خولة بنتُ عاصم هي التي قذفها زوجُها، فلاعنَ النبيُّ ﷺ بينهما، لها ذكر، ولا يعرف لها رواية، وتبعه أبو نعيم، ولم يذكر أسلفهما في ذلك، وكأنه ابنُ الكلبي، فإنه قال: إن امرأة عويمر هي بنتُ عاصم المذكور، واسمها خولة، وذكر مقاتلُ بنُ سليمان فيما حكاه القرطبي: أنها خولة بنتُ قيس، وذكر ابن مردويه أنها بنتُ أخي عاصم، فأخرج من طريق الحكم بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن عاصم بن عدي لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، قال: يا رسول الله! أين لأحدنا أربعةُ شهداء؟! فابتلي به في بنت أخيه، وفي سنده -مع إرساله- ضعف. وأخرج ابن أبي حاتم في "التفسير" عن مقاتل بن حيان، قال: لما سأل عاصم عن ذلك، ابتلي به في أهل بيته، فأتاه ابنُ عمه تحتَ ابنةِ عمِّه، رماها بابن عمه، المرأةُ والزوجُ والخليلُ ثلاثتهم بنو عمِّ عاصمٍ (١). وعند ابن مردويه في مرسل ابن أبي ليلى المذكور: أن الرجل الذي رمى عويمرٌ امرأته به هو شريك بن سحماء، وهو يشهد لصحة هذه الرواية؛ لأنه ابن عم عويمر، وكذا في مرسل مقاتل بن حيان عند ابن أبي حاتم: فقال الزوج لعاصم: يابن عم! أقسمُ بالله لقد رأيت شريكَ بنَ سحماء على

стр. 3037

بطنها، وإنها لحُبلى وما قربتها منذ أربعة أشهر (١)، وكان شريك بن سحماء اتهم بامرأة عويمر، وبامرأة هلال بن أمية (٢)، (فوعظها) النبي ﷺ : (وأخبرها أن عذاب الدنيا) من الرَّجْم ونحوه (أهونُ من عذاب الآخرة)، (فقالت) المرأة: (لا والذي بعثلث بالحق) الذي هو القرآن وشرائع الإسلام والإيمان (إنه لَكَاذِبٌ) فيما رماني فيه من الزنا، ونسبني إليه من الفاحشة والخنا، فحينئذ دعاهما رسول الله ﷺ ، فتلاعنا، وكان ذلك بعد العصر في المسجد، وفي رواية: عند المنبر (٣)، (فبدأ) ﷺ اللعان (بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنَّه لمن الصادقين) فيما رميت به امرأتي هذه من الزنا، ولا بد أن يكون مشيرًا إليها، ولا يحتاج مع حضورها والإشارة إليها إلى تسميتها ونسبها، وإن لم تكن حاضرة، سماها، ونسبها، فإن كملت الأربع مرات (٤)، يزيد بعدها (والخامسة أن لعنة الله عليه إن كَان من الكاذبين) فيما رميتُها به من الزنا، (ثم) بعد فراغ الرجل من ذلك (ثَنَّى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه)؛ أي: زوجي هذا (لمن الكاذبين) فيما رماني به من الزنا، وتشير إليه إن كان حاضرًا، وإن كان غائبًا، سمته، ونسبته، فإن كملت أربع مرات (٥)، قالت (والخامسة أنَّ غضبَ الله عليها إن كان من الصادقين)، وتزيد استحبابًا: فيما رماني به من الزنا (٦).

стр. 3038

وفي حديث ابن مسعود: فلما ذهبت لتلتعن، قال النبي ﷺ لها: "مَهْ"، فأبت، فالتعنت (١). وفي حديث أنس: فلما كان في الخامسة، سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول (٢). وفي حديث ابن عباس عند أبي داود، والنسائي، وابن أبي حاتم: فدعي الرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الصادقين، فأمر به، فأمسك على فيه، فوعظه، فقال: "كل شيء أهونُ عليك من لعنة الله"، ثم أرسله، فقال: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. وقال في المرأة نحو ذلك (٣). وفي البخاري وغيره من حديث ابن عباس ﵄: فلما كان عند الخامسة، وقفوها، وقالوا: إنها موجِبَة، قال ابن عباس: فتلكأت، ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت (٤)، (ثم فرق) رسولُ الله ﷺ (بينهما)؛ أي: المتلاعنين. وفي حديث سهل من طريق ابن جريج: فكانت سُنَّةً في المتلاعنين، لا يجتمعان أبدًا (٥).

стр. 3039

وقال الزهري عن سهل بن سعد: فرق رسول الله ﷺ بينهما، وقال: "لا يجتمعان أبدًا" (١). وفي آخر حديث ابن عباس عند أبي داود: وقضى أن ليس عليه قوت ولا سكنى (٢)، من أجل أنها يفترقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها، وهذا ظاهر في أن الفرقة وقعت بينهما بنفس اللعان (٣). قال في "الهدي": في ذلك خمسة مذاهب: * أحدها: أن الفرقة تحصل بمجرد القذف، وهذا قول أبي عبيد، والجمهورُ على خلافه، ثم اختلفوا، فقال جابر بن زيد، وعثمان الليثي، ومحمد بن أبي صفرة، وطائفة من فقهاء البصرة: لا يقع اللعان فرقة البتّة، قال ابن أبي صفرة: اللعان لا يقطع العصمة، واحتجوا بأن النبي ﷺ لم ينكر على الملاعن طلاقَ ملاعنته بعد اللعان، بل إن شاء طلاقها، ونزه نفسه أن يمسك من قد اعترف بأنها زنت، وأن يقوم عليه دليل كذب بإمساكها، فجعل النبي ﷺ فعله سنة، ونازع هؤلاء جمهور العلماء، فقالوا: اللعان يوجب الفرقة، ثم اختلفوا على ثلاثة مذاهب: أحدها: أن يقع بمجرد لعان الزوج وحده، وإن لم تلتعن المرأة، وهذا القول مما تفرد به الشافعي، واحتج له بأنها فرقة حاصلة بالقول، فحصلت بقول الزوج وحده كالطلاق. * الثاني: أن الفرقة لا تحصل إلا بتمام لعانهما جميعًا، فإذا تم

стр. 3040

لعانهما، وقعت الفرقة، ولا يعتبر تفرق الحاكم، وهذا مذهب الإمام أحمد في أصح الروايتين عنه، وهو المذهب المعتمد، اختارها أبو بكر، وهو قول مالك، وأهل الظاهر؛ لأن الشرع إنما ورد بالتفريق بينهما بعد تمام لعانهما لمصلحة ظاهرة، وهي أن الله سبحانه جعل بين الزوجين مودة ورحمة، وجعل كلًا منهما سكنًا للآخر، وقد زال هذا بالقذف، وإقامتها مقام الخزي والعار والفضيحة، فإن كان كاذبًا، فقد فضحها، وبهتها، [ورماها بالداء العضال ونفى ورؤوس قومها وهتكها على رؤوس الأشهاد] (١)، وإن كانت هي كاذبة، فقد أفسدت فراشه، ومسته الفضيحة والخزي والعار بكونه زوج بغي، وتعليق ولَدِ غيره عليه، فلا يحصل بعد هذا بينهما من المودة والرحمة والسكن ما هو المطلوب بالنكاح، فكان من محاسن الشريعة الغراء التفريقُ بينهما، والتحريم المؤبد -على ما سنذكره-، وهذا لا يترتب على بعض اللعان، كما لا يترتب على بعض لعان الزوج. * المذهب الثالث: أن الفرقة لا تحصل إلا بتمام لعانها، وتفريق الحاكم، بينهما، وهذا مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد، واحتج لهذا بالحديث المذكور، وبقول ابن عباس ﵄: ففرق رسول الله ﷺ بينهما، فظاهر هذا أن الفرقة لم تحصل قبله، وبأن عويمرًا قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ، ففي هذا حجة من وجهين: إمكان إمساكها، ووقوع الطلاق، ولو حصلت الفرقة باللعان وحده، لما ثبت واحد منهما.

стр. 3041

وفي حديث سهل بن سعد الساعدي: أنه طلقها ثلاثًا، فأنفذه رسول الله ﷺ ، ورواه أبو داود (١). وأجاب القائلون بالفرقة بمجرد تمام اللعان بدون تفريق الحاكم: أن اللعان معنى يقتضي التّحريم المؤبد، فلم يقف على تفريق الحاكم، كالرضاع، ولأن الفرقة لو وقفت على تفريق الحاكم، لساغ تركُ التفريق إذا كرهه الزوجان كالتفريق، بالعيب والإعسار. وأما قوله: فرق النبي ﷺ بينهما، فيحتمل ثلاثة أمور: إنشاء الفرقة، والإعلام بها، والإلزام بموجبها من الفرقة الحسية. وأما قوله: كذبتُ عليها إن أمسكتها، فلا يدل على أن إمساكها بعد اللعان مأذون فيه شرعًا، بل هو بادرَ إلى فراقها، فكان الأمر صائرًا إلى ما بادر إليه. وأما طلاقه ثلاثًا، فما زاد الفرقة الواقعة إلا تأكيدًا، فإنها حرمت عليه تحريمًا مؤبدًا، فالطلاق تأكيد لهذا الفراق، فكأنه قال: لا تحل لي بعد هذا. وأما إنفاذ الطلاق عليه، فتأكيد لموجبه من التحريم، فإنها إذا لم تحل له باللعان أبدًا، كان الطلاق الثلاث تأكيدًا للتحريم الواقع باللعان، فهذا معنى نفاذه فلم ينكره ﷺ ، وسهل لم يحك لفظ النبي ﷺ أنه قال: وقع طلاقك، وإنما شاهد القصة، وعدمَ إنكار النبي ﷺ للطلاق، فظن ذلك تنفيذًا، وهذا صحيح بهذا الاعتبار (٢).

стр. 3042

تنبيه: هذه الفرقة توجب تحريمًا مؤبدًا، لا يجتمعان بعدها أبدًا، كما رواه أبو داود من حديث سهل (١). وقال: ابن عباس ﵄: إن النبي ﷺ قال: "المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدًا" (٢). وعن علي بن أبي طالب، قال: مضت السنة في المتلاعنين أَلَّا يجتمعا أبدًا (٣). وعن علي، وابن مسعود، قالا: مضت السنة أَلَّا يجتمع المتلاعنان [أبدًا] (٤)، روى هذا الدارقطني (٥). وروى البيهقي من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: "المتلاعنان إذا تفرقا، لا يجتمعان أبدًا" (٦). وقال عمر ﵁: يفرق بينهما، ولا يجتمعان أبدًا (٧).

стр. 3043

وإلى هذا ذهب أحمد، والشافعي، ومالك، والثوري، وأبو عبيد، وأبو يوسف. ومذهب سعيد بن المسيب، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن: إن أكذب نفسه، حلت له، وعاد فراشه بحاله. قال سعيد بن المسيب: إن أكذب نفسه، هو خاطب من الخطاب. وهي رواية شاذة عن الإمام أحمد. وقال سعيد بن جبير: إن أكذب نفسه، رُدت إليه ما دامت في العدة. والصحيح: القول الأوّل، وهو الذي دلت عليه [السنة] (١) الصحيحة الصريحة، وأقوال الصحابة (٢). قال في "الهدي": وهذا الذي يقتضيه حكم اللعان، فإن لعنة الله ، وغضبه قد حل بأحدهما لا محالة، ولهذا قال النبي ﷺ عند الخامسة: "إنها الموجبة" (٣)؛ أي: الموجبة لهذا الوعيد، ولا نعلم عينَ من حلَّت به يقينًا، ففرق بينهما خشية أن يكون هو الملعون الذي قد وجبت عليه لعنة الله، وباء بها، فيعلو امرأة غيرَ ملعونة، وحكمُ الشرع يأبى هذا كما دلت الشريعة أن يعلو الكافر مسلمة، والزاني عفيفة، وإما أن يمسك غيرُ الملعون ملعونةً مغضوبًا عليها، قد وجب عليها غضب الله، وباءت به، ولا يلزم هذا فيما إذا تزوج كلُّ منهما غير صاحبه، لعدم تحقق عين الملعون منهما، وأيضًا فالنفرة الحاصلة من إساءة كل منهما إلى صاحبه لا تزول أبدًا، فإن الرجل إن كان صادقًا عليها، فقد أشاع فاحشتها، وفضحها على

стр. 3044

رؤوس الأشهاد، وأقامها مقام الخزي، وخفق عليها الخزي والغضب، وقطع نسب ولدها، وإن كان كاذبًا، فقد أضاف إلى ذلك بهتها بهذه التهمة العظيمة، وأحرق قلبها بها، والمرأة إن كانت صادقة، فقد أكذبته على رؤوس الأشهاد، وأوجبت عليه لعنة الله، وإن كانت كاذبة، فقد أفسدت فراشه، وخانته في نفسها، وألزمته لعنة الله والفضيحة، وأخرجته إلى هذا المقام المخزي، فحصل لكل واحد منهما من صاحبه من النفرة والوحشة وسوء الظن به ما لا يكاد يلتئم معه شمل أبدًا، فاقتضت حكمةُ مَنْ شرعُه كلُّه حكمةٌ ومصلحة وعدل ورحمة انحتامَ الفرقة بينهما، وقطعَ الصحبة المتمحضة مفسدة (١)، انتهى. في "الفتح": قال ابن السمعاني: لم أقف على دليل لتأبيد الفرقة من حيث النظر، وإنما المتّبع في ذلك النص. وقال ابن عبد البر: أبدى بعض أصحابنا له فائدة، وهو ألا يجتمع ملعون مع غير ملعون؛ لأن أحدهما ملعون في الجملة، بخلاف ما إذا تزوجت المرأة غيرَ الملاعن، فإنه لا يتحقق، قال: وتُعقب بأنه لو كان كذلك، لامتنع عليهما معًا التزويج؛ لأنه يتحقق أن أحدهما ملعون، ويمكن أن يجاب بأن في هذه الصورة افترقا في الجملة (٢)، انتهى. وتقدم كلام صاحب "الهدي" في ذلك آنفًا. (ثم قال) النبي ﷺ : (الله يعلم أن أحدَكُما)؛ أي المتلاعنان (كاذبٌ) فيه تغليب المذكر على المؤنث.

стр. 3045

قال القاضي عياض، وتبعه النووي في قوله: "أحدكما" ردُّ على من قال من النُّحاة: إن لفظ: (أحد) لا يستعمل إلا في النفي، وعلى من قال منهم: لا يستعمل إلا في الوصف، وإنها لا توضع موضع واحد، ولا توقع موقعه، وقد أجازه المُبَرِّد، وجاء في الحديث في غير وصف ولا نفي، وبمعنى واحد (١)، انتهى. قال الفاكهي: هذا من أعجب ما وقع للقاضي مع براعته وحذقه، فإن الذي قاله النحاة إنما هو في (أحد) التي للعموم، نحو: ما في الدار من أحد، وما جاء إليَّ من أحد، وأما أحد بمعنى واحد، فلا خلاف في استعمالها في الإثبات، نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]، ونحو "أحدكما كاذب" (٢). (فهل منكما تائب) يحتمل أن يكون إرشادًا؛ لأنه لم يحصل منهما ولا من أحدهما اعتراف، ولأن الزوج لو أكذبَ نفسه، كانت توبته منه. قال القاضي عياض: ظاهره: أنه ﷺ قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان، فيؤخذ منه: عرضُ التوبة على المذنب، ولو بطريق الإجمال، وأنه يلزم من كذبَ التوبةُ من ذلك. وقال الداودي: قال ذلك قبل اللعان تحذيرًا لهما منه، قال: والأول أظهر وأولى بسياق الكلام (٣). قال في "الفتح": والذي قال الداودي أولى من جهة أخرى، وهو

стр. 3046

مشروعية الموعظة قبل الوقوع في المعصية، بل هو أحرى مما بعد الوقوع، قال. وأما سياق الكلام، فمحتمّل في رواية ابن عمر للأمرين. وأما حديث ابن عباس، فسياقه ظاهر فيما قال الداودي، ففي رواية جرير بن حازم عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس عند الطبري، والحاكم، والبيهقي في قصة هلال بن أمية، قال: فدعاهما حين نزلت آية الملاعنة، فقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ "، فقال هلال: والله! إني لصادق، الحديث (١). قلت: وفي حديث ابن عباس عند البخاري ما يُشعر بأنه ﷺ قال ذلك ما بين لعانه ولعانها، ولفظه في أثناء الحديث: فنزل جبريل ﵇، وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]، فانصرف النبي ﷺ ، فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ يقول: "إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ "، ثم قامت فشهدت، الحديث (٢). وقوله: (ثلاثًا)؛ أي: قال النبي ﷺ ذلك؛ يعني: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " ثلاث مرات. (وفي لفظ): (قال) ﷺ للملاعن: (لا سبيل لك عليها) من جميع متعلّقات النكاح، لانقطاع علقه، وهي أيضًا لا نفقة لها عليه، ولا سكنى، كالمبتوتة وأولى؛ لأن المبتوتة له سبيل أن ينكحها في الجملة، بخلاف

стр. 3047

الملاعنة، فلا وجه لوجوب نفقتها وسكانها وقد انقطعت العصمةُ انقطاعًا كليًا. وأوجب مالك والشافعي لها السكنى، وأنكر ذلك القاضي إسماعيل بن إسحاق إنكارًا شديدًا (١). وفي لفظ: قال ﷺ للمتلاعنين: "حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها" (٢)؛ أي لا تسليط. (قال: يا رسول الله! مالي) موفوع على على أنه فاعل لفعل محذوف، كأنه لما سمع: "لا سبيل لك عليها"، قال: أيذهب مالي؟ والمراد به: الصداق (٣). قال ابن العربي: قوله مالي؛ أي: الصداق الذي دفعته إليها، فأجيب بأنه (قال: لا مال لك) عليها؛ لأنك قد استوفيته بدخولك عليها (٤)، وتمكينها لك من نفسها، ثم أوضح له ذلك بتقسيم مستوعب، فقال: (إن كنت صدقت)؛ أي: إن كنت صادقًا فيما ادعيته (عليها فهو)؛ أي: مالك الذي هو الصداق (بما استحللت من فرجها)، فتكون قد استوفيت حقك منها قبل ذلك (وإن كنت) قد (كذبت عليها) فيما نسبته إليها (فهو أبعد لك منها) لئلا يجتمع عليها الظلم في عرضها ومطالبتها بملك قَبَضَتْهُ منك قبضًا صحيحًا تستحقه (٥).

стр. 3048

وفي لفظ: "فذلك أبعد وأبعد لك منها" (١) بتكرار لفظة أبعد تأكيدًا، فإذا كان مع الصدق يبعد عليه استحقاق إعادة المال، ففي الكذب أبعد (٢). تنبيهات: الأول: ظاهر صنيع الحافظ المصنف: أن هذا الحديث من متفقي الشيخين، وقد عزاه لهما في "المنتقى" (٣) وغيره، وليس كذلك، بل هو من أفراد مسلم، والمتفق عليه من حديث ابن عمر من ذلك قوله ﷺ للمتلاعنين: "حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها" إلى قوله: "فهو أبعدُ لك منها" (٤)، وقوله ﷺ : "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ "، فأبيا، قالها ثلاثًا (٥)، وقد نبّه على ذلك الحافظ عبد الحق في "جمعه بين الصحيحين"، وغيره. الثاني: قد عُلم ممّا ذكرنا أن في الملاعن أقوالًا، أصحها: أنّه عويمر العجلاني، وقيل: هو هلال بن أمية بن عامر بن قيس، شهد بدرًا. والرّجل الذي رُمِيَتْ به شريكُ بن سحماء -بفتح السين وسكون الحاء المهملتين-، وسمحاء أمه -بالمد-، وأبوه عبده بن مغيث، وكان عند

стр. 3049

الناس بحال سوء، والأصح أنه لم يشهد بدرًا، وإنما شهد أحدًا، وتوفي في التاسعة عشرة. وفي الملاعن قول ثالث: أنه سعد بن عبادة، وأنكره شيخ الإسلام البلقيني. ورابع: أنه ابن عاصم بن عدي، وأنكره أيضًا. قال النووي: قال أبو الحسن الواحدي: أظهر الأقوال أنه عويمر، لكثرة الأحاديث، قال واتفقوا على أن الموجود زانيًا شريك بن السحماء (١)، انتهى. والملاعنَ منهما، فإن كان هلالًا، فهي خولة بنت قيس، أو بنت عاصم، والأصح أن هذه امرأة عويمر، وهي خولة بنت عاصم، أو بنت قيس -على ما مر-، وكذا امرأة هلال اسمها خولة، والله أعلم. الثالث: في ذكر عدة أحكام وقواعد تضمنها هذا الحديث: منها: سقوط الحد عن الملاعن بتمام تلاعنهما إن كانت المقذوفة محصنة، أو التعزير إن لم تكن محصنة (٢)، وإن أكذب نفسه بعد اللعان، لزمه الحد إن كانت محصنة، وإلا تكن محصنة، فعليه التعزير (٣). فإن نكل الزوج عن اللعان بعد القذف، حُدَّ للقذف عند أحمد والشافعي ومالك، وهذا مذهب السلف. وقال أبو حنيفة: يحبس حتى يلاعن، أو تقر الزوجة (٤).

стр. 3050

قال في "الهدي": وهذا الخلاف مبني على أن موجب قذف الزوج لامرأته هل هو الحد، كقذف الأجنبي، وله إسقاطه باللعان، أو موجبه اللعان نفسه، فالأول قول الجمهور، والثاني قول أبي حنيفة (١). ومنها: الفرقة المؤبدة، والتحريم المؤبد -كما مرَّ-. الرابع: في صفة اللعان وشروطه: أما صفته، فهي أن يقولى الزوج بحضرة حاكم أو نائبه، وكذا لو حَكَّما رجلًا أهلًا للحكم: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتُ به امرأتي هذه من الزنا، مشيرًا إليها، ولا يحتاج مع حضورِها والإشارةِ إليها إلى تسميتها ونسبها، كما لا يحتاج إلى ذلك في سائر العقود، وإن لم تكن حاضرة، سمَّاها، ونسبها حتى يكمل ذلك أربع مرات، ولا يشترط حضورهما معًا، بل لو كان أحدهما غائبًا عن صاحبه، مثل أن لاعن الرجلُ في المسجد، والمرأةُ على بابه لعذر، جاز، ئم يقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا، ثم تقول: أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتشير إليه إن كان حاضرًا، وإن كان غائبًا، سمَّته ونسبته، فإذا كملت أربع مرات، تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فإن نقص أحدهما من الألفاظ الخمسة شيئًا، أو بدأت الزوجة باللعان قبله، أو تلاعنا بغير حضرة حاكم أو من يقوم مقامه، أو أبدَل لفظ أشهد بأقسم، أو أحلف، أو آلي، أو لفظة اللعنة بالإبعاد، أو أبدلَها بالغضب، أو أبدلت هي لفظةَ الغضب بالسخط، أو قدمت الغضب، أو أبدلته باللعنة، أو قدم هو اللعنة، أو أتى به أحدُهما
следующие страницы →