← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

مشروعية الموعظة قبل الوقوع في المعصية، بل هو أحرى مما بعد الوقوع، قال. وأما سياق الكلام، فمحتمّل في رواية ابن عمر للأمرين. وأما حديث ابن عباس، فسياقه ظاهر فيما قال الداودي، ففي رواية جرير بن حازم عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس عند الطبري، والحاكم، والبيهقي في قصة هلال بن أمية، قال: فدعاهما حين نزلت آية الملاعنة، فقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ "، فقال هلال: والله! إني لصادق، الحديث (١). قلت: وفي حديث ابن عباس عند البخاري ما يُشعر بأنه ﷺ قال ذلك ما بين لعانه ولعانها، ولفظه في أثناء الحديث: فنزل جبريل ﵇، وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]، فانصرف النبي ﷺ ، فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ يقول: "إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ "، ثم قامت فشهدت، الحديث (٢). وقوله: (ثلاثًا)؛ أي: قال النبي ﷺ ذلك؛ يعني: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " ثلاث مرات. (وفي لفظ): (قال) ﷺ للملاعن: (لا سبيل لك عليها) من جميع متعلّقات النكاح، لانقطاع علقه، وهي أيضًا لا نفقة لها عليه، ولا سكنى، كالمبتوتة وأولى؛ لأن المبتوتة له سبيل أن ينكحها في الجملة، بخلاف

стр. 3047

الملاعنة، فلا وجه لوجوب نفقتها وسكانها وقد انقطعت العصمةُ انقطاعًا كليًا. وأوجب مالك والشافعي لها السكنى، وأنكر ذلك القاضي إسماعيل بن إسحاق إنكارًا شديدًا (١). وفي لفظ: قال ﷺ للمتلاعنين: "حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها" (٢)؛ أي لا تسليط. (قال: يا رسول الله! مالي) موفوع على على أنه فاعل لفعل محذوف، كأنه لما سمع: "لا سبيل لك عليها"، قال: أيذهب مالي؟ والمراد به: الصداق (٣). قال ابن العربي: قوله مالي؛ أي: الصداق الذي دفعته إليها، فأجيب بأنه (قال: لا مال لك) عليها؛ لأنك قد استوفيته بدخولك عليها (٤)، وتمكينها لك من نفسها، ثم أوضح له ذلك بتقسيم مستوعب، فقال: (إن كنت صدقت)؛ أي: إن كنت صادقًا فيما ادعيته (عليها فهو)؛ أي: مالك الذي هو الصداق (بما استحللت من فرجها)، فتكون قد استوفيت حقك منها قبل ذلك (وإن كنت) قد (كذبت عليها) فيما نسبته إليها (فهو أبعد لك منها) لئلا يجتمع عليها الظلم في عرضها ومطالبتها بملك قَبَضَتْهُ منك قبضًا صحيحًا تستحقه (٥).

стр. 3048

وفي لفظ: "فذلك أبعد وأبعد لك منها" (١) بتكرار لفظة أبعد تأكيدًا، فإذا كان مع الصدق يبعد عليه استحقاق إعادة المال، ففي الكذب أبعد (٢). تنبيهات: الأول: ظاهر صنيع الحافظ المصنف: أن هذا الحديث من متفقي الشيخين، وقد عزاه لهما في "المنتقى" (٣) وغيره، وليس كذلك، بل هو من أفراد مسلم، والمتفق عليه من حديث ابن عمر من ذلك قوله ﷺ للمتلاعنين: "حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها" إلى قوله: "فهو أبعدُ لك منها" (٤)، وقوله ﷺ : "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ "، فأبيا، قالها ثلاثًا (٥)، وقد نبّه على ذلك الحافظ عبد الحق في "جمعه بين الصحيحين"، وغيره. الثاني: قد عُلم ممّا ذكرنا أن في الملاعن أقوالًا، أصحها: أنّه عويمر العجلاني، وقيل: هو هلال بن أمية بن عامر بن قيس، شهد بدرًا. والرّجل الذي رُمِيَتْ به شريكُ بن سحماء -بفتح السين وسكون الحاء المهملتين-، وسمحاء أمه -بالمد-، وأبوه عبده بن مغيث، وكان عند

стр. 3049

الناس بحال سوء، والأصح أنه لم يشهد بدرًا، وإنما شهد أحدًا، وتوفي في التاسعة عشرة. وفي الملاعن قول ثالث: أنه سعد بن عبادة، وأنكره شيخ الإسلام البلقيني. ورابع: أنه ابن عاصم بن عدي، وأنكره أيضًا. قال النووي: قال أبو الحسن الواحدي: أظهر الأقوال أنه عويمر، لكثرة الأحاديث، قال واتفقوا على أن الموجود زانيًا شريك بن السحماء (١)، انتهى. والملاعنَ منهما، فإن كان هلالًا، فهي خولة بنت قيس، أو بنت عاصم، والأصح أن هذه امرأة عويمر، وهي خولة بنت عاصم، أو بنت قيس -على ما مر-، وكذا امرأة هلال اسمها خولة، والله أعلم. الثالث: في ذكر عدة أحكام وقواعد تضمنها هذا الحديث: منها: سقوط الحد عن الملاعن بتمام تلاعنهما إن كانت المقذوفة محصنة، أو التعزير إن لم تكن محصنة (٢)، وإن أكذب نفسه بعد اللعان، لزمه الحد إن كانت محصنة، وإلا تكن محصنة، فعليه التعزير (٣). فإن نكل الزوج عن اللعان بعد القذف، حُدَّ للقذف عند أحمد والشافعي ومالك، وهذا مذهب السلف. وقال أبو حنيفة: يحبس حتى يلاعن، أو تقر الزوجة (٤).

стр. 3050

قال في "الهدي": وهذا الخلاف مبني على أن موجب قذف الزوج لامرأته هل هو الحد، كقذف الأجنبي، وله إسقاطه باللعان، أو موجبه اللعان نفسه، فالأول قول الجمهور، والثاني قول أبي حنيفة (١). ومنها: الفرقة المؤبدة، والتحريم المؤبد -كما مرَّ-. الرابع: في صفة اللعان وشروطه: أما صفته، فهي أن يقولى الزوج بحضرة حاكم أو نائبه، وكذا لو حَكَّما رجلًا أهلًا للحكم: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتُ به امرأتي هذه من الزنا، مشيرًا إليها، ولا يحتاج مع حضورِها والإشارةِ إليها إلى تسميتها ونسبها، كما لا يحتاج إلى ذلك في سائر العقود، وإن لم تكن حاضرة، سمَّاها، ونسبها حتى يكمل ذلك أربع مرات، ولا يشترط حضورهما معًا، بل لو كان أحدهما غائبًا عن صاحبه، مثل أن لاعن الرجلُ في المسجد، والمرأةُ على بابه لعذر، جاز، ئم يقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا، ثم تقول: أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتشير إليه إن كان حاضرًا، وإن كان غائبًا، سمَّته ونسبته، فإذا كملت أربع مرات، تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فإن نقص أحدهما من الألفاظ الخمسة شيئًا، أو بدأت الزوجة باللعان قبله، أو تلاعنا بغير حضرة حاكم أو من يقوم مقامه، أو أبدَل لفظ أشهد بأقسم، أو أحلف، أو آلي، أو لفظة اللعنة بالإبعاد، أو أبدلَها بالغضب، أو أبدلت هي لفظةَ الغضب بالسخط، أو قدمت الغضب، أو أبدلته باللعنة، أو قدم هو اللعنة، أو أتى به أحدُهما

стр. 3051

قبل إلقائه عليه، أو علقه بشرط، أو لم يوالِ بين الكلمات عرفًا، أو أتى يه بغير العربية ممّن يحسنها، لم يعتد به، وإن عجزا عنه بالعربية، لم يلزمهما تعلمُها، وصح بلسانهما، ويستحب أن يحضر مع الحاكم أربعة يحسنون لسانهما، وإن كان الحاكم لا يحسن لسانهما، فلا بد في الترجمة من عدلين (١). قال ابن القيم في "الهدي": لا يقبل من الرجل إبدال اللعنة بالغضب، والإبعاد والسخط، ولا منها إبدالُ الغضب باللعنة والإبعاد والسخط، بل يأتي كل منهما بما قسمه الله سبحانه له من ذلك شرعًا وقدرًا. قال: وهذا أصح القولين في مذهب أحمد، ومالك، وغيرهما، ولا يحتاج أن يزيد على ما شرعه الله، بأن يقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ولا أن يقول إذا ادعى الرؤية: رأيتها تزني كالميل في المكحلة، إذ لا أصل لذلك في كتاب الله وسنة رسوله (٢). قال صاحب "الإفصاح" الإمام أبو المظفر بن هبيرة: من الفقهاء من اشترط أن يزاد بعد قوله من الصادقين: فيما رميتها به من الزنا، واشترط في نفيها عن نفسها أن تقول: فيما رماني به من الزنا، قال: ولا أراه يحتاج إليه؛ لأن الله تعالى أنزل ذلك وبيّنه، ولم يذكر هذا الاشتراط (٣). واعتمد صاحب "الهدي" هذا، وقال: ظاهر كلام الإمام أحمد أنه لا يشترط ذكر الزنا في اللعان، فإن إسحاقَ بنَ منصور قال: قلت لأحمد:

стр. 3052

كيف يلاعن؟ قال: على ما في كتاب الله، يقول أربع مرات: أشهد بالله إني: فيما رميتها به لمن الصادقين، ثم يقف عند الخامسة فيقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، والمرأة مثل ذلك، فلم يشترط في هذا النص أن يقول: من الزنا (١)، انتهى. وقد استقر مذهبه الآن على ما ذكرناه أولًا. والسنة أن يتلاعنا بمحضر جماعة، ويستحب ألَّا ينقصوا عن أربعة، فإن ابن عباس، وابن عمر، وسهل بن سعد حضروه مع حداثة أسنانهم، فدل ذلك على أنه حضره جمع كثير (٢). وينبغي أن يكون في الأوقات والأماكن المعظمة، وأن يكون المتلاعنان قائمين؛ لأن في قصة هلال بن أمية: أن النبي ﷺ قال له: "قم فاشهد أربع شهادات" (٣)، وفي "الصحيحين" في قصة المرأة: ثم قامت فشهدت (٤)، ولأنه إذا قام، شاهده الحاضرون، فيكون أبلغَ في شهرته، وأوقعَ في النفوس. قال في "الهدي": وفيه سر آخر، وهو أن الدعوة التي تطلب إصابتها إذا صادفت المدعو عليه قائمًا، نفذت فيه، ولهذا لمَّا دعا خبيب على المشركين حين صلبوه، أخذ أبو سفيان معاوية، فأضجعه، وكانوا يرون أن الرجل إذا لطي بالأرض، زلت عنه الدعوة (٥)، انتهى.

стр. 3053

وأما شروط اللعان، فيشترط [فيه] (١) أن يكون بين زوجين، ولو قبل الدخول، فلها حينئذ نصف الصداق، عاقلين بالغين، سواء كانا مسلمين، أو ذميين، حرين أو رقيقين، عدلين أو فاسقين، أو محدودين في قذف، أو كان أحدهما كذلك (٢). قال الإمام أحمد: جميع الأزواج يلاعِنون: الحر من الحرةِ، والأمةِ إذا كانت زوجة، والعبد من الحرةِ والأمةِ إذا كانت زوجة، والمسلم من اليهودية والنصرانية، وهذا قول مالك، وإسحاق، وقول سعيد بن المسيب، والحسن، وربيعة، وسليمان بن يسار. وذهب أهل الرأي، والأوزاعي، والثوري، وجماعة إلى أن اللعان لا يكون إلا بين زوجين مسلمين عدلين حرين غير محدودين في قذف، وهي رواية مرجوحة عن الإمام أحمد، ومأخذ القولين: أن اللعان يجمع وصفين: اليمينَ والشهادة، وقد سماه الله شهادة، وسماه رسوله يمينًا حيث قال: "لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن" فغلب عليه حكم الأيمان. قال: يصح من كل من تصح يمينه، مع عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، ولأنه مفتقر إلى اسم الله، وإلى ذكر القسم المؤكد وجوابه، ولاستواء الذكر والأنثى فيه، بخلاف الشهادة، ولو كان شهادة، لما تكرر لفظه، وأما اليمين فقد شرع فيها التكرار، كأيمان القسامة، وإنما أطلق عليه اسم الشهادة، لقول الملاعن: أشهد الله، فسمي بذلك شهادة، وإن كان يمينًا اعتبارًا بلفظها، والعرب تعد ذلك يمينًا في لغتها واستعمالها، قال قيس: [من الطويل]

стр. 3054

وَأَشْهَدُ عَنْدَ الله أَنِّي أُحِبُّهَا ... فَهَذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدَهَا لِيَا (١) ومن غلَّب عليه حكمَ الشهادة، اعتبر ما مر (٢). والحاصل: أن اللعان يمين في معنى الشهادة، وشهادة في معنى اليمين، لاشتماله عليهما، والله الموفق.

стр. 3055

الحديث الثاني وَعَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا رَمَى امْرَأَتَهُ، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَتَلَاعَنَا كَمَا قَالَ اللهُ ، ثُمَّ قَضَىَ بِالَولَدِ لِلْمَرْأَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ المُتَلَاعِنَيْنِ (١).

стр. 3056

(وعنه)؛ أي: عن عبد الله بن عمر ﵄: (أن رجلًا) هو هلال بنُ أميةَ، أو عُويمرٌ العجلاني -كما مر- (رمى امرأته) بالزنا، وأسمها خولةُ بنتُ قيس، أو بنتُ عاصم -على ما مر-، وفي حديث سهل بن سعد ما يشعر بأن ذلك كان في العاشرة؛ لأنه قال: شهدت المتلاعنين وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنةً، وقال: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنة (١)، فهذا يدل على أن اللعان كان في السنة الأخيرة من زمان النبي ﷺ ، فيكون في الحادية عشرة، أو في العاشرة بإلغاء الكسر. لكن جزم الطبري، وأبو حاتم بن حبان بأن اللعان كان في شعبان سنة تسع، وجزم به غير واحد من المتأخرين. ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند الدارقطني: أن قصة اللعان كانت منصرفَ النبي ﷺ من تبوك (٢)، وهو قريب من قول الطبري ومن وافقه، لكن في إسناده الواقدي، فلا بدّ من تأويل أحد القولين، فإن أمكن، وإلا فحديث سهل أصح، ومما يوهن رواية الواقدي ما اتفق عليه أهلُ السير أن التوجه إلى تبوك كان في رجب، وما ثبت في "الصحيحين": أن هلال بن أمية أحدُ الثلاثة الذين تيب عليهم، وفي قصته: أن امرأته استأذنت له النبيَّ ﷺ أنه تخدمه، فأذن لها بشرط أَلَّا يقربها، فقالت له: إنه لا حراك به، وفيه: أن ذلك كان بعد أن مضى لهم أربعون يومًا (٣)، فكيف تقع قصة

стр. 3057

اللعان في الشهر الذي انصرفوا فيه من تبوك، ويقع لهلال مع كونه فيما ذكر من الشغل بنفسه وهجران الناس له، وغير ذلك؟! وقد ثبت في حديث ابن عباس ﵄: أن آية اللعان نزلت في حقه (١)، وكذا عند مسلم من حديث أنس: أنه أوّل من لاعنَ في الإسلام (٢)، ووقع في رواية عباد بن منصور في حديث ابن عباس عند الإمام أحمد وأبي داود: حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فوجد عند أهله رجلًا، الحديث (٣)، فهذا يدل على أن قصة اللعان تأخرت عن قصة تبوك. قال في "الفتح": والذي يظهر: أن القصة كانت متأخرة، ولعلها كانت في شعبان سنة عشر لا تسع، وكانت الوفاة النبوية في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة باتفاق، فيلتئم حينئذ مع حديث سهل بن سعد. ووقع عند مسلم من حديث ابن مسعود ﵁: كنّا ليلة الجمعة في المسجد، إذ جاء رجل من الأنصار، فذكر القصة في اللعان باختصار (٤)، فعين اليوم، لكن لم يعين الشهر ولا السنة (٥). وذكر البرماوي: أن لعانه ﷺ بين عويمر وامرأته كان في السنة التاسعة في شعبان في مسجده ﷺ بعد العصر، قال: وكان عويمر قد قدم من تبوك، فوجدها حبلى.

стр. 3058

قلت: هذا ينافي كون هلال بن أمية أولَ من لاعن جزمًا كما يظهر بمزيد التأمل، والله أعلم. (وانتفى) الملاعنُ (من ولدها)، وفي لفظ: فانتفى -بالفاء- (١)، قال الطيبي: الفاء سببية؛ أي: الملاعنة سبب الانتفاء، فإن أراد أن الملاعنة سبب ثبوت الانتفاء، فجيد، وإن أراد أن الملاعنة سبب وجود الانتفاء، فليس كذلك، فإنه إن لم يتعرض لنفي الولد في الملاعنة، لم ينتفِ. واستدل بهذا الحديث على مشروعية اللعان لنفي الولد (٢)، وهذا معتمد المذهب. وفي رواية مرجوحة في مذهب الإمام أحمد: ينتفي الولد بمجرد اللعان، ولو لم يتعرض الرجل لذكره في اللعان، واختاره أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال (٣). ومعتمد المذهب: اعتبار ذكر نفي الولد صريحًا بأن يقول: أشهد بالله لقد زنت، وما هذا ولدي، وتعكس هي، أو تضمنًا، كقولِ مدَّعٍ زناها في طهرٍ لم يصيبها فيه، وأنه اعتزلها حتى ولدت: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما ادعيت به عليها، أو فيما رميتها به من الزنا، فإن لم يذكره، لم ينتف إلا أن يعيد اللعان بذكر نفيه (٤)، وهكذا مذهب الشافعي، ومعتمد مذهب

стр. 3059

الإمام أحمد: أنه لا ينتفي عنه إلا أن ينفيه باللعان التام، وهو أن يوجد اللعان بينهما جميعًا، ولا ينتفي بلعان الزوج وحده، خلافًا للشافعية، وإن نفى الحمل في التعانه، لم ينتف (١). قال الإمام أحمد في رواية الجماعة: لعله يكون ريحًا لا ولدًا، فإذا وضعته، أعاد اللعان (٢) (في زمان رسول الله ﷺ ) متعلق بكلٍّ من رمى، وانتفى، (فأمرهما)؛ أي: الزوجين (رسول الله ﷺ ، فتلاعنا) لأجل نفي الولد. قال الشافعي: إن نفى الولد في الملاعنة، انتفى، وإن لم يتعرض له، فله أن يعيد اللعان لانتفائه، قال: ولا إعادة على المرأة. قال الشافعية: وإن أمكنه الرفع إلى الحاكم، فأخرَ بغير عذر حتى ولدت، لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة (٣). وقال علماؤنا: من شرط نفي الولد أن ينفيه حالةَ علمه بولادته من غير تأخير إذا لم يكن عذر. قال أبو بكر: لا يتقدّر ذلك بثلاث، بل هو على ما جرت به العادة، فإن كان ليلًا، فحتى يصبح وينشر الناس، وإن كان جائعًا أو ظمآن، فحتى يأكل أو يشرب، أو ينام إن كان ناعسًا، أو يلبس ثيابه ويسرج دابته ويصلي إن حضرت الصلاة، ويحرّز ماله إن لم يكن محرّزًا، أو ما أشبهه من أشغاله، فإن أخره بعد [هذا] (٤)، لم يكن له نفيه. ولا بد ألَّا يوجد منه دليل على الإقرار به، فإن أقر، به أو بتوأمه، أو نفاه

стр. 3060

وسكت عن توأمه، أو هُنِّىء به فسكت، أو أمّن على الدعاء، أو قال: أحسن الله جزاءك، أو رزقك مثلَه، لحقه نسبُه، وامتنع نفيه، وإن قال: أخّرت نفيه رجاء موته، لم يعذر بذلك، وإن نفى العلم بولادته، وأمكن صدقه، قُبل قولُه مع يمينه: لا إن كان معها في الدار، وإن قال: علمت بولادته، ولم أعلم أن لي نفيه، أو علمت ذلك ولم أعلم أنه على الفور، وكان ممن يخفى عليه ذلك، كعامة الناس، ومن هو حديثُ عهد بالإسلام، ونحو أهل البادية، قُبل منه، لا إن كان فقيهًا. ومتى أكذب نفسه بعد نفيه باللعان، لحقه نسبه، حيًا كان أو ميتًا، غنيًا كان أو فقيرًا، ويتوارثان، ولزمه الحد إن كانت محصنة، وإلا التعزير، فإن رجع عن إكذاب نفسه، وقال: لي بينة أقيمها بزناها، أو أراد إسقاط الحد باللعان، لم يُسمعا (١). وقال بعض أصحاب الإمام مالك: ينتفي الحمل بلعانه، ولا يحتاج أن يقول: وما هذا الحمل مني، ولا قد استبرأتها، وكذلك قال بعض أهل الظاهر، وهو اختيار عبد العزيز غلام الخلال من أئمة مذهبنا (٢). وكان تلاعن المتلاعنين بحضرته ﷺ (كما قال الله ) في صفة الملاعنة -على ما مرّ بيانه- (ثم قضى) ﷺ (بالولد) الذي هو حمل المرأة الملاعنة المرأة (للمرأة) الملاعنة التي هي أمّه دون الملاعن، (وفرق) ﷺ (بين المتلاعنين)، وفي لفظ: ففرق بينهما؛ أي: المتلاعنين، وألحق الولد بالمرأة (٣).

стр. 3061

قال الدارقطني: تفرد الإمام مالك بهذه الزيادة. قال ابن عبد البر: ذكروا أنّ مالكًا تفرّد بهذه اللفظة في حديث ابن عمر، وقد جاءت من وجه آخر في حديث سهل بن سعد عند أبي داود بلفظ: ثم خرجت حاملًا، فكان الولد [يُدعى] إلى أمه (١). ومن رواية الأوزاعي عن الزهري: وكان الولد يُدعى إلى أمه (٢). ومعنى قوله: ثم قضى بالولد للمرأة؛ أي: حكم بأنه لها وحدها، ونفاه عن الزوج، فلا توارث بينهما، وأما أمه، فترث منه ما فرض الله لها كما وقع صريحًا في حديث سهل، وكان ابنها يدعى لأمه، ثم خرجت السنّة في ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله لها. وقيل: معنى إلحاقه بأمه والقضاء به لها: صيّرها له أبًا وأمًا، فترث جميع ماله إذا لم يكن له وارثٌ آخر من ولد ونحوه، وهو قول ابن مسعود، وواثلة، وطائفة، ورواية عن الإمام أحمد، وروي عن ابن القاسم: وعنه: معناه: أنّ عصبة أمه تصير عصبة له، وهو قول علي، وابن عمر -رضوان الله عليهم-، وهو المشهور المعتمد في مذهب الإمام أحمد، وقيل: ترثه أمه وإخوته منها بالفرض والرّدّ، وهو قول أبي عبيد، ومحمد بن الحسن، ورواية عن الإمام أحمد، قال: فإن لم يرثه ذو فرضٍ بحال، فعصبتُه عصبة أمه، واستدل به بعضهم على أنّ الولد المنفي باللعان لو كان بنتًا، حلَّ للملاعن نكاحُها. قال في "الفتح": وهو وجهٌ شاذ لبعض الشافعية، والأصح قولُ

стр. 3062

الجمهور أنها تحرم؛ لأنها ربيبة في الجملة (١). قلت: وهذا بمعزل عن قواعد الإمام أحمد؛ لأنه لا يسوغ له أن ينكح بنت موطوءته بحال على المعتمد، والله الموفق. قال في "الهدي": فإن قيل: قد حكم النبي ﷺ بعد اللعان ونفي الولد بأنه إن جاء شبهَ الزوج صاحبِ الفرالش، فهو له، وإن جاء شبهَ الذي رُميت به، فهو له، فما قولكم في مثل هذه الواقعة في الذي لاعنَ امرأته، وانتفى من ولدها، ثم جاء الولد يشبهه، هل تلحقونه [به] (٢) بالشبه عملًا بالقافة؟ أو تحكمون بانقطاع نسبه عملًا بموجب لعانه؟ فأجاب: بأنه محل ضنك، وموضع ضيق، تجاذب أعنته باللعان المقتضي لانقطاع النسب، وانتفاء الولد، وأنه يدعى لأمه، ولا يدعى لأب، والشبه الدال على ثبوت نسبه من الزوج، فإنه ابنه مع شهادة النبي ﷺ بأنها إن جاءت به على شبهه، فالولد له، وأنه كذب عليها، فهذا مما لا يتخلص منه إلّا المستبصرُ البصيرُ بأدلةِ الشرع وأسراره، والخبيرُ بجمعه وفرقه، ثم استظهر أنّ حكم اللعان قطع حكم التبعة، وصار معه بمنزلة أقوى الدليلين مع أضعفها، فلا عبرة للشبه بعد مضي حكم اللعان، والنبي ﷺ إنما أخبر عن شأن الولد وشبهه، ليبيّن الصادقَ منهما من الكاذب الذي قد استوجبَ اللعنةَ والغضب، لا ليغيرَ بذلك حكمَ اللعان، بدليل أنه إنما قال ﷺ ذلك بعد الانتفاء من الولد (٣). قال في "الهدي": وإن لاعنَها وهي حامل، وانتفى من حملها، انتفى

стр. 3063

عنه، ولم يحتج أن يلاعن بعدَ وضعه، كما دلّت على ذلك السنّة الصحيحة الصريحة. وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء، قال أبو حنيفة: لا يلاعن لنفيه حتى تضع، لاحتمال أن يكون ريحًا فينفس، ولا يكون للّعان حينيذٍ معنى، وهذا هو الذي ذكره الخرقي في "مختصره"، فقال: وإن نفى الحمل في التعانه، لم ينتفِ حتى ينفيه عند وضعها له، ويلاعن (١)، وتبعه الأصحاب، وخالفهم الإمام الموفق (٢). وقال: جمهور أهل العلم: له أن يلاعن في حال الحمل اعتمادًا على قصة هلال بن أميّة، فإنها صحيحة صريحة في اللعان حالَ الحمل، ونفي الولد في تلك الحاله، وقد قال ﷺ : "إن جاءت به على صفة كذا وكذا، فلا أراه إلّا قد صدق" (٣). وفي "البخاري" في قصة عويمر: "انظروا، فإن جاءت به أَشحمَ، أدعجَ العينين، عظيمَ الأليتين، خَدَلَّجَ الساقين، فما أحسبُ عويمرًا إلّا قد صدق عليها، وإن جاءت به أُحيمر كأنه وَحَرَة، فلا أحسب عويمرًا إلّا قد كذب عليها"، فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله ﷺ من تصديق عويمر (٤)، وفي رواية: كانت حاملًا، فأنكر حملها (٥).

стр. 3064

قوله: "أحيمر" تصغير أحمر كما هو في لفظ، وفي لفظ: "أشقر" (١). قال ثعلب: المراد بالأحمر: الأبيض؛ لأن الحمرة إنما تبدو في البياض. وقوله: "كأنه وَحَرَة" هو -بفتح الواو والحاء المهملة-: دُوَيْبَّةٌ تترامى على الطعام واللحم فتفسده، وهي من نوع الوزغ (٢). وفي قصة هلال: "فإن جاءت به أبيض سبطًا، قضيء العينين، فهو لهلال بن أميّة، وإن جاءت به أكحل، جعدًا، حمشَ الساقين"؛ أي: دقيقهما؛ أي: "فهو لشريك بن سحماء" (٣). قال الإمام الموفق في "المغني": قال مالك، والشافعي، وجماعة من أهل الحجاز: يصح نفيُ الحمل، وينتفي عنه، محتجين بحديث هلاله، فإنه نفى حملها، فنفاه عنه النبي ﷺ ، وألحقه بالأم، ولا يخفى بأنه كان حملًا، ولهذا قال ﷺ : "انظروها، فإن جاءت به كذا وكذا"، قال: ولأنّ الحمل مظنون بأمارات تدل عليه، ولهذا ثبت للحامل أحكام تخالف فيها غير الحامل، من النفقة، والفطر في الصيام، وترك إقامة الحدّ عليها، وتأخير القصاص عنها، وغير ذلك مما يطول ذكره، قال: وهذا القول هو الصحيح، لموافقته لظواهر الأحاديث، وما خالف الحديث لا يعبأ به كائنًا ما كان. قال: وأما مذهب أبي حنيفة، فإنه لا يصح نفيُ الحمل واللعانُ عليه، فإن لاعنَها حاملًا، ثم أتت بالولد، لزمه عنده، ولم يتمكن من نفيه أصلًا؛ لأن اللعان لا يكون إلّا بين الزوجين، وهذه قد بانت بلعانها في حال

стр. 3065

حملها (١)، وفي هذا إلزامه ولدًا ليس منه. وعند صاحبيه: له أن ينفي الحمل ما بين الولادة إلى تمام أربعين ليلة منها (٢). تتمة: روى أبو داود في حديث ابن عباس ﵄، قال: ففرّق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى أَلَّا يُدعى ولدها لأب، ولا يُرمى ولدها، ومن رماها، أو رمى ولدها، فعليه الحدّ. وفي القصة: قال عكرمة: وكان بعد ذلك أميرًا على مصر، ولا يدعى لأب (٣). ووقع في آخر حديث ابن عباس عند الحاكم، قال ابن عباس: فما كان في المدينة أكثر ماشية منه (٤). قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" فيما رواه أبو داود وغيره من قول عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر؛ أي: من الأمصار. قال: وظنّ بعضُ شيوخنا أنه أَراد مصر البلد المشهور، فقال: فيه نظر؛ لأنّ أمراء مصر معروفون، معدودون، وليس فيهم هذا، ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند ابن سعد في "الطبقات": ولد الملاعنة عاش بعد ذلك بسنتين، ومات، وهذا ممّا يقوي التعدد (٥)، والله الموفق.

стр. 3066

الحديث الثالث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ لَكَ إِبِلٌ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَمَا أَلْوَانُهَا؟ "، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: "فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ "، قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: "فَأَنِّي أَتَاهَا ذَلِكَ؟ "، قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: "وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ" (١)

стр. 3067

(عن أبي هريرة) عبدِ الرحمن بنِ صخر (﵁ قال: جاء رجلٌ من بني فزارةَ)، قال البرماوي: هو ضمضم بن قتادة الفزاري، وهو -بضادين معجمتين- كما نقله ابن بشكوال عن عبد الغني، وهو كذلك في "غوامضه" (١). وذكره ابن حجر في "الفتح"، قال: وأخرج حديثَه عبدُ الغني بن سعيد في "المبهمات" له من طريق قطبة بن عمرو بن هرم: أنّ عُدْلوكًا حدّثها: أنّ ضمضم بن قتادة ولد له مولود أسود من امرأة بني عجل (٢) (إلى النبي ﷺ ) متعلق بـ (جاء)، وفي حديث قطبة: فشكى إلى النبي ﷺ (فقال: إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود) قال في "الفتح": لم أقف على اسم المرأة، ولا على اسم الغلام، وزاد في رواية يونس: وإني أنكرته (٣)؛ أي: استنكرته بقلبي، ولم يرد أنه أنكر كونَه ابنَه للسانه، وإلّا لكان تصريحًا بنفيه، والحال إنما عرَّض بذلك تعريضًا، ووجه التعريض: أنه قال: غلامٌ أسود؛ أي: وأنا أبيض، فكيف يكون مني؟! ووقع في رواية معمر عن الزهري عند مسلم: وهو حينيذٍ يُعرِّض بأن ينفيه (٤).

стр. 3068

ويؤخذ منه: أن التعريض بالقذف ليس قذفًا، وبه قال الجمهور، واستدل الشافعي بهذا الحديث لذلك. وعن المالكية: يجب به الحدّ إذا كان مفهومًا، وأجابوا عن الحديث بما سيأتي في آخر شرح الحديث. وقال ابن دقيق العيد: في الاستدلال: بالحديث نظر؛ لأن المستفتي لا يجب عليه حدّ ولا تعزير (١). ونظر في "الفتح" في هذا الإطلاق؛ لأنه قد يستفتى بلفظ لا يقتضي القذف، وبلفظ يقتضيه: فمن الأول: أن يقول -مثلًا-: إذا كان زوج المرأة أبيض، فأتت بولد أسودَ، ما الحكم؟. ومن الثاني: أن يقول -مثلًا-: إن امرأتي أتت بولدٍ أسود، وأنا أبيض، فيكون تعريضًا؟ أو يزيد فيه -مثلًا-: زنت، فيكون تصريحًا، والذي ورد في حديث "الباب" هو الثاني، فيتم الاستدلال. وقد نبّه الخطابي على عكس هذا، فقال: لا يلزم الزوجَ إذا صرّح بأن الولد الذي وضعته امرأته ليس منه حَدُّ قذفٍ، لجواز أن يريد أنها وُطئت بشبهة، أو وضعته من الزوج الذي قبله (٢)، إن كان ذلك ممكنًا (٣)، انتهى. قلت: وفي قوله: زنت، إنه استفتاء، نظر، بل هو إخبار بصريح لفظ القذف أنّ زوجته زنت، وهذا بمعزل عن الاستفتاء، وإنما الاستفتاء:

стр. 3069

ما على الزوجة إذا هي زنت؟ مثلًا، والله الموفق. (فقال النبي ﷺ ) له: (هل لك إبلٌ؟)، (قال: نعم)؛ أي: لي إبل يا رسول الله، (قال: فما ألوانها؟)، (قال: حُمر)، وفي رواية محمَّد بن مُصْعَب بن مالك عند الدارقطني: قال: رُمْكٌ، والأَرْمَكُ: الأبيض إلى حمرة (١)، (قال) ﷺ : (فهل فيها)؛ أي: إبلك (من أَوْرَق؟) بوزن أحمر (قال: إنّ فيها لَوُرْقًا) -بضم الواو، وزن حُمر-، والأورق: الذي فيه سواد ليس بحالك، بل يميل إلى الغبرة، ومنه قيل للحمامة: ورقاء (٢)، (قال) له ﵇: (فأنى)؛ أي: من أين (أتاها)؛ أي: إبلَكَ الحمرَ (ذلك) اللونُ الذي خالفَها؟ هل هو بسبب فحلٍ من غير لونها طرأ عليها، أو لأمر آخر؟ (قال) الرجلُ الفزاري: (عسى أن يكون نَزعَهُ)؛ أي: ذلك اللون المخالف لألوانها (عرقٌ)، يعني: يحتمل أن يكون في أصولها من هو باللون، فاجتذبه إليه، فجاء على لونه. وفي رواية: لعله يا رسول الله نزعهُ عرق (٣)، وفي لفظ: لعله نزعه عرق (٤)، فجزم جمعٌ بأن الصواب النصب؛ أي: لعل عرقًا نزعه، وقال الصفاني: ويحتمل أن يكون في الأصل لعله، فسقطت الهاء، ووجه ابنُ مالك باحتمال أنه حذف منه ضمير الشأن، ويؤيد توجيهه رواية: لعله، وادعى الداودي أن لعلّ هنا للتحقيق (٥)؛ أي: ومثلها عسى. (قال)

стр. 3070

النبي ﷺ : (وهذا)؛ يعني: الغلام الذي ولدته امرأتُه (عسى أن يكون نزعه)، [أي] (١): إلى لون السواد (عرق) في أصوله، إذ المراد بالعرق: الأصل من النسب، شبهه بعرق الشجرة، ومنه قولهم: فلانٌ عريقٌ في الأصالة؛ أي: إن أصله متناسب، وكذا مُعْرِق في الكرم، أو اللؤم (٢). وذكر عبد الغني بن سعيد في "مبهماته" زيادة حسنة، وهي أنه جاء عجائز من بني عجل، فسئلن عن المرأة التي ولدت الغلام الأسود، فقلن: كان في آبائها رجلٌ أسود، وأخرجه أبو موسى بإسنادٍ غريب، ولفظه: فقدم عجائز من بني عجل، فأخبرن أنه كان للمرأة جدّةٌ سوداءُ. وأصل النزع: الجذب، وقد يطلق على الميل، ومنه ما وقع في قصة عبد الله بن سلام ﵁ سأله عن شبه الولد بأبيه أو بأمه: "نزع إلى أبيه أو أمه" (٣)؛ أي: مال (٤). وقد أخرج الطبراني وابن منده في كتاب "التوحيد" من حديث مالك بن الحويرث: أن النبي ﷺ قال: "إنّ الله تعالى إذا أرادَ خلقَ عبدٍ، فجامع الرجلُ المرأة، طار ماؤه في كلّ عرقٍ وعضوٍ منها، فإذا كان يوم السابع، جمعه الله، ثم أحضره كلّ عرقٍ له دون آدم" [أي] (٥): ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٦) [الانفطار: ٨].

стр. 3071

قال: الحافظ ابن منده: إسناده متصل مشهور على رسم أبي عيسى، والنسائي، وغيرهما. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني من رواية مطهر بن الهيثم، عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن جدّه: أنّ النبي ﷺ قال لجدّه: "يا فلان! ما ولد لك؟ "، قال: يا رسول الله! وما عسى أن يولد لي؟ إما غلام، وإما جارية، قال: "فمن يشبه؟ "، قال: [من] (١) عسى أن [يشبه] (٢)؟ يشبه أمه أو أباه، قال: فقال: النبي ﷺ : "لا تقولنّ كذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم، أحضرها الله كلَّ نسب بينَها وبين آدم، أما قرأت هذه الآية: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٨]، قال: "سلكك" (٣). قال: الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين": هذا إسنادٌ ضعيف، ومطهر بن الهيثم ضعيف جدًا، وقال البخاري: هو حديث لم يصح، وذكر بإسناده عن موسى بن علي عن أبيه: أنّ أباه لم يسلم إلّا في عهد أبي بكر الصدّيق، يعني: أنه لا صحبة له. قال: الحافظ ابن رجب: ويشهد لهذا، يعني: ما ذكر في الحديثين: لعله نزعه عرق (٤). وفي الحديث: ضربُ المثل، وتشبيه المجهول بالمعلوم تقريبًا لفهم

стр. 3072

السائل، واستدل به لصحة العمل بالقياس (١). قال الخطابي: هو أصلٌ في قياس الشبه (٢). وقال ابن العربي: فيه دليلٌ على صحة القياس والاعتبار بالنظير (٣)، وتوقف فيه ابن دقيق العيد، فقال: هو تشبيه في أمر وجوديّ، والنزاع إنما هو التشبيه في الأحكام الشرعية من طريق واحد قويّة (٤). وفيه: أن الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرّد الظن (٥). قلت: الذي اعتمده الإمام المجد في "المحرّر" (٦)، وذكره عنه في "الإقناع": أن الزوج لو وطىء امرأته في طهر زنت فيه، وظن الولدَ من الزاني، ساغ له قذفُها، ونفيُ الولد (٧). ومعتمد المذهب: أن القذف محرم إلا في موضعين: أحدهما: أن يرى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه، فيعتزلها، ثم تلد ما يمكن أنه من الزاني، فيجب عليه قذفُها، ونفيُ ولدها. وفي "المحرر" وغيره: وكذا لو وطئها في طهر زنت فيه، وظن الولد من الزاني (٨). وفي "الترغيب": نفيه محرّم مع التردّد.

стр. 3073

والثاني: أن يراها تزني، ولم تلد ما يلزمه نفيُه، أو يستفيض زناها بين الناس، أو أخبره به ثقة، أو رأى رجلًا يُعرف بالفجور يدخل إليها. زاد في "الترغيب": خلوة، فيباح قذفُها، وفراقُها أولى من قذفها (١). وعند شيخ الإسلام: يجب فراقها، وهو الذي تقتضيه الشيم السليمة، والهمم المستقيمة، وإلا كان ديوثًا قرنانًا لا يدخل الجنة (٢). وفي الحديث: أن الولد يلحق بالرجل، وإن خالف لونَه ولونَ أمه. وقال القرطبي تبعًا لابن رشد: لا خلاف في أنه لا يحل له نفي الولد باختلاف الألوان (٣)، كالأدمة والسمرة، ولا في البياض والسواد إذا كان قد أقرّ بالوطء، ولم تمض مدّة الاستبراء. قال في "الفتح": وكأنه أراد: في مذهبه، وإلّا فالخلاف ثابت عند الشافعية بتفصيل: قالوا: إن لم ينضم إليه قرينة زِنا، لم يجز النفي، فإن اتهمها، فأتت بولدٍ على لون الرجل الذي اتهمها به، جاز النفي على الصحيح. قال: وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقًا (٤). قلت: معتمد المذهب: لو أتت بولد يخالف لونه لونهما، أو يشبه رجلًا غيرَ والديه، لم يبح نفيه بذلك ما لم تكن قرينة. قال الإمام شمس الدين في "شرح المقنع": وإن أتت بولد يخالف لونُه لونَها، لم يبح نفيُه بذلك.

стр. 3074

وقال ابن الخطاب: ظاهر كلامه: إباحتُه. قال: شمس الدين محتجًا على معتمد المذهب من عدم إباحة اهي بمجرد ذلك بحديث أبي هريرة في قصة الفزاري، وتعريضِه بنفي الولد، لكونه أسود، فلم يرخص له في الانتفاء منه، قال: ولأن الناس كلهم من آدم وحواء، وألوانهم وخلقهم مختلفة، ولولا مخالفتهم شبهَ والدِيهم، لكانوا على صفة واحدة، ولأن دلالة الشبه ضعيفة، ودلالة الولادة على الفراش قويّة، فلا يجوز ترك القوي لمعارضة الضعيف. قال: وذكر القاضي، وأبو الخطاب: أن ظاهر كلام الإمام أحمد: جوازُ نفيه، وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي، لقول النبي ﷺ في حديث اللعان: "إن جاءت به [على نعت] (١) كذا وكذا، فهو للذي رُميت به"، فأتت به على النعت المذكور، فقال ﷺ : "لولا الأيمان" يعني: التلاعن "لكان لي ولها شأن"، فجعل الشبه دليلًا على نفيه عنه، قال: والصحيح الأول (٢)، انتهى. وفي الحديث: دليلٌ على تقديم حكم الفراش على ما يشعر به مخالفة الشبه. وفيه: الاحتياطُ للأنساب وإبقائها مع الإمكان، والزجرُ عن تحقيق ظن السوء. وفيه: أنّ التعريض بالقذف لا يثبت حكمَ القذف حتى يقع التصريحُ، خلافًا للمالكية، وأجاب بعض المالكية أنّ التعريض الذي يجب به القذف

стр. 3075

عندهم إنما هو ما يُفهم منه القذفُ كما يُفهم من التصريح، قالوا: وهذا الحديث لا حجّة فيه لدفع ذلك، فإنّ الرجل لم يردّ قذفًا بل جاء سائلًا مستفتيًا عن الحكم لما وقع له من الريبة، فلما ضرب له المثل، أذعن. وقال المهلب: التعريض إذا كان على سبيل السؤال، لا حدّ فيه، وإنما الحدُّ في التعريض إذا كان على سبيل المواجهة والمشاتمة. وقال ابن المنير: الفرق بين الزوج والأجنبي في التعريض: أن الأجنبي يقصد الأذيّة المحضة، والزوج قد يُعذر بالنسبة إلى صيانة النسب (١)، والله الموفق.

стр. 3076

الحديث الرابع عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا ابنُ أَخِي عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلَيَّ أَنَّهُ ابنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فَرِاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بعُتْبَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ"، فَلَمْ تَرَهُ سَوْدة قَطُّ (١).

стр. 3077

(عن) أم المؤمنين (عائشةَ) الصدّيقةِ (﵂، قالت: اختصم سعدُ بنُ أبي وقاصٍ) - أحدُ العشرة المبشرين بالجنّة ﵃ (وعبدُ) من غير إضافة (بن زَمعة) - بفتح الزاي والميم، وقد تسكن الميم، وبالعين المهملة- ابنِ قيس بنِ عبد شمس بنِ عبد ود بنِ نصر -بالصاد المهملة- ابنِ مالك بنِ حِسْل -بكسر الحاء وسكون السين المهملتين- ابنِ عامر بنِ لؤي بنِ غالبٍ، القرشيُّ العامريُّ المكيُّ، وهو أخو سودةَ بنتِ زمعة إحدى أمهات المؤمنين لأبيها، وهذا غير عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب ابن الأسد بن عبد العزى بن قصي، فهو أسدي، وعبدُ بنُ زمعة عامريّ، وليس له رواية، وأما عبد الله بن زمعة الأسدي، فأخرج له الجماعة، وكان عبد بن زمعة شريفًا سيّدًا من سادات الصحابة ﵃ أجمعين- (١) (في غلامٍ) متعلّق باختصم.

стр. 3078

قال النووي وغيره: اسم الغلام: عبدُ الرحمن بنُ زمعة، وهو أخو عبدِ بن زمعةَ لأبيه، وله عقب بالمدينة، وهو صحابي، وكانت الخصومة فيه عام الفتح (١)، (فقال سعد) بن أبي وقاص ﵁: (يا رسول الله! هذا ابن أخي عتبة) -بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية فموحدة فهاء تأنيث- ([ابن أبي وقاص]) (٢)، واسمه مالك بن وهب الزهري أخو سعد بن أبي وقاص. قال النووي: لم يذكره الجمهور في "الصحابة"، وذكره ابن منده فيهم، واحتجّ بوصيته إلى أخيه سعد، وأنكره عليه أبو نعيم. قال البدر العيني: اختلفوا في إسلامه. قال أبو نعيم: وعتبة هذا هو الذي شجَّ وجهَ النبي ﷺ ، وكسرَ رَباعِيَتَهُ، قال: وما علمتُ له إسلامًا، ولم يذكره أحد في الصحابة، قيل: إنه مات كافرًا (٣). وفي "أسد الغابة" (٤) حكاية عن أبي نعيم عقبَ الرد على ابن منده: روى معمر عن عثمان الجريري عن مقسم: أنّ عتبة كسر رباعية النبي ﷺ ، فدعا عليه، فقال: "اللهم لا تُحِلْ عليه الحولَ حتى يموتَ كافرًا"، فما حال عليه الحولُ حتى مات كافرًا (٥). وقد ذكر الخطيب في "تاريخ بغداد" عن الحافظ محمَّد بن يوسف

стр. 3079

الفريابي، قال: بلغني أنّ الذين كسروا رباعية رسول الله لم يولد لهم صبي فنبتت له رَباعية (١). قال السهيلي: ولم يولد من نسل عتبة ولدٌ يبلغ الحلم، إلّا وهو أَهْتَمُ أَبْخَرُ يعرف ذلك في عقبه (٢)، كما ذكرته في "شرح نونية الصرصري" ﵀. وقد قال البلقيني: ذكر عتبةَ بنَ أبي وقاص هذا في الصحابة: أبو أحمد العسكري، لكن عبارته: أنه مات في الإسلام (٣)، وهي عبارة غير مستعملة كما في البرماوي. وقد روى الحاكم في "المستدرك" في ترجمة حاطب بن أبي بلتعة: أنه قتل عتبة بن أبي وقاص يوم أُحد (٤)، والله أعلم. (عهد إلي) قبل موته (أنه)؛ أي: الغلامَ الذي هو عبد الرحمن (ابنُه)؛ أي: ابن أخيه عتبةَ (انظرْ) يا رسول الله! (إلى شبهه)؛ أي: الغلام، بعتبةَ أخي، (وقال عبد بن زمعة) في جواب دعوى سعد ﵁ (هذا)؛ أي: الغلام الحاضر (أخي يا رسول الله، وُلد على فراش أبي) زمعةَ (من وليدته). قال عبد الحق في "الأحكام": كانت امرأة يمانية، وهي في الأصل: المولودة، وتطلق على الأُمَّة، والجمعُ ولائد، وقيل: إنها اسم لغير أم الولد (٥).

стр. 3080

قال الخطابي (١)، وتبعه القاضي عياض (٢)، والقرطبي (٣)، وغيرهما: كان أهل الجاهليّة يقتنون الولائد، ويقررون عليهنّ الضرائب، فيكتسبنَ بالفجور، وكانوا يلحقون النسب بالزناة إذا ادّعوا الولد كما في النكاح، وكانت لزمعة أمَةٌ، وكان يلمُّ بها، فظهر بها حملٌ زعم عتبة بن أبي وقاص أنه منه، وعهد إلى أخيه سعد أن يستلحقه، فخاصم فيه عبدُ بن زمعة، فقال: هو ابن أخي، على ما كان عليه الأمر في الجاهلية، وقال عبدٌ: هو أخي على ما استقر عليه الحكم في الإسلام، فأبطل النبي ﷺ حكم الجاهلية، وألحقه بزمعة؛ لأن عتبة لم يكن استلحقه به في الجاهلية، ولم تكن الوليدة اعترفت به أنه له قبل ذلك (٤). قال في "الفتح": وفي حديث عائشة الذي في "البخاري" وغيره ما يؤيد أنهم كانوا يعتبرون استلحاقَ الأمِّ في صورة، وإلحاقَ القائفِ في صورة، ولفظُها على ما في "البخاري": أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فكان منها نكاحُ الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجلُ وليّته أو ابنته، فيُصدقها، ثم ينكحها. ونكاحٌ آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طَهُرت من طَمْثها: أرسلي إلى فلان، فاستبضِعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملُها من ذلك الرجل الذي يُستبضع منه، فإذا تبين حملُها، أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبةً في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.

стр. 3081

ونكاحٌ آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلُّهم يُصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومرّ عليها ليالي بعد أن تضع حملَها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدتُ، فهو ابُنك يا فلان، تسمِّي من أحبت باسمه، فيُلحق به ولدُها، لا يستطيع أن يمتنع به، وفي لفظ: منه الرجل. ونكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهنَّ البغايا، كنَّ ينصبنَ على أبوابهن راياتٍ تكون علمًا، فمن أرادهنَّ يدخلُ عليهنَّ، فإذا حملت إحداهنَّ، ووضعت حملها، جمعوا لها، ودعوا لهم القافَةَ، ثم ألحقوا ولدَها بالذي يريدون، فالتاط به؛ أي: لصق به ولزمه، ولم ينفك عنه، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك، قال: فلما بُعثَ محمّد ﷺ بالحق، هدم نكاح الجاهلية كلها إلا نكاح الناس اليوم (١)، أي: وهو الذي بدأتُ بذكره (٢). قوله: على أربعة أنحاء [جمع] (٣) نحوٍ؛ أي: ضَرْبٍ، وزْنًا ومعنى، ويطلق النحو -أيضًا- على الجهة، والنوع، وكذا على القرب والشبه، وعلى العِلْم المعروفِ اصطلاحًا (٤). قال الداودي، وغيره: بقي عليها أنحاء لم تذكرها:

стр. 3082

الأول: نكاح الخِدْن، وهو الذي في قوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، كانوا يقولون: ما استتر، فلا بأس به، وما ظهر، فهو لؤم. الثاني: نكاح المتعة -وتقدم بيانه-. الثالث: نكاح البدل، وقد أخرج الدارقطني من حديث أبي هريرة: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: انزلْ لي عن امرأتك، وأنزلُ لك عن امرأتي، وأزيدك (١). وإسناده ضعيف جدًا (٢). وقوله: استبضعي منه -بموحدة بعدها ضادٌ معجمة-؛ أي: اطلبي منه المُباضَعَةَ، وهو الجماع، مشتقة من البُضع، وهو الفرج. وقوله: وإنما يفعل ذلك رغبةً في نجابة الولد؛ أي: اكتسابًا من ماء الفحل؛ لأنهم كانوا يطلبون ذلك من أكابرهم ورؤسائهم في الشجاعة والكرم أو غير ذلك. قوله: يجتمع الرهط: فلا بد فيه من ضبط العدد، والظاهر أنّ إصابتهم إيّاها إنما كان عن رضا منها، وتواطُؤ بينها وبينهم. قوله: وهنَّ؛ أي: صاحبات الرايات: البغايا، تكون الراياتُ علامةً عليهنّ. وقد أخرج الفاكهي من طريق ابن أبي مليكة، قال: تبرز عمر ﵁ بأجياد، فدعا بماء، فأَتته أمُّ مهزول، وهي من البغايا التسع اللاتي كنَّ في الجاهلية، فقالت: هذا ماءٌ، ولكنه في إناءٍ لم يُدبغ، فقال: هَلُمّ، فإن الله جعل الماء طهورًا (٣).

стр. 3083

وروي عن ابن عمر [و]: أن امرأة كانت يقال لها: أم مهزول تسافح في الجاهلية، فأراد بعض الصحابة أن يتزوجها، فنزلت: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ (١) [النور: ٣]. وفي رواية في تفسير هذه الآية، قال: هنَّ بغايا كنَّ في الجاهلية معلومات، لهن رايات يُعرفن بها (٢). وقد ساق هشام بن الكلبي في كتاب "المثالب" أساميَ صاحبات الرايات في الجاهلية، فسمى منهن أكثر من عشرِ نسوة مشهورات. قوله: القَافَة، جمع قائف وهو الذي يعرف شبه الولد بالآثار الخفية (٣)، والله -تعالى- أعلم. (فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه)؛ أي: شبه الغلام، (فرأى شبهًا بيّنًا) ظاهرًا (بعتبةَ) بن أبي وقّاص، (فقال) ﷺ : (هو)؛ أي: الغلام (لكَ يا عبدُ بنَ زمعةَ) أخٌ دون سعد بن أبي وقاص، فليس هو ابن لأخيه عتبة، (الولدُ للفراش)؛ أي: تابعٌ للفراش، أو محكومٌ به له؛ أي: لصاحبه، زوجًا كان أو سيدًا؛ لأنهما يفترشان المرأة بالاستحقاق، وهذا إذا لم ينفه صاحب الفراش بما شرع له، ففراش الزوجة يثبت بالعَقْد عليها مع إمكان وطئها في الجملة، وهذا مذهب أحمد، والشافعي. وعند أبي حنيفة: تصير المرأة فراشًا بنفس العقد، وإن علم أنه لم

стр. 3084

يجتمع بها، ولو طلّقها في المجلس، وقيل: لا تصير فراشًا إلا بالعقد والدخول المحقق إمكانه، لا المشكوك فيه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إن الإمام أحمد أشار إليه في رواية حرب، وصححه ابن القيّم في "الهدي"، وجزم به، قال: وإلّا، فكيف تصير المرأة فراشًا، ولم يدخل بها الزوج، ولم يَبْنِ بها لمجرد إمكان بعيد؟ ونكت على من خالفه، وفي الأمَة: لا يثبت كونُها فراشًا إلّا بوطئها، خلافًا لبعض متأخري المالكية من أن الأمَة التي تُشترى للوطء دون الخدمة تصير فراشًا بنفس الشراء (١)، (وللعاهر)؛ أي: الزاني (الحجر)؛ أي: الخيبة والحرمان؛ أي: حظه ذلك، ولا شيء له في الولد، فيكون كناية عن الحرمان فيما ادعاه من النسب، لعدم اعتبار دعواه مع وجود الفراش كما يقال: بفيهِ الحجر، وقيل: هو على ظاهره؛ أي: الرجم بالحجارة، ورُد بأن الرجم خاص بالمحصَن، وأنه لا يلزم من الرجم نفيُ الولد الذي الكلام فيه، فلم يحكم ﷺ بالشبه. قال البدر العيني: وفيه حجةٌ قويةٌ للحنفية في منع الحكم بالقائف (٢)، انتهى. قلت: لا قوة لهذه الحجة، بل لا حجة؛ لأن الفراش مقدَّم على الشبه، ولم يقابله فراش مثله، بل لا عبرة لكل من القَافَة والشبه مع الفراش، فليس هذا من محل النزاع، كما لا يخفى. ثم قال ﷺ لزوجته أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂: (واحتجبي منه) أي: من ابن أمَة زمعة (يا سَودةُ)، لاحتمال كونه انعقدَ من

стр. 3085

ماء عتبة بن أبي وقّاص، (فلم تره سَودةُ) ﵂ (قط) امتثالًا لأمره ﷺ ، وإنما أمرها بذلك تورّعًا واحتياطًا للمشابهة الظاهرة بين ابن أمَة زمعة وعتبة، مع أنه في ظاهر الشرع أخوها، فراعى ﷺ الأمرين، فحكم بظاهر الشرع، وأمر بالحمية مما يمكن كونه على خلاف ظاهر الشرع، مع عدم الملجىء إلى ذلك (١)، والله أعلم.
следующие страницы →