← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

ونكاحٌ آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلُّهم يُصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومرّ عليها ليالي بعد أن تضع حملَها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدتُ، فهو ابُنك يا فلان، تسمِّي من أحبت باسمه، فيُلحق به ولدُها، لا يستطيع أن يمتنع به، وفي لفظ: منه الرجل. ونكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهنَّ البغايا، كنَّ ينصبنَ على أبوابهن راياتٍ تكون علمًا، فمن أرادهنَّ يدخلُ عليهنَّ، فإذا حملت إحداهنَّ، ووضعت حملها، جمعوا لها، ودعوا لهم القافَةَ، ثم ألحقوا ولدَها بالذي يريدون، فالتاط به؛ أي: لصق به ولزمه، ولم ينفك عنه، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك، قال: فلما بُعثَ محمّد ﷺ بالحق، هدم نكاح الجاهلية كلها إلا نكاح الناس اليوم (١)، أي: وهو الذي بدأتُ بذكره (٢). قوله: على أربعة أنحاء [جمع] (٣) نحوٍ؛ أي: ضَرْبٍ، وزْنًا ومعنى، ويطلق النحو -أيضًا- على الجهة، والنوع، وكذا على القرب والشبه، وعلى العِلْم المعروفِ اصطلاحًا (٤). قال الداودي، وغيره: بقي عليها أنحاء لم تذكرها:

стр. 3082

الأول: نكاح الخِدْن، وهو الذي في قوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، كانوا يقولون: ما استتر، فلا بأس به، وما ظهر، فهو لؤم. الثاني: نكاح المتعة -وتقدم بيانه-. الثالث: نكاح البدل، وقد أخرج الدارقطني من حديث أبي هريرة: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: انزلْ لي عن امرأتك، وأنزلُ لك عن امرأتي، وأزيدك (١). وإسناده ضعيف جدًا (٢). وقوله: استبضعي منه -بموحدة بعدها ضادٌ معجمة-؛ أي: اطلبي منه المُباضَعَةَ، وهو الجماع، مشتقة من البُضع، وهو الفرج. وقوله: وإنما يفعل ذلك رغبةً في نجابة الولد؛ أي: اكتسابًا من ماء الفحل؛ لأنهم كانوا يطلبون ذلك من أكابرهم ورؤسائهم في الشجاعة والكرم أو غير ذلك. قوله: يجتمع الرهط: فلا بد فيه من ضبط العدد، والظاهر أنّ إصابتهم إيّاها إنما كان عن رضا منها، وتواطُؤ بينها وبينهم. قوله: وهنَّ؛ أي: صاحبات الرايات: البغايا، تكون الراياتُ علامةً عليهنّ. وقد أخرج الفاكهي من طريق ابن أبي مليكة، قال: تبرز عمر ﵁ بأجياد، فدعا بماء، فأَتته أمُّ مهزول، وهي من البغايا التسع اللاتي كنَّ في الجاهلية، فقالت: هذا ماءٌ، ولكنه في إناءٍ لم يُدبغ، فقال: هَلُمّ، فإن الله جعل الماء طهورًا (٣).

стр. 3083

وروي عن ابن عمر [و]: أن امرأة كانت يقال لها: أم مهزول تسافح في الجاهلية، فأراد بعض الصحابة أن يتزوجها، فنزلت: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ (١) [النور: ٣]. وفي رواية في تفسير هذه الآية، قال: هنَّ بغايا كنَّ في الجاهلية معلومات، لهن رايات يُعرفن بها (٢). وقد ساق هشام بن الكلبي في كتاب "المثالب" أساميَ صاحبات الرايات في الجاهلية، فسمى منهن أكثر من عشرِ نسوة مشهورات. قوله: القَافَة، جمع قائف وهو الذي يعرف شبه الولد بالآثار الخفية (٣)، والله -تعالى- أعلم. (فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه)؛ أي: شبه الغلام، (فرأى شبهًا بيّنًا) ظاهرًا (بعتبةَ) بن أبي وقّاص، (فقال) ﷺ : (هو)؛ أي: الغلام (لكَ يا عبدُ بنَ زمعةَ) أخٌ دون سعد بن أبي وقاص، فليس هو ابن لأخيه عتبة، (الولدُ للفراش)؛ أي: تابعٌ للفراش، أو محكومٌ به له؛ أي: لصاحبه، زوجًا كان أو سيدًا؛ لأنهما يفترشان المرأة بالاستحقاق، وهذا إذا لم ينفه صاحب الفراش بما شرع له، ففراش الزوجة يثبت بالعَقْد عليها مع إمكان وطئها في الجملة، وهذا مذهب أحمد، والشافعي. وعند أبي حنيفة: تصير المرأة فراشًا بنفس العقد، وإن علم أنه لم

стр. 3084

يجتمع بها، ولو طلّقها في المجلس، وقيل: لا تصير فراشًا إلا بالعقد والدخول المحقق إمكانه، لا المشكوك فيه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إن الإمام أحمد أشار إليه في رواية حرب، وصححه ابن القيّم في "الهدي"، وجزم به، قال: وإلّا، فكيف تصير المرأة فراشًا، ولم يدخل بها الزوج، ولم يَبْنِ بها لمجرد إمكان بعيد؟ ونكت على من خالفه، وفي الأمَة: لا يثبت كونُها فراشًا إلّا بوطئها، خلافًا لبعض متأخري المالكية من أن الأمَة التي تُشترى للوطء دون الخدمة تصير فراشًا بنفس الشراء (١)، (وللعاهر)؛ أي: الزاني (الحجر)؛ أي: الخيبة والحرمان؛ أي: حظه ذلك، ولا شيء له في الولد، فيكون كناية عن الحرمان فيما ادعاه من النسب، لعدم اعتبار دعواه مع وجود الفراش كما يقال: بفيهِ الحجر، وقيل: هو على ظاهره؛ أي: الرجم بالحجارة، ورُد بأن الرجم خاص بالمحصَن، وأنه لا يلزم من الرجم نفيُ الولد الذي الكلام فيه، فلم يحكم ﷺ بالشبه. قال البدر العيني: وفيه حجةٌ قويةٌ للحنفية في منع الحكم بالقائف (٢)، انتهى. قلت: لا قوة لهذه الحجة، بل لا حجة؛ لأن الفراش مقدَّم على الشبه، ولم يقابله فراش مثله، بل لا عبرة لكل من القَافَة والشبه مع الفراش، فليس هذا من محل النزاع، كما لا يخفى. ثم قال ﷺ لزوجته أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂: (واحتجبي منه) أي: من ابن أمَة زمعة (يا سَودةُ)، لاحتمال كونه انعقدَ من

стр. 3085

ماء عتبة بن أبي وقّاص، (فلم تره سَودةُ) ﵂ (قط) امتثالًا لأمره ﷺ ، وإنما أمرها بذلك تورّعًا واحتياطًا للمشابهة الظاهرة بين ابن أمَة زمعة وعتبة، مع أنه في ظاهر الشرع أخوها، فراعى ﷺ الأمرين، فحكم بظاهر الشرع، وأمر بالحمية مما يمكن كونه على خلاف ظاهر الشرع، مع عدم الملجىء إلى ذلك (١)، والله أعلم.

стр. 3086

الحديث الخامس عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّها قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رسُولُ اللهَ ﷺ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ" (١). وفي لفظ: "كَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفًا" (٢).

стр. 3087

(عن) أم المؤمنين (عائشةَ) الصدّيقةِ (﵂: أنها قالت: دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ ) حالَ كونه (مسرورًا)، (تبرُقُ)؛ أي: تلمع، وتعني: (أسارير وجهه). قال في "القاموس": الأسارير: محاسنُ الوجه، والخدان، والوجنتان (١)، (فقال) ﵊: (ألم تَرَي) خطابًا لعائشة ﵂: ألم تعلمي (أنّ مُجَزِّزًا) -بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الزاي الأولى وكسرها- على المشهور، ومنهم من -فتحها-، نقله ابن عبد البر، والدارقطني، والحافظ عبد الغني المصنفُ -رحمهم الله تعالى- عن ابن جريج، بن الأعور بن جَعْدَة -بفتح الجيم وسكون العين المهملة- بن معاذ بن [عتوارة] (٢) بن عمرو بن مُدْلج -بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام ثم جيم- ابنِ مرّةَ بنِ عبدِ مناةَ بنِ كنانةَ، القائفَ المدلجيَّ نسبةً لجده مدلج المذكور في نسبه، ومدلج: بطن من كنانة مشهورٌ بالقيافة بين العرب. قيل: إنما سميّ مجززًا؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرًا يجزُّ ناصيته، ولم يكن اسمه مجززًا، وإنما غلب ذلك عليه. قال ابن عبد البر: قال بعضهم: ويقال: مُحْرزًا -بالحاء المهملة الساكنة وبكسر الراء ثم زاي-، وغلّطوه في ذلك (٣).

стр. 3088

قال ﵇ لعائشة: فإن مجززًا (نظر آنِفًا)، -بمد الهمز وقصره-؛ أي: قريبًا، أو الساعة، وقيل: في أول وقت كنا فيه، وكلُّه من الاستئناف والقرب، كما في "المطالع" (١)، (إلى زيد بن حارثة) مولى النبي ﷺ وحِبِّه، (و) إلى ابنه (أسامةَ بنِ زيدٍ) الحِبِّ ابن الحِبِّ ﵄، (فقال) مجزز المدلجي: (إنّ بعض هذه الأقدام لمن بعض). وفي رواية لمسلم والترمذي والنسائي: "ألم تري أنّ مجززًا المدلجي رأى زيدًا وأسامة قد غطيا رؤوسهما بقَطيفة، وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" (٢). وفي لفظٍ قالت: دخل قائف والنبيُّ ﷺ شاهد، وأسامةُ بنُ زيد وزيدُ بن حارثة مضطجعان، فقال: إنّ هذه الأقدام بعضُها من بعض، فسرّ بذلك النبي ﷺ ، وأعجبه، وأخبر به عائشة، متفقٌ عليه (٣). قال أبو داود: وكان أسامة أسودَ، وكان زيد أبيضَ (٤). (وفي لفظ: كان مُجَزِّزٌ قائفًا) والقَافَة: قومٌ يعرفون الأنسابَ بالشبه، كما يختص ذلك بقبيلة معينة، بل من عرفت منه المعرفةُ بذلك، وتكررت منه الإصابة، فهو قائف، وقيل: أكثر ما يكون في بني مدلج رهط مجززِ المدلجيِّ -المذكور- (٥).

стр. 3089

قال الإمام الموفق في "المغني": كان إياس بن معاوية قائفًا، وكذا قيل في شريح القاضي، وغيرهما (١). تنبيهات: الأول: لما ذكر المصنف -رحمه الله تعالى- حديثَ عائشة في مخاصمة عبد بن زمعةَ، وسعدِ بن أبي وقاص ﵄ في الغلام الذي هو ابنُ وليدةِ زمعةَ، وقضى رسول الله ﷺ بالغلام لعبد بن زمعة، مع وجود الشبه البيّن بعتبة بن أبي وقاص، ولم يعول عليه، بل رجّح كونَ الولد للفراش، ربما أشعر هذا الحكم بردّ اعتبار الشبه وحكمِ القَافَة مطلقًا، فدفع بهذا الوهم بأن أعقبه بما روت عائشة -أيضًا- من أمر زيد وأسامة، وحكمِ القَافَة بأن أقدامهما بعضهما من بعض، مع تغطية رؤوسهما، فارتضى رسول الله ﷺ بذلك وأقرّه، وسرّ به، فكان أصلًا ثابتًا في اعتبار القائف بشروطه المعتبرة، وهذا بيّنٌ ظاهر (٢)، والله -تعالى- أعلم. الثاني: الأمور التي يثبت بها النسب أربعة: أحدها: الفراش. الثاني: الاستلحاق، وقد اتفق أهل العلم على أنّ للأب أن يستلحق، وكذا كل وارث حيث اتفق عليه جميع الورثة، ولا لم يثبت نسبه إلّا أن يكون الوارث أحدَ الشاهدين فيه، وحكمُ الجدِّ والأخ سواء، والأصل في ذلك: أن من حاز المال يثبت النسب بإقراره، واحدًا كان أو جماعة، هذا أصل مذهب أحمد، والشافعي؛ لأن الورثة قاموا مقام الميت، وحلوا

стр. 3090

محله، ومعتمد كل من المذهبين: أن إقرار من حاز الميراث إقرار خلافة عن الميت، لا إقرار شهادة، فلا تعتبر عدالة المستلحِق، بل ولا إسلامه، فيصح من الفاسق والذميّ. وقالت المالكية: هو إقرار شهادة، فيعتبر فيه أهلية الشهادة. وحكى ابن القصار عن مذهب مالك: أنّ الورثة إذا أقروا بالنسب، لحق، وإن لم يكونوا عدولًا، لكن المعروف من مذهبه خلافه. الثالث: من الأمور التي يثبت بها النسب: البيّنة، بأن يشهد شاهدان أنه ابنه، أو أنه ولد على فراشه من زوجته أو أمَته، وإذا شهد بذلك اثنان من الورثة، لم يلتفت إلى إنكار بقيتهم، وثبت نسبه، ولا يُعرف في ذلك نزاع. الرابع: القَافَة، والحجّة في إلحاق النسب بها الحديث المذكور (١)، فإذا ادّعى اثنان طفلًا أو أكثر، وتساووا في البيّنة أو عدمها، عرض معهما على القَافَة، أو مع أقاربهما إنّ ماتا، كالأخ والأخت، والعمّة والخالة، فإن ألحقته بأحدهما، لحق به، هذا قول أنس بن مالك، وعطاء، ويزيد بن عبد الملك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأبي ثور، وهو مذهب الإمام أحمد. وقال أصحاب الرأي: لا حكم للقافة؛ لأن الحكم بها تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين، والشبه يوجد بين الأجانب، وينتفي بين الأقارب، واحتّجوا بقصة الفزاري، وتقدّم الجواب عنها (٢). قال الإمام ابن القيّم في "الهدي" في حديث عائشة المتفق عليه: أنه ﷺ

стр. 3091

دخل ذات يوم مسرورًا تبرق أساريرُ وجهه، فقال: "ألم تري أنّ مجززًا المدلجيَّ نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة، وأسامةَ بنِ زيد، وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامُهما، فقال: إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض"، فسُرَّ النبي بقول القائف، فلو كانت -كما يقول المنازعون- من أمر الجاهلية، كالكهانة ونحوها، لما سُرَّ بها، ولا أُعجب بها، ولكانت بمنزلة الكهانة. قال: الإمام الشافعي: النبي ﷺ أثبته علمًا، ولم ينكره، ولو كان خطأ، لأنكره؛ لأنّ في ذلك قذفَ المحصنات، ونفيَ الأنساب (١)، انتهى. قال في "الهدي": فكيف والنبي ﷺ قد صرّح في الحديث الصحيح بصحتها واعتبارها، فقال في ولد الملاعنة: "إن جاءت به كذا وكذا، فهو لهلال بن أميّة، وإن جاءت به كذا وكذا، فهو لشريك بن سحماء"، فلما جاءت به على نعت الذي رُميت به، قال: "لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن" (٢)، وهل هذا إلا اعتبارًا بالشبه، وهو عين القيافة، فإن القائف يتَّبع أثرَ الشبه، وينظر إلى من يفضل، فيحكم به لصاحب الشبه، وقد اعتبر النبي ﷺ الشبه، وبيّن سببه، ولهذا قالت له أم سَلَمة: وتحتلمُ المرأة؟ فقال: "ممَّ يكون الشبه؟! " (٣)، وأخبر في "الحديث الصحيح": أنّ ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة، كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها، كان الشبه لها (٤)، فهذا اعتبارٌ منه للشبه شرعًا وقدرًا، وهذا أقوى ما يكون من طرق

стр. 3092

الأحكام أن يتوارد عليه الخلق والأمر والشرع والقدر، ولهذا تبعه خلفاؤه الراشدون في الحكم بالقافة، فقد روى سعيد بن منصور: حدّثنا سفيان عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر، فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعًا، فجعله بينهما (١). قال الشعبي: وعلي يقول: هو ابنها، وهما أبواه يرثانه، ذكره سعيد -أيضًا- (٢). وروى الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب في رجلين اشتركا في طهر امرأة، فحملت فولدت غلامًا، فشبههما، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فدعا القافة، فنظروا فقالوا: نراه شبههما، فألحقه بهما، وجعله يرثهما ويرثانه (٣). قال في "الهدي": ولا يُعرف قطُّ في الصحابة مَنْ خالف عمر وعليًا في ذلك، بل حكم عمر بذا في المدينة، وبحضرته المهاجرون والأنصار، فلم ينكره منهم منكر. قالت الحنفية: لقد أجلبتم علينا في القافة بالخيل والرَّجِل، مع أن الحكم بالقيافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين، ومعلوم أن الشبه يوجد في الأجانب، وينتفي من الأقارب، وذكرتم قصة أسامة وزيد، ونسيتم قصة الذي ولدت امرأته غلاما أسود يخالف لونَهما، فلم يمكنه النبي ﷺ من نفيه، ولا جعل للشبه ولا لعدمه أثر، ولو كان للشبه أثر،

стр. 3093

لانتفى به في ولد الملاعنة، ولم يحتج إلى اللعان، ولكان ينظر إلى ولادته، ثم يلحق بصاحب الشبه بالزوج. قالوا: وقد دلّت السنّة الصحيحة الصريحة على نفيه عن الملاعن، ولو كان الشبه له، فإن النبي ﷺ قال: "أبصروها، فإن جاءت به كذا وكذا، فهو لهلال بني أميّة"، وهذا قاله بعد اللعان ونفيِ النسب عنه، فعلم أنّه لو جاء على الشبه المذكور، لم يثبت نسبه منه، وإنما كان مجيئه على شبهه أو عدمه دليلًا على صدقه أو كذبه، لا على لحوق الولد به. قالوا: وأما قصة أسامة وزيد، فالمنافقون كانوا يطعنون في نسبه من زيد، لمخالفة لونه لونَ أبيه، ولم يكونوا يكتفون بالفراش، وحكمِ الله ورسوله أنه ابنه، فلما شهد به القائف، وافقت شهادته حكمَ الله ورسوله، فسرّ النبي ﷺ لموافقتها حكمَه، وتكذيبها قولَ المنافقين؛ لأنه أثبت نسبه بها، فأين هذا في إثباتُ النسب بقول القائف؟ وهذا معنى الأحاديث التي ذكر فيها اعتبار الشبه، فإنها إنما اعتبر فيها الشبه في نسبٍ ثابت بغير القافة، ونحن لا ننكر ذلك. قالوا: وأما حكم عمر وعلي، فقد اختلف على عمر وعلي، فروي عنه ما ذكرتم، وروي عنه: أنّ القائف لما قال له: قد اشتركا فيه، قال: وإلى أيهما ينسب؟ فلم يعتبر قول القائف. قالوا: وكيف تقولون بالشبه ولو أقرّ أحد الورثة بأخ، وأنكره الباقون، والشبه موجود، لم تثبتوا النسب به؟ وقلتم: إن لم يتفق الورثة على الإقرار به، لم يثبت النسب!. قال أهل الحديث: من العجب أن يُنكَر القولُ بالقافة، ويُجعل من باب الحدس والتخمين من يُلحق ولدَ المشرق بمن في أقصى المغرب، مع

стр. 3094

القطع بأنهما لم يتلاقيا طرفة عين، ويُلحق الولدَ بأُمّينِ، مع القطع بأنه ليس ابنًا لإحداهما، ونحن إنّما ألحقنا الولد بقول القائف المستند إلى الشبه المعتبر شرعًا وقدرًا، فهو إسناد إلى ظنٍ غالب، ورأيٍ راجح، وأمارة بقول من هو من أهل الخبرة، فهو أولى بالقبول من قول غيرهم، وهل ينكر مجيء كثير من الأحكام مستندًا إلى الأمارات الظاهرة، والظنون الغالبة؟ وأما وجود الشبه بين الأجانب، وانتفاؤه بين الأقارب وإن كان واقعًا، فهو نادر قليل، والحكم للغالب الكثير، وأما النادر، فهو في حكم المعدوم. وأما قضية من ولدت امرأتُه غلامًا أسود، فحجّةٌ عليكم؛ لأنها دليل على أن العادة التي فطر الله الناس عليها اعتبارُ الشبه، وأن خلافه يوجب ريبة، وأنّ في طباع الخلق إنكار ذلك، ولكن لما عارض ذلك دليلٌ أقوى منه، وهو الفراش، كان الحكم للدليل القوي، وكذلك نقول نحن وسائر النّاس: الفراش الصحيح إذا كان قائمًا، فلا يعارض بقافة ولا شبه، فمخالفة ظاهر الشبه لدليل أقوى منه، وهو الفراش، غير مستنكر، وإن المستنكر مخالفة هذا الدليل الظاهر لغير شيء. وأما تقديم اللعان على الشبه، وإلغاء الشبه مع وجوده، فكذلك -أيضًا- هو من تقديم أقوى الدليلين على أضعفهما، وذلك لا يمنع العمل بالشبه مع عدم ما يعارضه، كالبينة تقدم على اليد والبراءة الأصلية، ويعمل بها عند عدمها. وأما ثبوت نسب أسامة بن زيد بدون القيافة، فنحن لم نثبت نسبه بالقيافة، والقيافة دليلٌ آخر موافق لدليل الفراش، فسرورُ النبي ﷺ ، وفرحُه بها، واستبشارُه، لتعاضد أدلة النسب وتظافرها، لا لإثبات النسب بقول القائف وحده، بل هو من باب الفرح بظهور أعلام الحق وأدلته وتكاثرها،

стр. 3095

ولو لم تصلح القيافة دليلًا، لم يفرح بها، ولم يسر، وكان ﷺ يفرح ويسر إذا تعاضدت عنده أدلة الحق، ويخبر بها الصحابة، ويحب أن يسمعوها من المخبّر بها؛ لأن النفوس تزداد تصديقًا بالحق لتعاضد الأدلة، وعلى هذا فطر الله عباده. وأما ما روي عن عمر ﵁: أنه قال: وإلى أيهما ينسب؟ فلا تعرف صحته عن عمر، ولو صح عنه، لكان قولًا عنه، فإن الذي ذكرناه عنه في غاية الصحة، مع أن قوله لو صح: وإلى أيهما ينسب؟ ليس بصريح في إبطال قول القائف، ولو كان صريحًا في إبطال قوله، لكان دليلًا للشافعي في عدم صحة إلحاقه باثنين. وأما قولهم من إقرار بعض الورثة بأخ، وإنكار الباقين، فإنما لم يثبت نسبه بمجرد الإقرار، وأما إذا كان هناك شبه يستند إليه القائف، وألحقه به، فلا التفات لإنكار من ينكر والحالة هذه، والله -سبحانه- أعلم (١). التنبيه الثالث: يشترط في القائف أن يكون ذكرًا عدلًا مجربًا في القافة، ولا تشترط حريته، ويكفي قائفٌ واحد، وهو كحاكم، فيكفي مجرد خبره، ولا يختص ذلك بقبيلة معينة، بل من عُرف منه المعرفه بذلك، وتكررت إصابتُه، فهو قائف (٢). وعن الإمام أحمد رواية ثانية: أن قول القائف شهادة، فلابد من اثنين ولفظِ الشّهادة، ومعتمد مذهب الإمام أحمد: أنّ القافة إذا ألحقته باثنين فأكثر، أُلحق بهم، وهو قولُ جمهورِ من قال بالقيافة، خلافًا للشافعي، وبانعقاد الحيوان من ماءين فصاعدًا، وبه قال أبو حنيفة، وإن لم يعتبر القافة.

стр. 3096

لكن قال القاضي أبو يعلى: يجب ألا يلحق بأكثر من ثلاثة، وهو قول محمَّد بن الحسن. وقال ابن حامد من أئمة المذهب: لا يلحق بأكثر من اثنين، وهو قول أبي يوسف، والحجة في ذلك كله قضيةُ عمرَ بمجمعٍ من الصحابة من غير إنكار، واحتجّ القاضي بأن أحمد نصّ على الثلاثة، فيقتصر عليها (١). وحجّة المذهب: أنه متى جاز انعقاده من ماء اثنين، جاز انعقاده من ماء ثلاثة وأربعة وأكثر من ذلك، والله الموفق.

стр. 3097

الحديث السادس عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: ذُكِرَ العَزْلُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُم؟ "، وَلَمْ يَقُلْ: فَلَا يَفْعَلْ "فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إلا اللهُ خَالِقُهَا" (١)

стр. 3098

(عن أبي سعيد) محمدِ بن مالكٍ (الخدريِّ ﵁، قال: ذُكر العزلُ)؛ أي: النزعُ بعد الإيلاج لينزل خارجَ الفرج (١). وفي رواية عن عبد الله بنُ محيريز الجمحي: أنه قال: دخلت المسجدَ، فرأيت أبا سعيد الخدري، فجلست إليه، فسألته عن العزل (٢). ووقع عند الإمام مسلم: قال: ابن مُحيريز: دخلت أنا وأبو صِرْمَة على أبي سعيد، فسأله أبو صرمة، فقال: يا أبا سعيد! هل سمعتَ رسول الله ﷺ يذكر العزل (٣)؟ وأبو صِرْمة -بكسر الصاد المهملة وسكون الراء- اسمه مالك، وقيل: قيس، صحابي مشهور من الأنصار (٤) (لرسول الله ﷺ ) متعلق بذُكر، (فقال): (وَلِمَ يفعلُ ذلك أحدُكم؟! ولم يقلْ) ﷺ : (فلا يفعلْ) ذلك، فصرّح في هذه الرواية بأنه ﵇ لم يصرّح لهم بالنهي، وإنما أشار بالاستفهام الإنكاري إلى أن الأولى تركُ ذلك العزل إن كان خشيةَ حصول الولد، فلا فائدة في ذلك، وفي رواية: أنه ﷺ قال: "أو إنكم لتفعلون؟ " (٥) هذا الاستفهام يشعر بأنه ما كان اطلع على فعلهم ذلك، ففيه تعقيب على من قال: إن قول الصحابي: كنا نفعل كذا في عهد النبي ﷺ مرفوعٌ معتلًا بأن الظاهر اطلاع النبي ﷺ ، ففي هذا الخبر أنهم فعلوا العزله، ولم يعلم به حتى سألوه عنه، نعم للقائل أن يقول: كانت

стр. 3099

دواعيهم متوفرة على سؤاله عن أمور الدين، فإذا فعلوا الشيء، وعلموا أنه لم يطلع عليه، بادروا إلى سؤاله عن الحكم فيه، فيكون الظهور من هذه الحيثية (١). ووقع في رواية: "لا عليكم أَلَّا تفعلوا" (٢)، ثم علل ذلك رسول الله ﷺ بقوله: (فإنه)؛ أي: الشأن والأمر (ليست نفسٌ) من سائر النفوس (مخلوقة)؛ أي: مما سبق في علم الله أنها ستُخلق (إلا اللهُ) -جلّ شأنه- (خالقُها)، فإذا كان الله -سبحانه- قد قدر خلقَ الولد، لم يمنع العزلُ ذلك، فقد يسبق الماء، ولا يشعر العازل، فيحصل العُلوق، ويلحقه الولد، ولا رادّ لما قضى الله. والفرار من الولد يكون لأسباب منها: خشيةُ علوق الزوجة الأُمَّة، لئلا يصير الولد رقيقًا، أو خشيةُ دخول الضرر على الولد المرضَع إذا كانت الموطوءة ترضعه، أو فرارًا من كثرة العيال إذا كان الرجل مُقِلًّا، فيرغب في قلة الولد لئلا يتضرر بتحصيل الكسب، وكل ذلك لا يغني شيئًا، فقد أخرج الإمام أحمد، والبزار، وصححه ابن حبان من حديث أنس: أن رجلًا سأل عن العزل، فقال النبي ﷺ : "لو أنّ الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة، لأخرج الله منها ولدًا" (٣)، وله شاهدان في "الكبير" للطبراني عن ابن عباس، وفي "الأوسط" له عن ابن مسعود (٤).

стр. 3100

وفي "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري في بعض ألفاظه قال: أصبنا سبيًا، فكنا نعزل، فسألنا رسول الله، فقال: "وإنكم لتفعلون؟! " قالها ثلاثًا، "ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة" (١) النسمة -بفتح السين المهملة-، وهي الإنسان، إذ ما من نفس كائنةٍ في علم الله إلّا وهي [كائنة] (٢) في الخارج لابد من مجيئها من العدم إلى الوجود. وفي "السنن" عنه: أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن لي جارية، وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدّث أن العزل الموءودة الصغرى، قال: "كذبت يهود، لو أراد الله أن يخلقه، ما استطعت أن تصرفه" (٣).

стр. 3101

الحديث السابع عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ، وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ، لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ، لَنَهَانَا عَنْهُ القُرْآنُ (١). * * * (عن جابر) بنِ عبد الله الأنصاريِّ (﵄ قال: كنا) معشرَ الصحابة (نعزل) عن النِّساء بأن نجامعهن، فإذا أردنا أن ننزل، أنزلنا خارج فروج النساء المجامَعات لغرضٍ من الأغراض، (والقرآن) العظيم (ينزل)

стр. 3102

من الرب العليم إلى النبي الكريم، والجملة حالية. وفي رواية: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزله، هذا القدر المتفق عليه من حديث جابر، وزاد مسلم عن إسحاق بن راهويه عن سفيان بن عينية: أنه قال: (لو كان) -أي: العزل- (شيئًا يُنْهَى عنه، لنهانا عنه القرآن (١). وأخرجه الإسماعيلي من طرق عن سفيان، وظاهر هذا أن سفيان قاله استنباطًا، ولا يخفى أنّ كلام المصنف ﵀ يوهم أن هذه الزيادة من نفس الحديث، ولم ينبّه ابن دقيق العيد على ذلك، بل شرحه بالزيادة، فقال: استدلال جابر بالتقرير من الله غريب، ويمكن أن يكون استدل بتقرير الرسوله، لكنه مشروط بعلمه بذلك (٢)، انتهى. ويكفي في علمه قول الصحابي: إنه فعله في عهده، والمسألة مشهورة في الأصول وفي علم الحديث، وهي أن الصحابي إذا أضافه إلى زمن النبي ﷺ ، كان له حكم الرفع عند الأكثر؛ لأن الظاهر: أنّ النبي ﷺ اطلع على ذلك، وأقره؛ لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، وإذا لم يضفه، فله حكم الرفع -أيضًا- عند قوم، وهذا من الأول، فإن جابرًا صرّح بوقوعه في عهده ﷺ ، وقد وردت عدة طرق تصرح باطلاعه على ذلك. واستظهر الحافظ ابن حجر في "الفتح": أنّ الذي استنبط ذلك، سواء كان هو جابرًا أو سفيان، أراد بنزول القرآن: ما يقرأ أعم من المتعبَّد بتلاوته أو غيره مما يوحى إلى النبي ﷺ ، فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع، ولو كان حرامًا، لم نُقَرَّ عليه، وإلى ذلك يشير قول ابن عمر: كنا نتقي الكلامَ

стр. 3103

والانبساط إلى نسائنا هيبةً أن ينزل فينا شيء على عهد النبي ﷺ ، فلما مات النبي ﷺ ، تكلمنا وانبسطنا، أخرجه البخاري (١). وفي "مسلم" من حديث جابر -أيضًا-: كنا نعزل في عهد رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك نبيَّ الله، فلم ينهنا (٢). وفيه عن جابر -أيضًا-: أنّ رجلًا أتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن لي جارية، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، فقال: "اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها" (٣)، فلبث الرجل ثم أتاه، فقال: إنّ الجارية قد حبلت، قال: "قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قُدِّر لها". وفي رواية: فقال ﷺ : "أنا عبد الله ورسوله" (٤) وأخرجه الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، وابن ماجه بسندٍ على شرط الشيخين (٥). وفي مسلم من حديث أسامة بن زيد ﵄: أنّ رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إنِّي أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله ﷺ : "لِمَ تفعل ذلك؟! "، فقال: الرجل: أشفق على ولدها، أو على أولادها، فقال رسول الله ﷺ : "لو كان ضارًّا، ضرّ فارس والروم" (٦).

стр. 3104

وفي "مسند الإمام أحمد"، و"سنن ابن ماجه" من حديث ابن عمر ﵄، قال: نَهَى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرّة إلا بإذنها (١). قال: أبو داود: سمعتُ أبا عبد الله -يعني: الإمام أحمد- ذكرَ حديثَ ابن لهيعةَ عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن المحرز، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يعزل عن الحرّة إلّا بإذنها"، فقال: ما أنكره. قال في "الهدي": فهذه الأحاديث صريحة في جواز العزله، قال: وقد رُويت الرخصة فيه عن عشرة من الصحابة ﵃: الإمام علي، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وأبي أيوب، وجابر، وابن عباس، والحسن بن الإمام علي، وخباب بن الأرت، وأبي سعيد الخدري، وابن مسعود. قال ابن حزم: جاءت الإباحة صحيحة عن جابر، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وابن مسعود. قال في "الهدي": وهذا هو الصحيح، وحرمه جماعة، منهم: ابن حزم وغيره، وفرقت طائفة بين أن تأذن، له الحرة أو لا تأذن وإن كانت زوجته أمَة، أبيح بإذن سيدها، لا بدون إذنه، وهذا منصوص الإمام أحمد وأصحابه، ومنهم من قال: لا يباح بحاله، ومنهم من قال: يباح بكل حال، ومنهم من قال: يباح بإذن الزوجة، حرة كانت أو أمة، فمن أباحه مطلقًا، احتجّ بما ذكرنا من الأحاديث، وبأن حقّ المرأة في ذوق العُسيلة، لا في

стр. 3105

الإنزال، ومن حرّمه مطلقًا، احتجّ بما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث عائشة ﵂، عن جذامة بنت وهب أختِ عكاشة، قالت: حضرتُ رسولَ الله ﷺ في أناس، فسألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك الوأد الخفي"، وهي: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (١) [التكوير: ٨]، قالوا: وهذا ناسخ لأخبار الإباحة، فإنه ناقل عن الأصل، وأحاديث الإباحة على وفق البراءة الأصلية، وأحكام الشرع ناقلة عن البراءة. قالوا: وقول جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيئًا يُنهى عنه، لنهى عنه القرآن -على ما مرّ-، فيقال: قد نَهَى عنه مَنْ أُنزل عليه القرآن بقوله: "إنه الموءودة الصغرى"، والوأد كله حرام. قالوا: وقد فهم الحسن البصري النهيَ من حديث أبي سعيد الخدري لمّا ذكر العزل عند رسول الله ﷺ ، قال: "لا عليكم ألا تفعلوا ذاكم، فإنما هو القدر"، قال الحسن: واللهِ لكأَن هذا زجرٌ (٢)، ولأن فيه قطعَ النسل المطلوب من النكاح، وسوء العشرة، وقطع اللذة عند استدعاء الطبيعة لها. قالوا: ولهذا كان ابن عمر لا يعزل وقال: لو علمت أنّ أحدًا من ولدي يعزل، لنكلته، وكان علي يكره العزل، ذكره شعبة عن عاصم عن زر، عنْه، وصحّ عن ابن مسعود أنه قال في العزل: هي الموءودة الصغرى، وصحّ عن أبي أمامة أنه سئل عنه، فقال: ما كنتُ أرى مسلمًا يفعله، وقال نافع عن ابن عمر: ضرب عمر على العزل بعض بنيه، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري

стр. 3106

عن سعيد بن المسيب، قال: كان عمر وعثمان ينهيان عن العزل (١). قال ابن حزم: حديث الإباحة وحديث الحظر صحيحان، ولكن حديث التحريم ناسخ (٢). قال في "الهدي": وهذه دعوى تحتاج إلى تاريخٍ محقق يبين تأخر أحد الحديثين عن الآخر، وأنى به؟!، وقد اتفق عمر وعلي على أنها لا تكون موءودة حتى تمرّ عليها التارات السبع. وروى القاضي أبو يعلى بإسناده عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، قال: جلس إلى عمر عليٌّ والزبير وسعد في نفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتذاكروا العزل، فقالوا: لا بأس به، فقال رجل: إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى! فقال عليٌّ: لا تكون موءودة حتى تمرّ عليها التارات السبع: حتى تكون من سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظمًا، ثم تكون لحمًا، ثم تكون خلقًا آخر، فقال عمر: صدقتَ -أطال الله بقاءك-. قال في "الهدي": وبهذا احتج من احتج على جواز الدعاء للرجل بطول البقاء. وأما من جوّزه بإذن الحرة، فقال: للمرأة حقٌّ في الولد كما للرجل حقٌّ فيه، ولهذا كانت أحقَّ بحضانته (٣). قلت: معتمد مذهب الإمام أحمد الذي استقر عليه: أنه يحرّم العزل عن

стр. 3107

الحرّة إلا بإذنها، وعن الأمَة إلّا بإذن سيّدها، ويعزل عن سريّته بلا إذن، ويعزل وجوبًا من الكل بدار حرب بلا إذن، وإذا عَنَّ له أن ينزع قبل الإنزال، لا على قصد الإنزال خارج الفرج، لم يحرم في الكل (١). قال: الحافظ ابن حجر في "الفتح": وقد اختلف السلف في حكم العزل، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلّا بإذنها (٢)؛ لأن الجماع من حقها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلّا ما لا يلحقه عزله، ووافقه في نقل هذا الإجماع: أبو المظفر عونُ الدين بنُ هبيرة، وعبارته: وأجمعوا على أنه ليس له العزل إلّا بإذنها (٣)، وتُعقب بأن المعروف عند الشافعية: أن المرأة لا حقَّ لها في الجماع أصلًا، ثم في خصوص هذه المسألة عند الشافعية خلافٌ مشهور في جواز العزل عن الحرّة بغير إذنها. قال: الغزالي وغيره: يجوز، وهو المصحَّح عند المتأخرين، كما في "الفتح"، واحتجّ الجمهور لاعتبار الإذن بحديث ابن عمر -المتقدم- رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، ولفظه: نَهَى عن العزل عن الحرّة إلّا بإذنها (٤)، وفي إسناده ابن لهيعة، وتقدم كلام الإمام أحمد الذي نقله أبو داود. والوجه الآخر للشافعية: المنع إذا امتنعت، وفيما إذا رضيت وجهان: أصحهما: الجواز، هذا كله في الحرة. وأما الأمَة، فإن كانت زوجة، فهي مرتبة على الحرة، إن جاز فيها، ففي

стр. 3108

الأمة أولى، وإن امتنع، فوجهان، أصحهما: الجواز، تحرزًا من إرقاق الولد، وإن كانت سريّة، جاز بلا خلاف عندهم، إلّا في وجهٍ حكاه الروياني في المنع مطلقًا، كمذهب ابن حزم، وإن كانت السرية مستولدة، فالراجح: الجوازُ فيها مطلقًا؛ لأنها ليست راسخة في الفراش. وقيل: حكمها حكم الأمَة المزوجة. والراجح عند أبي حنيفة، ومالك، وأحمد: اعتبار إذن سيد الأمة المزوَّجة، لا إذنها هي. وقال أبو يوسف، ومحمد: الإذن لها هي، وهي رواية عن الإمام أحمد، وعنه: بإذنهما، وحجة التفصيل ما رواه عبد الرزاق بسندٍ صحيح عن ابن عباس ﵄، قال: تُستأمر [الحرة] (١) في العزل، ولا تُستأمر السرية (٢)، فإن كانت أمَة تحت حر، فعليه أن يستأمرها. قال في "الفتح": وهذا نص في المسألة، فلو كان مرفوعًا، لم يجز العدول عنه (٣). تتمة: ثبت في "صحيح مسلم": أنه ﷺ قال: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيلة حتى ذكرتُ أنّ الروم وفارس يصنعون ذلك، فلا يضر أولادهم" (٤). وفي "سنن أبي داود" من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعًا: "لا تقتلوا

стр. 3109

أولادكم سرًا، فَوَالذي نفسي بيده! إنه ليدرك الفارس فَيُدَعْثِرُهُ"، قلت: ما يعني؟ قال: الغيلة: يأتي الرجلُ امرأته وهي تُرضع (١). قال الإمام ابن القيّم في "الهدي": أما الحديث الأول، فهو حديث جذامةَ بنتِ وُهْب، وقد تضمن أمرين: لكلٍّ منهما معارض، فصدرُه هو الذي تقدم: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغيل"، وعارضَه حديث أسماء، وعجزه: ثم سألوه عن العزل، فقال: "ذلك الوأد الخفي" -كما تقدم-، وعارضه حديثُ أبي سعيد: "كذبت يهود"، وقد يقال: إنّ قوله: "لا تقتلوا أولادكم سرًا" نهي أن ينسب إلى ذلك فإنه شبه الغيل بقتل الولد، وليس بقتل حقيقة، وإلّا لكان من الكبائر، ولا ريب أن وطء المراضع مما تعم به البلوى، ويتعذّر على غالب الرجال الصبر عن امرأته مدّة الرضاعة، فلو كان وطؤهنَّ حرامًا، لكان معلومًا من الدين، وكان بيانه من أهم الأمور، ولم تهمله الأمة وخير القرون ولا يصرح أحد منهم بتحريمه، فعلم أنّ حديث أسماء على وجه الإرشاد والاحتياط للولد، وأَلَّا يعرضه لفساد اللبن بالحمل الطارىء عليه، ولهذا كانت عادة العرب أن يسترضعوا لأولادهم غير أمهاتهم، والمنعُ منه غايته أن يكون من باب سدِّ الذرائع التي تفضي إلى الإضرار بالولد، وقاعدة سد الذرائع أنه إذا عارضه مصلحةٌ راجحة، قدّمت عليه (٢)، والله الموفق.

стр. 3110

الحديث الثامن عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إلَّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذَلكَ، إلَّا حارَ عَلَيْهِ". كذا عند مسلم، وللبخاري نحوه (١). * * * (عن أبي ذَرٍّ) جُنْدُبِ -بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة

стр. 3111

وفتحها -أيضًا- ابنِ جُنادة -بضم الجيم وتخفيف النون-، وقيل: جُندب بن عبد الله، والمشهور: جُنادة بن سفيان بن عبيد بن الرقيعة بن حرام بن غفار بن مُلَيل بن حمزة بن كنانة. وقال: ابن عبد البر: ابن جنادة بن قيس بن عمرو بن مُلَيل -بضم الميم وفتح اللام- ابن صُعَير -بضم الصاد وفتح العين المهملتين- ابن حرام بن غِفار -بكسر الغين المعجمة- ابن كنانة بن خزيمة بن مدركة الغفاري (﵁) وهو من أعلام الصحابة وزُهادهم، ومن المهاجرين، وهو أول من حيَّا النبي ﷺ بتحية الإسلام، فقال: السلامُ عليكَ يا رسول الله، فقال: "وعليكَ ورحمةُ الله"، ثم قال: "من أنتَ؟ "، الحديث الطويل المشهور في إسلامه (١). وكان إسلامه قديمًا بعد ثلاثة أو أربعة أو خمسة، على الخلاف في ذلك، ثم رجع إلى بلاد قومه، ثم قدم على النبي ﷺ بعد الخندق، وقال له ﷺ لمّا رآه: "أنتَ أبو نَمْلة؟ " يعنيِ: أبا ذر؛ لأنهما يشتبهان غالبًا، فقال: أنا أبو ذر، فقال: "نعم أنت أبو ذَرّ" (٢)، ثم سكن الرَبَّذَة -بفتح الراء والباء الموحدة وبالذال المعجمة- إلى أن مات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان، وصلّى عليه ابن مسعود ﵃، ثم مات ابن مسعود بعده بعشرة أيام. وروي لأبي ذر ﵁ عن رسول الله ﷺ مئتين حديث وأحد وثمانون حديثًا، في "الصحيحين" ثلاثة وثلاثون، اتفقا منها على اثني

стр. 3112

عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بتسعة عشر (١). وقال النبي ﷺ في حقه: "أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم" (٢). أخرج الترمذي من حديثه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدقَ ولا أوفى من أبي ذر، شبه عيسى بن مريم"، فقال عمرُ بن الخطاب كالحاسد: يا رسول الله! أفنعرف ذلك له؟ قال: "نعم فاعرفوه" حسّنه الترمذي (٣)، وروى نحوه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٤) (أنه)؛ أي: أبا ذر، (سمع رسول الله ﷺ يقول: ليس من رجل)؛ أي: شخص، من ذكر أو أنثى (ادّعى)؛ أي: انتسب (لغير أبيه)، واتخده أبًا، (وهو يعلمه)؛ أي: يعلم أنه غير أبيه (إلّا كفر)، زاد البخاري: "بالله" (٥)؛ أي: إن استحلّ ذلك مع علمه بالتحريم، وإلا فهو زجر وتنفير وكفر النعمة على رواية إسقاط زيادة البخاري. والحاصل أنه متى استحلّ ذلك، مع علمه أنه حرام، كفر، وإلّا فظاهر اللفظ غير مراد، وإنما أورد على سبيل التغليظ لزجر فاعل ذلك، والمراد

стр. 3113

بإطلاق الكفر: أنّ فاعله فعل فعلًا شبيهًا بفعل أهل الكفر (١). (ومن ادّعى) (ما ليس له)؛ أي: حقًا، سواء كان مالًا أو غيره، (فليس منا). قال النووي: قال العلماء: ليس على هدينا وجميل طريقتنا (٢)، (وليتبوأ)؛ أي: ليتّخذ (مقعده من النار) المعهودةِ التي هي نار جهنم؛ أي: فليتّخذ له منزلًا في النار، فهو إما دعاءٌ من الرسول عليه بذلك، وإما خبر بمعنى الأمر؛ أي: هذا جزاؤه إن جوزيَ، وقد يُعفى عنه، وقد يتوب فيسقط الإثم (٣)، (ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال) له: (عدوَّ الله، وليس) المدعو بالكفر كافرًا، أولا مَنْ قيل فيه إنه (٤) عدو الله (كذلك، إلا حار) -بحاء وراء مهملتين-؛ أي: رجع (عليه)؛ أي: على القائل ذلك القولَ، فإذا قال: لمسلم: يا كافر بلا تأويل، كفر، فإن أراد كفرَ النعمة، فلا. قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (كذا عند مسلم) في "صحيحه"، (ولـ) ـلإمام (البخاري نحوه)؛ أي: نحو ما تقدم، ولفظ البخاري عن أبي ذر ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليس من رجلٍ ادعى لغير أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر بالله، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسب، فليتبوأ مقعده من النار" ذكر هذا الحديث في كتاب: بدء الخلق من "صحيحه" بعد ذكر الأنبياء (٥)، وذكره في باب: الأدب من "صحيحه"

стр. 3114

عن أبي ذر -أيضًا-: سمع النبي ﷺ يقول: "لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك" (١)، وذكر البخاري -أيضًا- في: بدء الخلق، عن واثلة بن الأسقع، ولم يخرج له في كتابه غيره، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أعظم الفِرى أن يَدَّعي الرجل إلى غير أبيه، أو يُري عينيه ما لم تر، أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل" (٢). وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه، فهو كفر" (٣). وفيهما عن أبي عثمان النهدي، قال: لمّا ادّعى زياد، لقيت أبا بَكْرة، فقلتُ له: ما هذا الذي صنعتم؟ إني سمعتُ سعدَ بن أبي وقاص ﵁ يقول: سمعت أذني من رسول الله ﷺ وهو يقول: "من ادّعى أبًا في الإسلام غيرَ أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنّة عليه حرام"، فقال أبو بكرة: أنا سمعته من رسول الله ﷺ (٤). وفي لفظٍ آخر: وكلاهما يقول: سمعته أذناي ووعاه قلبي (٥). وظاهر هذه الأحاديث يقتضي أن من قال لآخر: أنتَ فاسق، أو قال له:

стр. 3115

أنتَ كافر، فإن كان ليس كما قال، فهو المستحق للوصف المذكور، وإن كان كما قال، لم يرجع عليه شيء، لكونه صدق فيما قال، لكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقًا ولا كافرًا أَلَّا يكون إثما في صورة قوله له: أنتَ فاسق، بل ينبغي أن يفصل بين أن يقصد نصحَه، أو نصحَ غيره ببيان حاله، أو يقصد تعييره وشهرته بذلك ومحضَ أذاه، وحينيذٍ يكون آثمًا؛ لأن ذلك غير جائز؛ لأنه مأمورٌ بالستر عليه، وتعليمه وموعظته بالحسنى على قدر الإمكان، فمهما أمكنه فعلُ المعروف والنهي عن المنكر بالرفق، لا يفعله بالعنف؛ لأنه قد يكون سببًا لإغرائه وإصراره على ذلك الفعل كما هو في طبع كثيرٍ من الناس من الأنفة، لاسيما إن كان الآمر دون المأمور في المنزلة (١). تنبيهان: الأول: قال في "الفتح": قال النووي: اختلف في تأويل هذا الرجوع، فقيل: رجع عليه الكفر إن كان مستحلًّا (٢). قال في "الفتح": وهذا بعيدٌ من سياق الخبر، وقيل: محمولٌ على الخوارج؛ لأنهم يكفِّرون المؤمنين، هكذا نقله عياض عن الإمام مالك (٣)، وهو ضعيف؛ لأن الصحيح عند الأكثرين: أنّ الخوارج لا يكفرون ببدعتهم. قال في "الفتح": ولِما قاله مالك وجه، وهو أن منهم من يكفّر كثيرًا من الصحابة ممن شهد له رسولُ الله ﷺ بالجنّة وبالإيمان، فيكون كفرُهم من

стр. 3116

حيث تكذيُبهم للشهادة المذكورة، لا من مجرد صدور التكفير منهم بتأويل. قلت: وفي هذا ما لا يخفى على محقق، والتحقيق: أن الحديث سيق لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم. وقيل: رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به. وقيل: يُخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر كما قيل: المعاصي بريد الكفر، فيخاف على من أدامها وأصرّ عليها سوءُ الخاتمة، وعلى ذلك، فالراجع إليه التكفيرُ لا الكفر، فكأنه كفّر نفسه بكونه كفّر مَنْ هو مثلُه، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام، ويؤيده أن في بعض طرقه: "وجب الكفر على أحدهما" (١)، وهذا الذي رجحه الحافظ ابن حجر في "الفتح"، فقال: من قال ذلك لمن يُعرف منه الإسلام ولم تقم له شبهة في زعمه أنه كافر، فإنه يكفر بذلك، قال: فهذا أرجح من الجميع (٢)، انتهى. الثاني: يحرم الانتفاء عن النسب وادّعاء نسب غير نسبه (٣)، والله أعلم.

стр. 3117

كتاب الرضاع الرَّضاع -بفتح الراء وكسرها- مصدر رَضِعَ الصبيُّ الثديَ -بكسر الضاد وفتحها-: مصّه، قال ابن الأعرابي: والكسرُ أفصح. قال في "المطلع": يرضِع -بالفتح مع الكسر، والكسر مع الفتح، رَضْعًا، كفَلْس، ورَضَعًا كفَرَس، ورَضِاعًا -بفتح الراء وكسرها-، ورضاعة، ورَضِعًا -بفتح الراء وكسر الضاد-، حكى السبعةَ ابنُ سيده، والفراءُ في المصادر. قال المطرزي في "شرحه": وامرأة مرضع: إذا كانت ترضع ولدها ساعةً بعد ساعة، وامرأة مرضعة: إذا كان ثديها في فم ولدهما، قال ثعلب: فمن ها هنا جاء القرآن ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]، ونقل الحربي عن الفراء: المرضعة: الأم، والمرضع: التي معها صبي ترضعه، فالولد رضيع، وراضع، ومرضع: إذا أرضعته أمه، انتهى (١). وذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب ستة أحاديث:

стр. 3118

الحديث الأول عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ في بنْتِ حَمْزَةَ: "لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَهِيَ ابْنَةُ أَخَي مِنَ الرَّضَاعَةِ" (١). * * * (عن ابن عباس) حبرِ الأمة عبدِ الله بن عباس (﵄، قال: قال رسول الله ﷺ في بنت حمزة) اختلف في اسمها، فقيل: آمنة،

стр. 3119

وقيل: أمامة، وقيل: عمارة، قاله ابن بشكوال (١)، ونقله الخطيب عن الواقدي، وأنه انفرد به، وقيل: أمَةُ الله، وقيل: فاطمة، وقيل: عائشة، وقيل: سلمى، وقيل: يعلى، كذا في "الفتح" (٢)، وأسقط آمنة. قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- في "مختصر السيرة" له: لما مات حمزة، لم يكن له إلا ابنة. قال الحافظ عبد الكريم في "شرحه": قال أبو محمّد بنُ قدامة -يعني: الإمامَ الموفق-: كان له -أيضًا-: يعلى، وعمارة. قال ابن عبد البر: توفي ﷺ وليعلى وعمارة أعوام، ولا يحفظ لهما رواية (٣). وقال مصعب: ولد لحمزة خمسة رجالٍ لصلبه، وماتوا ولم يعقبوا، ولم يبق لحمزة عقب (٤). قال الإمام الموفق: ومن أولاد حمزة: أمامة، وهي التي أخرجها علي من مكة، واختصموا فيها، وزوَّجَها النبي ﷺ من سَلَمة بن أبي سَلَمة ربيبِ النبيِّ ﷺ ، فهلك قبل اجتماعهما. ولحمزة -أيضًا- ابنة تسمى: أم الفضل، روى عنها عبد الله بن شداد، قالت: تُوفي مولًى لنا، وترك ابنةً وأختًا، فأعطى الابنةَ النصفَ، والأختَ النصفَ (٥).

стр. 3120

وقيل: اسم أم الفضل فاطمة، وقيل: فاطمة غيرُ أم الفضل، وإن النبي ﷺ بعث لعلي بحلّة، وأمره أن يجعلها خُمُرًا بين الفواطم، فشقها خمرًا لفاطمةَ بنتِ النبي ﷺ ، وفاطمةَ بنتِ أسد؛ أي: أُمِّ علي -رضوان الله عليهما-، وفاطمةَ بنتِ حمزةَ هذه ﵂ (١). وحمزة هو سيد الشهداء عمُّ المصطفى، ابنُ عبدِ المطلب، يقال له: أسدُ الله، وأسدُ رسول الله، وكان يقاتل بين يدي رسول الله ﷺ بسيفين، ويقول: أنا أسدُ الله، ذكره الحاكم أبو عبد الله (٢). وروى الحاكم -أيضًا- بإسناده: أنّ رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل، فأخبرني أنّ حمزة مكتوبٌ في أهل السموات: أسدُ الله وأسدُ رسوله، وأنه قُتل جُنبًا، فغسَّلته الملائكة"، وقال: صحيح الإسناد، كذا قال (٣). وذكر الحاكم في "المستدرك": أنه يكنى: أبا يعلى، وأبا عمارة، وهما ابنان له (٤). قال: ابن الأثير في "جامع الأصول": أسلم حمزة ﵁ قديمًا، قيل: في السنة الثانية من المبعث، وقيل: بل كان إسلام حمزة بعد دخول رسول الله ﷺ دارَ الأرقم في السنة السّادسة، وكان إسلامه حَمِيَّةً،
следующие страницы →