حيث تكذيُبهم للشهادة المذكورة، لا من مجرد صدور التكفير منهم بتأويل.
قلت: وفي هذا ما لا يخفى على محقق، والتحقيق: أن الحديث سيق لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم.
وقيل: رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به.
وقيل: يُخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر كما قيل: المعاصي بريد الكفر، فيخاف على من أدامها وأصرّ عليها سوءُ الخاتمة، وعلى ذلك، فالراجع إليه التكفيرُ لا الكفر، فكأنه كفّر نفسه بكونه كفّر مَنْ هو مثلُه، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام، ويؤيده أن في بعض طرقه: "وجب الكفر على أحدهما" (١)، وهذا الذي رجحه الحافظ ابن حجر في "الفتح"، فقال: من قال ذلك لمن يُعرف منه الإسلام ولم تقم له شبهة في زعمه أنه كافر، فإنه يكفر بذلك، قال: فهذا أرجح من الجميع (٢)، انتهى.
الثاني: يحرم الانتفاء عن النسب وادّعاء نسب غير نسبه (٣)، والله أعلم.
стр. 3117
كتاب الرضاع
الرَّضاع -بفتح الراء وكسرها- مصدر رَضِعَ الصبيُّ الثديَ -بكسر الضاد وفتحها-: مصّه، قال ابن الأعرابي: والكسرُ أفصح.
قال في "المطلع": يرضِع -بالفتح مع الكسر، والكسر مع الفتح، رَضْعًا، كفَلْس، ورَضَعًا كفَرَس، ورَضِاعًا -بفتح الراء وكسرها-، ورضاعة، ورَضِعًا -بفتح الراء وكسر الضاد-، حكى السبعةَ ابنُ سيده، والفراءُ في المصادر.
قال المطرزي في "شرحه": وامرأة مرضع: إذا كانت ترضع ولدها ساعةً بعد ساعة، وامرأة مرضعة: إذا كان ثديها في فم ولدهما، قال ثعلب: فمن ها هنا جاء القرآن ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]، ونقل الحربي عن الفراء: المرضعة: الأم، والمرضع: التي معها صبي ترضعه، فالولد رضيع، وراضع، ومرضع: إذا أرضعته أمه، انتهى (١).
وذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب ستة أحاديث:
стр. 3118
الحديث الأول
عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ في بنْتِ حَمْزَةَ: "لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَهِيَ ابْنَةُ أَخَي مِنَ الرَّضَاعَةِ" (١).
* * *
(عن ابن عباس) حبرِ الأمة عبدِ الله بن عباس (﵄، قال: قال رسول الله ﷺ في بنت حمزة) اختلف في اسمها، فقيل: آمنة،
стр. 3119
وقيل: أمامة، وقيل: عمارة، قاله ابن بشكوال (١)، ونقله الخطيب عن الواقدي، وأنه انفرد به، وقيل: أمَةُ الله، وقيل: فاطمة، وقيل: عائشة، وقيل: سلمى، وقيل: يعلى، كذا في "الفتح" (٢)، وأسقط آمنة.
قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- في "مختصر السيرة" له: لما مات حمزة، لم يكن له إلا ابنة.
قال الحافظ عبد الكريم في "شرحه": قال أبو محمّد بنُ قدامة -يعني: الإمامَ الموفق-: كان له -أيضًا-: يعلى، وعمارة.
قال ابن عبد البر: توفي ﷺ وليعلى وعمارة أعوام، ولا يحفظ لهما رواية (٣).
وقال مصعب: ولد لحمزة خمسة رجالٍ لصلبه، وماتوا ولم يعقبوا، ولم يبق لحمزة عقب (٤).
قال الإمام الموفق: ومن أولاد حمزة: أمامة، وهي التي أخرجها علي من مكة، واختصموا فيها، وزوَّجَها النبي ﷺ من سَلَمة بن أبي سَلَمة ربيبِ النبيِّ ﷺ ، فهلك قبل اجتماعهما.
ولحمزة -أيضًا- ابنة تسمى: أم الفضل، روى عنها عبد الله بن شداد، قالت: تُوفي مولًى لنا، وترك ابنةً وأختًا، فأعطى الابنةَ النصفَ، والأختَ النصفَ (٥).
стр. 3120
وقيل: اسم أم الفضل فاطمة، وقيل: فاطمة غيرُ أم الفضل، وإن النبي ﷺ بعث لعلي بحلّة، وأمره أن يجعلها خُمُرًا بين الفواطم، فشقها خمرًا لفاطمةَ بنتِ النبي ﷺ ، وفاطمةَ بنتِ أسد؛ أي: أُمِّ علي -رضوان الله عليهما-، وفاطمةَ بنتِ حمزةَ هذه ﵂ (١).
وحمزة هو سيد الشهداء عمُّ المصطفى، ابنُ عبدِ المطلب، يقال له: أسدُ الله، وأسدُ رسول الله، وكان يقاتل بين يدي رسول الله ﷺ بسيفين، ويقول: أنا أسدُ الله، ذكره الحاكم أبو عبد الله (٢).
وروى الحاكم -أيضًا- بإسناده: أنّ رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل، فأخبرني أنّ حمزة مكتوبٌ في أهل السموات: أسدُ الله وأسدُ رسوله، وأنه قُتل جُنبًا، فغسَّلته الملائكة"، وقال: صحيح الإسناد، كذا قال (٣).
وذكر الحاكم في "المستدرك": أنه يكنى: أبا يعلى، وأبا عمارة، وهما ابنان له (٤).
قال: ابن الأثير في "جامع الأصول": أسلم حمزة ﵁ قديمًا، قيل: في السنة الثانية من المبعث، وقيل: بل كان إسلام حمزة بعد دخول رسول الله ﷺ دارَ الأرقم في السنة السّادسة، وكان إسلامه حَمِيَّةً،
стр. 3121
فاعتزّ الإسلام باسلامه، وشهد بدرًا، واستشهد يوم أُحد، قتله وحشيُّ بنُ حرب، وكان أسنَّ من رسول الله ﷺ بأربع سنين، وردّه ابنُ عبد البر؛ لأنه رضيع رسول الله ﷺ ، إلا أن تكون ثُوَيبة أرضعتهما في زمانين، وقيل: كان أسن منه بسنتين.
روى عنه: علي، والعباس، وزيد بن حارثة ﵃ (١).
وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين زيد بن حارثة، فلهذا قال زيد في خصومته مع علي وجعفر في ابنة حمزة: ابنة أخي -كما سيأتي بيان ذلك-.
وأول لواء عقده ﷺ لحمزة ﵁ في الثانية حين بعثه إلى سيف البحر -بكسر السين- من أرض جُهينة، وقيل: بل أول لواء عقده ﷺ لعبيدةَ بن الحارث بن عبد المطلب.
ولما رآه ﷺ قتيلًا، بكى، وقال: "يرحُمك الله يا عمّ، لقد كنت وَصولًا للرحم، فَعولًا للخيرات" (٢)، وكان ذلك في الثالثة من الهجرة.
قال ابن عبد البر: كان حمزة يوم استشهد ابنَ سبع وخمسين سنة، ودفن هو وابن أخيه عبدُ الله بن جحش في قبرٍ واحد، في أحد (٣)، وقبره مشهورٌ يُزار، ومناقبه كثيرة، وفضائله غزيرة مشهورة ﵁.
(لا تحلُّ لي) أن أنكحها، وأولُ الحديث: قيل للنبي ﷺ : ألا تزوّج ابنةَ حمزة (٤)؟
стр. 3122
والقائل له ذلك: علي بن أبي طالب كما في "مسلم" من حديثه، قال: قلت: يا رسول الله! ما لك تَنَوَّقُ في قريش وتدعُنا؟ قال: "وعندَكم شيء؟ "، قلت: نعم، ابنةُ حمزة، الحديث (١).
قوله: تَنَوَّقُ ضبط -بفتح المثناة والنون وتشديد الواو بعدها قاف-؛ أي: تختار، مشتق من النِّيقَة -بكسر النون وسكون التحتية بعدها قاف-، وهي الخيار من الشيء، يقال: تَنَوَّقَ تَنَوُّقًا؛ أي: بالغ في اختيار الشيء وانتقائه.
وعند بعض رواة مسلم: تَتُوق -بمثناة مضمومة بدل النون وسكون الواو- من التَّوْق؛ أي: تميل وتشتهي.
ووقع عند سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيَّب، قال علي: يا رسول الله! ألا تتزوج بنتَ عمك حمزة؟ فإنها من أحسن فتاة في قريش (٢)، وكأنَّ عليًّا لم يعلم أنّ حمزة رضيعُ النبي ﷺ ، أو جوَّزَ الخصوصية، أو كان ذلك قبل تقرير الحكم، قال القرطبي: وبعيدٌ أن يقال عن علي: لم يعلم بتحريم ذلك (٣).
لأنه (يَحْرُم من الرضاع ما يَحْرُم من النسب) كما يأتي تقرير ذلك، (وهي)؛ أي: ابنة حمزة، (ابنةُ أخي من الرضاعة).
قال بعض العلماء: يستثنى من [عموم] (٤) قوله: "يَحْرُم من الرضاع
стр. 3123
ما يَحْرُم من النسب" أربعُ نسوة يحرمن في النسب مطلقًا، وفي الرضاع قد لا يَحْرُمن:
الأولى: أم الأخ في النسب حرام؛ لأنها إمّا أُمٌّ، وإما زوج أبٍ، وفي الرضاع قد تكون أجنبية، فترضع الأخ، فلا تحرم على أخيه.
الثانية: أم الحفيد حرام في النسب؛ لأنها إما بنتٌ، أو زوجُ ابن، وفي الرضاع قد تكون أجنبية، فترضع الحفيد، فلا تحرم على جده.
الثالثة: جدة الولد في النسب حرام؛ لأنها إما أم، أو أمُّ زوجة، وفي الرضاع قد تكون أجنبية أرضعت الولد، فيجوز لوالده أن يتزوج أمها.
الرابعة: أخت الولد حرام في النسب؛ لأنها بنتٌ، أو ربيبة، وفي الرضاع قد تكون أجنبية، فترضع الولد، فلا تحرم على والده بنتُها.
وهذه الصور اقتصر عليها جماعة، ولم يستثنِ الجمهور شيئًا من ذلك، وفي نفس الأمر لا يحتاج إلى استثناء شيء من ذلك؛ لأن المذكورات لم يحرمن جهة النسب، وإنما حرمن جهة المصاهرة (١).
ولما استثنى بعض علمائنا وغيرهم ممّا يحرم من النسب صورتين فقالوا: لا يحرم نظيرهما من الرضاع:
إحداهما: أم الأخت، فتحرم من النسب، ولا تحرم من الرضاعة.
والثانية: أخت الابن، فتحرم من النسب، ولا تحرم من الرضاع.
قال الحافظ ابن رجب وغيره: لا حاجة لاستثناء هاتين، ولا إحداهما، أنها أم الأخت، فإنها تحرم من النسب، لكونها أمًا، أو زوجة أب، لا لمجرد كونها أمَّ أخت، فلا نعلِّق التحريمَ بما لم يعلِّقه به، وحينيذٍ فيؤخذ
стр. 3124
في الرضاع من هي أم أخ ليست أمًا، ولا زوجة أب، فلا تحرم؛ لأنها ليست نظيرًا لذات النسب، وأما أخت الابن، فإنّ الله -تعالى- إنّما حرّم الربيبة المدخول بأمها، فتحرم لكونها ربيبة دخل بأمها، لا لكونها أختَ ابنه، والدخول في الرضاع منتفٍ، فلا يحرم به أولاد المرضعة (١)، انتهى.
وتقدم في باب النكاح المحرمات بالنسب، فكل ما يحرم منه، فإنه يحرم من الرضاع نظيرُه، فيحرم على الرجل أن يتزوج أمهاته من الرضاعة وإن علونَ، وبناتِه منها وإن سَفُلنَ، وأخواته، وبناتُ أخواته من الرضاعة، وعمّاته وخالاته من الرضاعة وإن علونَ دون بناتهنَ، ومعنى هذا: أنّ المرأة إذا أرضعت طفلًا الرضاعَ المعتبر في المدة المعتبرة -كما يأتي بيان ذلك في الحديث الرابع-، صارت أمًا له بنص الكتاب، فتحرم عليه هي وأمهاتها وإن علونَ من نسب أو رضاع، ويصير بناتها كلُّهنَّ أخواتٍ له من الرضاعة،
فيحرمْنَ عليه بالنص، وبقية التّحريم من الرضاعة استفُيد من السنة، كما استفيد منها أنّ تحريم الجمع لا يختص بالأختين، بل المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها كذلك، وإذا كان أولاد المرضعة من نسبٍ أو رضاع إخوة للمرضع، فيحرم عليه بنات إخوته -أيضًا-، كما امتنع في من تزويج ابنة حمزة وابنة أبي سَلَمة، وعلل ذلك بأن أبواهما كانا أخوين له من الرضاعة، ويحرم عليه -أيضًا- أخواتُ المرضِعة؛ لأنهنَّ خالاته، وتنتشر الحرمة -أيضًا- إلى الفحل -كما يأتي- (٢).
стр. 3125
كشف اللثام شرح عمدة الأحكام
تأليف
الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن سالم السفاريني النابلسي الحنبلي
المولود سنة (١١١٤ هـ) - والمتوفى سنة (١١٨٨ هـ) - رحمه الله تعالى -
[المجلد السادس]
اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا
نور الدين طالب
стр. 3126
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3127
كَشْفُ اللِّثَامِ شَرح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ
стр. 3128
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
رَقم الْإِيدَاع بمَكتَب الشؤون الفَنيَّة
٢٢/ ٢٠٠٧ م
قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة
الكويت - الرقعي - شَارِع مُحَمَّد بني الْقَاسِم
بدالة: ٤٨٩٢٧٨٥ - داخلي: (٤٠٤)
فاكس: ٥٣٧٨٤٤٧
موقعنا على الإنترنت
www.islam.gov.kw
قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والتصحيح العلمي والإخراج الفني والطباعة
دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها الْعَام نور الدّين طَالب
سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦
لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤
هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ (٠٠٩٦٣١١) - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
www.daralnawader.com
стр. 3129
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الرَّضَاعَةِ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ" (١).
стр. 3130
(عن) أم المؤمنين (عائشةَ) الصدّيقة (﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : إنّ الرضاعة) المعتبرة (تحرّم ما يحرم من الولادة) أي: وتُبيح ما تُبيح، وهو بالإجماع فيما يتعلق بتحريم النكاح وتوابعه، وانتشار الحرمة بين الرضيع وأولاد المرضعة، وتنزيلهم منزلةَ الأقارب في جواز النظر والخلوة والمسافرة، ولكن لا يترتب عليه أحكام الأمومة من التوارث ووجوبِ الإنفاق والعتقِ بالملك والشهادةِ والعقلِ وإسقاطِ القصاص (١).
قال القرطبي: وقع في رواية: "ما تحرّم الولادة"، وفي رواية: "ما يحرم من النسب"، وهو دال على جواز نقل الرواية بالمعنى، قال: ويحتمل أنه ﷺ قال اللفظين في وقتين (٢).
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الثاني المعتمد، فإن الحديثين مختلفان في القصة والسبب والراوي، وإنما يتأتى ما قال إذا اتّحد ذلك.
وقد وقع عند الإمام أحمد من وجهٍ آخر عن عائشة ﵁: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب من خال أو عَمٍّ أو أخ" (٣).
قال القرطبي: في الحديث دلالة على أنّ الرضاع ينشر الحرمة بين الرضيع والمرضعة وزوجها، يعني: الذي وقع الإرضاع بلبن ولده منها، أو السيد، فيحرم على الصبي؛ لأنها تصير أمه وأمها؛ لأنها جدته فصاعدًا، وأختها؛ لأنها خالته، وبنت بنتها فنازلًا؛ لأنها بنتُ أخته، وبنتَ صاحب اللبن؛ لأنها أخته، وبنتَ بنته فنازلًا؛ لأنها بنتُ أخته، وأمَّه فصاعدًا؛ لأنها جدته، وأختَه؛ لأنها عمته، ولا يتعدى التحريم إلى أحد من قرابة الرضيع،
стр. 3131
فليست أختُه من الرضاعة أختًا لأخيه، ولا بنتًا لأبيه، إذ لارضاعَ بينهم.
والحكمة في ذلك: أنّ سبب التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة وزوجها، وهو اللبن، فإذا اغتذى به الرضيع، صار جزءًا من أجزائهما، فانتشر التحريم بينهم؛ بخلاف قرابات الرضيع؛ لأنه ليس بينهم وبين المرضعة ولا زوجها نسب ولا سبب (١).
قال الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين": والتحريم بالرضاع يختص بالمرتضع نفِسهِ، وينتشر إلى أولاده، ولا ينتشر تحريمُه إلى مَنْ في درجة المرتضع من إخوته وأخواته، ولا إلى من أعلى منه من آبائه وأمهاته، وأعمامه وعمّاته، وأخواله وخالاته، فتباح المرضعة نفسُها لأبي المرتضِع من النسب، ولأخيه، وتباح أمُّ المرتضِع من النسب وأختُه منه لأبي المرتضِع من الرضاعة، ولأخيه، هذا قول جمهور العلماء، فقالوا: يباح أن يتزوج أختَ أخيه من الرضاعة، وأختَ ابنته من الرضاعة، حتى قال الشعبي: هي أَحَلُّ ممّا قد مرّ، وصرّح بإباحتها حبيبُ بن أبي ثابت، والإمام أحمد.
وروى أشعث عن الحسن: أنه كره أن يتزوج الرجل بابنة ظئر ابنه، يقول: أخت ابنه، ولم يرَ بأسًا أن يتزوج أمها، يعني: ظئر ابنه.
وروى سليمان التيمي [عن الحسن] (٢): أنه سئل عن الرجل يتزوج أخت أخيه من الرضاعة، فلم يقل فيه شيئًا.
قال الحافظ ابن رجب: وهذا يقتضي توقفه فيه، قال: ولعل الحسن
стр. 3132
إنما كان يكره ذلك تنزيهًا لا تحريمًا، لمشابهته المحرم بالنسب في الاسم، وهذا بمجرده لا يوجب تحريمًا (١).
فائدة: ممّا يدخل في عموم قوله ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" ونحوِه من الأحاديث: ما لو ظاهَرَ من امرأته، فشبهها بمحرَّمةٍ من الرضاع، فقال مثلًا: أنتِ عليَّ كأمي من الرضاع، فالجمهور يثبتون الظهار بذلك، منهم: ما لك، والثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وهو المشهور من مذهب أحمد، بل هو الذي استقر عليه المذهب.
وقال الشافعي: لا يثبت به.
وتوقف أحمد في رواية ابن منصور (٢)، والله أعلم.
стр. 3133
الحديث الثالث
وَعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ اسْتأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الحِجَابُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ! لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسولِ اللهِ ﷺ فإنَّ أَخَا أَبَا القُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسولَ اللهِ! إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ، قَالَ: "ائذَني لَهُ، فَإنَّهُ عَمُّكَ، تَرِبَتْ يَمِيُنَكِ".
قال عروةُ: فبذلك كانت عائشةُ تقول: حَرِّموا من الرضاعة ما يَحْرُمُ من النسب (١).
وفي لفظ: استأذنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ، فلم آذَنْ لَهُ، فقالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنا عَمُّكِ؟ فَقُلْتُ: كيفَ ذلكَ؟ قال: أَرْضَعَتْكُ امرأةُ أَخي بلبنِ أَخي، قالت:
стр. 3134
فسألتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ: "صَدَقَ أَفْلَحُ، ائذَنِي لَهُ" (١).
* * *
(وعنها)؛ أي: عن أم المؤمنين عائشةَ الصدّيقةِ ﵂ (قالت: إن أَفْلَحَ) -بفتح الهمزة وسكون الفاء وبالحاء المهملة غير منصرف للعلمية ووزن الفعل-، ويكنى بأبي الجعد كما قاله الخطيب.
قال ابن عبد البر: لا أعلم له خبرًا ولا ذِكْرًا أكثرَ ممّا جرى من ذكره في حديث عائشة من الرضاع، ثم قال: يقال: إنه من الأشعريين (٢)، والذي صوّبه أئمةُ الحديث وحفّاظُهم أن أفلح المذكور كان (أخا أبي القُعَيس) -بضم القاف وفتح العين المهملة وسكون المثناة تحت وآخره سينٌ مهملة-.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": ولم أقف على اسم أبي القعيس إلا في كلام الدارقطني، فقال: بل هو وائل بنُ أفلحَ الأشعريُّ، وحكى هذا ابنُ عبد البر، ثم حكى -أيضًا- أن اسمه الجَعْدُ، فعلى هذا يكون أخوه وافقَ اسمُه اسمَ أبيه، ويحتمل أن يكون أبو القعيس نسب لجده، ويكون اسمه
стр. 3135
وائل بن قعيس بن أفلح بن قعيس، وأخوه: أفلح بن قعيس بن أفلح أبو الجعد، انتهى (١).
(استأذن) ليدخل (عَلَيَّ)، لكونه مَحْرَمًا، وذلك (بعد ما أُنزل) -بضم الهمزة- مبينًا لما لم يسمى فاعله (الحجاب) -بالرفع- ائب الفاعل؛ أي: بعد ما أنزل اللهُ آيةَ الحجاب، وهي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] إلى قول: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] في سورة الأحزاب، (فقلت: واللهِ! لا آذَنُ
له حتى أستأذنَ رسولَ الله ﷺ ) في ذلك، وفي لفظٍ: فأبيتُ أن آذن له (٢)، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك؟ قالت عائشة ﵂ معللةً لعدم إذنها في دخوله عليها: (فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني، ولكن
أرضعتني امرأةُ أبي القعيس)، وفي رواية معمر عن الزهري عند مسلم: وكان أبو القعيس زوجَ المرأة التي أرضعت عائشة ﵂ (٣)، قالت: (فدخل عليَّ رسولُ الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إنّ الرجل ليس هو أرضعني) حتى يُباح لأخيه أن يدخل عليَّ وأكونَ له ابنة أخ، (ولكن أرضعتني امرأته، فقال) ﷺ : (ائذني له، فإنّه عمّك تربَتْ يمينك)، وفي رواية سفيان: "يداك"، أو "يمينك" (٤)، وفي روايةٍ: فأمرني أن آذن له (٥)،
стр. 3136
وفي رواية مالك عن هشام بن عروة: "إنه عمّك، فليلجْ عليكِ" (١)، وفي روايةٍ: "صدق أفلحُ، ائذني له" (٢).
ووقع في رواية سفيان الثوري عن هشام عند أبي داود: دخل عليَّ أفلحُ، فاستترت منه، فقال: أتستترين مني وأنا عمّك؟ قلت: من أين؟ قال: أرضعتكِ امرأةُ أخي، قلت: إنما أرضعتني المرأةُ، ولم يرضعني الرجلُ، الحديث (٣)، ويأتي.
ويُجمع بأنه دخل عليها أوّلًا، فاستترت منه، ودار بينهما الكلام، ثم جاء يستأذن ظنًا منه أنها قبلَتْ قوله، فلم تأذن له حتى تستأذنَ له رسول الله ﷺ (٤).
وقوله: "تربت يمينك"؛ أي: أُلصقت بالتراب، وهي كناية عن الفقر كما هو في بعض النسخ: ولفظ: تربت يمينك؛ أي: افتقرت، والعرب تدعو على الرجل، ولا تريد وقوعَ الأمر به، ونقله في "الفتح" عن "العمدة"، فعلم أنه من الأصل.
قال في "الفتح": وزاد غيره، يعني: غير صاحب "العمدة" المصنف -رحمه الله تعالى-: أن صدور ذلك من النبي ﷺ لا يُستجاب، لشرطه ذلك على ربه، وحكى ابن العربي أن معناه: استغنت، ورد بأن المعروف: أترب: إذا استغنى، ترب: إذا افتقر، ووجه بأن الغنى الناشىء عن المال تراب؛ لأن جميع ما في الدنيا تراب، ولا يخفى بعدُه، وقيل: معناه:
стр. 3137
ضعف عقلك، وقيل: افتقرتِ من العلم، وقيل: فيه شرط مقدر؛ أي: وقع لك ذلك إن لم تفعلي، ورجحه ابن العربي (١).
(قال عروةُ) بنُ الزبير بن العوام: (فبذلك) بما تقدم من أمر أفلح أخي أبي القعيس، وأمرِ النبي ﷺ أَلَّا تحتجب منه، لكونه عمَّها من الرضاعة، (كانت) خالته (عائشةُ) ﵂ (تقول: حرِّموا من الرضاعة ما يحرم من النسب)، وظاهر هذا: الوقف.
وقد أخرجه مسلم من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن مالك، عن عروة في هذه القصة، فقال النبي ﷺ : "لا تحتجبي منه، فإنّه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" (٢).
وقد جاءت هذه الزيادة عن عائشة مرفوعة من وجه آخر. (وفي لفظ) عندهما، قالت: (استأذن عليَّ أفلحُ) أخو القعيس (فلم آذنْ له) أن يلج عليّ، (فقال) أفلح: (أتحتجبين مني وأنا عمُّكِ) من الرضاعة؟ (فقلت: كيف ذلك، قال: أرضعتكِ امرأة أخي) منها (بلبن أخي) أبي القعيس، واللبن يضاف إلى الفحل، لم أقف على اسمها.
(قالت) عائشة ﵂: (فسألتُ رسولَ الله ﷺ ) عن قوله، وإباحة نظري إليه ونظره إلي، وثبوت المحرمية بما قال، (فقال) ﷺ : (صدق أفلحُ ائدني، له) فليلج عليك؛ لأنه عمك من الرضاعة، فينشر لَبَنُ الفحل الحرمةَ لمن أرضع الصغير بلبنه، فلا تحل له بنت زوج المرأة التي أرضعته من غيرها مثلًا، وفيه خلافٌ قديم حكي عن ابن عمر، وابن الزبير، ورافع بن خديج، وزينبَ بنتِ أم سَلَمة، وغيرهم، ونقله ابن بطال عن
стр. 3138
عائشة، وفيه نظر، ومن التابعين عن سعيد بن المسيب، وأبي سَلَمة، والقاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبي قلابة، وإياس بن معاوية، أخرجها ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن المنذر.
وعن ابن سيرين: نبئت أنّ ناسًا من أهل المدينة اختلفوا فيه.
وعن زينبَ بنتِ أبي سَلَمة: أنها سألت -والصحابة متوافرون وأمهاتُ المؤمنين-، فقالوا: الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئًا (١)، وقال به من الفقهاء: ربيعةُ الرأي، وإبراهيمُ بنُ عليّة، وابنُ بنت الشافعي، وداودُ الظاهري وأتباعه، فتخصيصُ القاضي عياض ومن تبعه نسبة ذلك لداودَ وإبراهيمَ بنِ عليّةَ غريب، مع وجود الرواية عمن ذكرنا، وحجّتهم: ظاهر قوله -تعالى-: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولم يذكر العمّة، ولا البنت كما ذكرهما في النسب.
والجواب عن ذلك بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه، ولا سيما والأحاديث الصحيحة التي جاءت بتحريم من ذكروا صريحة.
واحتج بعضهم من حيث النظر بأن اللبن لا ينفصل إلا عن المرأة، فكيف ينشر الحرمة إلى الرجل؟
والجواب: أنه قياس في مقابلة النص، فلا يعتبر، و-أيضًا- سبب اللبن ماء الرجل والمرأة معًا، فيجب أن يكون الرضاع منهما، ولهذا أشار ابن
стр. 3139
عباس في هذه المسألة بقوله: اللقاح واحد، أخرجه ابن أبي شيبة (١)، و -أيضًا- الوطء يُدِرُّ اللبن، فللفحل فيه نصيب، ولهذا ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، كالأوزاعي في أهل الشام، والثوري، وأبي حنيفة وصاحبيه في أهل الكوفة، وابن جريج في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأتباعهم: إلى أن لبن الفحل يُحَرِّم، وحجتهم هذا الحديث الصحيح.
وألزم الشافعي المالكيةَ في هذه المسألة بردّ أصلهم بتقديم عمل أهل المدينة، ولو خالف الحديث الصحيح، إذا كان من الآحاد، لما رواه عن عبد العزيز بن محمّد عن ربيعة من أنّ لبن الفحل لا يحرم، قال عبد العزيز: وهذا رأي فقهائنا إلّا الزهري، فقال الشافعي: لا نعلم شيئًا من علم الخاصّة أولى بأَلَّا يكون عامًّا ظاهرًا من هذا وقد تركوه للخبر الوارد، فيلزمهم على هذا إما أن يردّوا هذا الخبر، وهم لم يردّوه، أو يردُّوا ما خالف الخبر على كل حال، وهو المطلوب.
قال القاضي عبد الوهاب من المالكية: يُتصور تجريدُ لبن الفحل برجل له امرأتان، ترضع إحداهما بنتًا، والأخرى صبيًّا، فالجمهور قالوا: يحرم على الصبي تزوجُ الصبية، وقال من خالفهم: يجوز.
قال في "الفتح": وألزم به بعضهم من أطلق من الحنفية القائلين: الصحابي إذا روى عن النبي ﷺ حديثًا، وصحّ عنه، ثم صح عنه العمل بخلافه أن العمل بما رأى، لا ما روى؛ لأن عائشة صحّ عنها أنه لا اعتبار للبن الفحل، ذكره مالك في "الموطأ"، وسعيد بن منصور في "السنن"،
стр. 3140
وأبو عبيد في كتاب "النكاح " بإسنادٍ حسن، وأخذ الجمهور، ومنهم الحنفية بخلاف ذلك، وعملوا براويتها ولو كان روى هذا الحكم غير عائشة، لكان لهم معذرة، لكنه لم يروه غيرها، وهدا إلزامٌ قويّ (١)، انتهى.
تنبيه: المقصود الأعظم من هذا الحديث كونُ لبن الفحل يحرّم، وهو متفق عليه بين الأئمة الأربعة، وكذا عند جمهور الأئمة، وأكثر الأمّة.
وفي "العيني": المعروف عن داود موافقة الأئمة الأربعة في ذلك، حكاه ابن حزم عنه في "المحلى" (٢)، وكذا ذهب إليه ابن حزم، انتهى (٣).
وفي الحديث: دليلٌ على أنّ من ادّعى الرضاع، وصدّقه الرضيع، ثبت حكم الرضاع بينهما ولا يحتاج إلى بَيِّنة؛ لأن أفلح ادَّعاه، وصدّقته عائشة، وأذن الشارع بمجرد ذلك، وتُعُقِّب باحتمال كون الشارع اطلع على ذلك من غير دعوى أفلح وتسليم عائشة.
واستدل به على أنّ قليل الرضاع يحرّم كما يحرّم كثيره، لعدم الاستفصال فيه ولا حجّة فيه؛ لأن عدم الذكر لا يدل على العدم المحض.
وفيه: أنّ من شك في حكم يتوقف حتى يسأل العلماء عنه، وأن من اشتبه عليه الشيء، طالب المدّعي ببيانه ليرجع إليه أحدهما، وأن العالم إذا سُئل، يُصدق من قال: الصواب فيه، لقوله ﷺ عن أفلح: "صدق".
وفيه: وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب، ومشروعية استئذان المحرم على محرمه، وأنّ المرأة لا تأذن في بيت الرجل إلّا بإذنه.
стр. 3141
وفيه: جواز التسمية بأفلح.
ويؤخذ منه: أنّ المستفتي إذا بادر بالتعليل قبل سماع الفتوى، أنكر عليه، لقوله ﵊ لعائشة: "تربت يمينك"، فإن فيه إشارة إلى أنه كان من حقها أن تسأل عن الحكم فقط، ولا تعلل (١)، والله -تعالى- أعلم.
стр. 3142
الحديث الرابع
عَنْها ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَعِنْدِي رَجُلٌ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ؟ مَنْ هَذَا؟ "، قُلْتُ: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ! انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانكُنَّ، فَإنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ" (١).
* * *
(عنها)؛ أي: أم المؤمنين عائشة - ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ) ذات يوم (وعندي رجل)، زاد في رواية: قاعد، الواو فيه
стр. 3143
للحال، قالت: فاشتدّ ذلك عليه، ورأيتُ الغضب في وجهه (١) (فقال: يا عائشة! مَنْ هذا؟)، وفي روايةٍ: فشق عليه ذلك، وتغير وجهه (٢)، فـ (قلت: أخي من الرضاعة). وأخرجه الإمام أحمد بدون زيادة: من الرضاعة (٣)، وذكره أبو داود بها من طريق شعبة وسفيان (٤).
قال في "الفتح": لم أقف على اسمه -يعني: أخاها من الرضاعة-، قال: وأظنه ابنًا لأبي القُعيس، وغلط من قال: هو عبد الله بن يزيد رضيعُ عائشة؛ لأن عبد الله هذا تابعي باتفاق الأئمة، وكأن أمه التي أرضعت عائشة عاشت بعد النبي ﷺ ، فولدته، فلهذا قيل له: رضيع عائشة (٥).
(فقال) ﵊: (يا عائشة! انظرن) من النظر الذي هو التأمل والتفكر (من) استفهامية، وفي لفظ: ما (إخوانكنَّ) (٦)، وفي رواية مسلم: "إخوتُكن" (٧)، وكلاهما جمع أخ، والمعنى تَأْمَّلْنَ ما وقع من ذلك، هل هو رضاع صحيح بشرطه، من وقوعه في زمن الرضاع، ومقدار الارتضاع؟ فإن الحكم الذي ينشأ عن الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط.
قال المهلب: معناه: انظرن ما سبب هذه الأخوة، فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حتى تسدّ الرضاعة المجاعة.
стр. 3144
وقال أبو عبيد: معناه: أن الذي جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من الرضاع، لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع (١)، ولهذا علل ذلك بقوله: (فإنما الرضاعة) الفاء للتعليل لقوله: "انظرنَ"؛ أي: أَمْعِنَّ النظرَ والتفكُّرَ؛ لأن الرضاعة (من المجاعة)؛ أي: الرضاعة التي تثبت بها الحرمةُ، وتحصل لأجلها الخلوة، وتجعل الرضيع محرمًا: هي حيث يكون الرضيع طفلًا يسدّ اللبنُ جوعته؛ لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن، وينبت بذلك لحمه، فيصير كجزء من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة، أو المطعمة من المجاعة، كقوله -تعالى-: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ (٢) [قريش: ٤].
ومن شواهده: حديثُ ابن مسعود ﵁: "لا رضاعة إلا ما شدّ العظم، وأنبت اللحم" أخرجه الترمذي في "صحيحه" (٣)، وحديث أم سَلَمة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يُحَرِّمُ من الرضاع إلّا ما فتقَ الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام" رواه الترمذي في "صحيحه" (٤)، وحديث ابن عباس مرفوعًا: "لا رضاع إلّا ما كان في
стр. 3145
الحولين" رواه الدارقطني (١)، وحديث جابر مرفوعًا: "لا رضاعَ بعد فصال-، ولا يُتْمَ بعدَ احتلام" رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٢).
قال في "الفتح": ويمكن أن يستدل به؛ أي: بقوله ﷺ : "فإنما الرضاعة من المجاعة" على أن الرضعة الواحدة لا تحرّم؛ لأنها لا تغني من جوع، وإذا كان يحتاج إلى تقدير، فأولى ما يؤخذ به ما قدرته الشريعة، وهو خمس رضعات (٣)، وكذا قال العيني (٤)، وقيل: معناه: أن المصّة والمصّتين لا تسد الجوع، وكذا الرضاع بعد الحولين، وإن بلغ خمس رضعات، وإنّما يحرم إذا كان في الحولين قدر ما يدفع المجاعة، وهو ما قدرت به السنة، يعني: خمسًا، فلا بُدّ من اعتبار المقدار والزمان (٥).
قلت: وإنما لم يذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- ما يدلُّ على اعتبار العدد لأجل التحريم اعتمادًا على هذا المفهوم، ولأن أحاديث اعتبار العدد من أفراد مسلم، ففي حديث عائشة ﵂: أنّ النبي ﷺ قال: "لا تحرِّمُ المصّةُ والمصّتان" رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٦)، وفي "مسلم" عن أم الفضل: أنّ
стр. 3146
رجلًا سأل النبيَّ ﷺ : أتحرم الرضعةُ والرضعتان، والمصّةُ والمصّتان؟ (١)
وفي رواية: قالت: دخل أعرابي على النبي ﷺ وهو في بيتي، فقال: يا فني الله! إني كانت لي امراة، فتزوجتُ عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدث رضعة أو رضعتين، فقال: النبي ﷺ : "لا تحرم الإملاجةُ ولا الإملاجتان" رواهما مسلم (٢)، وفي لفظ: "الملجة والملجتان" (٣).
قال في "النهاية": الملج: المَصُّ، يقال: ملجَ الصبيُّ أمّه يملجها ملجًا، الملجة والإملاجة: المرة، يعني: أنّ المصّة والمصّتين لا يحرمان ما يحرمه الرضاع الكامل، ومنه الحديث: "فجعل مالكُ بنُ سنان يملج الدّم بفيه من وجه رسول الله ﷺ ، ثم ازْدَرَدّه (٤)؛ أي: مصّه، ثم ابتلعه.
وروي: "الملحة والملحتان" (٥) -بالحاء المهملة- بدل الجيم.
قال في "النهاية": أي: الرضعة والرضعتان، قال: وأما بالجيم، فهي المصّة، والملح -بالفتح والكسر-: الرضع (٦).
стр. 3147
وفي حديث عبد الله بن الزبير مرفوعًا: "لا يحرم من الرضاع المصّة والمصّتان" رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي (١).
وعن عائشة ﵂: أنها قالت: كان فيما نزل من القرآن أنّ عشرَ رضعاتٍ معلومات يُحَرِّمْنَ، ثم نُسخن بخمسٍ معلوماتٍ، فتوفي رسولُ الله ﷺ وهي فيما نقرأ من القرآن، روإه مسلم، وأبو داود، والنسائي (٢).
وفي لفظ: وهي تذكر الذي يحرم من الرضاعة: نزل في القرآن: عشرُ رضعات معلومات، ثم نزل -أيضًا- خمسٌ معلومات، رواه مسلم (٣). وفي لفظٍ قالت: أنزل في القرآن: عشرُ رضعاتٍ معلومات، فنُسخ من ذلك خمس، وصارت إلى خمس رضعاتٍ معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، رواه الترمذي (٤).
تنبيهات:
الأوّل: المُحَرِّمُ إنما هو التغذيةُ بلبن المرضِعة، سواء كان بشرب، أم الحل بأي صفة كان، حتى الوجور والسعوط والثرد والطبخ، وغير ذلك،
стр. 3148
وإذا وقع ذلك بالشرط المذكور من العدد في الأمد لأن كلّ ذلك يطرد الجوع، وبهذا قال الجمهور، نعم استثنى الحنفية الحقنة، كما في "الفتح" (١).
قلت: وهو مذهبنا.
قال في "الفروع": ويُحَرِّمُ لبنٌ حُلب من ميتة كحلبِه من حية، ثم شُرب بعدَ موتها, لا حقنة، نصّ عليهما؛ لأن العلة انتشار العظم وإنبات اللحم لا حصوله في الجوف فقط، بخلاف الحقنة بخمر، وخالف الخلال في الأولى، فذكرها ابن عقيل وغيره رواية, وابن حامد في الثانية، ويحنث به من حلف لا يشرب من لبنها، ذكره في "الانتصار"، ولا أثر لواصلٍ جوفاً لا يغذي، كمثانة وذَكَر (٢).
وجزم متأخرو علمائنا بعدم انتشار الحرمة بالحقنة (٣)، فَعَزْوُ الحافظ ابن حجر ذلك للحنفية فقط تقصير، والله أعلم.
وقال الليثُ وأهلُ الظاهر: الرضاعة المحرِّمَةُ لا تكون إلا بالتقام الثدي، ومصّ اللبن منه. وأورد على ابن حزم أنه يلزم على اعتبارهم التقامَ الثدي إشكال في التقام سالم ثديَ سهلة زوجةِ أبي حذيفة ﵃ (٤) -، وهي أجنبية منه، فإن عياضاً إنما أجاب عن الإشكال باحتمال أنها حلبته، ثم شربه من غير أن يمسّ ثديها.
стр. 3149
قال الإِمام النووي: وهو احتمال حسن (١)، لكنه لا يفيد ابن حزم؛ لأنه لا يكتفى في الرضاع إلا بالتقام الثدي، نعم قال النووي: إنه عني عن ذلك للحاجة، وأما ابن حزم، فاستدل بقصة سالم على جواز مسّ الأجنبي ثديَ الأجنبية والتقام ثديها إذا أراد أن يرتضع منها مطلقًا (٢).
الثاني: المعتبرُ كونُ الرضاعة في حال الطفولة؛ لأنها الحال الذي يمكن طرد الجوع فيها باللبن، بخلاف حال الكبر، وضابط ذلك بتمام الحولين -كما تقدم-، وعليه دلّ حديث ابن عباس، وحديث أم سَلَمة، وحديث جابر -كما تقدمت الإشارة إلى ذلك-، فهذه قاعدة كلّية صريحة في اعتبار الرضاع في الزمن الذي يستِغني به الرضيع عن الطعام باللبن (٣)، ويَعتضد بقوله -تعالى-: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإنه يدل على أن هذه أقصى مدّة الرضاع المحتاج إليه عادة، المعتبر شرعًا، وما زاد عليه، فلا يحتاج إليه عادةً، ولا يعتبر شرعًا، إذ لا حكم للنادر، وفي اعتبار إرضاع الكبير انتهاكُ حرمة المرأة بارتضاع الأجنبي، منها لاطلاعه على عورتها ولو بالتقام ثديها (٤).
وهذا مذهب الإِمام أحمد، والجمهور، كالإمام مالك، والشافعي، وبه قال أبو يوسف، ومحمد صاحبا أبي حنيفة.
وقال أبو حنيفة: المدة المعتبرة لذلك ثلاثون شهرًا.
стр. 3150
وقال زفر: ثلاث سنين، كما نقله العيني في "شرح البخاري" (١).
قال أبو الخطاب من أئمة علمائنا: لو ارتضع بعد الحولين بساعة، لم يحرِّم.
وقال القاضي أبو يعلى، وصاحب "الترغيب": لو شَرَع في الخامسة -يعني: من الرضعات-، فحال الحول -يعني: الثاني- قبل كمالِها, لم يثبت التحريم.
قال الإِمام الموفق عن قول القاضي، وصاحب "المستوعب": لا يصح هذا؛ لأن ما وجد من الرضعة في الحولين كافٍ في التحريم، بدليل ما لو انفصل مما بعده.
واختار شيخ الإِسلام تقي الدين بن تيمية ثبوتَ الحرمة بالرضاع إلى الفطام، ولو بعد الحولين، أو قبلهما، فأناط الحكم بالفطام، سواء كان قبل الحول، أو بعده (٢).
وخالفت عائشة ﵂ في ذلك، فلم تعتبر كون الرضاعة في الحولين، ولم تفرق في حكم الرضاع بين حال الصغر والكبر، وقد استشكل ذلك مع كون هذا الحديث من روايتها، واحتجت لمذهبها بقصة سالم مولى أبي حذيفة، فعن زينبَ بنتِ أم سَلَمة، قالت: قالت أم سلَمَةَ لعائشة: إنه يدخل عَلَيَّ الغلامُ الأيفعُ، ما أحبُّ أن يدخل عليّ، فقالت عائشة: مالك في رسول الله أسوة حسنة؟ وقالت: إنّ امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله! إنّ سالمًا يدخل عليّ، وهو رجل وفي نفس
стр. 3151
أبي حذيفة منه شيء، فقال رسول الله ﷺ : "أرضعيه حتى يدخل عليك" رواه الإِمام أحمد، ومسلم (١).
وفي رواية عن زينب، عن أمها أم سَلَمة: أنها قالت: أبي سائرُ أزواج النبي ﷺ أن يُدخلن عليهنّ أحدًا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: ما نرى هذا إلا رخصةً أرخصَها رسول الله- ﷺ لسالمٍ خاصّة، فما هو داخلٌ علينا أحدٌ بهذه الرضاعة، ولا رائينا، رواه الإِمام أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه (٢).
وفي "مسلم" -أيضًا- عن عائشة ﵂، قالت: جاءت سهلةُ بنتُ سُهيل إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، وهو حليفه، فقال النبي ﷺ : "أرضعيه"، قالت: وكيف أرضعه وهو رجلٌ كبير؟! فتبسَّم رسول الله ﷺ ، وقال: "قد علمتُ أنه رجل كبير".
وفي رواية: فضحك رسول الله، وقال: "قد علمت أنه رجل كبير".
وفي رواية: فضحك رسول الله ﷺ .
وفي أخرى: وقد شهد بدرًا (٣).
وفي لفظ: فقالت: إن سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة شيئًا من ذلك، فقال: "أرضعيه تَحْرُمي عليه"،
стр. 3152
فرجعتُ إليه فقلت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة (١).
واسم أبي حذيفة مهشم، على المشهور، وقيل: هاشم، وقيل غير ذلك، وهو ابن عتبة بن ربيعة خال معاوية بن أبي سفيان، وكان سالم حليفًا له، فكان يأوي معه ومع امرأته سهلةَ في بيت واحد، وكان يراها متبذِّلَةً في ثياب مهنتها، وربما تكون في ثوب واحد، وربما تكون مكشوفة الرأس والصدر، وقد كان استشهاد سالم وأبي حذيفة جميعًا يومَ اليمامة في خلافة الصدِّيق (٢).
وفي البخاري من حديث عائشة ﵂: أن أبا حذيفة بنَ عتبةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمس، وكان ممن شهد بدرًا مع النبي ﷺ تبنى سالمًا، وأنكحه بنتَ أخيه هند بنتَ الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو -أي: سالم- مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنّى النبيُّ ﷺ زيدًا، وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية، دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله تعالي: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] إلى قوله: ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾، فرُدوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أبًا، كان مولًى وأخًا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشيِّ ثم العامريِّ، وهي امرأة أبي حذيفة النبيَّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إنّا كنّا نربي سالمًا ولدًا، وقد أنزل الله ما [قد] (٣) علمتَ، فذكر الحديث هكذا في البخاري (٤)، وساق البرقاني وأبو داود بقيته، ولفظه: فكيف ترى فقال رسول الله ﷺ : "أرضعيه"، فأرضعته خمسَ رضعات، فكان بمنزلة ولدِها من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة تأمر
стр. 3153
بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يُرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيرًا، خمسَ رضعات، ثم يدخل عليها، وأبت أم سلَمَة: وسائر أزواج النبي ﷺ أن يُدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدًا من الناس، حتى يرضع في المهد، وقلن لعائشة: والله ما ندري، لعلها رخصة من رسول الله ﷺ لسالم دون الناس (١).
قال في "الفتح": وذكر الطبري في "تهذيب الآثار" في مسند عليّ هذه المسألةَ، وساق بإسناده الصحيح عن حفصةَ مثلَ عائشة، وهو مما يخص به قول أم سلَمَة: أبي سائر أزواج النبي ﷺ أن يُدخلن عليهنَّ بتلك الرضاعة أحدًا، ونقله الطبري عن عبد الله بن الزبير، والقاسم بن محمَّد، وعروة في أخوين، وفيه تعقب على القرطبي، حيث خصّ الجواز بعد عائشة بداود، وفي نسبته ذلك لداود نظر، فإن ابن حزم ذكر عن داود أنه مع الجمهور، وكذا نقل غيره من أهل الظاهر، وهم أخبرُ بمذهب صاحبهم، وإنما الذي نصرَ مذهب عائشة هذا، وبالغ في ذلك ابنُ حزم، ونقله عن علي ﵁ -أيضًا-، وهو من رواية الحارث الأعور عنه، فلذلك ضعفه ابن عبد البر (٢)، وقال عبد الرزاق: عن ابن جريج، قال رجل لعطاء: إن امرأة سقتني من لبنها بعدَ ما كبرتُ، أفأنكِحُها، قال: لا، قال ابن جريج: فقلت له: هذا رأيك؟ قال: نعم، كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها (٣)، وهو قول الليث بن سعد، قال ابن عبد البر: لم يختلف عنه في ذلك (٤).
стр. 3154
قلت: واختار شيخ الإِسلام ابن تيمية ثبوتَ الحرمه بالرضاع، ولو كان المرتضِع كبيرًا، للحاجة، نحو كونه محرمًا، لقصة سالم مولى أبي حذيفة مع زوجة أبي حذيفه (١).
وأجاب الجمهور عن قصة سالم بأجوبة:
منها: أنه حكمٌ منسوخ، وبه جزم المُحِبُّ الطبري في "أحكامه"، وقرره بعضهم بأن قصة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدالة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة، فدلّ على تأخرها.
وهو مستند ضعيف، إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي ولا صغره أَلاَّ يكون ما رواه متقدمًا، وأيضًا، ففي سياق قصة سالم ما يُشعر بسبق الحكم باعتبار الحولين، لقول امرأة أبي حذيفة: كيف أرضعه وهو كبير؟ فهذا يشعر أنها كانت تعرف أنّ الصغر معتبر في الرضاع المحرِّم.
ومنها: دعوى الخصوصية بسالم وامرأة أبي حذيفة، والأصل في هذا قولُ أم سَلَمة وأزواجِ النبي ﷺ : ما نرى هذا إلّا رخصةً أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصّة، وقرره ابن الصباغ وغيره بأن أصل قصة سالم
ما كان وقع من التّبنّي الذي أدّى إلى اختلاط سالم بسهلة، فلما نزل الاحتجاب، ومُنعوا من التبني، شقّ ذلك على سهلةَ، فوقع الترخيصُ لها في ذلك لرفع ما حصل لها من المشقة، وهذا فيه نظر؛ لأنه يقتضي إلحاق من يساوي سهلة في المشقة والاحتياج بها، فتنتفي الخصوصية، وثبت مذهب المخالف، لكن بقيد الاحتياج.
قلت: وهذا الذي التزمه شيخ الإِسلام ابن تيمية، واختاره، وقرره آخرون بأن الأصل أن الرّضاع لا يحرِّم، فلما ثبت ذلك في الصغر، خولف
стр. 3155
الأصل له، وبقي ما عداه على الأصل، وقصة سالم واقعةُ عين يتطرقها احتمالُ الخصوصية، فيجب الوقوف عن الاحتجاج بها.
قال في "الفتح" عن السبكي: أنه رأى في تصنيفٍ لمحمد بنِ خليلٍ الأندلسيِّ في هذه المسألة أنه توقف في أنه صحّ عن عائشة، وأنه صحّ عنها الفتيا بذلك، لكن لم يقع منها إدخالُ أحد من الأجانب بتلك الرضاعة.
قال تاج الدين السبكي: وظاهر الأحاديث ترد عليه، قال: وليس عندي فيه قول جزم، لا من قطع، ولا ظن غالب، كذا قال الحافظ ابن حجر، وفيه غفلة عما ثبت عند أبي داود في هذه القصة: فكانت عائشة تأمر بنات أخواتها أن يرضعن من أحبّت أن يدخل عليها أو يراها، وإن كان كبيرًا، خمسَ رضعات، ثم يدخل عليها -كما تقدم (١) -، وإسناده صحيح، وهو صريح، فأيُّ ظنٍّ غالب وراء هذا؟ (٢) والله الموفق.
الثالث: اختلف في القدر المحرِّم من الرضاع، فمذهب الإِمام أحمد، والإمام الشافعي: لا يثبت حكم الرضاع بأقل من خمس رضعات، وقال به ابنُ حزم.
قال في "الكافي": ولا تثبت الحرمة إلا أن يرضع خمسَ رضعات (٣)، قال في شرحه: هذا ظاهر المذهب، وهذا المذهب بلا ريب.
[قال المصنف -يعني: الإِمام الموفق-، والشارح -يعني: ابن أخيه-: هذا الصحيح من المذهب] (٤).