أبي حذيفة منه شيء، فقال رسول الله ﷺ : "أرضعيه حتى يدخل عليك" رواه الإِمام أحمد، ومسلم (١).
وفي رواية عن زينب، عن أمها أم سَلَمة: أنها قالت: أبي سائرُ أزواج النبي ﷺ أن يُدخلن عليهنّ أحدًا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: ما نرى هذا إلا رخصةً أرخصَها رسول الله- ﷺ لسالمٍ خاصّة، فما هو داخلٌ علينا أحدٌ بهذه الرضاعة، ولا رائينا، رواه الإِمام أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه (٢).
وفي "مسلم" -أيضًا- عن عائشة ﵂، قالت: جاءت سهلةُ بنتُ سُهيل إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، وهو حليفه، فقال النبي ﷺ : "أرضعيه"، قالت: وكيف أرضعه وهو رجلٌ كبير؟! فتبسَّم رسول الله ﷺ ، وقال: "قد علمتُ أنه رجل كبير".
وفي رواية: فضحك رسول الله، وقال: "قد علمت أنه رجل كبير".
وفي رواية: فضحك رسول الله ﷺ .
وفي أخرى: وقد شهد بدرًا (٣).
وفي لفظ: فقالت: إن سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة شيئًا من ذلك، فقال: "أرضعيه تَحْرُمي عليه"،
стр. 3152
فرجعتُ إليه فقلت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة (١).
واسم أبي حذيفة مهشم، على المشهور، وقيل: هاشم، وقيل غير ذلك، وهو ابن عتبة بن ربيعة خال معاوية بن أبي سفيان، وكان سالم حليفًا له، فكان يأوي معه ومع امرأته سهلةَ في بيت واحد، وكان يراها متبذِّلَةً في ثياب مهنتها، وربما تكون في ثوب واحد، وربما تكون مكشوفة الرأس والصدر، وقد كان استشهاد سالم وأبي حذيفة جميعًا يومَ اليمامة في خلافة الصدِّيق (٢).
وفي البخاري من حديث عائشة ﵂: أن أبا حذيفة بنَ عتبةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمس، وكان ممن شهد بدرًا مع النبي ﷺ تبنى سالمًا، وأنكحه بنتَ أخيه هند بنتَ الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو -أي: سالم- مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنّى النبيُّ ﷺ زيدًا، وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية، دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله تعالي: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] إلى قوله: ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾، فرُدوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أبًا، كان مولًى وأخًا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشيِّ ثم العامريِّ، وهي امرأة أبي حذيفة النبيَّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إنّا كنّا نربي سالمًا ولدًا، وقد أنزل الله ما [قد] (٣) علمتَ، فذكر الحديث هكذا في البخاري (٤)، وساق البرقاني وأبو داود بقيته، ولفظه: فكيف ترى فقال رسول الله ﷺ : "أرضعيه"، فأرضعته خمسَ رضعات، فكان بمنزلة ولدِها من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة تأمر
стр. 3153
بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يُرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيرًا، خمسَ رضعات، ثم يدخل عليها، وأبت أم سلَمَة: وسائر أزواج النبي ﷺ أن يُدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدًا من الناس، حتى يرضع في المهد، وقلن لعائشة: والله ما ندري، لعلها رخصة من رسول الله ﷺ لسالم دون الناس (١).
قال في "الفتح": وذكر الطبري في "تهذيب الآثار" في مسند عليّ هذه المسألةَ، وساق بإسناده الصحيح عن حفصةَ مثلَ عائشة، وهو مما يخص به قول أم سلَمَة: أبي سائر أزواج النبي ﷺ أن يُدخلن عليهنَّ بتلك الرضاعة أحدًا، ونقله الطبري عن عبد الله بن الزبير، والقاسم بن محمَّد، وعروة في أخوين، وفيه تعقب على القرطبي، حيث خصّ الجواز بعد عائشة بداود، وفي نسبته ذلك لداود نظر، فإن ابن حزم ذكر عن داود أنه مع الجمهور، وكذا نقل غيره من أهل الظاهر، وهم أخبرُ بمذهب صاحبهم، وإنما الذي نصرَ مذهب عائشة هذا، وبالغ في ذلك ابنُ حزم، ونقله عن علي ﵁ -أيضًا-، وهو من رواية الحارث الأعور عنه، فلذلك ضعفه ابن عبد البر (٢)، وقال عبد الرزاق: عن ابن جريج، قال رجل لعطاء: إن امرأة سقتني من لبنها بعدَ ما كبرتُ، أفأنكِحُها، قال: لا، قال ابن جريج: فقلت له: هذا رأيك؟ قال: نعم، كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها (٣)، وهو قول الليث بن سعد، قال ابن عبد البر: لم يختلف عنه في ذلك (٤).
стр. 3154
قلت: واختار شيخ الإِسلام ابن تيمية ثبوتَ الحرمه بالرضاع، ولو كان المرتضِع كبيرًا، للحاجة، نحو كونه محرمًا، لقصة سالم مولى أبي حذيفة مع زوجة أبي حذيفه (١).
وأجاب الجمهور عن قصة سالم بأجوبة:
منها: أنه حكمٌ منسوخ، وبه جزم المُحِبُّ الطبري في "أحكامه"، وقرره بعضهم بأن قصة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدالة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة، فدلّ على تأخرها.
وهو مستند ضعيف، إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي ولا صغره أَلاَّ يكون ما رواه متقدمًا، وأيضًا، ففي سياق قصة سالم ما يُشعر بسبق الحكم باعتبار الحولين، لقول امرأة أبي حذيفة: كيف أرضعه وهو كبير؟ فهذا يشعر أنها كانت تعرف أنّ الصغر معتبر في الرضاع المحرِّم.
ومنها: دعوى الخصوصية بسالم وامرأة أبي حذيفة، والأصل في هذا قولُ أم سَلَمة وأزواجِ النبي ﷺ : ما نرى هذا إلّا رخصةً أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصّة، وقرره ابن الصباغ وغيره بأن أصل قصة سالم
ما كان وقع من التّبنّي الذي أدّى إلى اختلاط سالم بسهلة، فلما نزل الاحتجاب، ومُنعوا من التبني، شقّ ذلك على سهلةَ، فوقع الترخيصُ لها في ذلك لرفع ما حصل لها من المشقة، وهذا فيه نظر؛ لأنه يقتضي إلحاق من يساوي سهلة في المشقة والاحتياج بها، فتنتفي الخصوصية، وثبت مذهب المخالف، لكن بقيد الاحتياج.
قلت: وهذا الذي التزمه شيخ الإِسلام ابن تيمية، واختاره، وقرره آخرون بأن الأصل أن الرّضاع لا يحرِّم، فلما ثبت ذلك في الصغر، خولف
стр. 3155
الأصل له، وبقي ما عداه على الأصل، وقصة سالم واقعةُ عين يتطرقها احتمالُ الخصوصية، فيجب الوقوف عن الاحتجاج بها.
قال في "الفتح" عن السبكي: أنه رأى في تصنيفٍ لمحمد بنِ خليلٍ الأندلسيِّ في هذه المسألة أنه توقف في أنه صحّ عن عائشة، وأنه صحّ عنها الفتيا بذلك، لكن لم يقع منها إدخالُ أحد من الأجانب بتلك الرضاعة.
قال تاج الدين السبكي: وظاهر الأحاديث ترد عليه، قال: وليس عندي فيه قول جزم، لا من قطع، ولا ظن غالب، كذا قال الحافظ ابن حجر، وفيه غفلة عما ثبت عند أبي داود في هذه القصة: فكانت عائشة تأمر بنات أخواتها أن يرضعن من أحبّت أن يدخل عليها أو يراها، وإن كان كبيرًا، خمسَ رضعات، ثم يدخل عليها -كما تقدم (١) -، وإسناده صحيح، وهو صريح، فأيُّ ظنٍّ غالب وراء هذا؟ (٢) والله الموفق.
الثالث: اختلف في القدر المحرِّم من الرضاع، فمذهب الإِمام أحمد، والإمام الشافعي: لا يثبت حكم الرضاع بأقل من خمس رضعات، وقال به ابنُ حزم.
قال في "الكافي": ولا تثبت الحرمة إلا أن يرضع خمسَ رضعات (٣)، قال في شرحه: هذا ظاهر المذهب، وهذا المذهب بلا ريب.
[قال المصنف -يعني: الإِمام الموفق-، والشارح -يعني: ابن أخيه-: هذا الصحيح من المذهب] (٤).
стр. 3156
وكذا قال المجد في "محرره" (١)، وغيره.
قال الزركشي: هو مختار أصحابه، متقدِّمِهم ومتأخِّرِهم (٢)، وجزم به في "الوجيز"، وغيره، وقدمه في "الفروع" (٣)، وغيره. وعنه: ثلاثٌ يحرِّمْنَ (٤).
وبه قال إسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود وأتباعُه إلاّ ابنَ حزم، وحجتُهم مفهومُ قوله ﷺ : "لا تحرم الرضعة والرضعتان" (٥)، فإن مفهومه: أن الثلاث تحرِّم، وأغرب القرطبيُّ فزعم أنه لم يقل به إلا داودُ (٦)، وتقدمت الأحاديث الصحيحة الصريحة باعتبار الخمس.
وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، ورواية مشهورة عن أحمد: يثبت حكم الرضاع برضعة واحدة، واحتجّ أبو حنيفة بإطلاق قوله -تعالى-: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ولم يذكر عددًا، والتقييد به زيادة، وهو نسخ، قاله العيني (٧)، وفيه نظر لا يخفى، وحديث الخمس جاء من طرق صحيحة لا يسوغ ردّها، والسنّة تبين المجمل من كتاب الله -تعالى-، وتقيد المطلق منه، والله -تعالى- أعلم.
(عن) أبي سِرْوَعَةَ -بكسر السين المهملة وسكون الراء وفتح الواو والعين المهملة- (عُقْبَةَ) -بضم العين المهملة وسكون القاف، فموحدة، فهاء تأنيث- (بنِ الحارثِ) بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصيٍّ القرشيِّ النوفليِّ، أسلم بعد فتح مكة، هذا على قول المحدِّثين، وأما أهلُ النسب- غير مصعب الزبيري، فيقولون: إن عقبة هذا أخو أبي سِرْوَعَة، وأنهما أسلما جميعًا يوم الفتح، وعِدادُ عقبةَ في أهل مكة، وهو الذي قتل خُبيبًا، على ما صححه ابنُ عبد البر، رواه بسنده عن جابر بن عبد الله.
روى له البخاري ثلاثة أحاديث، وأخرج له -أيضًا- مسلمٌ، وأبو داود (١) (أنه)؛ أي: عقبة المذكور (تزوج أُمَّ يحيى) الصحابيةَ، اسمها غَنِيَّةَ -بفتح الغين المعجمة، وكسر النون وتشديد المثناة تحت- كما قاله الأمير بن ماكولا (٢)، والحافظ ابنُ حجر في باب: الرحلة في المسألة النازلة مِن كتاب: العلم في "الفتح" (٣).
وقال المزي في "الأطراف": اسمها زينب.
قال البرماوي في "شرح الزهر البسام": والجمهور لم يذكروا لها اسمًا.
стр. 3159
(بنتَ أبي إهاب) -بكسر الهمزة- لا يعرف اسمه كما في "الفتح" وهو مذكورٌ في الصحابة (١).
(فجاءت أَمَةٌ سوداءُ).
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": ما عرفتٌ اسمَ هذه الأمَة السوداء المرضعة بعد (٢)، (فقالت)؛ أي: الأمَةُ السوداء: (قد أرضعتكما)؛ تعني: الزوجين عقبةَ بنَ الحارث وأمَّ يحيى المذكورَين، قال عقبةُ بنُ الحارث: (فذكرت ذلك)؛ أي: قول الأمَة السوداء إنها أرضعته وأرضعت زوجته أم يحيى (لرسول الله ﷺ ) فيه مزيد الأهتمام والاحتياط للفروج، وسؤال من لم يعلم الحكمَ لمن يعلم، وقد كان عقبة في مكة، فركب منها إلى المدينة كما في "الصحيحين" وغيرهما: أنه تزوج بنتًا لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعتُ عقبةَ والتي تزوج بها، فقال لها عقبةُ: ما أعلم أنك أرضعتيني ولا أخبرتيني-؛ أي:-بكسر المثناة-؛ أي: قبل ذلك، كأنه اتهمها، فأرسل إلى آل أبي إهاب يسألهم، فقالوا: ما علمنا أرضعت صاحبتَنا، فركب؛ أي: من مكة؛ لأنها كانت دار إقامته إلى النبي ﷺ بالمدينة، فسأله (٣)، قال عقبة: (فأعرضَ عني)، وفي رواية "المستملي": فأعرض عنه، وفيه التفات، (قال) عقبة: (فتنحيتُ)، أي: انصرفت، ودرت إلى [جهة] (٤) وجهه ﷺ ، (فذكرت ذلك)؛ أي: قولَ
стр. 3160
السوداء وزعمَها الذي زعمته - (له) ﵊ (قال) ﷺ : (كيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما؟) فنهاه، وفي رواية: فقال: "وكيف وقد قيل؟ دعها عنك" (١)، ففارقها، ونكحت زوجًا غيره.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": اسم هذا الزوج ظُرَيْب -بضم المعجمة المشالة وفتح الراء وآخره موحدة مُصَغَّرًا- (٢).
قال الكرماني في "شرح البخاري": أمرُ النبيِّ ﷺ بالمفارقة بقوله: "كيف وقد قيل؟ " كالحكم، وإخبار المرضعة كالشهادة (٣).
وقال في "الفتح": المرضعة أثبتت الرّضاع، وعقبة نفاه، فأعملَ النبيُّ ﷺ قولَها، فأمره بالمفارقة، إمّا وجوبًا عند من يقول به، وإمّا ندبًا على طريق الورع (٤)، واعترضه العيني بأن في كلٍّ منهما نظر، أمّا الأول: ففيه التجوز، وأمّا الثاني: فلو لاحظ صورة ما علمت، لكان أقرب وأوجه؛ لأنه فيه نفي العلم (٥)، انتهى.
واستدل الحافظ المصنف بالحديث المذكور على قبول شهادة المرضعة وحدَها في ثبوت حكم الرضاعة (٦)، على قاعدة معتمد مذهب الإِمام أحمد.
وقد أغرب ابن بطال، فنقل الإجماع على أنّ شهادة المرأة وحدها
стр. 3161
لا تجوز في الرضاع وشبهه، وهو عجيب منه، فإنه قول جماعة من السلف، حتى إن عند المالكية رواية أنها تُقبل وحدَها, لكن بشرط فُشُوِّ ذلك في الجيران (١).
قال أبو المظفر عونُ الدين بنُ هبيرة -رحمه الله تعالى-: اتفق الأئمة على أنه تُقبل شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال، كالولادة، والبكارة، والرضاع، وعيوب النساء، وما يخفى عن الرجال غالبًا، ثم اختلفوا في العدد الذي يُعتبر فيه منهن، فقال أبو حنيفة، وأحمد: تُقبل شهادة امرأة عدل، وقال مالك: لا تقبل بأقل من شهادة امرأتين عُدَّل، وعن أحمد مثلُه، وقال الشافعي: لا يقبل إلا شهادةُ أربع نسوة عُدَّل (٢)، انتهى.
وفي "الفروع": ويقبل فيما لا يطلع عليه الرجال، كعيوب النساء تحت الثياب، كحيض، ورضاع، وعنه: وتحلف فيه، وولادة، واستهلال، وبكارة، وثيوبة امرأةٌ لا ذميّةٌ، نقله الشَّالنجي، وغيره.
وفي "الانتصار": فيجب أَلَّا يلتفت إلى لفظ الشهادة، ولا مجلس الحكم، كالخبر، قال: ولا أعرف عن إمامنا ما يرده، والرجل فيه كالمرأة (٣)، انتهى.
والذي استقر عليه المذهب: أن الرضاع إذا شهدت به امرأةٌ واحدةٌ مرضيَّةٌ على فعلها، أو على فعل غيرها، أو رجلٌ واحدٌ، ثبت بذلك، ولا يمين (٤).
стр. 3162
قال في "شرح الكافي": ما لا يطلع [عليه] (١) الرجال، كعيوب النساء تحت الثياب، والرضاع، والاستهلال، والبكارة، والحيض، ونحوه يُقبل فيه شهادة امرأة واحدة، وهذا المذهب [مطلقًا] (٢) بلا ريب، ونص عليه الإِمام أحمد في رواية الجماعة، وعليه الأصحاب.
قال: وقبولُ شهادتها منفردةً في الاستهلال والرضاع من المفردات.
وبه تعلم ما في كلام ابن هبيرة من الإجمال.
وعن الإِمام أحمد رواية: تحلف الشاهدة في الرضاع.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: قال أصحابنا: والاثنتان في الرضاع أحوطُ من المرأة، وجعله القاضي محلَّ وفاق.
وقال أبو الخطاب، والموفق، وابن الجوزي، وابن حمدان، وابن عبد القوي، وغيرهم: الرجل أولى، لكماله (٣)، انتهى.
قال علي بن سعيد: سمعت الإِمام أحمد يُسأل عن شهادة المرأة وحدها في الرضاع، قال: تجوز على حديث عقبةَ بنِ الحارث.
وهو قول الأوزاعي، ونُقل عن عثمان، وابن عباس ﵃، والزهري، والحسن، وإسحاق.
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج، عن ابن شهاب، قال: فرّق عثمان بين ناسٍ تناكحوا يقول امرأةٍ سوداء: إنها أرضعتهم (٤).
стр. 3163
قال ابن شهاب: الناس يأخذون بذلك من قول عثمان اليوم، واختاره أبو عبيد، إلا أنه قال: إن شهدت المرضعة وحدَها، وجب على الزوج مفارقةُ المرأة، ولا يجب عليه الحكمُ بذلك، وإن شهدت معها أخرى، وجب الحكمُ به، واحتجّ بأنه ﷺ لم يلزم عقبةَ بطلاق امرأته، بل قال: "دعها عنك".
وذهب الجمهور إلى أنه لا يكفي في ذلك شهادةُ المرضعة؛ لأنها شهادةٌ على فعلِ نفسِها، فأخرج أبو عبيد عن عمر والمغيرة بن شعبة، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس ﵃: أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك، وقال عمر: فرّق بينهما إن جاءت بيّنة، وإلّا، فخلّ بين الرجل وامرأته إلّا أن يتنزها, ولو فتح هذا الباب، لم تشأ امرأةٌ أن تفرق بين زوجين إلّا فعلت.
وقال الشافعي: يُقبل مع ثلاث نسوة في ثبوت المحرمية، دون ثبوت الأجرة لها على ذلك.
وقال مالك: تُقبل مع أخرى.
وعن أبي حنيفة: لا تقبل في الرضاع شهادةُ النساء المتمحضات.
وعكسه الإصطخري من الشافعية.
ولا ريب أن الحديث فيه الحجّةُ الظاهرة والدلالةُ الباهرة لمذهبنا، وأجاب: من لم يقبل شهادةَ المرأة وحدها عن الحديث يحمل النهي في قوله ﷺ : فنهاه عنها، على التنزيه، ويحمل الأمر في قوله: "دَعْها عنك" على الإرشاد (١)، والله أعلم.
(عن) أبي عمارة (البراءِ بنِ عازبٍ ﵁ ما - فهو صحابيّ بنُ صحابي -كما تقدم في ترجمته- (قال: خرج رسول الله ﷺ -يعني: من مكة-) المشرفة، وذلك بعد فراغهم من عمرة القضاء، فإنهم لما خرجوا بعد العمرة من مكة، وكانت في السادسة من الهجرة، (فتبعته) ﵊ (ابنة) عمه (حمزةَ) بنِ عبد المطلب ﵁ (تنادي) بصوتها: (يا عمِّ يا عمِّ! فتناولها علي) بن أبي طالب -رضوان الله عليه- (فأخذ بيدها، وقال لـ) زوجته (فاطمةَ) سيدةِ النساء، وبنتِ رسول ربّ الأرض والسماء ﷺ عليه، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين دائمًا أبدًا: (دونَكِ) يا فاطمةُ (ابنة عمك) أُمامة بنت حمزة -رضوان الله عليه-، فخذيها، (فاحتملها) علي ﵁ (فاختصم فيها)؛ أي: في ابنة حمزة ﵄ (علي) لكونه ابنَ عمها، (وزيد) بن حارثة، لكونه كان مؤاخيًا لحمزة، وكذا ابن عمها (جعفر) بن أبي طالب الطيار، وسُمِّيَ ذا الجناحين؛ لأنه ﵁ قاتل يومَ غزوة مؤتة حين قطعتْ إحدى يديه، فأخذ اللواءَ بالثانية، فلما قُطعت، حضَن اللواءَ حتى قتل، فعوّضه الله عن يديه جناحين يطير بهما في الجنّة، وكان يكنى: أبا عبد الله، ووالدُه أبو طالب عمُّ النبي ﷺ اسمه: عبدُ مناف كما تقدم في ترجمة علي ﵁.
وكان يقال لجعفر -أيضًا-: ذا الهجرتين.
стр. 3166
ويروى أنه لما أتى النبيَّ ﷺ نعيُ جعفر ﵁، وأتى النبيُّ ﷺ امرأتَه أسماءَ بنتَ عُميس، فعزّاها في زوجها جعفرٍ، دخلت فاطمةُ وهي تبكي وتقول: واعمّاه! فقال النبي ﷺ : "على مثلِ جعفرٍ فلتبكِ البواكي" (١).
ولما قدم جعفرٌ من أرض الحبشة على رسول الله ﷺ حين فتح خيبر، تلقاه ﷺ ، واعتنقه، وقال ﵊: "ما أَدري بأَيِّهما أنا أشدُّ فرحًا: بقدومِ جعفر، أم بفتحِ خيبر" (٢)، وكان جعفرٌ وأصحابه ﵃ سببَ إسلام النجاشي ملكِ الحبشة ﵁، وكان إسلام جعفر قديمًا.
قال ابن الأثير: إنه أسلم بعد أُحد وثلاثين إنسانًا.
وقال الذهبي: يروى أن عليًا أسلم، ثم زيد، ثم جعفر، وكان الصدّيق رابعَهم، وفيه نظر، والمعتمد خلافه.
وكان جعفر ﵁ أشبهَ الناس بالنبيِّ ﷺ ، ولهذا قال كما في الحديث الصحيح: "أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي".
والمشبَّهون به ﷺ : جعفر، والحسنان، وقُثَمُ بنُ العباس، وأبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنِ عبدِ المطلب، واسمه المغيرة، ومنهم السائبُ بن عبيد أحدُ أجداد الإِمام الشافعي ﵁ كما نقله الخطيب في "تاريخ بغداد" (٣)، ومنهم: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب
стр. 3167
كما في "السنن الكبرى"، ونظمهم الحافظ زينُ الدين عبدُ الرحيم العراقي فقال: [من البسيط]
وَسَبْعَة شُبِّهُوا بِالمُصْطَفَى فَسَمَى ... لَهُمْ بِذَلِكَ قَدْرٌ قَدْ زَكَا وَنَما
سِبْطَا النَّبِيِّ أَبُو سُفْيَانَ سَائِبُهُمْ ... وَجَعْفرٌ وابْنُهُ ذُو الجُودِ مَعْ قُثَمَا (١)
روى عن جعفر: ابنُه عبدُ الله، وأبو موسى الأشعريُّ، وعمرُو بن العاص، وامرأته أسماءُ بنتُ عُمَيْسٍ -بضم العين وبالسين المهملتين-.
قتل جعفر ﵁ شهيدًا يومَ مؤتةَ في جُمادى الأولى سنة ثماني، وله إحدى وأربعون سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون، يقال: إنه وجد فيما أقبل من جسده سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف كما في "صحيح البخاري" من حديث ابن عمر ﵃ (٢).
(فقال علي) ﵁: (أنا أحقُّ بها) منكما، (وهي ابنةُ عمي) حمزةَ ﵁، (وقال جعفر): هي (ابنةُ عمي) كما هي ابنةُ عمّك، (وخالتُها تحتي)، واسم امرأة حمزةَ أُمُّ أمامةَ ﵃ سلمى بنتُ عميس (٣)، فَلي عليكَ بذلكَ مزيّة، (وقال زيد) بن حارثة: هي (ابنة أخي) بالمؤاخاة التي عقدَها النبيُّ ﷺ بيني وبين حمزة، (فقضى بها)؛ أي: بابنة حمزة (النبي ﷺ لخالتِها) أسماءَ بنتِ عميس التي تحت جعفر بن أبي طالب
стр. 3168
- ﵄، (وقال) ﵊: (الخالةُ بمنزلةِ الأم) في الشفقة والحُنُوِّ.
وكانت هذه الخصومة والقضاء بعد أن قدموا المدينة المنورة، كما صحّ ذلك في الحديث عند الإِمام أحمد ﵁ (١)، فلما ذكرَ جعفر ﵁ لما ادَّعاه، مرجحين القرابةَ، وكونَ خالتِها عنده، قضى ﷺ
أن تكون عند خالتها، فاعتبر ﷺ مُرَجِّحَ جعفر دون مرجِّحهما، ثم طَيَّبَ قلبَ كل واحد منهما بما هو أحبُّ إليه من أخذٍ البنت بأضعافٍ مضاعفة، (و) ذلك أنه ﷺ (قال لعلي) ﵁: (أنت مني، وأنا منك، وقال) ﷺ (لجعفر) ﵁: (أشبهتَ خَلْقي) -بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام: صورتي الظاهرة (وخُلُقي) -بضمهما-: الصورة الباطنة، (وقال) ﵊ (لـ) مولاه (زيد) بن حارثة -
﵁: (أنتَ أخونا) في الدين، وبالمؤاخاة، (ومولانا) بالعتق، وكأنه قال لزيد ذلك نظرًا لقوله -تعالى-: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] , وقد رواه الإِمام أحمد من حديث علي ﵁ أيضًا، وفيه: "والجاريةُ عند خالتها، فإن الخالة [والدة] (٢) " (٣).
قال الإِمام ابن القيّم في "الهدي": وليست المؤاخاة من مقتضى الحضانة، ولكن زيدًا لَمَّا واخى حمزة، فإنّ الإخاء حينئذٍ يَثبتُ به التوارث، فظن زيدٌ بمقتضى ذلك أنه أحقُّ بها، وأما بنوة العم، فهل تستحق بها الحضانة؟ على قولين:
стр. 3169
أحدهما: تستحق بها، وهو منصوص الشافعي، وقول الإِمام أحمد، والإمام مالك، وغيرهم؛ لأنه عصبة، وله ولاية القرابة، فيقدَّم على الأجانب كما قُدم عليهم في الميراث، وولاية النكاح، وولاية الموت، ولم ينكر الرسول ﷺ على جعفر وعليّ ادعاءهما حضانتَها، فلو لم يكن لهما ذلك، لأنكر عليهما الدعوى الباطلة، وهو ﷺ لا يُقِرُّ على باطل.
والقول الثاني: أنه لا حضانة لأحد من الرجال سوى الأجداد، وهذا قول بعض الشافعية، وهو مخالف لنصِّه، وللدليل، فعلى قول الجمهور: إذا كان الطفل أنثى، وكان ابنُ العم محرمًا لها برضاع ونحوه، كان له حضانتُها، وإن جاوزت السبع، وإن لم يكن محرمًا، فله حضانتها صغيرة حتى تبلغ سبعًا، فلا يبقى له عليها حضانة، بل تُسَلّم لمحرم لها إن كان، أو امرأة ثقة.
فإن قيل: حكمه ﷺ بالحضانة في هذه القصة هل وقع للخالة، أو لجعفر؟
فالجواب: هذا مما اختُلف فيه على قولين منشؤهما اختلاف ألفاظ الحديث في ذلك، ففي الحديث الذي في "الصحيحين": فقضى بها لخالتها، وكذا في حديث علي عند الإِمام أحمد (١)، وأما عند أبي داود من حديث علي: فقضى بها لجعفر، لتكون مع خالتها، وإنما الخالة أم (٢)، وفي رواية عنده: فقضى بها النبي ﷺ لجعفر؛ لأن خالتها عنده (٣)، ثم ذكره في رواية أخرى، ولفظها: فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، فإنّ الخالة بمنزلة
стр. 3170
الأم (١)، واستشكل كثير من الفقهاء هذا وهذا بأن القضاء إن كان لجعفر، فليس محرمًا لها، وهو وعلي على سواء في القرابة منها، وإن كان للخالة، فهي مزوجة، والحاضنةُ إذا تزوجت سقطت حضانتُها.
ولمّا ضاق هذا على ابن حزم، ولم ير عنه جوابا على قاعدة مذهبه، طعن في القصة بجميع طرقها، ثم قال: إلّا أنّ هذا الخبر بكل وجه حجّة على الحنفية والمالكية والشافعية، لكون خالتها كانت مزوجة بجعفر، وهو أجمل شاب في قريش، وليس هو ذا محرم من بنت حمزة (٢).
قال الإِمام ابن القيّم في "الهدي": وهذا من تهوره وإقدامه على تضعيف ما اتفق الناس على صحته، فخالفهم وحده، فإن شهرة هذه القصة في الصِّحاح، والسنن, والمسانيد، والسِّير، والتواريخ تغني عن إسنادها، فكيف وقد اتفق عليها صاحبا "الصحيحين" وغيرُهما, ولم يحفظ عن أحد قبلَه الطعنُ فيها البتة؟ (٣)
تنبيهات:
الأول: الحَضانة -بفتح الحاء المهملة- في اللغة: مصدر حضنت الصبي حضانة: تحملّت مؤونته وتربيته، عن ابن القطاع، والحاضنة: التي تربي الطفل، سميّت بذلك؛ لأنها تضم الطفل إلى حضنها، وهو ما [دون] (٤) الإبط إلى الكشح، وهو الخصر (٥).
стр. 3171
وفي الشرع: حفظ صغير ومجنون ومعتوه -وهو المختل العقل- عمّا يضرهم، وتربيتهم بعمل مصالحهم من غسل رأس الطفل وبدنه وثيابه، ودهنه وتكحيله، وربطه في المهد وتحريكه لينام، ونحوه، وهي واجبة، كالإنفاق عليه، ومستحقها رجلٌ عصبة أو امرأة وارثة، أو مدلية بوارث، كالخالة، وبناتُ الأخوات، أو مدليةٌ بعصبة، كبنات الإخوة، والأعمام، وذوي رحم غير من تقدم، وحاكم (١).
الثاني: في بيان أولى الناس بحضانة الطفل ونحوه، وأحقهم بها إذا افترق الزوجان، ولهما طفل ونحوه، ذكرًا كان أو أنثى، فأحقُّ الناس بحضانته أمه كما قبل الفراق، مع أهليتها وحضورها، وقبولها ولو بأجرة مثلها، كالرضاع، هذا معتمد المذهب بلا ريب (٢).
وقال أبو حنيفة: إن كان ثَمَّ متطوع بالرضاع، أو من ترضعه بدون أجرة مثل، فللأب أن يسترضعَ غيرَ الأم بشرط كونِ الرضيع عند الأم؛ لأن الحضانة لها.
وعن مالك كأبي حنيفة.
وعنه: الأم أولى بكل حال، وهو أحد قولي الشافعي كمعتمد مذهبنا، والقول الثاني للشافعي كأبي حنيفة.
واتفق الأئمة الأربعة على أن الحضانة للأم (٣)؛ لأنه لا يقوم مقامَها في مصلحة الطفل أحدٌ، فإن الأب لا يتولى الحضانة بنفسه، وإنما يدفعه إلى
стр. 3172
امرأته، وأمه أولى من امرأة أبيه، فلو امتنعت الأم من الحضانة، لم تُجبر، وانتقلت إلى مَنْ بعدَها (١).
ومحل أولوية أمه ما لم تتزوج بأجنبي، فمتى تزوجت، ودخل بها الزوج، سقطت حضانتها (٢).
ومعتمد المذهب: تسقط حضانتها من حين العقد، خلافًا لمالك، ولو رضي الزوج، لئلا يكون في حضانة أجنبي، خلافًا لصاحب "الهدي" (٣)، فإن كان الزوج ليس أجنبيًا، كجده وقريبه، ولو كان الزوج غير محرم للمحضون، لم تسقط الحضانة (٤).
وقال مالك والشافعي: تسقط حضانتها بالتزويج مطلقًا، نعم، قال مالك: إن كانت مزوجة بجده لا تسقط، وقال أبو حنيفة: تسقط ما لم يكن الزوج ذا محرم، فإن زال المانع، بأن طلقت بائنًا، عادت حضانتها، خلافًا لمالك، هكذا نقله أبو المظفر بن هبيرة (٥)، وأشار إلى مثله في "الفروع" (٦)، وهكذا نقله صاحب "الهدي" في "هديه"، وعبارته: اختلف الناس في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال:
أحدها: سقوطُها به مطلقًا، سواء كان المحضون ذكرًا أو أنثى، هذا مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وكذا أحمد في المشهور عنه، حتى
стр. 3173
قال ابن المنذر: وأجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، وقضى به شريح.
الثاني: أنها لا تسقط بالتزويج بحال، ولا فرق في الحضانة بين الأيّم وذاتِ البعل، ويحكى هذا عن الحسن البصري، وهو قول أبي محمَّد بن حزم.
الثالث: إن كان المحضون بنتًا، لم تسقط الحضانة بنكاح أمها، وإن كان ذكرًا، سقطت، وهذا رواية عن الإِمام أحمد، فإنه قال في رواية مهن ابن يحيى الشامي: إذا تزوجت الأم وابنُها صغير، أُخذ منها، قيل له: والجاريةُ مثل الصبي؟ قال: لا، الجاريةُ تكون مع أمها إلى سبع سنين.
القول الرابع: أنها إذا تزوجت بنسب من الطفل، لم تسقط حضانتها، ومعتمد قول علماء المذهب: عدم اعتبار كون الزوج محرمًا، خلافًا للحنفية، واعتبر الإِمام مالك أن يكون الزوج جدًّا للطفل (١).
قلت: وفي "المنهاج" للإمام النووي: ولا حضانة لناكحة غيرَ أبي الطفل إلّا عمه وابن عمه وابن أخيه في الأصح.
قال شارحه الرملي على قوله: وناكحة غير أبي الطفل: وإن رضي زوجها، وإن لم يدخل بها، ما لم يرض الزوج والأب ببقائه مع الأم.
قال: أما ناكحة أبي الطفل وإن على، فحضانتها باقية، أما الأب فظاهر، وأما الجد، فإنه وليّ تامُّ الشفقة.
وعلى قوله: إلا عمه وابن عمه وابن أخيه، أي: إلّا إن تزوجت من له حقّ في الحضانة؛ أي: في الجملة، ورضي به، كأن تزوجت عمه وابن عمه
стр. 3174
وابن أخيه، أو أختُه لأمه أخاه لأبيه في الأصح؛ لأن هؤلاء أصحابُ حق في الحضانة، والشفقةُ تحملهم على رعاية الطفل، فيتعاونان على كفالته، بخلاف الأجنبي.
قال: والثاني يبطل حقها، لاشتغالها بالزوج، ولا حق له في الحضانة الآن، فأشبه الأجنبي، ويتصور نكاح ابن الأخ فيما إذا كان المستحق غير الأم وأمهاتها، كأن تتزوج أختُ الطفل لأمه بابن أخيه لأبيه، فإنها تقدَّم على ابن أخيه لأبيه في الأصح (١)، انتهى.
فعلى هذا يتحد مذهبنا ومذهب الشافعية في ذلك، والله أعلم.
لكن وعبارة القاضي ذكر في "المنهج وشرحه": ولا ناكحة غير أبيه، وإن رضي؛ لأنها مشغولة بحق الزوج، إلّا من له حق في الحضانة بقيدٍ زدته بقولي: ورضي، فلها الحضانة (٢)، انتهى.
قال في "الهدي": ودليل سقوط الحضانة بالتزويج ما رواه عَمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إنّ ابني هذا كان بطني له وِعاءً، وثديي له سِقاءً، وحجري له حِواء، وإنّ أباه طلّقني، وأراد أن ينزِعَه مني، فقال لها رسول الله ﷺ : "أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحي" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي (٣)، وقال الصدّيق: هي أحقُّ به ما لم تتزوج، ووافقه عمرُ على ذلك (٤)،
стр. 3175
ولا مخالف لهما من الصحابة ﵃، وقضى به شريح.
وروى عبد الرزاق عن رجلٍ صالح من أهل المدينة، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، قال: كانت امرأة من الأنصار تحت رجلٍ من الأنصار، فقُتل عنها يوم أُحد، وله منها ولد، فخطبها عمُّ ولدها ورجل آخرُ إلى أبيها، فأنكح الآخرَ، فجاءت إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت: أنكحني أبي رجلًا لا أريده، وتركَ عمَّ ولدي، فأخذ مني ولدي، فدعا رسول الله ﷺ أباها فقال: "أنتَ الذي لا نكاح لك، اذهبي فانكحي عَمَّ ولدِك" (١)، فلم ينكر أخذ الولد منها لمّا تزوجت، بل أنكحها عمّ الولد لتبقى لها الحضانة، ففيه دليلٌ على سقوط الحضانة بالنكاح، وبقائها إذا تزوجت بنسيبٍ من الطفل.
وهذا الحديث، وإن اعترض عليه ابن حزم بأنه مرسل، وفيه مجهول (٢)، فإن أبا سلَمةَ من كبار التابعين، وقد حكى القصة عن الأنصارية، ولا ينكر لقاؤه لها، فلا يتحقق الإرسال، وإذا تحقق، فمرسل جيد له شواهدُ مرفوعة وموقوفة، فالاعتماد ليس عليه وحده، وعَنى بالمجهول الرجلَ الصالح الذي شهد له أبو الزبير بالصلاح، ولا ريب أنّ هذه الشهادة لا تعرف به، ولكن المجهول إذا عدّله الراوي عنه الثقةُ، ثبتت عدالتُه، وإن كان واحدًا على أحد القولين، وصححه في "الهدي"، قال: لأن التعديل من باب الإخبار والحكم، لا من باب الشهادة، ولا سيما التعديل في الرواية، فإنه يكتفى فيه بالواحد، مع أن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له في أحد القولين، وإن لم يصرّح بالتعديل، وهو إحدى الروايتين عن الإِمام أحمد، فإذا روى عنه، وصرّح بتعديله، خرج عن
стр. 3176
الجهالة التي تُرَدُّ لأجلها روايتُه، لا سيما إذا لم يكن معروفًا بالرواية عن الضعفاء والمتهمين، وأبو الزبير، وإن كان فيه تدليس، فليس معروفًا بالتدليس عن المتهمين و"الضعفاء" بل من جنس تدليس السلف، فإنهم لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح، وإنما أكثر هذا النوع من التدليس في المتأخرين (١).
وبعد الأم الأَوْلى بالحضانة أمهاتُها، ثم أب، ثم أمهاته، ثم جد، ثم أمهاته، وهلم جرًا، ثم أخت لأبوين، فأخت من أُم تقدَّم على أختٍ من أب، وخالةٌ تقدم على عمّة، وخالةُ أم تقدم على خالة أب، وخالات أب على عمّاته، ومن يُدلي من عمّات وخالات بأم على من يدلي بأب، وتحرير ذلك: أنها تقدم أُم، ثم أمهاتها القربى فالقربى، ثم أب، ثم أمهاته كذلك، ثم جد، ثم أمهاته كذلك، ثم أخت لأبوين، [ثم لأم] (٢)، ثم لأب، ثم خالة لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، ثم عمّات كذلك، ثم خالات أمه، ثم خالات
أبيه، ثم عمّات أمه، ثم عمّات أبيه، ثم بنات إخوته وأخواته، ثم بنات أعمامه وعمّاته، ثم بنات أعمام أبيه وبنات عمات أبيه (٣)، على الخلاف المشهور بين الأئمة.
واختار الإِمام ابن القيّم في "الهدي" أن المقدّم بعد الأم أقاربُ الأب لا أقاربها، قال: وهو أصح دليلًا، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية.
قال: وهو الذي ذكره الخرقي في "مختصره"، قال: وإنما قدّمت الأم، لكونها أنثى، لا لتقديم جهتها، إذ لو كانت جهتها راجحة، لترجَّحَ رجالها
стр. 3177
ونساؤها على الرجال من جهة الأب، بل إنما قدّمت؛ لأن النساء أرفقُ بالطفل، وأخبرُ بتربيته، وأصبرُ على ذلك، وعلى هذا فالعمّة أولى من الخالة كما نصّ عليه الإِمام أحمد في إحدى الروايتين، وبهذا قضى شريح، فإنه اختصم عنده عم وخال في طفل، فقضى به للعم، فقال الخال: أنا أنفق عليه من مالي، فدفعه إليه شريح (١)، وأورد على نفسه: أنه كان لابنة حمزة ﵂ عمّة، وهي صفية بنت عبد المطلب أختُ حمزة، وكانت موجودة في المدينة، فإنها هاجرت، وعزّاها رسول الله ﷺ في أخيها حمزةَ، وشهدت الخندقَ، وبقيت إلى خلافة عمر، ومع ذلك قدّم النبي ﷺ خالة بنت حمزة أسماءَ بنتَ عميس عليها، فهذا يدل على تقديم مَنْ في جهة الأم على مَنْ في جهة الأب، فأجاب: بأن صفية ﵂ لم تطلب الحضانة، ولم تنازع فيها، فلو طلبتها, ولم يقض لها بها، وقدّم عليها الخالة، لكان فيه الدليل لِمدَّعاكم، والحضانة حقٌّ للمرأة، فإذا تركتها، انتقلت إلى غيرها (٢)، انتهى.
ومعتمد المذهب: تقديم الخالة على العمة، والله أعلم.
الثالث: يُشترط في الحاضن ستة شروط:
أحدها: اتفاقُهما في الدِّين، فلا حضانة لكافر على مسلم، لانقطاع الولاية بين المسلم والكافر، والمسلمون بعضُهم أولياء بعض، والحضانة من أقوى أسباب الموالاة التي قطعها الله -سبحانه- بين الفريقين.
وقال أهل الرأي، وابن القاسم، وأبو ثور: تثبت الحضانة لها مع كفرها وإسلام الولد، واحتجوا بما في "سنن النسائي" من حديث عبد الحميد بن
стр. 3178
جعفر عن أبيه، عن جده رافع بن سنان: أنه أسلم، وأبت امرأته أن تُسلم، فأتت النبيَّ ﷺ ، فقالت: ابنتي، وهي فطيم أو مشبهة، وقال رافع: ابنتي، فقال النبي ﷺ : "اقعد ناحية"، وقال لها: "اقعدي ناحية"، وقال لهما: "ادعواها"، فمالت الصبيّة إلى أمها، فقال النبي ﷺ : "اللهم اهدِها"، فمالت إلى أبيها، فأخذها (١).
قالوا: ولأن الحضانةَ أمران: الرضاعةُ، وخدمة الطفل، وكلاهما يجوز من الكافر.
قال له المانعون: أما الحديث، فلا حجّة فيه؛ لأن الإِمام يحيى بن سعيد القطان ضعّف عبد الحميد بنَ جعفر بنِ عبد الله بنِ الحسن بنِ رافع بن سنان الأنصاريَّ الأوسيَّ، وكان سفيان يحمل عليه، وضعّف ابنُ المنذر وغيرُه الحديثَ.
قال الإِمام الموفق في "المغني": وهذا الحديث لا يُثْبته أهل النقل، وفي إسناده مقال (٢). على أن ليس في الحديث ما يدل على مدَّعاهم؛ لأن فيه: أن النبي ﷺ دعا لها بالهداية، فدلّ على أنّ كونها مع الكافر خلاف الهداية، ومن كان على خلاف هدي الله الذي أحبه من عباده، كان على غير حق، ولا حق له.
قال في "الهدي": والعجب أنهم يقولون: لا حضانة للفاسق، فأيّ فسق
стр. 3179
أكبر من الكفر؟ وأين الضرر المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقع من الكافر؟.
الثاني: العدالة: فلا حضانة لفاسق.
قال في "الهدي": الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعًا، وإن شرطها أصحاب أحمد، والشافعي، وغيرهم، قال: واشتراطها في غاية البعد، قال: ولو اشترطت في الحاضن العدالة، لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمّة، واشتد العنت، قال: ولم نزل من حين قام الإِسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفسّاق بينهم، لا يتعرض لهم أحد في الدنيا، مع كونهم هم الأكثرين، قال: وهذا في الحرج والعسر، واستمرار العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح، فإنه دائم الوقوع في الأمصار والأعصار والقرى والبوادي، مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق، ولم يزل الفسوق في الناس، ولم يمنع النبي ﷺ ولا أحدٌ من أصحابه فاسقًا من تربية ابنه وحضانته له، ولا من تزويجه موليته، والعادة شاهدة بأن الرجل، ولو كان من الفساق، فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها، ويحرص على الخير لها بجهده، ويكفي في ذلك الباعث الطبيعي، وإن قدر خلاف ذلك، فهو نادر لا حكم له، ولو كان الفاسق مسلوب الحضانة وولايةِ النكاح، لكان بيانه للأمة من أهم الأمور، واعتناءُ الأمّة بنقله وتوارثِ العمل به مقدّمًا على كثيرٍ مما نقلوه وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعه واتصال العمل بخلافه؟!
الثالث: العقل، فلا حضانة لمجنون ومعتوه وطفل؛ لأن هؤلاء يحتاجون إلى من يحضنهم ويكفلهم، فكيف يكونون كافلين لغيرهم؟.
стр. 3180
الرابع: الحرية، فلا حضانة لرقيق، ولو مبعَّضا, ولو كان بينه وبين سيده مهايأة.
واختار في "الهدي" عدمَ اعتبار الحرية، قال: لأنه لا ينهض عليه دليل يركن القلب إليه.
قال الإِمام مالك في حر له ولد من أَمَة: إن الأم أحقُّ به إلا أن تُباع فتنتقل، فيكون الأب أحقَّ، قال: وهذا هو الصحيح؛ لأن النبي ﷺ قال: "من فرّق بين والدةٍ وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" (١).
والمعتمد: لا حضانة لها حيث كانت رقيقة؛ لأن منافعها مملوكة لسيدها، فهي مستغرقة في خدمته (٢).
نعم استثنى الشافعية ما لو أسلمت أم ولد كافر، فحضانته لها، وإن كانت رقيقة ما لم تنكح، لفراغها؛ لأن السيد ممنوع من قربانها (٣).
قلت: وهذا غير منافٍ لقواعد مذهبنا إن لم يكن له حاضن مسلم.
الخامس: عدم نكاحها -الأجنبي كما تقدم-.
السادس: القدرة عليها، فلا حضانة لعاجز عنها، كأعمى ونحوه (٤).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: ضعفُ البصر يمنع من كمال ما يحتاج إليه المَحْضُونُ من المصالح (٥).
стр. 3181
وإذا كان بالأم برص أو جذام، سقط حقها من الحضانة.
صرّح بذلك العلائي الشافعي في "قواعده"، قال: لأنه يُخشى على الولد من لبنها ومخالطتها، انتهى. ونقله في "الإقناع" (١)، والله أعلم.
فائدة:
متى زالت الموانع، كأنْ أسلم الكافر، وتاب الفاسق، وعَتَقَ الرقيق، وعقل المجنون، وطُلَقت المزوَّجة -كما تقدم- ولو رجعيًا، ولم تنقض العدّة، عاد إليهم حقهم عندنا (٢)، كالشافعية.
وقال أبو حنيفة: لا تعود للمطلقة حتى تنقضي العدّة.
وقال مالك: لا تعود إليها أبدًا -كما تقدم- (٣).
السابع: لا تثبت الحضانة على البالغ الرشيد العاقل، وإليه الخِيرةُ في الإقامة عند من شاء من أبويه، فإن كان رجلًا، فله الانفراد بنفسه، إلا أن يكون أَمْرَدَ يخاف عليه الفتنة، فيمنع من مفارقتهما، ويُستحب أَلَّا ينفرد عن أبويه، وأَلَّا يقطع برّه عنهما، وإن كانت جارية، فليس لها الانفراد، ولأبيها وأوليائها عند عدمه منعُها منه، وإذا بلغ الغلام سبع سنين عاقلًا، واتفق أبواه أن يكون عند أحدهما، جاز، وإن تنازعا، خيّره الحاكم بينهما، فكان مع مَنِ اختار منهما.
قال ابن عقيل: مع السلامة من فساد، فأما إذا علم أنه يختار أحدهما ليمكنه من الفساد، ويكره الآخر للأدب، لم يُعمل بمقتضى شهوته، انتهى.
стр. 3182
ولا يُخير قبل سبع، فإن اختار أباه، كان عنده ليلًا ونهارًا، ولا يُمنع من زيارة أمه، وإن مرضَ، فهي أحق بتمريضه في بيتها، وإن اختار أمه، كان عندها ليلًا، وعند أبيه نهارًا، ليعلمه الصناعة والكتابة ويؤدِّبه، فإن عاد فاختار الآخر، نقل إليه، فإن أبي أن يختار أحدهما، واختارهما معًا، أُقرع بينهما، فإن اختار غير من قدم بالقرعة، رجع إليه، ولا تخيير إن لم يكن أحد أبويه من أهل الحضانة، وتعين كونه عند من هو أهلها منهما، وإن اختار أباه، ثم زال عقله، رُدّ إلى أمه.
وأما الجارية إذا بلغت سبع سنين فصاعدًا، فهي عند أبيها إلى البلوغ، وكذا بعده إلى لزفافها وجوبًا، ولو تبرعت الأم بحضانتها (١).
ولم يقل مالك ولا أبو حنيفة بالتخيير مطلقًا، ثم اختلفا.
فقال أبو حنيفة: الأم أحقُّ بالجارية حتى تبلغ، وبالغلام حتى يأكل وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، ثم يكونان عند الأب، وعند مَنْ سوى الأبوين ممَّن هو أحقُّ بهما حتى يستغنيا, ولا يعتبر البلوغ.
وقال مالك: الأم أحقُّ بالولد، ذكرًا كان أو أنثى حتى يشغر، هذه رواية ابن وهب، وروى ابن القاسم: حتى يبلغ، ولا يخير بحال.
وقال الليث: الأم أحق بالابن حتى يبلغ ثمان سنين، وبالبنت حتى تبلغ، ثم الأب أحق بهما بعد ذلك.
وقال الحسن: الأم أولى بالبنت حتى يَكْعَبَ ثدياها، وبالغلام حتى ييفعَ (٢)، فيُخيران بعد ذلك بين أبويهما، الذكر والأنثى.
стр. 3183
قال في "الهدي": ثبت التخييرُ عن النبي ﷺ في الغلام من حديث أبي هريرة (١)، وثبت عن الخلفاء الراشدين، ولا يُعرف لهم مخالف في الصحابة البتةَ، ولا أنكر منكر، فوجب المصير إليه، والتعويل عليه، والله الموفق (٢).
стр. 3184
كتاب القصاص
بكسر القاف، قال في "القاموس": هو: القود (١)، وفي "النهاية": أَقَصَّه الحاكم يُقِصُّه: إذا أمكنَهُ من أخذ القِصاص، هو أن يفعل به مثلَ فعله من قتلٍ أو قطعِ أو ضربٍ أو جَرْحٍ، قال: والقِصاص الاسم (٢)، وقال الله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ أي: المساواة والمماثلة في الجراح والدِّيات، وأصله من قَصَّ الأثرَ: إذا اتبعه، ومنه قوله -تعالى- في قصة موسى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ [القصص: ١١].
وهو شرعًا: أن يُفعل بالجاني مثلُ ما فَعل بشروطه المعلومة (٣)، وسبب نزول الآية: أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماءٌ في الجاهلية، وكان لأحدهما طولٌ على الأخرى، أقسموا لنقتلنَّ الحرَّ منكم بالعبد، والذكرَ بالأنثى، فلما جاء الإِسلام، تحاكموا إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت (٤)، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] كلام في غاية الفصاحة، حيث جعل الشيء محل ضده، وعرَّف القصاص،
стр. 3185
ونكَّر الحياة، ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم نوعًا من الحياة عظيمًا، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل، فيكون سببَ حياة نفسين.
وقيل: المراد بالحياة: أن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا، لم يؤاخذ به في الآخرة (١).
وذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب تسعة أحاديث:
(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحلُّ دم امرئٍ مسلم) من ذكرٍ وأنثى؛ أي: لا يَسوغ، ولا يُشرع ولا يحل قتلُ شخصٍ مسلم (يشهد أن لا إله إلّا الله، وأني رسول الله) لأحد من الخلق.
لكن روي عن الإِمام أحمد ﵁: أنّ النبي ﷺ كان له أن يقتل بغير هذه الأسباب الثلاثة الآتي ذكرها، وأما غير النبي ﷺ فليس له ذلك.
كأنَّ الإِمام أحمد ﵁ يشير إلى أنه ﷺ كان له أن يعزر بالقتل إذا رأى في ذلك مصلحة؛ لأنه ﵊ معصومٌ من التعدِّي والحيف، وأما غيره، فليس له ذلك؛ لأنه غير مأمونٍ عليه التعدي بالهوى (١).
قال أبو داود: سمعت أحمدَ سئل عن حديث أبي بكر: ما كانت لأحد بعد النبي ﷺ ، قال: لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلًا إلّا بإحدى ثلاث، والنبي ﷺ كان له أن يقتل (٢).
وحديث أبي بكر المشار إليه هو: أنّ رجلًا كَلَّمَ أبا بكر، فأغلظَ له، فقال له أبو برزة: ألا أقتلُه يا خليفةَ رسولِ الله؟ فقال أبو بكر: ما كانت لأحدٍ بعد النبيِّ ﷺ (٣) (إلّا بإحدى) خصلة من (ثلاث) يتصف بواحدة منها:
- الأولى من الخصال الثلاث: ما أشار إليه بقوله ﷺ : (الثيَّب الزاني)، وهو من زنى بعد إحصانه.
стр. 3188
قال في "المطالع": مِنْ ثاب يثوب، كأنه من إعادة الوطء (١)؛ لأنه لمّا أحصن فرجَه وأهلَه بوطئه زوجته، ثم أعاد وطء من ليس له زوجةً ولا سُرِّيَّةً، استحق ما شرّعه الله ورسوله، والمحصَن في حدّ الزنى غيرُ المحصَن في باب القذف، فالإحصانُ في باب حدّ الزنى: هو من وَطِىءَ امرأته -ولو كتابيّة- في قُبلها وَطْئًا حصل به تغييبُ الحشفة أو قدرِها في نكاحٍ صحيح، وهما بالغان عاقلان حرّان ملتزمان لديننا، فإن اختلّ شرطٌ منها, ولو في أحدهما، فلا إحصان لواحدٍ منهما، فلا يحصل الإحصان بالوطء بملك اليمين، ولا في نكاحٍ فاسد، ولا في نكاحٍ خالٍ عن الوطء، سواء حصل فيه خلوةٌ أو وطءٌ فيما دون الفرج، أو في الدبر، أو لا (٢).
والزاني: من وطئ امرأة في قُبلها، وهي حرامٌ عليه، ولا شبهة له في وطئها، ويحصل الزنى بدخول الحشفة أو قدرِها بلا حائل، والوطءُ في الدبر مثلُه (٣).
ولفظ الزنى يمد ويقصر، فالقصر لأهل الحجاز، والمد لأهل نجد (٤).
وأنشد ابن سيده: [من البسيط]
أَمَّا الزِّنَاءُ فَإِنِّي لَسْتُ قَارِبَهُ ... وَالْمَالُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْخَمْرِ نِصْفَانِ (٥)
стр. 3189
وقد جاء في معني ما دلّ عليه حديث ابن مسعود هذا عدّة أحاديث: من حديث عائشة رواه مسلم (١).
وأخرج الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس" (٢).
وفي رواية للنسائي: "رجلٌ زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم، أو قتل محمدًا، فعليه القود، أو ارتدَّ بعد إسلامه، فعليه القتل" (٣).
روي -أيضًا- من حديث ابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، وغيرهم ﵃.
والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين المسلمين، فأجمع المسلمون: أن حدّ زنى الثيِّب إذا زنى: الرجم حتى يموت، وقد رجم النبي ﷺ ماعزًا، والغامدية، وكان في القرآن الذي نُسخ لفظه وبقي معناه: "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله، والله عزير حكيم" (٤).
стр. 3190
وقد استنبط ابن عباس ﵄ الرجمَ من القرآن من قوله -تعالى-: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥] , قال: من كفر بالرجم، فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، ثم تلا هذه الآية، وقال: كان الرجم ممّا أخفوا، أخرجه النسائي، والحاكم وصححه (١).
ويُستنبط -أيضًا- من قوله -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] إلى قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] قال الزهريّ: بلغنا أنها نزلت في اليهوديين اللذين رجمهما النبي ﷺ ، وقال: "إني أحكم بما في التوراة"، وأمر بهما فرُجما (٢).
وخرج مسلم في "صحيحه" من حديث البراء بن عازب ﵄ قصة رجم اليهوديين، وقال في حديثه: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] , وأنزل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] في الكفار كلها (٣).
وخرّجه الإِمام أحمد، وعنده: فأنزل الله: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] ويقولون: ائتوا محمدًا، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد،