← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِىءً مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؛ إِلَّا بإحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ" (١).

стр. 3187

(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحلُّ دم امرئٍ مسلم) من ذكرٍ وأنثى؛ أي: لا يَسوغ، ولا يُشرع ولا يحل قتلُ شخصٍ مسلم (يشهد أن لا إله إلّا الله، وأني رسول الله) لأحد من الخلق. لكن روي عن الإِمام أحمد ﵁: أنّ النبي ﷺ كان له أن يقتل بغير هذه الأسباب الثلاثة الآتي ذكرها، وأما غير النبي ﷺ فليس له ذلك. كأنَّ الإِمام أحمد ﵁ يشير إلى أنه ﷺ كان له أن يعزر بالقتل إذا رأى في ذلك مصلحة؛ لأنه ﵊ معصومٌ من التعدِّي والحيف، وأما غيره، فليس له ذلك؛ لأنه غير مأمونٍ عليه التعدي بالهوى (١). قال أبو داود: سمعت أحمدَ سئل عن حديث أبي بكر: ما كانت لأحد بعد النبي ﷺ ، قال: لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلًا إلّا بإحدى ثلاث، والنبي ﷺ كان له أن يقتل (٢). وحديث أبي بكر المشار إليه هو: أنّ رجلًا كَلَّمَ أبا بكر، فأغلظَ له، فقال له أبو برزة: ألا أقتلُه يا خليفةَ رسولِ الله؟ فقال أبو بكر: ما كانت لأحدٍ بعد النبيِّ ﷺ (٣) (إلّا بإحدى) خصلة من (ثلاث) يتصف بواحدة منها: - الأولى من الخصال الثلاث: ما أشار إليه بقوله ﷺ : (الثيَّب الزاني)، وهو من زنى بعد إحصانه.

стр. 3188

قال في "المطالع": مِنْ ثاب يثوب، كأنه من إعادة الوطء (١)؛ لأنه لمّا أحصن فرجَه وأهلَه بوطئه زوجته، ثم أعاد وطء من ليس له زوجةً ولا سُرِّيَّةً، استحق ما شرّعه الله ورسوله، والمحصَن في حدّ الزنى غيرُ المحصَن في باب القذف، فالإحصانُ في باب حدّ الزنى: هو من وَطِىءَ امرأته -ولو كتابيّة- في قُبلها وَطْئًا حصل به تغييبُ الحشفة أو قدرِها في نكاحٍ صحيح، وهما بالغان عاقلان حرّان ملتزمان لديننا، فإن اختلّ شرطٌ منها, ولو في أحدهما، فلا إحصان لواحدٍ منهما، فلا يحصل الإحصان بالوطء بملك اليمين، ولا في نكاحٍ فاسد، ولا في نكاحٍ خالٍ عن الوطء، سواء حصل فيه خلوةٌ أو وطءٌ فيما دون الفرج، أو في الدبر، أو لا (٢). والزاني: من وطئ امرأة في قُبلها، وهي حرامٌ عليه، ولا شبهة له في وطئها، ويحصل الزنى بدخول الحشفة أو قدرِها بلا حائل، والوطءُ في الدبر مثلُه (٣). ولفظ الزنى يمد ويقصر، فالقصر لأهل الحجاز، والمد لأهل نجد (٤). وأنشد ابن سيده: [من البسيط] أَمَّا الزِّنَاءُ فَإِنِّي لَسْتُ قَارِبَهُ ... وَالْمَالُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْخَمْرِ نِصْفَانِ (٥)

стр. 3189

وقد جاء في معني ما دلّ عليه حديث ابن مسعود هذا عدّة أحاديث: من حديث عائشة رواه مسلم (١). وأخرج الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس" (٢). وفي رواية للنسائي: "رجلٌ زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم، أو قتل محمدًا، فعليه القود، أو ارتدَّ بعد إسلامه، فعليه القتل" (٣). روي -أيضًا- من حديث ابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، وغيرهم ﵃. والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين المسلمين، فأجمع المسلمون: أن حدّ زنى الثيِّب إذا زنى: الرجم حتى يموت، وقد رجم النبي ﷺ ماعزًا، والغامدية، وكان في القرآن الذي نُسخ لفظه وبقي معناه: "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله، والله عزير حكيم" (٤).

стр. 3190

وقد استنبط ابن عباس ﵄ الرجمَ من القرآن من قوله -تعالى-: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥] , قال: من كفر بالرجم، فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، ثم تلا هذه الآية، وقال: كان الرجم ممّا أخفوا، أخرجه النسائي، والحاكم وصححه (١). ويُستنبط -أيضًا- من قوله -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] إلى قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] قال الزهريّ: بلغنا أنها نزلت في اليهوديين اللذين رجمهما النبي ﷺ ، وقال: "إني أحكم بما في التوراة"، وأمر بهما فرُجما (٢). وخرج مسلم في "صحيحه" من حديث البراء بن عازب ﵄ قصة رجم اليهوديين، وقال في حديثه: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] , وأنزل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] في الكفار كلها (٣). وخرّجه الإِمام أحمد، وعنده: فأنزل الله: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] ويقولون: ائتوا محمدًا، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد،

стр. 3191

فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم، فاحذروا، إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] , قال: في اليهود (١). وروي من حديث جابر قصة رجم اليهوديين، وفي حديثه قال: فأنزل الله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] إلى قوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٢) [المائدة: ٤٢] وكان الله -تعالى- قد أمر أولًا بحبس الزواني إلى أن يتوفاهنَّ الموت أو يجعل الله لهنَّ سبيلًا، ثم جعل الله لهنَّ السبيل، ففي "مسلم" عن عبادة عن النبي ﷺ ، قال: "خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، البِكرُ بالبكرِ جلدُ مئة وتغريبُ عام، والثيِّبُ بالثِّيبِ مئةُ جلدة والرجمُ" (٣)، وآية الرجم في "الصحيحين" وغيرهما (٤). قال في "الفروع": فإن قيل: لو كانت في المصحف، لاجتمع العمل بحكمها، وثواب تلاوتها. قال ابن الجوزي: أجاب ابن عقيل فقال: إنما كان ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استقصاء لطلب طريق مقطوع به قنوعًا بأيسر شيء كما سارع الخليل ﷺ إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي وأقلّها (٥). ويأتي الكلام على الزنى في باب الحدود -إن شاء الله تعالى-.

стр. 3192

- (و) لخصلة الثانية من الخصال التي يحلّ بها دم المسلم: (النفسُ) من المؤمن يحلّ ويشرع قتلها (بالنفس)؛ يعني: أن المكلف إذا قتل نفسًا بغير حق عمدًا، فإنه يُقتل بها، وقد دلّ القرآن على ذلك بقوله -تعالى-: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] , وقال الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] , لكن يُستثنى من عموم قوله -تعالى-: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] صور: منها: أن يقتل الوالدُ ولدَه، فالجمهور على أنه لا يُقتل به، وصحّ ذلك عن عمر، وروي عن النبي ﷺ من وجوهٍ متعددة، وإن تُكلم في أسانيدها، وقال مالك: إن تعمّد قتله تعمدًا لا شك فيه مثل أن يذبحه، فإنه يُقتل به، وإن حَذفه بسيفٍ أو عصا، لم يُقتل (١)، ومذهب الجمهور: لا يُقتل أحد الأبوين وإن على بالولد وإن سفل، وإن اختلفا دينًا وحريّة، لخبر: لا يُقاد للابن من أبيه، صححه الحاكم والبيهقي (٢). وعن عمر، وابن عباس ﵃: أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يُقتل والدٌ بولدهِ"، أخرج النسائي حديث عمر (٣)، ورواهما ابن ماجه (٤)،

стр. 3193

وذكرهما ابن عبد البر، وقال: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يُستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه، حتى يكون الإسناد في مثله مع شهرته تكلفا (١)، ولأن النبي ﷺ قال: "أنتَ ومالك لأبيك" (٢)، وقضية هذه الإضافة تمليكُه إياه، فإذا لم تثبت حقيقة الملكية، ثبتت الإضافة، وهي شبهة في ردّ القصاص؛ لأنه يُدرأ بالشبهات، ولأنه سببُ إيجاده، فلا ينبغي أن يُسلط بسببه على إعدامه، وهذا يخص العمومات، ويفارقُ الأبَ غيرُه من سائر الناس، فإنهم لو قتلوا بالحذف والسيف، وجب عليهم القصاص، والأبُ بخلافه. وقال بعدم قتل الأب وإن علا بالابن وإن سفل: ربيعة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، خلافًا لنافع، وابن عبد الحكم، وابن المنذر، وكذا مالك على التفصيل الذي ذكرناه عنه (٣). وأما الفرع، فيقتل بأصله. ومنها: أن يقتل الحرُّ عبدًا، فالأكثرون على أنه لا يُقتل به، روي عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وزيد، وابن الزبير ﵃، وبه قال الحسن، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وروي ذلك -أيضًا- عن الشعبي، وهو المذهب، وعليه علماؤنا. وقال سعيد بن المسيب، والنخعي، وقتادة، والثوري، وأصحاب الرأي: إنه يُقتل به، لعموم الآيات والأخبار، ويقول النبي ﷺ : "المؤمنون

стр. 3194

تتكافأ دماؤهم" (١)، ولأنه آدمي معصوم، فأشبه الحر (٢). ولنا ما روى الإِمام أحمد عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال: من السنّة أَلَّا يُقتل حر بعبد (٣). [وعن ابن عباس ﵄: أنه ﷺ قال: "لا يُقتل حر بعبد"] (٤) رواه الدارقطني (٥). قال الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين": ورد في ذلك أحاديث في أسانيدها مقال (٦). وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: ليس في العبد نصوص صحيحة صريحة تمنع قتلَ الحر به، وقوّى أنه يُقتل به، وقال: هذا الراجح، وأقوى على قول الإِمام أحمد (٧)، انتهى. والمعتمد: الأول. وقيل: يُقتل الحر بعبد غيره دون عبده، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال الثوري: بل يُقتل بعبده -أيضًا-، وبه قالت طائفة من أهل الحديث، لحديث سمرة ﵁، عن النبي ﷺ : "من قتل عبدَه،

стр. 3195

قتلناه، ومن جدعه، جدعناه" رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن غريب (١). وفي رواية لأبي داود، والنسائي: "ومن خص عبده خصيناه" (٢). وقد طعن الإِمام أحمد في هذا الحديث، وكذا غيرُه من أئمة الحديث طعنوا فيه، وقد أجمعوا على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار في الأطراف، وهذا يدل على طرح هذا الحديث، وعدم العمل به، وهو مما يُستدل به على أن المراد بقوله -تعالى-: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]: الأحرار (٣). ومنها: أن يقتل المسلم كافرًا، فإن كان حربيًا، فلا يُقتل مسلم به، بغير خلاف، لإباحة قتل الحربي بلا ريب، وإن كان ذميًّا أو معاهدًا، فالجمهور على أنه لا يُقتل به -أيضًا-، روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية ﵃، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والزهري، وابن شبرمة، والثلاثة، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وابن المنذر.

стр. 3196

وقال أبو حنيفة: يُقتل المسلم بالكافر، وهو قول النخعي، والشعبي، لكن بشرط كونه ذميًّا خاصّةً. قال الإِمام أحمد: الشعبي والنخعي قالا: ديَة المجوسي والنصراني مثل ديَة المسلم، وإن قتله، يقتل به، سبحان الله هذا عجيب! يصير المجوسي مثل المسلم! ما هذا القول؟ واستبشعه، وقال: النبيُّ ﷺ يقول: "لا يُقتل مسلم بكافر" (١)، وهو يقول: يُقتل بكافر، فأي شيء أشدّ من هذا؟!. واحتجّوا بالعمومات الواردة من القرآن والأخبار من قوله -تعالى-: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] وبما روى ابن البيلماني: أنّ النبي ﷺ قاد مسلمًا بذميّ، وقال: "أنا أحقُّ من وفي بذمته" (٢). قالوا: ولأنه معصوم عصمة مؤبدة، ويُقتل به قاتله كالمسلم. ولنا: قولُ النبي ﷺ : "تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدْنَاهم، وهم يدٌ على مَنْ سواهم، ألا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهده" رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث علي ﵁ (٣)، وفي لفظ مسلم: "لا يُقتل بكافر" رواه الإِمام أحمد، والبخاري (٤)، وفي لفظ عند الإِمام أحمد من حديث علي ﵁: "من السنّة أَلَّا يُقتل مؤمن بكافر" (٥)، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أنّ

стр. 3197

النبي ﷺ قضى ألَّا يُقتل مسلم بكافر، رواه الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه (١)، وفي لفظ قال: "لا يُقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده" رواه الإِمام أحمد، وأبو داود (٢). وأما ما ذكروه عن ابن البيلماني، فهو مرسل ضعيف، ضعفه الإِمام أحمد، وأبو عبيد، وإبراهيم الحربي، والجوزجاني، وابن المنذر، والدارقطني، وقال: ابن البيلماني ضعيف، لا تقوم به حجّة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله (٣)؟! وقال الجوزجاني: إنما أخذه ربيعة عن إبرهيم بن أبي يحيى، عن ابن المنذر، عن ابن البيلماني، وابنُ أبي يحيى متروك الحديث، وفي مراسيل أبي داود حديث آخر مرسل: أنّ النبي ﷺ يوم خيبر قتل مسلمًا بكافر قتلة غيلة، وقال: "أنا أولى وأحق من وفي بذمته" (٤). قال الحافظ ابن رجب: وهذا مذهب مالك، وأهل المدينة: أن القتل غيلة لا يُشترط له المكافأة، فيُقتل فيه المسلمُ بالكافر، وعليه حملوا حديثَ ابن البيلماني -أيضًا- على تقدير صحته (٥). والحاصل: أن اعتبار المكافأة، وهي أن يساويه في الدين والحرية

стр. 3198

والرق والاعتبار بحال الجناية، فلا يُقتل مسلم -ولو عبدًا- بكافر ذميّ، ولو ارتد، ولا حر -ولو ذميًا- بعبد، إلا أن يقتله وهو مثله، أو يجرحه وهو مثله، أو يكون الجارح مرتدًا، ثم يسلم القاتل أو الجارح، أو يعتق العبد قبل موت المجروح أو بعده، فإنه يُقتل به، نصًا، ولو جرح مسلم ذميًا، أو حر عبدًا، ثم أسلم المجروح، أو عَتق العبدُ ومات، فلا قود عليه، وعليه ديّة حر مسلم (١). ومنها: أن يقتل الرجل امرأة، فيُقتل بها، بغير خلاف (٢)، ويأتي. - (و) لخصلة الثالثة من الخصال التي يحل بها دم المسلم: (التاركُ لدينه)؛ يعني: دين الإِسلام، بأن ارتدّ عنه (المفارقُ للجماعة) من المسلمين كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان -كما تقدّم-، وإنما استثناه مع من يحل دمه من أهل الشهادتين باعتبار ما كان عليه قبل الردّة، وحكم الإِسلام لازمٌ له بعدها, ولهذا يُستتاب، ويُطلب منه العود إلى الإِسلام، وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الردّة من العبادات اختلافٌ مشهور بين العلماء، -وأيضًا- فقد يترك دينه ويفارق الجماعة وهو مقر بالشهادتين ويدّعي الإِسلام، كما لو كفر بجحد شيء من أركان الدين، أو سبَّ الله أو رسوله، أو كفر ببعض الملائكة أو النبيين أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك. وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: "من بدّلَ دينه، فاقتلوه" (٣)، ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة عند أكثر العلماء.

стр. 3199

ومنهم من قال: لا تُقتل المرأة إذا ارتدّت، كما لا تقتل نساء أهل دار الحرب في الحرب، وإنما تُقتل رجالهم، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، فجعلوا الكفر الطارئ كالأصلي، والجمهور فرّقوا بينهما، فجعلوا الطارئ أغلظَ، لما سبقه من الإِسلام، ولهذا يُقتل بالردّة عن الإِسلام من لا يُقتل من أهل الحرب، كالشيخ الفاني، والزَّمِنِ، والأعمى، مع أنهم لا يُقتلون في الحرب. وفي قوله ﷺ : "التارك لدينه" الحديث: دلالةٌ على أنه لو تاب ورجع إلى الإِسلام، لم يُقتل؛ لأنه ليس بتارك لدينه بعد رجوعه، ولا مفارق للجماعة. فإن قيل: بل استثناءُ هذا ممن يعصم دينه من أهل الشهادتين يدل على أنه يُقتل -ولو كان مقراً بهما- كما يُقتل الزاني المحصَن وقاتلُ النفس، وهذا يدل على أنّ المرتدّ لا تُقبل توبته كما حُكي عن الحسن، أو أن يحمل ذلك على من ارتدّ ممن ولد على الإِسلام، فإنه لا تقبل توبته، وإنما تقبل توبة من كان كافرًا، ثم أسلم، ثم ارتدّ، على قول طائفة من العلماء، منهم: الليثُ بن سعد، وإسحاق، والإمام أحمد في رواية مرجوحة. فالجواب: إنما استثناه من المسلمين باعتبار ما كان عليه قبل مفارقة دينه -كما سبق-، وليس هذا كالثيِّب الزاني وقاتل النفس؛ لأن قتلهما وجبَ عقوبةً لجريمتهما الماضية، ولا يمكن تلافي ذلك، وأما المرتد، فقتلُه لوصفٍ قائم به في الحال، وهو تركُ دينه ومفارقةُ الجماعة، فإذا عاد إلى دينه وإلى موافقة الجماعة، فقد انتفى الوصف المُبيح لدمه، فتزول إباحة دمه. فإن قيل: قد أخرج النسائي من حديث عائشة ﵂ عن

стр. 3200

النبي ﷺ ، قال: "لا يحلُّ دمُ امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاثِ خصالٍ: زانٍ محصَن يُرجم، ورجل قتل متعمدًا، فيقتل، ورجل يخرج من الإِسلام يحارب الله ورسوله، فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض" (١)، وهذا يدل على أن المراد: مَنْ جمعَ بين الردّة والمحاربة. فالجواب: أن أبا داود أخرج من حديث عائشة ﵂ بلفظٍ آخر، وهو أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إلا في إحدى ثلاث، رجل زنى بعد إحصان، فإنه يرجم، ورجلٌ خرج محاربًا لله ورسوله، فإنه يُقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض، أو يَقتل نفسًا، فيُقتل بها" (٢) وهذا يدل على أن من وُجد منه الحرابُ من المسلمين، خُير الإمامُ فيه مطلقًا، كما يقوله علماء أهل المدينة مالكٌ وغيرُه، وأما الرواية الأولى، فقد تحمل على أن المراد بخروجه عن الإِسلام: خروجه عن أحكامه، وقد تُحمل على ظاهرها، ويستدل بذلك من يقول: إن المحاربة تختص بالمرتدين، فمن ارتد وحارب، فُعل به ما في الآية، ومن حاَرب من غير ردّة، أُقيمت عليه أحكام المسلمين من القصاص والقطع في السرقة، وهذا رواية عن الإِمام أحمد، لكنها غير مشهورة عنه، ولا هي مذهبه، وكذا قالت طائفة من السلف: إن آية المحاربة تختص بالمرتدين، منهم: أبو قلابة وغيره، وعلى كلّ حال، فحديثُ عائشة ألفاظه مختلفة، وقد روي عنها مرفوعًا، وروي عنها موقوفًا، وحديث ابن مسعود لفظه محفوظ لا اختلاف فيه، وهو ثابتٌ متفق على صحته (٣).

стр. 3201

فإن قيل: فقد ورد قتلُ المسلم بغير إحدى هذه الخصال الثلاث: فمنها: في اللواط كما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : "اقتلوا الفاعلَ والمفعول به" (١)، وأخذ به كثير من العلماء، كمالك وأحمد، وقالوا: إنه موجب للقتل بكل حال، محصَنًا كان أو غير محصن، وقد روي عن عثمان ﵁: أنه قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأربع، فزاد على الثلاث: ورجلٌ عمل عملَ قوم لوط (٢)، ويأتي الكلام عليه في الحدود. ومنها: من أتى ذاتَ محرم، فقد روي الأمرُ بقتله (٣). وروي عن النبي ﷺ قتلُ من تزوج بامرأة أبيه (٤)، وأخذَ بذلك طائفة من العلماء، فأوجبوا قتله مطلقًا، محصَنًا كان أو غير محصَن. ومنها: الساحر، ففي "الترمذي" من حديث جندب مرفوعًا: "حدُّ الساحر ضربةٌ بالسيف"، وذكر أن الصحيح وقفه على جندب (٥)، وهو

стр. 3202

مذهب جماعة من العلماء، منهم: عمر بن عبد العزيز، ومالك، وأحمد، وإسحاق، ولكنهم يقولون: إنه يكفر بسحره، فيكون حكمه كمرتد. ومنها: قتل من وقع على بهيمة، وقد ورد فيه حديث مرفوع (١)، وقال به طائفة من العلماء. ومنها: ترك الصلاة، فإن تاركها يُقتل عند كثير من العلماء، مع قولهم: إنه ليس بكافر كما هو معلوم. ومنها: قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، فقد ورد الأمر به عن النبي ﷺ ومن وجوهٍ متعددة (٢)، وأخذ بذلك عبدُ الله بن عمرو العاص وغيره، وأكثر العلماء على أن القتل انتسخ، وروي أن النبي ﷺ وأتى بالشارب في المرة الرابعة فلم يقتله (٣).

стр. 3203

وقد روي قتلُ السارق في المرة الخامسة (١)، وقيل: إن بعض الفقهاء ذهب إليه. ومنها: ما روي عنه ﷺ أنه قال: "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما" خَرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (٢). وقد ضعف العقيلي أحاديث هذا الباب كلها. ومنها: قوله ﷺ : "من أتاكم وأمرُكم جميع على رجلٍ واحد، فأراد أن يشقَّ عصاكم، أو يفرِّق جماعتكم، فاقتلوه" (٣)، وفي رواية: "فاضربوا رأسه بالسيف كائنًا من كان" (٤)، وقد أخرجه مسلم -أيضًا- من رواية عرفجة. ومنها: مَنْ شهرَ السلاح، فقد خرج النسائي من حديث ابن الزبير عن النبي ﷺ ، قال: "من شهر السلاح ثم وضعه، فدمُه هدر" (٥)، وقد روي عن ابن الزبير مرفوعًا وموقوفًا (٦)، وقال البخاري: إنما هو موقوف (٧)، وسئل

стр. 3204

الإِمام أحمد عن معنى هذا الحديث، فقال: ما أدري ما هذا! وقال إسحاق بن راهويه: إنما يريد: من شهرَ السلاحَ ثم وضعه في الناس حتى استعرض الناس، فقد حلّ قتله، وهو مذهب الحرورية يستعرضون الرجال والنساء والذرية. قال الحافظ ابن رجب: وقد روي عن عائشة ما يخالف تفسير إسحاق، فخرج الحاكم من رواية علقمة بن أبي علقمة، عن أمه: أن غلامًا شهر السيف على مولاه في إمرة سعيد بن العاص، وتفلّت عليه، فأمسكه الناس عنه، فدخل المولى على عائشة، فقالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من أشار بحديدة إلى أحدٍ من المسلمين يريد قتله، فقد وجب دمه"، فأخذه مولاه فقتله، وقال: صحيح على شرط الشيخين (١). وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه قال: "من قُتل دون ماله فهو شهيد" (٢)، وفي رواية: "من قُتل دون دمه فهو شهيد" (٣)، فإذا أُريد مالُ المرء أو دمُه، دافع عنه بالأسهل، هذا مذهب الإِمام أحمد، والشافعي، وهل يجب عليه أن

стр. 3205

ينوي أنه لا يريد قتله أم لا؟ فيه روايتان عن الإِمام أحمد، وذهبت طائفة إلى أن من أراد ماله أو دمه، أُبيح له قتلُه ابتداء، وقد دخل على ابن عمر لص، فقام إليه بالسيف صَلْتًا، فلولا أنهم حالوا بينه وبينه، لقتله، وسئل الحسنُ عن لصٍّ دخل بيت رجل ومعه حديدة، فقال: اقتله بأي قتلة قدرت عليه، فهؤلاء أباحوا قتله، وإن ولّى هاربًا من غير جناية، منهم: أبو أيوب السجستاني، وخرج الإِمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: "الدار حرمك، فمن دخل عليك حرمك، فاقتله" (١)، ولكن في إسناده ضعف. ومنها: قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين، وقد توقف فيه الإِمام أحمد، وأباح قتلَه طائفةٌ من أصحاب مالك، وابنُ عقيل من علمائنا، ومن المالكية من قال: إن تكرر ذلك منه، أُبيح قتله، واستدل من أباح قتله يقول النبي ﷺ في حق حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى أهل مكة يُخبرهم بسير النبي ﷺ إليهم، ويأمرهم بأخذ حذرهم، فاستأذن عمر في قتله، فقال: "إنه شهد بدرًا" (٢)، فلم يقل: إنه لم يبح دمه، فإنما علل بوجود مانع من قتله، وهو شهوده بدرًا، ومغفرةُ الله لأهل بدر، وهذا المانع منتفٍ في حق مَنْ بعده. ومنها: ما أخرجه أبو داود في "المراسيل" من رواية ابن المسيب: أن

стр. 3206

النبي ﷺ قال: "من ضرب أباه، فاقتلوه" (١)، وروي مسندًا من وجهٍ آخر لا يصح (٢). فالجواب عن هذه الأحاديث المذكورة: أن منها ما لا يصح ولا يعرف به قائل معتبر، كهذا الحديث: "من ضرب أباه فاقتلوه"، وحديث قتل السارق في المرّة الخامسة، وباقي النصوص كلها يمكن ردّها إلى حديث ابن مسعود، وذلك أنه تضمن أنه لا يُباح دم المسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: إما أن يترك دينه ويفارق جماعة المسلمين، وإما أن يزني وهو محصن، وإما أن يقتل نفسًا بغير حق. يؤخذ منه أن قتل المسلم إنما يباح بإحدى ثلاثة أنواع: ترك الدين، وإراقة الدم المحرم، وانتهاك الفرج المحرم، فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تبيح دم المسلم دون غيرها. فأما انتهاك الفرج المحرم، فقد ذكر في الحديث أنه الزنى بعد الإحصان، وهذا -والله أعلم- على وجه المثال، فإن المحصَن قد تمت عليه النعمة بنيل الشهوة بالنكاح، فإذا أتاها بعد ذلك من فرجٍ محرمٍ عليه، أبيح دمه، وقد ينتفي شرط الإحصان ليخلفه شرط آخر، وهو كون الفرج لا يُستباح بحال، إما مطلقًا كاللواط، أو في حق الوطء كمن وطئ ذات محرم بعقد أو غيره، فهذا الوصف قد يكون قائما مقام الإحصان، وخلفًا عنه، وهذا محل النزاع بين العلماء.

стр. 3207

[والأحاديث دالّة على أنه يكون خلفًا عنه] (١)، ويكتفى به في إباحة الدم. وأما سفك الدم الحرام، فهل يقوم مقامه إثارةُ الفتن المؤدية إلى سفك الدماء، كتفريق جماعة المسلمين، وشق العصا، والمبايعة لإمام ثان، ودلِّ الكفار على عورات المسلمين؟ هذا محل النزاع، وقد روي عن عمر ما يدل على إباحة القتل بمثل هذا، وكذا شهر السلاح لطلب القتل هل يقوم مقام القتل في إباحة الدم أم لا؟ فابن الزبير وعائشة ﵃ رأياه قائمًا مقام القتل الحقيقي في ذلك، وكذلك قطعُ الطريق بمجرده هل يبيح القتل أم لا؛ لأنه مظنة لسفك الدماء المحرمة؟ وقول الله : ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] يدل على أنه إنما يباح قتل النفس بشيئين: أحدهما: بالنفس. والثاني: بالفساد في الأرض. ويدخل في الفساد في الأرض الخرابُ والردّة والزنى، فإن ذلك كله فسادٌ في الأرض، وكذلك تكررُ شرب الخمر والإصرارُ عليه هو مظنّة سفك الدماء المحرمة، وقد اجتمع رأي الصحابة ﵃ في عهد عمر على حدّ السكران ثمانين (٢)، وجعلوا السكر مظنة الافتراء والقذف الموجب لجلد الثمانين، ولما قدم وفد عبد القيس على النبي ﷺ ، ونهاهم عن الأشربة والانتباذ في الظروف، قال: "إن أحدكم ليقوم إلى ابن عمه" يعني:

стр. 3208

إذا شرب "فيضربه بالسيف"، وكان فيهم رجل قد أصابته جراحة من ذلك، فكان يَخْبَؤُها حياءً من النبي ﷺ (١)، فهذا كله يرجع إلى إباحة الدم بالقتل إقامةً لمظان القتل مقامَ حقيقته. لكن هل نسخ ذلك، أم حكمه باقٍ؟ محلّ نزاع بين العلماء. وأما ترك الدين ومفارقةُ الجماعة، فمعناه: الارتداد عن دين الإِسلام، ومفارقة جماعة المسلمين، ولو أتى بالشهادتين، فلو سبّ الله أو رسوله، وهو مقرٌّ بالشهادتين، أبيح دمه؛ لأنه قد ترك بذلك دينه، وكذلك لو استهان بالمصحف، وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يُعلَم من الدين بالضرورة، كالصلاة وما أشبه ذلك ممّا يخرج من الدين. وهل يقوم مقام ذلك تركُ شيء من أركان الإِسلام الخمس؟ هذا ينبني على أنه هل يخرج من الدين بالكليّة بذلك أم لا؟ فمن رآه خروجًا عن الدين، كان عنده كترك الشهادتين وإنكارهما، ومن لم يره خروجًا عن الدين، فاختلفوا هل يلحق بتارك الدين في القتل، لكونه ترك أحد مباني الإِسلام، أم لا، لكونه لم يخرج عن الدين؟. ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع، فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيهٌ (٢) بالخروج عن الدين، وهو ذريعة ووسيلة إليه، فإن استخفى بذلك، ولم يَدْعُ غيرَه، كان حكمُه حكمَ المنافقين إذا استخفوا، وإذا دعا إلى ذلك، تغلّظ جرمُه بإفساد دين الأمّة، وقد صحّ عن

стр. 3209

النبي ﷺ الأمرُ بقتال الخوارج وقتلِهم (١)، وقد اختلف العلماء في حكمهم، فمنهم من قال: إنهم كفّار، فيكون قتلُهم لكفرهم، و [منهم] (٢) من قال: إنهم إنما يُقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين، وتكفيرِهم لهم، وهو قول [الإمام] (٣) مالك. قال الحافظ ابن رجب: وهو قول طائفة من أصحابنا، وأجازوا الابتداءَ بقتلهم، والإنجازَ على جريحهم. ومنهم من قال: إن دعوا إلى ما هم عليه، قوتلوا، وإن أظهروه ولم يدعوا إليه، لم يقاتلوا، وهو نص الإِمام أحمد، وإسحاق، وهذا يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة. ومنهم من لم ير البداءة بقتالهم حتى يبدؤوا بقتال، أو بما يبيح قتالهم، من سفك دم ونحوه كما روي عن علي، وهو قول الشافعي وكثير من علمائنا، وقد روي من وجوهٍ متعددة: أن النبي ﷺ أمر بقتل رجلٍ كان يصلي، وقال: "لو قتل، لكان أولَ فتنة وآخرَها" (٤)، وفي رواية: "لو قتل لم يختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال" رواه الإِمام أحمد وغيره (٥)، فيستدل بهذا على

стр. 3210

قتل المبتدِع إذا كان قتلُه يكف شرَّه عن المسلمين ويحسم مادّة الفتن. وقد حكى ابن عبد البر وغيره عن مذهب مالك جوازَ قتل الداعي إلى البدعة. فرجعت نصوص القتل كلُّها إلى ما في حديث ابن مسعود بهذا التقدير، ولله الحمد، كما ذكره الحافظ ابن رجب، ولخصته من كلامه. قال: وكثيرٌ من العلماء يقول في هذه النصوص التي ذكرناها ها هنا إنها منسوخة بحديث ابن مسعود، وفي هذا نظر، لعدم العلم بتأخر حديثه عنها كلها, لا سيما وابن مسعود من قدماء المهاجرين، وكثير من تلك يرويها من تأخر إسلامُه، كأبي هريرة، وجرير بن عبد الله، ومعاوية، فإن هؤلاء كلهم رووا قتل شارب الخمر في المرّة الرابعة، ولأن الخاص لا يُنسخ بالعام، ولو كان العامُّ متأخرًا عنه، على الصحيح الذي عليه الجمهور؛ لأن دلالة الخاص على معناه بالنص، ودلالة العام عليه بالظاهر عند الأكثرين، فلا يُبطل الظاهرُ حكمَ النص، وقد روي أن النبي ﷺ أمر بقتل رجلٍ كذب عليه في حياته، وقال لحيّ من العرب: إن رسول الله ﷺ أرسلني وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم، وهذا روي من وجوهٍ متعددة كلُّها ضعيفة، وفي بعضها: أن هذا الرجل كان قد خطب امرأة منهم في الجاهلية، فأبوا أن يزوجوه، وإنه لما قال لهم هذه المقالة، صدّقوه، ونزل على تلك المرأة (١)، وحينئذٍ فهذا الرجل قد زنى، ونسبَ إباحةَ ذلك إلى النبي ﷺ ، وهذا كفرٌ ورِدَّة عن الدين، وقد قدّمنا أنه كان للنبي ﷺ أن يقتل بغير هذه الأسباب الثلاثة كما نص عليه الإِمام أحمد (٢)، والله الموفق.

стр. 3211

تتمة: يُقتل الزنديق، وهو المنافق، ومن تكررت رِدَّته، أو كفر بسحره، أو بسبِّ الله أو رسوله، أو تنقُّصه، وقيل: ولو تعريضًا، فقد نقل حنبلٌ عن الإِمام أحمد: من عَرَّض بشيء من ذكر الربِّ، فعليه القتلُ، مسلمًا كان أو كافرًا. وفي "الفروع": أنه مذهب أهل المدينة، وسأل ابنُ منصور الإمامَ أحمد: ما الشتيمة التي يُقتل بها؟ قال: نحن نرى في التعريض الحدَّ، قال: فكان مذهبه فيما يجب الحد من الشتيمة التعريض. ولا تقبل توبة هؤلاء على المعتمد. وفي "الفصول" للإمام ابن عقيل ما نصه عن أصحابنا: لا تقبل إن سبَّ النبيَّ ﷺ ؛ لأنه حق آدميّ لم يُعلم إسقاطه، وأنه تقبّل إن سبَّ الله؛ لأنه يقبل التوبة في خالص حقه، وجزم به في "عيون المسائل" وغيرها؛ لأن الخالق -سبحانه- منزه عن النقائص، فلا تلحق به، بخلاف المخلوق، فإنه محل لها، فلهذا افترقا. والخلاف في أحكام الدنيا من ترك قتلهم وثبوتِ أحكام الإِسلام لهم، فأما في الآخرة: فمن صدق منهم، قُبل إسلامه، بلا خلاف، ذكره ابن عقيل، والموفق، وجماعة (١). وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: والنصيرية الإسماعيلية الملاحدة القرامطة الباطنية الحرمية المحمزة -كل هذه أسماء لهم-.

стр. 3212

قلت: وكذا من أسمائهم: الدروز، والتيامنة، والبرذعية، والحمزاوية. قال: أجمع المسلمون على أنه لا تجوز مناكحتُهم، ولا يجوز أن ينكح الرجل موليته منهم، ولا تباح ذبائحهم، ولا يجوز دفنُهم في مقابر المسلمين، ولا يصلى عليهم. قال: واستخدام مثل هؤلاء في حصون المسلمين وثغورهم من الكبائر المحرمة، وهي بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم. قال: ودماؤهم وأموالهم حلال مباحة، ولا تُقبل توبتهم، ومن قبلها، أقرّهم على أموالهم، ومن لم يقبلها، فمالُهم فيء لبيت المال. قال: وأصل مذهبهم التقيّة، فإذا أخذوا، أظهرو التوبة (١)، انتهى. قلت: أمر الدروز بَيِّنٌ ظاهرٌ، لا يخفى إلا على مغفل، ولا يروج إلا على مخبَّل، أو من لا حرارة له على دين الإِسلام، فإنهم من أشدّ الناس، بل هم أشدُّ الناس كفرًا، وأعظمهم جرمًا ونكرًا، وقد اجتمعتُ مرارًا بمن يَدْعونهم عُقَّلًا، وجرى بيني وبينهم من المحاورة وإقامة البراهين ما أذعنَ له بعضُهم، واعترف بأنهم ليسوا بمسلمين، وأنهم لا يصلون، ولا يصومون، ولا يحجون، ولا يزكون، ولا بدينٍ يتدينون، فعلى كل مسلم قتلُهم حيث قدر حيث يكونون من حل وحرم، ومن قال بخلاف مقالتي هذه، فما اطلع على حقيقة حالهم، وإن كان اطلع وتمادى على خلافه، فهو على منوالهم، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

стр. 3213

الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ في الدِّمَاءِ" (١). * * * (عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ مسعود) -أيضًا (﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أولُ ما يُقضى) -بضم أوله وفتح الضاد المعجمة مبنيًا للمفعول-؛ أي: أول قضاء يقضى: (بين الناس يوم القيامة في

стр. 3214

الدماء)؛ يعني: أول ما يحكم الله بين الناس فيها، مقدِّمًا لها على غيرها، لعظم مفسدة سفكها، والأوجَهُ: أن الأولوية في هذا مطلقة (١). وهذا رواه غير الشيخين -أيضًا- الإمامُ أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٢). وللنسائي -أيضًا-: "أول ما يُحاسب عليه العبدُ الصلاةُ، وأول ما يُقضى بين الناس في الدماء" (٣). وفي "الصحيحين"، وأبي داود، والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبعَ الموبقات"، قيل: يا رسول الله! وما هنَّ؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلّا بالحق، وأكلُ مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصَنات الغافلات المؤمنات" (٤). ومعنى الموبقات: المهلكات. وفي "البخاري"، و"مستدرك الحاكم"، وقال: صحيح على شرطهما، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لن يزال

стр. 3215

المؤمن في فُسحة من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا (١) ". وقال ابن عمر: من ورطات الأمور التي لا مخرجَ لمن أوقع نفسه فيها سفكُ الدم الحرام بغير حلّه (٢). الورطات: جمع وَرْطة -بسكون الراء-، وهي الهلكة، وكل أمر تعسرُ النجاة منه (٣). وعن البراء بن عازب ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "لزوال الدنيا أهونُ على الله من قتل مؤمنٍ بغير حق" رواه ابن ماجه بإسنادٍ حسن، والبيهقي (٤)، والأصبهاني، وزاد فيه: "ولو أنّ أهلَ سماواته وأهلَ أرضه اشتركوا في دم مؤمن، لأدخلهم [الله] (٥) النار" (٦). وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال: "لزوال الدنيا أهونُ من قتل رجل مسلم" رواه مسلم، والنسائي، والترمذي (٧)،

стр. 3216

وروى نحوه البيهقي من حديث بريدة (١). وفي حديث أبي سعيد، وأبي هريرة مرفوعًا: "لو أنّ أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن، لأكبهم الله في النار" رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب (٢). وفي "سنن ابن ماجه" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، لقي الله مكتوبًا بين عينيه: آيسٌ من رحمة الله" (٣)، رواه الأصبهاني، وزاد: قال سفيان بن عينية: هو أن يقول: اُقْ، لا يُتم الكلمة اقتل (٤). ورواه البيهقي من حديث ابن عمر مرفوعًا، ولفظه: "من أعان على دم امرئ مسلم" الحديث (٥). وفي الطبراني، ورواته ثقات، والبيهقي عن جندب بن عبد الله مرفوعًا: "من استطاع منكم أَلَّا يحول بينه وبين الجنّة ملء كفٍّ من دم امرئٍ مسلم أن يهريقه كما تذبح به دجاجة، كلَّما تعرَّضَ لبابٍ من أبواب الجنّة، حال الله بينه وبينه" الحديث (٦). وفي النسائي، والحاكم وصححه من حديث معاوية مرفوعًا: "كل ذنب

стр. 3217

عسى الله أن يغفره، إلّا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا" (١). ورواه أبو داود، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم -أيضًا- من حديث أبي الدرداء (٢). وفي الترمذي وحسنه، والطبراني في "الأوسط"، ورواته رواة الصحيح، واللفظ له: عن ابن عباس ﵄: أنه سأله سائل: هل للقاتل من توبة؟ فقال كالمعجب من شأنه: ماذا تقول؟ فأعاد عليه مسألته، فقال: ماذا تقول؟! مرّتين أو ثلاثًا، قال ابن عباس ﵄: سمعتُ نبيّكم ﷺ يقول: "يأتي المقتولُ متعلقًا رأسه بإحدى يديه، متلببًا قاتلَه باليد الأخرى تشخب أوداجه دمًا حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لربّ العالمين: هذا قتلني، فيقول الله للقاتل: تعست، ويذهب به إلى النار" (٣). ورواه الطبراني في "أوسطه" -أيضًا- من حديث ابن مسعود، وفي آخره: فيقول: "بم قتلته؟ قال: قتلته لتكون العزّة لفلان، قيل: هي لله" (٤). وفي "مسند الإِمام أحمد" من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "يخرج عنق

стр. 3218

من النار يتكلم يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكلِّ جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهًا آخر، ومن قتل نفسًا بغير نفس، فيهوي عليهم، فيقذفهم في حمراء جهنم"، ورواه البزار، والطبراني بإسنادين رواةُ أحدهما رواة الصحيح (١). وعلى كل حال قتلُ النفس المعصومة بغير حق من أكبر الكبائر، بل أكبر الكبائر بعدَ الشرك بالله -تعالى-، والله الموفق. فإذا كان الأمر كما ذكر، فلا ينبغي التجرؤ على هذه الكبيرة العظيمة، وإذا كان الله -جل شأنه- أول ما يقضي بين عباده في الدماء، فلا يسوغ للحكام وولاة الأمور إهمالُ شيء من ذلك، بل عليهم الاحتفالُ بشأنه، والمبادرةُ لإنفاذ ما حكم الله ورسوله وقضاه في ذلك من قَوَدٍ أو ديَة أو غيرهما، والله أعلم.

стр. 3219

الحديث الثالث عَنْ سَهْلِ بنِ أَبي حَثْمَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى خَيْبَرَ -وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ-، فَتَفَرَّقَا، فَأتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ قَتِيلًا، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينهَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتكَلَّمُ، فَقَالَ: "كَبِّرْ كَبِّرْ! "، وَهُوَ أَحْدَثُ القَوْمِ، فَسَكَتَ، فَتكلَّمَا، فَقَالَ: "أتحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ أَوْ قَاتِلَكُمْ؟ "، قَالُوا: وَكيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَرَ وَلَمْ نَشْهَدْ؟ قَالَ: "فَتبرِئكمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمينًا؟ "، فَقَالُوا: كَيْفَ نَأَخُذُ بِأَيْمَانِ قَوْمٍ كفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ النَّبِي ﷺ منْ عِنْدِهِ (١). وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ؟ "، قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، كيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: "فَتبرِّئكمْ يَهُودُ بِأَيمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! قَوْمٌ كفَّارٌ (٢).

стр. 3220

وَفي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ: فَكَرِهَ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ بِمِئَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ (١). * * * (عن سهل بنِ أبي حَثْمَةَ) -بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة- كنيته: أبو محمَّد، كما تقدم في ترجمته في باب: صلاة الخوف، واسم أبي حثمة: عبد الله، وهما صحابيان ﵄ (قال) سهل ﵁: "إنطلقَ عبدُ الله بنُ سهلِ) بنِ زيد بنِ كعب بنِ عامر بن عديٍّ الأنصاريُّ المدنيُّ، كان قد خرج بعد فتح خيبر مع أصحابٍ له

стр. 3221

يمتارون تمرًا (١). (ومُحَيِّصَة) -بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناة تحت، على الأشهر، وقد تخفف (٢) (بنُ مسعود) بنِ كعب بنِ عامرٍ الخزرجيُّ الأنصاريُّ أخو حُوَيِّصَة -الآتي ذكره-. والحاصل: أن محيِّصة وحويِّصة ابنا مسعود بن كعب، وعبد الله وعبد الرحمن -الآتي ذكره- ابنا سهل بن زيد بن كعب، فاجتماع الفريقين في كعب، فحويصة ومحيصة كانا ابني عم سهل والد عبد الله وعبد الرحمن، فما وقع في عبارات المحدثين مما يشعر بغير ذلك فهو على ضربٍ من المجاز. وكنية محيصة: أبو سعيد، وهي كنية أخيه حويصة -أيضًا-. وشهد محيصة أُحدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، ومحيصة أصغر من حويصة، ولكنه أنجبُ من حويصة وأفضل، وهو السابق بالإِسلام، ثم أسلم حويصة على يديه. وبعث رسول الله ﷺ محيصةَ إلى فَدَك يدعوهم إلى الإِسلام. روى عنه: ابنُه سعيد، وابنُ ابنه حَرامُ بن سعيد، ومحمدُ بنُ سهل بن أبي حثمة، وأخرج له أبو داود، والترمذي (٣).

стр. 3222

(إلى خيبر): متعلق بانطلق، (وهي)؛ أي: خيبر (يومئذٍ)؛ أي: يوم خروجهما وانطلاقهما إليها (صلح)؛ لأن ذلك بعد فتحها وإبقاء أهلها يعملون للمسلمين على غيلها وأرضها بشطر ما يخرج منها -كما تقدم- (فتفرق)؛ أي: عبد الله بن سهل ومحيصة لأجل الميرة، (فأتى محيصة) بعد قضاء حاجته (إلى عبد الله بنِ سهل)، فوجده (وهو يتشحَّلط في دمه) -جملة حالية-؛ أي: وجده مضرَّجًا بالدم ملطَّخًا به، يقال: شحطه تشحيطًا: ضرّجه بالدم، فتشحّط: تضرّج به، واضطرب فيه، وأشحطه: أبعده (١)؛ يعني: وجده (قتيلًا، فدفنه) محيصةُ، (ثم قدم المدينة) المشرفة، (فانطلق عبد الرحمن بن سهل) أخو عبد الله المقتول، وكان لعبد الرحمن هذا فهمٌ وعلمٌ، وروى عنه سهل بن أبي حثمة، وشهد أحُدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد، واختُلف في شهوده بدرًا، فأثبت ابن عبد البر أنه شهدها، ونفاه غيره، واستعمله عمر بن الخطاب ﵁ على البصرة بعد موت عتبة بن غزوان (٢). (و) انطلق مع عبد الرحمن ابنا عمه (محيصةُ) المذكور أولًا (وحويصةُ ابنا مسعود) بن كعب بن عامر، وحُوَيِّصة -بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد الياء المثناة تحت مكسورة على الأفصح الأشهر وبالصاد المهملة-

стр. 3223

هو: أبو سعد بن مسعود بن كعب بن عدي بن مَجْدَعة -بفتح الميم وسكون الجيم وفتح الدال المهملة- ابنِ حارثة، وسبب إسلام حويصة أن النبي ﷺ لمّا قال: "من ظفرتم به من رجال يهود، فاقتلوه"، وثب محيصة على رجلٍ من تجار اليهود فقتله، وكان يلابسهم ويبايعهم، فجعل حويصةُ يضرب محيصةَ، ويقول: أي عدوّ الله! قتلته، أما والله! لربَّ شحمٍ في بطنك من ماله، فقال له محيصة: أما والله! لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله، لضربت عنقك، فقال له حويصة: إن دينًا قد بلغ بك هذا لعجب! فأسلم حويصة يومئذٍ (١)، وشهد أحُدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد، ولهما أخ آخر يقال له: الأحوص، نقل الذهبي في "تجريده" عن ابن الدباغ: أنه شهد أحُدًا (٢). (إلى رسول الله ﷺ ): متعلق بقوله: فانطلق، (فذهب عبدُ الرحمن) بنُ سهل أخو المقتول (يتكلم) في أمر قتل أخيه، (فقال): ﵊: (كبّرْ، كبّرْ) في رواية البخاري وأبي داود "الكُبْرَ الكُبْرَ" (٣). قال في "النهاية": أي: ليبدأ الأكبرُ بالكلام، أو قدّموا الأكبرَ، إرشادًا إلى الأدب في تقديم الأَسَنِّ (٤)، والكُبرَ -بضم الكاف وسكون الموحدة بالنصب- فيهما على الإغراء. (وهو)؛ أي: عبد الرحمن بن سهل (أحدثُ)؛ أي: أصغر (القوم)

стр. 3224

سنًا، (فسكت) عبد الرحمن ﵁، امتثالًا لرسول الله ﷺ ، (فتكلما)؛ أي: محيصة وحويصة في أمر عبد الله بن سهل، وأنه وجد قتيلًا في بعض نواحي خيبر، فقالوا للذي وجد فيهم: قتلتم صاحبنا؟ قالوا: ما قتلنا, ولا علمنا قاتلًا (١). واعلم أن حقيقة الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن، لا حقّ فيها لابن عمه، وإنما أمرَ النبي ﷺ أن يتكلم الأكبرُ، وهو حويصة؛ لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى، بل صورة القصة، وكيف جرت، فإذا أراد حقيقة الدعوى، تكلم صاحبها، ويحتمل أن عبد الرحمن وكّلَ حويصةَ ومحيصةَ في الدعوى، أو أمر بتوكيله. وفي هذا فضيلة السنن عند التساوي في الفضائل، وله نظائر منها: الإمامة، وولاية النكاح، وغيرها (٢). (فقال) ﵊ لهم: تأتون بالبيّنة على من قتله، فقالوا: ما لنا بيّنة، قال: (أتحلفون) خمسين يمينًا؟ كما يأتي (وتستحقون صاحبكم أو) قال: (قاتلكم)، يعني: دمه، وليس في رواية يحيى ولا أبي قلابة للبيّنة ذكرٌ (٣). قال النووي: قال القاضي حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأمّة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين

стр. 3225

والشاميين والكوفيين وغيرهم، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به (١)، وسأبين ذلك بيانًا شافيًا -إن شاء الله تعالى-. (قالوا)؛ يعني: محيصة وحويصة وعبدُ الرحمن بن سهل ومن معهم: (وكيف نحلف ولم نر) القاتلَ لصاحبنا (ولم نشهدْ) ذلك؟ وفي لفظ عند الإِمام أحمد: قال لهم: "تُسَمُّون قاتلكم، ثم تحلفون عليه خمسين يمينًا، ثم نسلمه" (٢). واستدل بهذه الزيادة على أن تسميته شرط، وفي قولهم: كيف نحلف ولم نر ولم نشهد؟ وإقرارِهم على ذلك، دليلٌ على أنه لا يحلف على ما لا يعلم، ويأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى-. (قال) ﵊: فإذا أبيتم أن تحلفوا، (فتبرئكم)؛ أي: تتخلص وتنفصل من دعواكم عليهم (يهود)؛ أي: المدعى عليهم منهم (بـ) أيمانٍ مكررة من طرفهم (خمسين يمينًا) لأجل براءتهم من دعواكم عليهم أنهم قتلوا صاحبكم (فقالوا): يا رسول الله! (كيف نأخذ بأيمان قومٍ كفار) بالله وبك يا رسول الله، وهم أعداؤنا؟ (فعقله)؛ أي: أدّى عقله يعني: ديَته (النبي) ﷺ (من عنده) بمئة من إبل الصدقة ولم يبطل دمه. (وفي حديث حمّاد بن زيد) بن درهم الجَهْضَمِيِّ -بفتح الجيم وسكون الهاء وفتح الضاد المعجمة- نسبةً إلى جَهْضَم بن عوف بن مالك بن فهم بن غنم الأَزْدي -بفتح الهمزة وسكون الزاي وبالدال المهملة- نسبةً إلى الأزد، واسمه دَرَا -بفتح الدال والراء المهملتين- بن الغوث، وإليه تنسب الأنصار، وكان حماد هذا مولى آل جرير بن حازم البصري أحدِ الأعلام
следующие страницы →