← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

يمتارون تمرًا (١). (ومُحَيِّصَة) -بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناة تحت، على الأشهر، وقد تخفف (٢) (بنُ مسعود) بنِ كعب بنِ عامرٍ الخزرجيُّ الأنصاريُّ أخو حُوَيِّصَة -الآتي ذكره-. والحاصل: أن محيِّصة وحويِّصة ابنا مسعود بن كعب، وعبد الله وعبد الرحمن -الآتي ذكره- ابنا سهل بن زيد بن كعب، فاجتماع الفريقين في كعب، فحويصة ومحيصة كانا ابني عم سهل والد عبد الله وعبد الرحمن، فما وقع في عبارات المحدثين مما يشعر بغير ذلك فهو على ضربٍ من المجاز. وكنية محيصة: أبو سعيد، وهي كنية أخيه حويصة -أيضًا-. وشهد محيصة أُحدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، ومحيصة أصغر من حويصة، ولكنه أنجبُ من حويصة وأفضل، وهو السابق بالإِسلام، ثم أسلم حويصة على يديه. وبعث رسول الله ﷺ محيصةَ إلى فَدَك يدعوهم إلى الإِسلام. روى عنه: ابنُه سعيد، وابنُ ابنه حَرامُ بن سعيد، ومحمدُ بنُ سهل بن أبي حثمة، وأخرج له أبو داود، والترمذي (٣).

стр. 3222

(إلى خيبر): متعلق بانطلق، (وهي)؛ أي: خيبر (يومئذٍ)؛ أي: يوم خروجهما وانطلاقهما إليها (صلح)؛ لأن ذلك بعد فتحها وإبقاء أهلها يعملون للمسلمين على غيلها وأرضها بشطر ما يخرج منها -كما تقدم- (فتفرق)؛ أي: عبد الله بن سهل ومحيصة لأجل الميرة، (فأتى محيصة) بعد قضاء حاجته (إلى عبد الله بنِ سهل)، فوجده (وهو يتشحَّلط في دمه) -جملة حالية-؛ أي: وجده مضرَّجًا بالدم ملطَّخًا به، يقال: شحطه تشحيطًا: ضرّجه بالدم، فتشحّط: تضرّج به، واضطرب فيه، وأشحطه: أبعده (١)؛ يعني: وجده (قتيلًا، فدفنه) محيصةُ، (ثم قدم المدينة) المشرفة، (فانطلق عبد الرحمن بن سهل) أخو عبد الله المقتول، وكان لعبد الرحمن هذا فهمٌ وعلمٌ، وروى عنه سهل بن أبي حثمة، وشهد أحُدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد، واختُلف في شهوده بدرًا، فأثبت ابن عبد البر أنه شهدها، ونفاه غيره، واستعمله عمر بن الخطاب ﵁ على البصرة بعد موت عتبة بن غزوان (٢). (و) انطلق مع عبد الرحمن ابنا عمه (محيصةُ) المذكور أولًا (وحويصةُ ابنا مسعود) بن كعب بن عامر، وحُوَيِّصة -بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد الياء المثناة تحت مكسورة على الأفصح الأشهر وبالصاد المهملة-

стр. 3223

هو: أبو سعد بن مسعود بن كعب بن عدي بن مَجْدَعة -بفتح الميم وسكون الجيم وفتح الدال المهملة- ابنِ حارثة، وسبب إسلام حويصة أن النبي ﷺ لمّا قال: "من ظفرتم به من رجال يهود، فاقتلوه"، وثب محيصة على رجلٍ من تجار اليهود فقتله، وكان يلابسهم ويبايعهم، فجعل حويصةُ يضرب محيصةَ، ويقول: أي عدوّ الله! قتلته، أما والله! لربَّ شحمٍ في بطنك من ماله، فقال له محيصة: أما والله! لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله، لضربت عنقك، فقال له حويصة: إن دينًا قد بلغ بك هذا لعجب! فأسلم حويصة يومئذٍ (١)، وشهد أحُدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد، ولهما أخ آخر يقال له: الأحوص، نقل الذهبي في "تجريده" عن ابن الدباغ: أنه شهد أحُدًا (٢). (إلى رسول الله ﷺ ): متعلق بقوله: فانطلق، (فذهب عبدُ الرحمن) بنُ سهل أخو المقتول (يتكلم) في أمر قتل أخيه، (فقال): ﵊: (كبّرْ، كبّرْ) في رواية البخاري وأبي داود "الكُبْرَ الكُبْرَ" (٣). قال في "النهاية": أي: ليبدأ الأكبرُ بالكلام، أو قدّموا الأكبرَ، إرشادًا إلى الأدب في تقديم الأَسَنِّ (٤)، والكُبرَ -بضم الكاف وسكون الموحدة بالنصب- فيهما على الإغراء. (وهو)؛ أي: عبد الرحمن بن سهل (أحدثُ)؛ أي: أصغر (القوم)

стр. 3224

سنًا، (فسكت) عبد الرحمن ﵁، امتثالًا لرسول الله ﷺ ، (فتكلما)؛ أي: محيصة وحويصة في أمر عبد الله بن سهل، وأنه وجد قتيلًا في بعض نواحي خيبر، فقالوا للذي وجد فيهم: قتلتم صاحبنا؟ قالوا: ما قتلنا, ولا علمنا قاتلًا (١). واعلم أن حقيقة الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن، لا حقّ فيها لابن عمه، وإنما أمرَ النبي ﷺ أن يتكلم الأكبرُ، وهو حويصة؛ لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى، بل صورة القصة، وكيف جرت، فإذا أراد حقيقة الدعوى، تكلم صاحبها، ويحتمل أن عبد الرحمن وكّلَ حويصةَ ومحيصةَ في الدعوى، أو أمر بتوكيله. وفي هذا فضيلة السنن عند التساوي في الفضائل، وله نظائر منها: الإمامة، وولاية النكاح، وغيرها (٢). (فقال) ﵊ لهم: تأتون بالبيّنة على من قتله، فقالوا: ما لنا بيّنة، قال: (أتحلفون) خمسين يمينًا؟ كما يأتي (وتستحقون صاحبكم أو) قال: (قاتلكم)، يعني: دمه، وليس في رواية يحيى ولا أبي قلابة للبيّنة ذكرٌ (٣). قال النووي: قال القاضي حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأمّة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين

стр. 3225

والشاميين والكوفيين وغيرهم، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به (١)، وسأبين ذلك بيانًا شافيًا -إن شاء الله تعالى-. (قالوا)؛ يعني: محيصة وحويصة وعبدُ الرحمن بن سهل ومن معهم: (وكيف نحلف ولم نر) القاتلَ لصاحبنا (ولم نشهدْ) ذلك؟ وفي لفظ عند الإِمام أحمد: قال لهم: "تُسَمُّون قاتلكم، ثم تحلفون عليه خمسين يمينًا، ثم نسلمه" (٢). واستدل بهذه الزيادة على أن تسميته شرط، وفي قولهم: كيف نحلف ولم نر ولم نشهد؟ وإقرارِهم على ذلك، دليلٌ على أنه لا يحلف على ما لا يعلم، ويأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى-. (قال) ﵊: فإذا أبيتم أن تحلفوا، (فتبرئكم)؛ أي: تتخلص وتنفصل من دعواكم عليهم (يهود)؛ أي: المدعى عليهم منهم (بـ) أيمانٍ مكررة من طرفهم (خمسين يمينًا) لأجل براءتهم من دعواكم عليهم أنهم قتلوا صاحبكم (فقالوا): يا رسول الله! (كيف نأخذ بأيمان قومٍ كفار) بالله وبك يا رسول الله، وهم أعداؤنا؟ (فعقله)؛ أي: أدّى عقله يعني: ديَته (النبي) ﷺ (من عنده) بمئة من إبل الصدقة ولم يبطل دمه. (وفي حديث حمّاد بن زيد) بن درهم الجَهْضَمِيِّ -بفتح الجيم وسكون الهاء وفتح الضاد المعجمة- نسبةً إلى جَهْضَم بن عوف بن مالك بن فهم بن غنم الأَزْدي -بفتح الهمزة وسكون الزاي وبالدال المهملة- نسبةً إلى الأزد، واسمه دَرَا -بفتح الدال والراء المهملتين- بن الغوث، وإليه تنسب الأنصار، وكان حماد هذا مولى آل جرير بن حازم البصري أحدِ الأعلام

стр. 3226

الإثبات، وكان جده درهمٌ من سَبْي سِجِستان، روى عن ثابت البناني، وأيوب، وعمرو بن دينار، روى عنه ابن المبارك، ويحيى بن سعيد، وابن مهدي، ولد في زمان عمر بن عبد العزيز. قال ابن الأثير: مات حمّاد ﵀ ورضي عنه- سنة تسع وسبعين ومئة، وقال النووي: ثمان، وكان عمره إحدى وثمانين سنة، في شهر رمضان، في البصرة، وكان ضريرًا. قال المهدي: أئمةُ الناس في زمانهم أربعة: الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحمّاد بن زيد بالبصرة. وقال عبد الله بن معاوية: سمعت عبد الله بن المبارك ﵀ ينشد: [من مجزوء الرمل] أَيُّهَا الطَّالِبُ عِلْمًا ... ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَخُذِ الْعِلْمَ بِحِلْمٍ ... ثُمَّ قَيِّدْهُ بِقَيْدِ وقال عبد الله بن الحسن: إنما هما الحَمَّادانِ، فإذا طلبتم العلمَ، فاطلبوه من الحمّادَيْنِ: حمّادِ بنِ زيد، وحمّادِ بن سَلَمة. وحديثه هذا مما اتفق عليه البخاري ومسلم (١). (فقال رسول الله ﷺ : يقسم خمسون منكم) معشرَ بني الحارث (على

стр. 3227

رجلٍ منهم)، وفي هذا حجة لمعتمد مذهب الإِمام أحمد: أنهم لا يقسمون على أكثر من واحد، فلابد من تعيين الذي يقسمون عليه، كما في لفظ رواية الإِمام أحمد: "تسمون قاتلكم، ثم تحلفون عليه خمسين يمينًا" (١)، ومن كونه واحدًا، فلا يقسمون على متعدد، لهذا الحديث، (فيدفع) لكم الرجل الذي تقسمون عليه خمسين يمينًا (برمته) التي يقاد بها؛ يعني: بالحبل الذي ربط به، وكانوا يربطون المقود منه بحبل، ويدفعونه إلى وليّ المقتول، ثم قيل ذلك لكلِّ ما دُفعَ بجملته، ولكل من أسلم للقود، وإن لم يكن مربوطًا بحبل، والرمة: قطعة حبل بالٍ (٢)، وبه لقب ذو الرمة الشاعر المشهور، (قالوا: أمرٌ لم نشهده، كيف نحلف) عليه؟ (قال) ﵇: (فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم قالوا: يا رسول الله! قومٌ كفار) لا نرضى بأيمانهم، كما في رواية في "الصحيحين": فقالوا: لا نرضى بأيمان اليهود (٣). (وفي حديث) أخرجه مسلم عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن (سعيد بن عبيد) بن بشير بن يسار الأنصاري، عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري: أنه أخبره أن نفرًا عنهم، وساق الحديث، وقال فيه: (فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه)؛ أي دم عبد الله بن سهل من غير قود ولا ديّة، (فوداه) ﵇ (بمئة) بعير، أي: دفع ديّته من عنده (من إبل الصدقة)، وهو في "صحيح البخاري" -أيضًا- (٤)، وفي لفظ: فودَاه

стр. 3228

رسول الله من قبله، قال سهل بن أبي حثمة: فدخلتُ مربدًا لهم، فركضتني ناقة من تلك الإبل ركضة برجلها (١). وفي لفظٍ: فودَاه رسول الله ﷺ من عنده، فبعث إليهم مئة ناقة حتى دخلت عليهم الدار (٢). وفي "مسند الإِمام أحمد"، و"صحيح مسلم"، و"سنن النسائي" عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار: أن النبي ﷺ أقرَّ القَسامة على ما كانت عليه في الجاهلية (٣)، وزاد مسلم في رواية: وقضى بها رسول الله- ﷺ بين ناسٍ من الأنصار في قتيلٍ ادّعوه على اليهود (٤). وروى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: "البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر، إلّا في القسامة" (٥). تنبيهات: * الأول: القَسامةُ أيمانٌ مكررة في دعوى قتلِ معصوم، وقد اتفق الأئمة الأربعة على مشروعيتها في الجملة، وإن اختلفوا في كيفيتها وشروطها، وقد روي عن جماعة إبطالُها، وأنه لا حكم لها, ولا عمل بها، وممن قال

стр. 3229

بهذا: سالمُ بنُ عبد الله، [وسليمان] بن يَسار، والحكمُ بن عيينة، وقتادة، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وابن عليه، والبخاري، وغيرهم (١). ومذهب الإِمام أحمد: لا تثبت القسامة إلّا بشروط أربعة: - أحدها: دعوى القتل محمدًا أو خطأ، أو شبه عمد، على واحد معين مكلف، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، مسلم أو كافر ملتزم، ذكرًا كان المقتول أو أنثى، حرًا أو عبدًا، مسلمًا أو ذميًّا، ويُقسم على العبد المقتول سيدُه، وأمُّ ولد ونحوُها كقن، فلا قسامة فيما دون النفس من الجراح والأطراف والمال غير العبد. - الثاني: من شروط صحة القسامة: اللَّوْثُ -ولو في الخطأ، وشبهِ العمد- وهو العداوة الظاهرة، بنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضُها بعضًا بثأر، وما بين أحياء العرب وأهل القرى الذين بينهم الحروب والدماء، وما بين البغاة وأهل العدل، والشرط واللصوص، وكل من بينَه وبين المقتول ضِغْنٌ يغلب على الظن أنه قتله. قال القاضي: يجوز للأولياء أن يُقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله، وإن كانوا غائبين عن مكان القتل؛ لأن للإنسان أن يحلف على غالب ظنه، كما أن من اشترى من إنسان شيئًا، فجاءآخر يدعيه، جاز له أن يحلف أنه لا يستحقه؛ لأن الظاهر أنه ملك الذي باعه، إلا أنه لا ينبغي أن يحلف إلا بعد الاستثباتِ، وغلبةِ الظن التي تقارب اليقين، وينبغي للحاكم أن يعظهم ويعرفهم ما في اليمين الكاذبة من الإثم، وأنها تدع الديار بَلاقعَ. فإن لم تكن عداوة ظاهرة، ولكن غلب على الظن صدقُ المدّعي؛

стр. 3230

كتفرق جماعة عن قتيل، أو كانت عصبية من غير عداوة ظاهرة، أو وجد قتيل عند من معه سيف ملطخ بدم، أو بشهادة من لا يَثبت القتلُ بشهادتهم، كالنساء والصبيان والفساق، أو عدلٌ واحدٌ وفَسَقَةٌ، أو تفرق فئتان عن قتيل، أو شهد رجلان على إنسان أنه قتل أحد هذين، ونحوُ هذه، فليس بلوث على معتمد مذهب الإِمام أحمد (١). وعن الإِمام أحمد ﵁ ما يدل على أنه لوثٌ معتبر، اختاره أبو محمَّد الجوزي، وابن رزين، وشيخ الإِسلام تقي الدين بن تيمية (٢)، وصوّبه في "شرح الكافي". قال في "المحرر" وغيره: وعنه -أي: الإِمام أحمد- ما يدل على أن اللوث كلُّ ما يغلب في الظن صحة الدعوى، كتفرق جماعة عن قتيل إلخ (٣)، قال في "شرحه" عن هذه الرواية: هي ظاهر كلامه؛ لأن ذلك هو المقصود من اللوث، فيكون معتبرًا كما في العداوة الظاهرة. قال علماؤنا: وأما قولُ المجروح: جرحني فلانٌ، فليس بلوث على كلتا الروايتين (٤)؛ لأن قول المجروح: جرحني فلان دعوى منه لا تزيد على دعوى الولي، وإذا لم تكن دعوى الولي لوثًا، فكذلك دعوى المجروح، ولأن اللوث مستند الدعوى، فلا تكون الدعوى بمجردها لوثًا، هذا المذهب، وعليه الأصحاب. وهذا خلافٌ للإمام مالك ﵁، فإن السبب الذي يملك به

стр. 3231

أولياء المقتول القسامة عنده: أن يقول ولي المقتول: دمي عند فلان عمدًا، ويكون المقتول بالغا مسلمًا حرًا، وسواء كان عدلًا أو فاسقا، ذكرًا أو أنثى، أو يقوم لأولياء المقتول شاهدٌ واحد. واختلف أصحابه في اشتراط عدالة الشاهد، فاعتبرها ابن القاسم دون أشهب (١). - الثالث: اتفاقُ الأولياء في الدعوى، فإن كذّب بعضُهم بعضًا، فقال أحدهم: قتله هذا، وقال الآخر: لم يقتله هذا، أو بل قتله هذا، لم تثبت القسامة، سواء كان المكذِّب عدلًا أو فاسقًا، لعدم التعيين، فلو كانت الدعوى على أهل مدينة أو محلة، أو واحد غير معين، لم تُسمع. - الرابع: أن يكون في المُدَّعين ذكور مكلفون، ولو واحدًا، فلا مدخل للنساء والخناثى والصبيان والمجانين في القسامة، سواء كانت الدعوى في القسامة أن القتل عمدًا أو خطأً، فيقسم الرجال العقلاء فقط، ويثبت الحق للجميع، فإن لم يكن فيهم ذكر، فكما لو نكل الورثة، فيحلف المدّعى عليه خمسين يمينًا، ويبرأ (٢). ولا تُسمع الدعوى فيها إلا أن تكون مكررة بأن يقول: أَدّعي بأن هذا قتل وليّ فلان بن فلان عمدًا أو خطأ أو شبهَ عمد، ويصف القتلَ، إن كان عمدًا، قال: قصد إليه بسيف أو بما يقتل مثله غالبًا، فإن أقرّ المدّعى عليه، ثبت القتل، وإن أنكر، وثَمَّ بيّنة، حكم بها، وإلا، صار الأمر إلى الأيمان (٣).

стр. 3232

* الثاني: قد قدّمنا عن الإِمام مالك: أن السبب الموجب للقسامة عنده أن يقول المقتول: دمي عند فلان -مثلًا-، أو يشهد واحد. قال ابن القاسم: يعتبر في هذا الشاهد أن يكون عدلًا -كما قدّمنا عنه-، وأن يكون ذكرًا، ولم يشترط ذلك أشهبُ، ومن الأسباب الموجبة للقسامة عنده من غير خلاف عنه: أن يوجد المقتول في مكان خالٍ من الناس، وعلى رأسه رجلٌ شاكٍ في السلاح، مختضبٌ بالدم، وكذلك إن شهد شاهدان بالجرح، ثم أكل وشرب وعاش مدة، ثم مات. وقال أبو حنيفة: القسامة وجودُ القتيل في موضع هو في حفظ قوم أو حمايتهم، كالمحلة والدورِ ومسجدِ المحلة والمقبرة، فكل ذلك موجبٌ للقسامة، ولو كان الدم يخرج من أنفه ودبره وفيه، فليس بقتيل، ولو خرج من أذنه أو عينه، فهو قتيل تسوغ فيه القسامة. وقال الشافعي: السبب الموجب للقسامة اللوثُ، قال: واللوث عندي: أن يُرى قتيل في محلة أو قرية لقومٍ بينهم عداوة ظاهرة، [ولا يشارك لأهل المحلة والقرية غيرهم، فإن ذلك لوث، فإن عدم أحد الشرطين، لم يكن لوثًا عنده. ومنه: أن يدخل نفر دارًا، فيتفرقون عن قتيل، سواء كان بينهم عداوة ظاهرة] (١)، أو لم تكن. ومنه: أن يزدحم الناس في موضع، كالطواف، ودخول الكعبة، أو على مصنع ماء، أو في بابٍ ضيق، فيوجد فيهم قتيل. ومن ذلك: أن يوجد في صحراء رجلٌ مقتول بالجرح، وبقربه رجلٌ معه

стр. 3233

سلاح، والدمُ على سلاحه، أو ثوبه، وليس إلى جنبه عينٌ أو أثر، ومعنى ذلك: أَلَّا يُرى بقربه سَبُع، [أ] ويُرى أثر الدم في غير الطريق (١). إذا علمت هذا، فحاصل الشبهة الموجبة للقسامة من حيث الجملة سبع صور: الأولى: أن يقول المقتول في حياته: دمي عند فلان، وهو قتلني، أو ضربني، ونحو ذلك، هذا موجب القسامة عند مالك والليث، وادّعى مالك أنه مما أجمع عليه الأئمة قديمًا وحديثًا. قال القاضي: ولم يقل بهذا متفقهاء الأمصار غيرُهما, ولا روي عن غيرهما، وخالفا في ذلك العلماء في الفقه، فلم ير أحد غيرهما في هذا قسامة (٢)، واحتجّ الإِمام مالك لذلك بقصة بني إسرائيل، قوله -تعالى-: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] قال: فحييَ الرجل، فأخبرَ بقاتله، واحتجّ أصحابه -أيضًا- بأن تلك حالة يطلب فيها غفلة الناس، فلو شرطنا الشهادة، وأبطلنا قول المجروح، أدّى ذلك إلى إبطال الدماء غالبًا، قالوا: ولأنها حالة يتحرى فيها المجروحُ الصدقَ، ويتجنب الكذبَ والمعاصيَ، ويتزوّد البر والتقوى، فوجب قَبولُ قوله. الثانية: اللوثُ من غير بيّنة على معاينة القتل، وبهذا قال إمامنا، ومالك، والشافعي، والليث، ومنه في قول، وهي معتمد مذهب الشافعية: شهادةُ العدل وحده. الثالثة: إذا شهد عدلان بالجرح، فعاش بعده أيامًا، ثم مات قبل أن

стр. 3234

يفيق منه، قال به مالك، والليث، فإنهما قالا: هو لوث، وقال غيرهما: لا قسامة، بل يجب القصاص بشهادة العدلين. الرابعة: أن يوجد المتهم عند المقتول، أو قريبًا منه، ومعه آلة القتل، وعليه أثر -كما قدّمنا آنفًا- عن الشافعي، أو تفرّق جماعة عن قتيل، فهذا لوثٌ عنده كمالك. الخامسة: أن تقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وعن مالك رواية: أنه لا قسامة، بل فيه الديَة على الطائفة الأخرى إن كان من الطائفتين، وإن كان من غيرهما، فعلى الطائفتين جميعًا. السادسة: أن يوجد الميّت في زحمة الناس، قال الشافعي: تثبت فيه القسامة، وتجب لها الديَة، وقال مالك: هو هدر، وقال الإِمام أحمد، والثوري، وإسحاق: تجب ديَته في بيت المال، وروي مثله عن عمر، وعلي ﵄. السابعة: أن يوجد في محلة قوم، أو قبيلتهم، أو مسجدهم، فقال الجمهور: لا يثبت بذلك قسامة بمجرده، بل القتيل هدرٌ، قال الشافعي: إلا أن يكون في محلة أعدائه لا يخلطهم غيرهم، فيكون كالقصة التي جرت بخيبر، فحكمَ ﷺ فيها بالقسامة لورثة القتيل، لما كان بين الأنصار وبين اليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم. ومعتمد مذهب أحمد: حيث كانت العداوة الظاهرة تثبت القسامة، ولو كان في الموضع الذي وجد به القتيل غير العدو. وقال أبو حنيفة، والثوري، ومعظم الكوفيين: وجود القتيل في المحلة ونحوها يوجب القسامة، ولابد عندهم أن يوجد بالقتيل أثر.

стр. 3235

قالوا: فإن وجد القتيل في المسجد، حلف أهل المحلة، ووجبت الدية في بيت المال، وذلك إذا ادّعوا على أهل المحلة. وقال الأوزاعي: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة، وإن لم يكن عليه أثر. ونحوه عن داود (١). * الثالث: قد عُلم أن الدعوى لا يسوغ سماعها على أكثر من واحد، هذا معتمد متأخري علمائنا، وجزم به "الاقناع" (٢)، و"المنتهى" (٣)، و"الغاية" (٤)، وغيرها. وفي "شرح المقنع" لشمس الدين بن أبي عمرو -قدس الله روحه- ما نصه: فإن كانت الدعوى على واحد، فأقرَّ، ثبت القتل، وإن أنكرَ، وثمة بيّنة، حكم بها، وإلا، صار الأمر إلى الأيمان، قال: وإن كانت الدعوى على أكثر من واحد، لم تخل من أربعة أحوال: أحدها: أن يقول: قتله هذا، أو هذا تعمّد قتله، ويصف العمدَ بصفته، فيقال له: عيّن واحدًا، فإن القسامة الموجبة للقود لا تكون على أكثر من واحد. الثاني: أن يقول: تعمّدَ هذا، وهذا كان خاطئًا، فهو يدّعي قتيلًا غير موجب للقود، فيقسم عليهما، ويؤخذ نصف الديَة من مال العامد، ونصفها من مال الخاطىء.

стр. 3236

الثالث: أن يقول: عمد هذا, ولا أدري أكان قتل الثاني عمدًا أو خطأً، فقيل: لا تسوغ القسامة ها هنا؛ لأنه يحتمل أن يكون الآخر مخطئًا، فيكون موجبها الديَة عليهما، ويحتمل أن يكون عامدًا، فلا تسوغ القسامة ها هنا، ويجب أن يعين واحدًا، والقسامة عليه، فيكون موجبها القود، فلم تجز القسامة مع هذا، فإن عاد فقال: علمت الآخر كان عامدًا، فله أن يعين واحدًا، ويقسم عليه، وإن كان مخطئًا، ثبتت القسامة حينئذٍ، ويُسأل الآخر، فإن أنكر، ثبتت القسامة، وإن أقرّ، ثبت القتل، ويكون عليه نصف الديَة في ماله؛ لأنه ثبت بإقراره، لا بالقسامة. وقال القاضي: يكون على عاقلته، والأول أصح؛ لأن العاقلة لا تحمل اعترافًا. الرابع: أن يقول: قتلاه خطأ، أو شبه عمد، أو: أحدهما خاطئًا، والآخر شبه العمد، فله أن يقسم عليهما، فإن ادّعى أنه قتل وليّه عمدًا، فسئل عن تفسير العمد، ففسره بعمد الخطأ، قُبل تفسيره، وأقسمَ على ما فسره به؛ لأنه أخطأ في وصف القتل بالعمدية. ونقل المزني عن الشافعي: لا يحلف عليه؛ لأنه بدعوى العمد برأ العاقلة، فلم تسمع دعواه بعد ذلك ما يوجب عليها المال، ولنا: أن دعواه قد تحررت، وإنما غلظ في تسمية شبه العمد عمدًا، وهذا مما يشتبه، فلا يؤاخذ به، ولو أحلفه الحاكم قبل تحرير الدعوى، وتبين نوع القتل، لم يعتد باليمين؛ لأن الدعوى لا تُسمع غيرَ محررة، فكأنه أحلفه قبل الدعوى (١).

стр. 3237

وقال في "شرح الكافي": وأما الدعوى على واحد، فإن كانت عمدًا محضًا، لم يقسموا إلا على واحد معين، ويستحقون دمه، وهذا بلا نزاع، وإن كان خطأ، أو شبه عمد، فالصحيح من المذهب والروايتين: ليس لهم القسامة، ولا تشرع على أكثر من واحد، وعليه جماهير الأصحاب: منهم: الخرقي، وأبو بكر، والقاضي، وجماعة من أصحابه، كالشريف، وأبي الخطاب، والشيرازي، وابن عقيل، وغيرهم، وقدّمه في "المحرر" (١)، و"النظم"، و"الحاوي الصغير"، و"الفروع" (٢)، وغيرهم. وعنه ﵁: لهم القسامة على جماعة معينين، ويستحقون الدية، وهو الذي قاله الإِمام الموفق في "المقنع" (٣)، و"الكافي" (٤). قال في "الإنصاف" (٥) و"شرح الكافي": جزم به في "الهداية"، و"المذهب"، و"المستوعب"، و"الخلاصة"، وقدّمه في "الرعايتين"، وظاهر كلام الموفق أن غير الخرقي قال ذلك، وتابعه على ذلك الشارح، وابن منجا في "شرحه"، وليس الأمر كذلك، فقد اختار ذلك جماعة غيره، فعلى هذه الرواية: هل يحلف كل واحد من المدّعى عليهم خمسين يمينًا، أو قسطه من الخمسين؟ وجهان، وعبارة "المحرر": لا قسامة على غير معين بحال، ولا قسامة على أكثر من واحد في عمد ولا خطأ، وعنه: تشرع على الجماعة فيما لا توجب القود، ويجب بها الدية (٦).

стр. 3238

قال شارحه مستدلًا لما قدمه من اعتبار عدم القود للمدعى عليه: يشترط أن يكون واحدًا، فلا تسمع على أكثر من واحد، سواء كانت الدعوى موجبة لموجب العمد، أو للخطأ في إحدى الروايتين؛ لأن في حديث قتل الأنصاري في رواية متفق عليها: "يقسم خمسون منكم على رجلٍ منهم، فيُدفع برُمته" (١)، ولأنها بيّنة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد، فيقتصر عليه، ويبقى ما عداه على الأصل. قال: والرواية الأخرى إن كانت موجبة للقتل، فكذلك، وإن كانت موجبة للديَة، جاز على جماعة؛ لأن المال أسهل حالًا من النفس، والقسامة بيّنة يثبت بها المال ها هنا، فاستوى فيها الواحد والجماعة في الثبوت، كالشهادة، وهذا بخلاف ما فيه القود، فإن التشديد في قتل النفس أوجبَ أن يجعل القسامة على أكثر من واحد شبهة في إسقاط القود، لثبوته على خلاف الأصل. وقال في "شرح المقنع" معلِّلًا اشتراطَ كونِ الذي عليه الدعوى واحدًا -بعدَ ذكر الحديث المذكور-: ولأنها -أي: القسامة- بيّنة ضعيفة، خولف بها الأصل في قتل الواحد، فيقتصر عليه، ويبقى على الأصل فيما عداه. قال: وبيان مخالفة الأصل بها: أنها ثبتت باللوث، وهو شبهة مغلِّبَةٌ على الظن صِدْقَ المدّعي، والقودُ يسقط بالشبهات، فكيف يثبت بها يقول المدّعي ويمينِه مع التهمةِ في حقه، والشكِّ في صدقه، وقيام العداوةِ المانعةِ من صحة الشهادة عليه في إثبات حق لغيره؟ فَلأَنْ يمنع من قبول قوله وحده في إثبات حق له أولى وأحرى، وفارق البيّنة، فإنها قويت

стр. 3239

بالعدد، وعدالة الشهود، وانتفاء التهمة في حقهم من الجهتين في كونهم لا يثبتون لأنفسهم حقًا ولا نفعًا، ولا يدفعون عنها ضررًا، ولا عداوة بينهم وبين المشهود عليه، ولهذا تثبت بها سائر الحقوق والحدود التي تنتفي بالشبهات. قال في "شرح المقنع". وعند غير الخرقي من أصحابنا: أن القسامة تجري فيما لا قودَ فيه، فيجوز أن يُقسموا على جماعة، وهذا قول مالك، والشافعي (١). الرابع: يبدأ في القسامة بأيمان المُدَّعين، فيحلفون خمسين يمينًا بحضرة الحاكم: أنه قتله، ويثبت حقُّهم عليه (٢)، ويعتبر حضور المدّعى عليه وقتَ اليمين، كالبينة، وحضورُ المدّعي -أيضًا-، فإن كانت الدعوى على أهل مدينة أو محلة، أو واحد غير معين، أو جماعة منهم بغير أعيانهم، لم تُسمع، وبهذا قال الشافعي. وقال أصحاب الرأي: تُسمع، ويُستحلف خمسون منهم؛ لأن الأنصار ادّعوا القتل على يهود خيبر، ولم يعينوا القاتل، فسمع رسول الله ﷺ دعواهم. ولنا: أنها دعوى في حق، فلم تُسمع على غير معين كسائر الدعاوى، فأما الخبر، فدعوى الأنصار التي سمعها رسول الله ﷺ لم تكن الدعوى التي بين الخصمين المختلف فيها، فإن تلك من شرطها حضورُ المدّعى عليه عندهم، أو تعذر حضوره عندنا، وقد قال لهم رسول الله ﷺ : "تُسمون قاتلَكم، ثم تحلفون عليه" الحديث، رواه الإِمام أحمد (٣)، وفي

стр. 3240

المتفق عليه: " [يقسم] (١) خمسون منكم على رجلٍ منهم" (٢)، فهذا بيان أن الدعوى لا تصح على غير معين (٣). فإن لم يحلفوا، حلف المدّعى عليه خمسين يمينًا، وبرىء، هذا قول يحيى بن سعيد، وربيعة، وأبي الزناد، والليث، ومالك، وأحمد، والشافعي. وقال الحسن: يستحلف المدّعى عليهم أولًا خمسين يمينًا، ويبرؤون، فإن أبوا أن يحلفوا، استحلف خمسون المدّعين إنّ حقنا قِبَلكم، ثم يقبلون الدية، لقوله ﷺ : "ولكن اليمين على المدّعى عليه" رواه مسلم (٤). وقال الشعبي، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي: يستحلف خمسون رجلًا من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل: بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلًا، ويغرمون الدية، واحتجّوا لذلك أن سيدنا عمر ﵁ قضى به. ولنا: ما في "الصحيحين" من حديث سهل بن [أبي] (٥) حثمة، وما فيهما يقضي على غيره، ولا يقضي عليه غيرُه مما عارضه من الأحاديث التي لا تساويه في الصحة. وتختص الأيمان بالوارث الذكور دون غيرهم، فتُقسمَ بينهم على قدر

стр. 3241

إرثهم، ويجبر كسر. وهذا مذهب الشافعي -أيضًا-. وعن مالك: أنه قال: ينظر إلى من عليه أكثر اليمين، فيجبر عليه، ويسقط عن الآخر، والله تعالى الموفق (١). الخامس: إذا حلف الأولياء، استحقوا القود إذا كانت الدعوى عمدًا، إلا أن يمنع منه مانع، روي ذلك عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك، وأبو ثور، وابن المنذر. وعن معاوية، وابن عباس، والحسن، وإسحاق: لا يجب بها إلا الدية، لقول النّبيّ ﷺ لليهود: "إما أن تَدُوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحربٍ من الله" (٢)، ولأن أيمان المدعين إنما هي لغلبة الظن وحكم الظاهر، فلا يجوز إشاطة الدم بها، لقيام الشبهة المتمكنة، ولأنها حجة لا يثبت بها النكاح، فلا يجب بها القصاص كالشاهد واليمين، وبه قال الشافعي في معتمد مذهبهم. ولنا: قوله ﷺ : "يقسم خمسون منكم على رجلٍ منهم، فيُدفع إليكم بِرُمَّته" (٣)، وفي رواية مسلم: "ويُسَلَّم إليكم" (٤)، وفي لفظ: "وتستحقون دمَ صاحبكم" (٥)، وأراد: دم القاتل؛ لأن دم القتيل ثابت لهم قبل اليمين، ولأنها حجة يثبت بها العمد، فيجب بها القود كالعمد.

стр. 3242

وقد روى الأثرم بإسناده عن عامر الأحول: أن النّبيّ ﷺ أقاد بالقسامة بالطائف (١)، وهذا نص، ولأن الشارع جعل القول قول المدعي مع يمينه احتياطًا للدم، فإن لم يجب القود، سقط هذا المعنى (٢). تتمات: صفة يمين القسامة أن يقول: واللهِ الذي لا إله إلا هو، عالمِ خائنةِ الأعين وما تخفي الصدور، لقد قتل فلانُ بنُ فلانٍ الفلاني -ويشير إليه- فلانًا ابني، أو أخي، ونحوه، منفردًا بقتله ما تركه فيه غيره، عمدًا أو شبه عمد أو خطأ بسيف، أو بما يقتله غالبًا، ونحو ذلك، فإذا اقتصر على لفظة: والله، كفى، ويكون بالجر، فإن نطق به مضمومًا أو منصوبًا، أجزأه. قال القاضي: ولو تعمده؛ لأنه لحنٌ لا يحيل المعنى، وبأي اسم من أسماء الله -تعالى-، وصفة من صفات ذاته حلف، أجزأه إذا كان إطلاقه ينصرف إلى الله. ويقول المدعى عليه في يمينه إذا حلف: واللهِ! ما قتلته، ولا شاركت في قتله، ولا فعلت شيئًا مات منه، ولا كان سببًا في موته، ولا مُعينًا على موته. فإن لم يحلف المدعون، أو كانوا نساءً، حلف المدعى عليه خمسين يمينًا، وبرىء. فإن لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، وداه الإِمام

стр. 3243

من بيت المال، فإن تعذر، لم يجب على المدعى عليه شيء، وإن رضوا بيمينه، فنكل، لم يحبس على المعتمد، ولزمته الدية، ولا قصاص (١). وفي رواية مرجوحة عن الإِمام أحمد: أنه إذا امتنع من اليمين، يحبس حتى يحلف (٢)، وهو قول أبي حنيفة، والله -تعالى- الموفق.

стр. 3244

الحديث الرابع عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ جَارِيةً وُجِدَ رَأْسُهَا مَرْضُوضًا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ؟ فُلاَنٌ، فُلاَنٌ، حتَّى ذُكرَ يَهُودِي، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخذَ اليَهُودِيُّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ [يُرَضَحَ] (١) رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ (٢).

стр. 3245

وَلَمُسْلِم والنَّسَائي عَنْ أَنَس بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ، فَأَقَادَهُ بِهَا النَّبيُّ ﷺ (١). * * * (عن) أبي حمزة (أنسِ بنِ مالك ﵁: أن جارية)؛ أي: من الأنصار، ولم يسمِّها البرماوي، ولا في "الفتح" (وجد) -بضم الواو وكسر الجيم- مبنيًا للمفعول، (رأسُها) -بالرفع- نائب الفاعل، (مرضوخًا)، منصوب على أنه مفعول ثان لوجد- وفي لفظ عند البخاري، وغيره: أن يهوديًا رضَّ رأسَ جارية (٢) (بينَ حَجَرين). قال في "المطالع": رضخ رأسه: شدخه (٣)، وفي "شرح البخاري"

стр. 3246

للعيني: يقال: رَضَضت الشيءَ رَضًّا، فهو رَضيض ومرضوض (١)، وقال ابن الأثير: الرضُّ: الدق الجريش (٢). قال العيني في رواية لمسلم: فرضخ رأسها بين حجرين (٣)، وفي رواية أبي داود: رضخ رأسها بالحجارة (٤)، وفي رواية الترمذي: فرضخ رأسها، وأخذ ما عليها من الحلي (٥)، وقال: هذا الاختلاف في الألفاظ، لا في المعاني، فإن الرضخ والرض والرجم كله عبارة ها هنا عن الضرب بالحجارة، والرضخ -بالضاد والخاء المعجمتين- هو الدق والكسر، وهو المراد هنا، ويجيء بمعنى الشدخ (٦). قال الترمذي في روايته: فأدركت وبها رمق (٧)، (فقيل) لها: (من فعل هذا بك)؟ أي: قال لها أهلُها ذلك، (فلان؟ فلان؟) بتقدير همزة الاستفهام كما هو في رواية البخاري (٨)، فهو استفهام على سبيل الاستخبار (٩)، فلم يزالوا يقولون لها مثل ذلك وهي غير موحية لأحد (حتى ذكر) لها (يهودي) لم يسمَّ، (فأومأت) لجارية (برأسها). وقال ابن التين: صوابه فأومأت، وثلاثيه: ومأ (١٠)، وفي "المطالع"

стр. 3247

يقال منه: وَمَأَ، وأَوْمَأَ (١)، وفي "الصحاح": أومأت إليه: أشرف إليه، ولا تقل: أومـ[ـيـ]ـت (٢)، وفي "القاموس": ومأ إليه؛ كرضع: أشار؛ كأومأ، ووَمَأَ (٣). (فأُخذ اليهودي) الذي أومأت إليه، فسئل عما فعل بالجارية من رضخ رأسها، (فاعترف) بأنه هو الذي فعل بها ذلك، (فأمر رسول الله ﷺ أن يُرضخ رأسُه)؛ أي: اليهودي الذي رضخ رأس الجارية (بين حجرين) كما فعل بها ذلك جزاءً وفاقًا. احتج به عمر بن عبد العزيز، وقتادة، والحسن، وابن سيرين، وقال به جمهور الفقهاء: أحمد، والشافعي، ومالك، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر، وجماعة من الظاهرية، على أن القاتل يقتل بما قتل به. وقال ابن حزم: قال مالك: إن قتله بحجر أو بِعصًا أو بالنار أو بالتغريق، قتل بمثل ذلك، يكرر عليه أبدًا حتى يموت. وقال الشافعي: إن ضربه بحجر أو بِعصًا حتى مات، ضرب بحجر أو بِعصًا أبدًا حتى يموت، فإن حبسه بلا طعام ولا شراب حتى مات، حُبس مثلَ المدة حتى يموت، فإن لم يمت، قتل بالسيف، وهكذا إن غَرَّقه، وهكذا إن ألقاه من مَهْواة عالية، فإن قطع يديه ورجليه، فإن قطع يديه ورجليه، قطعت يدا القاتل ورجلاه، فإن مات، وإلا قتله بالسيف. وقال أبو محمَّد: إن لم يمت، ترك كما هو حي حتى يموت، لا يُطعم

стр. 3248

ولا يسقى، وكذلك إن قتله جوعًا أو عطشًا، جُوِّع أو عُطِّش حتى يموت، ولا يراعى المدة أصلًا (١). قلت: وما ذكره عن الإمام أحمد إنما هو على إحدى الروايتين عنه. قال في "شرح المقنع": وإن قتله بغير السيف، مثل إن قتله بحجر أو هدم أو تغريق أو خنق، فهل يستوفي القصاص بمثل ما فعله؟ على روايتين: إحداهما: له ذلك، وهو قول مالك، والشافعي. والثانية: لا يستوفى إلا بالسيف في العنق، وبه قال أبو حنيفة فيما إذا قتله بمثل الحديد على إحدى الروايتين عنده، أو جرحه فمات (٢). وقال الإمام الموفق في "متن المقنع ": ولا يستوفى القصاص في النفس إلا بالسيف في إحدى الروايتين، والأخرى: يفعل به كفعله، فلو قطع يديه، ثم قتله، فُعل به كذلك، وإن قتله بحجر، أو غرَّقه، أو غير ذلك، فعل به مثل فعله، وإن قطع يده من مفصلٍ أو غيره، أو أوضحه فمات، فعل به كفعله، فإن مات، وإلا ضربت عنقه (٣). وقال القاضي: يقتل، ولا يزاد على ذلك، رواية واحدة. قال في "شرحه": اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في كيفية الاستيفاء، فروي عنه: لا يستوفى إلا بالسيف في العنق، وبه قال عطاء، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد؛ لما روي عن النّبيّ ﷺ أنه قال: "لا قود إلا

стр. 3249

بالسيف" رواه ابن ماجه (١)؛ لأن القصاص أحد بدلي النفس، فدخل الطرف في حكم الجملة كالدية، فإنه لو صار الأمر إليها، لم يجب إلا دية النفس، ولأن القصد من القصاص في النفس تعطيل الكل، وإتلاف الجملة، وقد أمكن هذا بضرب العنق، فلا يجوز تعذيبه بإتلاف أطرافه، كما لو قتله بسيف كل، فإنه لا يقتل بمثله. والرواية الثانية عن الإمام أحمد قال: لأهل المقتول أن يفعلوا بالقاتل كما فعل، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ولهذا الحديث، فإنه ﷺ أمر أن يفعل باليهودي مثل ما فعله، ويروى عنه ﷺ : أنه قال: "من حرق حرقناه، ومن غرَّق غرَّقناه" (٢)، ولأن موضوع القصاص على المماثلة، ولفظه مشعر به، فوجب أن يستوفى منه مثل ما فعل، كما لو ضرب العنق واحد آخر غيره. وأما حديث: "فلا قود إلا بالسيف"، فقال الإمام أحمد: ليس إسناده بجيد (٣).

стр. 3250

وفي "شرح البخاري" للبدر العيني: قال عامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: لا يقتل القاتل في جميع الصور إلا بالسيف (١)، واحتجوا بحديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "لا قود إلا بحديدة" رواه أبو داود الطيالسي (٢)، والطحاوي، ولفظه عنده: "لا قود إلا بالسيف" (٣)، وأخرجه الدارقطني (٤). قلت: وفي إسناده جابر الجعفي مطعون فيه، لكن حديث ابن ماجه رواه عن أبي بكرة مرفوعًا سنده جيد (٥)، وأخرجه البيهقي في "سننه" من حديث أبي هريرة مرفوعًا (٦). والحاصل: أن هذا الحديث روي عن عدة من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، والنعمان بن بشير، وأبو بكرة، وعبد الله بن مسعود، فقد تعددت طرقه، وتباينت مخارجه، فلا جرم لا أقلَّ من أن يكون حسنًا، وحينئذٍ يصح الاحتجاج به، ويسوغ الاعتماد على مفهومه، والتعويل على مضمونه.

стр. 3251

(و) في رواية (لمسلم) في "صحيحه" والإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني مصنف كتاب "السنن الكبرى" و"الصغرى"، و"الكبرى" أحد الكتب الستة، (والنسائي)، ويقال فيه: النَّسَوي نسبة إلى نَسا: كورة من كور نيسابور. وقال المسعودي: نسا: من أرض فارس. وقال الحافظ عبد الغني بن سعيد: نسا: موضع بخراسان. قال الحاكم أبو عبد الله: كان النسائي إمامَ أهل الحديث، وكان يصوم الدهر، ويختم القرآن في كل يوم وليلة، فإذا كان رمضان، ختم في كل يوم مرتين، وكان يجاهد ويرابط، ولما امتُحن بدمشق، قال: احملوني إلى مكة، فحُمل إليها، ودفن بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة، وكانت وفاته في شعبان، قال ابن عساكر: في سنة ثلاث وثلاث مئة، كذا في البرماوي. قلت: والذي قدمه ابن خلكان: أنه لما قدم دمشق، سئل عن معاوية وما روي له من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأس برأس حتى يفضل؟ وفي رواية قال: ما أعرف له فضيلة، ألا لا أشبع الله بطنك، قال: وكان يتشبع، فما زالوا يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد، ثم حمل إلى الرملة، فمات بها. وقال الدارقطني: لما امتحن النسائي بدمشق، قال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها كما ذكر البرماوي. قال ابن خلكان: وكانت وفاته سنة ثلاث وثلاث مئة. قال الحافظ أبو نعيم: مات النسائي بسبب ما داسه أهل دمشق، وكان

стр. 3252

صنف الكتاب "الخصائص في فضل علي بن أبي طالب ﵁ وأهل البيت"، وأكثر رواياته فيه عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁، فقيل له: ألا تصنف كتابًا في فضائل الصحابة ﵃؟ فقال: دخلت دمشق، والمنحرفُ عن علي ﵁ كثير، فأردت أن يهديهم الله -تعالى- بهذا الكتاب. قال ابن خلكان: وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا. وقال الدارقطني: امتُحن بدمشق، فأدرك الشهادة. قال: وتوفي يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاث مئة بمكة -حرسها الله تعالى-، وقيل: بالرملة من أرض فلسطين، وكان إمامًا في الحديث، ثقة ثبتًا حافظًا. قال ابن خلكان: ومولده بنسا في سنة خمسر عشرة، [وقيل: أربع عشرة] (١) ومئتين، قال: ونَسَأ -بفتح النون وفتح السين المهملة وبعدها همزة-، وهي مدينة بخراسان، خرج منها جماعة من الأعيان (٢)، والله أعلم. (عن أنس بن مالك) أيضًا (﵁: أن يهوديًا) من يهود المدينة (قتل جاريةً) من الأنصار (على أوضاحٍ)، جمع وضح -بالضاد المعجمة والحاء المهملة- وهو نوع من الحلي يُعمل من الفضة، سميت بها، لبياضها (٣).

стр. 3253

وفي رواية: أن رجلًا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها، ثم ألقاها في القليب، ورضخ رأسها بالحجارة (١)، (فأقاده)؛ أي: اقتص منه (بها)؛ أي: الجارية (النّبيُّ ﷺ ). قال في "المطلع": القَوَدُ: القصاص، [وقتل القاتل] (٢) بدلَ القتيل، وقد أَقدتُه به أُقيده إقادةً، انتهى (٣). وفي "النهاية" في قوله ﷺ : "من قتل عمدًا، فهو قود" (٤) القود: القصاص، وقتلُ القاتلِ بدلَ القتيل، وقد أَقدته به أُقيده إقادة، واستقدت الحاكم: سألته أن يُقيدني، واقتدت منه، أَقتاد، فأما قال البعير، واقتاده، فبمعنى: جره خلفه (٥). وهذه اللفظة التي انفرد بها مسلم عن البخاري (٦)، فإن ألفاظ "الصحيحين" غير ما تقدم: فأشارت، يعني: الجارية برأسها، فقتله رسول الله ﷺ ، بين حجرين (٧).

стр. 3254

وفي لفظ آخر: فأخذه رسول الله ﷺ ، فأمر به أن يرجم حتى يموت، فرُجم حتى مات (١). وفي آخر: فأمر به أن يُرَضَّ رأسُه بالحجارة، خرّجه البخاري في باب: الإشارة في الطلاق (٢). وفي لفظ آخر عن أنس قال: عدا يهودي على جارية، فأخذ أوضاحًا كانت عليها، ورضخ رأسها، فأتى بها أهلُها رسولَ الله ﷺ وهي في آخر رمق وقد أصمتت، فقال لها رسول الله ﷺ : "من قتلك فلان؟ " لغير الذي قتلها، فأشارت برأسها: أَنْ لا (٣). وفي لفظ: فرفعت رأسها، قال: "فلان؟ " لرجل آخر غير الذي قتلها، فأشارت برأسها: أَنْ لا، فقال: "فلان؟ " لقاتِلها، فأشارت: نعم، وفي لفظ: فقال لها في الثالثة: "فلان قتلك؟ "، فخفضت رأسها، فأمر به رسول الله ﷺ ، فرضخ رأسه بين حجرين (٤). والحاصل: أن الحديث دل على عدة أشياء: منها: اعتبار الإشارة، وقد اختلف العلماء في العمل بمضمونها إذا كانت من مريض، فقال علماؤنا في كتاب: الوصايا: ولا تصح الوصية ممن اعتقل لسانه بإشارة، ولو فُهمت، إذا لم يكن ميئوسًا من نطقه كقادر،

стр. 3255

ولا من أخرس لا تفهم إشارته، فإن فهمت، صحَّت (١). وقالوا في كتاب: الطلاق: ويقع؛ أي: الطلاق بإشارة مفهومة من أخرس فقط، فلو لم يفهمها إلا البعض، فكناية (٢). وذهب الليث، ومالك، والشافعي إلى أن المريض إذا ثبتت إشارته على ما يعرف من حضره، جازت وصيته. وقال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري: إذا سئل المريض عن الشيء، فأومأ برأسه أو بيده، فليس بشيء حتى يتكلم. [قال أبو حنيفة: إنما تجوز إشارة الأخرس أو من لحقته سكتة لا يتكلم، (٣)، وأما من اعتقل لسانه، فلا تجوز إشارته. فإن قيل: هذا مصادمة للحديث الثابت عن رسول الله ﷺ ، فالجواب: أن رسول الله ﷺ لم يأمر بقتل اليهودي لمجرد إشارة الجارية، ولكن أمر بذلك بعد اعترافه وإقراره أنه قتلها، فلا حجة فيه على الحنفية من هذا الوجه. وقال الإسماعيلي: من أطاق الإبانة عن نفسه، لم تكن إشارته فيما له أو عليه واقعة موقع الكلام، لكن تقع موقع الدلالة والأمارة على ما يراد، إلا فيما يؤدي إلى الحكم على إنسان بإشارة غيره، ولو كان كذلك، لقبلت شهادة الشاهدين بالإشارة والإيماء (٤). ومنها: القتل بالمُثَقَّل عمدًا، هل يوجب القصاص؟

стр. 3256

قال الجمهور: يوجبه، وخالفهم أبو حنيفة، فأوجب عليه دية مغلظة، والحديث حجة عليه. وأجاب العيني عن ذلك بأنه إنما أمر ﵇ بقتل اليهودي؛ لأنه كان ساعيًا في الأرض بالفساد، فقُتل سياسة، فأورد عليه بأنه لو قتل لسعيه في الأرض بالفساد، لما قتل مماثلة برض رأسه بين الحجرين، وكان يجب أن يكون بالسيف في العنق، وأجاب: بأنه إنما قتل كذلك؛ لأنه كان قبل تحريم المثلة، فلما حرمت، نسخت، فكان القتل بعد ذلك بالسيف (١). ولا يخفى أنها دعوى بلا برهان. ثم إن لنا عليه هذه الرواية التي في مسلم، والنسائي من حديث أنس حيث قال: فأقاده بها، فهذا خبر صحيح، وهذا بمدعانا صريح، والله أعلم. ومن أوجب كونَ القود بالسيف، أجاب عن الحديث المذكور أنه ﷺ رأى أن ذلك القاتل يجب قتله لله -تعالى- وللقود إذا كان إنما قتل على مال، كما يجب دم قاطع الطريق لله -تعالى-، فكان له أن يقتله كيف شاء بسيف أو بغيره، وقد ذكرنا أنه روي أنه أمر به ﵇ أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات، فدلّ أن قتل القاتل لا يتعين فيه التماثل (٢). والذي أجاب به علماؤنا: أن ذلك كان حين كانت المثلة مباحة كما فعل ﵇ بالعرنيين (٣)، ثم نسخت بعد ذلك، ونهى عنها ﵇.

стр. 3257

وأما إن قتله بمحرَّم في نفسه كتجريع الخمر واللواط ونحوه، قتل بالسيف، رواية واحدة، وهو متفق عليه بين الأئمة، فلا يفعل به كفعله (١). نعم حكي عن بعض الشافعية فيمن قتله باللواط: أنه يُدخل في دبره خشبة يقتله بها، وفيمن قتله بتجريع الخمر يجرعه الماء حتى يموت (٢). ولا ريب أن هذا -ولاسيما إدخال الخشبة في دبره- أمر مستبشَع، فلا تكاد تأتي الشريعة بمثله، والله -تعالى- أعلم.

стр. 3258

الحديث الخامس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مكَّةَ، قَتَلَتْ هُذَيْل رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بقَتِيلٍ كَانَ لَهُمْ في الجَاهِلِيهِّ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ قدَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمنينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلُّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإنَّها سَاعَتِي هَذِهِ، حَرَامٌ لاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى شَوْكهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَإمَّا أَنْ يُفْدَى"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اكتبوا لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ"، ثُمَّ قَامَ العَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إلَّا الإِذْخِرَ، فَإنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِلَّا الِإذْخِرَ" (١).

стр. 3259

(عن أبي هريرة) عبدِ الرحمنِ بنِ صخرٍ (﵁ قال: لما فتح الله) (على رسوله) محمدٍ ( ﷺ مكة) المشرفة، وكان ذلك في شهر رمضان في الثامنة (قتلت هذيل) كذا قال المصنف -رحمه الله تعالى-، وهو سبق قلم، أو وهم، والصواب: (قتلت هذيل رجلًا من بني ليث) كما في "الصحيحين" وغيرهما (بقتيل كلان لهم)؛ أي: لخزاعة (في الجاهلية) قبل الإسلام. قال البرماوي: يؤخذ تعيين القاتل والمقتول به مما روى ابن إسحاق: أن خِراشًا -بكسر الخاء المعجمة وآخره شين معجمة- بن أميةَ من خزاعة قتل ابنَ الأدلع الهذلي وهو مشرك بقتيل قتل في الجاهلية يقال له أحمر بأسًا، انتهى (١). واسم ابن الأدلع: جُنْدُب -بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة فموحدة-، فقد روى الشيخان، والترمذي عن أبي شريح

стр. 3260

خويلد بن عمرو العدوي (١)، والشيخان عن ابن عباس (٢)، والإمامُ أحمد، وابنُ منيع بسندٍ صحيح، والبيهقي عن ابن عمر (٣)، وابنُ أبي شيبة، والشيخان عن أبي هريرة (٤) ﵃، قالوا: لما كان الغد من يوم الفتح، عدت خزاعةُ على رجل من هذيل، فقتلوه وهو مشرك، (فقام رسول الله ﷺ ) في الناس خطيبًا بعد الظهر، فأسند ظهره إلى الكعبة. وعند ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة ﵁: أنه ﷺ ركب راحلته، فحمد الله، وأثنى عليه (٥)، وقال: "يا أيها الناس! إن الله -تعالى- حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، ويوم خلق الشمس والقمر، ووضع هذين الجبلين، ولم يحرمهما الناس، فهي حرام إلى يوم القيامة". قال في "الهدي" وغيره: وكان ﷺ قد حكم لخزاعة أن يبذلوا سيوفهم في بني بكر إلى صلاة العصر من يوم الفتح (٦) (فقال) ﵊: (إن الله قد حبس عن مكة) المشرفة (الفيلَ) الذي كان مع أبرهة عامل النجاشي على اليمن؛ لأن أبرهة لما رأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج بيت الله، بنى كنيسة عظيمة بصنعاء، وكتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يُبن لملك مثلُها، ولست منتهيًا حتى أصرف إليها حجَّ العرب، فسمع به رجل من بني
следующие страницы →