← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

آخر يومٍ من الدنيا، وأولِ يومٍ من الآخرة (١). (ولـ) الإمامِ (مسلمٍ) في "صحيحه" (نحوُه)، ففي "صحيح مسلم" من حديثها: فلما كان يومي، قبضه الله بين سحري ونحري (٢). وفي روايةٍ له عنها: أنها سمعت رسولَ الله ﷺ قبل أن يموت، وهو مستندٌ إلى صدرها، وأصغت إليه وهو يقول: "اللهمَّ اغفرْ لي وارحمْني، وأَلْحِقْني بالرفيقِ الأعلى" (٣). وفي روايةٍ: فسمعتُ النبيَّ ﷺ في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بُحَّةٌ يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، فظننته خُيِّرَ حينئذ (٤). وفي حديثها عنده: كنتُ أسمعُ أنه لن يموتَ نبيٌّ حتى يُخَيَّرَ بينَ الدنيا والآخرة (٥). وفي روايةٍ: كان النبيُّ ﷺ يقول وهو صحيح: "إنه لم يُقبض نبيٌّ قطُّ حتى يرى مقعدَه في الجنة، ثم يُخيَّر". قالت عائشة: فلما نزل برسولِ الله ﷺ ، ورأسُه على فخذي، غُشِي عليه ساعة، ثم أفاق، فأشخصَ بصرَه إلى السقف، ثم قال: "اللهمَّ الرفيق الأعلى". قالت عائشة: قلت: إذاً لا يختارُنا، قالت: وعرفت أن الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيحٌ

стр. 352

في (١) قوله: "إنه لم يُقْبَضْ نبيٌّ قَطُّ حتى يرى مقعدَه من الجنةِ، ثم يُخير". قالت عائشة: فكانت تلك آخرَ كلمةٍ تكلم بها رسولُ الله ﷺ قوله: "اللهمَّ الرفيق الأعلى" (٢). تنبيه: في هذا الحديث من الفوائد -غير ما مر مما أشرنا إليه في شرحه-: الاستياكُ بالرطب. وقال بعض الفقهاء: الأخضرُ لغير الصائم أحسنُ، وهذا مقتضى كلام علمائنا. قال في "الإقناع" كغيره: يُسن التسوكُ بسواكٍ رطبٍ، أو أخضر، ويابس مُنَدًّى، ولصائمٍ بيابسٍ قبلَ الزوال، ويُباحُ له برطبٍ قبله (٣). ومنها: إصلاحُ السواك وتهيئته؛ لقول عائشة: فقضمتُهُ. ومنها: تلينيه، حيث كان يابساً، فيندَّى بالماء، وبماءِ وردٍ أجودُ، ثم يُغسل قبل وضعه في الفم؛ لقول الحسنِ البصريِّ: إنَّ الشيطان يستاك به إن لم يُغْسَل؛ لأنه يأمن من جرح لثته لشدة يبسه. ومنها: كونُ السواكِ من عُرجون النخلِ كما في الحديث. قال في "الفروع": يتسوك بعودٍ لا يضره ولا يتفتت. قال: وظاهره التساوي. قال: ويتوجه احتمالُ: أن الأراك أولى؛ لفعله ﵇،

стр. 353

وقاله بعض الشافعية، وبعض الأطباء، وأنه قياسُ قولهم في استحباب الفطر على التمر، وأنه أولى في الفطرة؛ لفعله ﵊. وذكر الأزَجيُّ من علمائنا: أنه لا يُعْدَلُ عنه، وعن الزيتون والعُرجون. وقال صاحب "التيسير" (١) من الأطباء: زعموا أنَّ التسوك من أصول الجوز في كل خامسٍ من الأيام، يُنْقي الرأس، ويُصَفِّي الحواسَّ، ويُحِدُّ الذهنَ (٢). وفيه: الاستياك بسواك الغير. وفيه: العمل بما يفهم من الإشارة والحركات. ومنها: استحباب استعمال المسواك إذا كان للغير؛ لأن عائشة ﵂ قالت: فطيَّبتُه. قال في "الفتح": استعمالُ سواكِ الغيرِ ليس بمكروهٍ -يعني: أنه لإباحة التسوك به -، إلا أن المستحب: أن يغسله، ثم يستعمله. وفيه حديث عن عائشة ﵂ في "سنن أبي داود" قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُعطيني السواك لأغسلَهُ، فأبدأُ به، فأستاكُ، ثم أغسلُه، ثم أدفعُه إليه (٣). وهذا دالٌّ على عظيم أدبها، وكبر فطنتها؛ لأنها لم تغسله ابتداءً؛ حتى لا يفوتها الاستشفاءُ بريقه، ثم غسلته تأدباً وامتثالاً.

стр. 354

قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون المراد بأمرها بغسله: تطييبُه وتهيئتُه بالماء قبل أن يستعمله، انتهى (١). وشديد حرص عائشة ﵂ على الاستشفاء والتبرك بأثر ريقه يشعر بأن المراد باجتماع ريقه ﷺ بريقها لكل من الطرفين، فإنه لما استن ﷺ بالسواك، ناوله لها لم تكن لتدع فضلة ريقه والتبرك بها حتى تستاك بالسواك ليصدق الاجتماعُ لكل منها ومنه ﷺ . ومنها: ما في هذا الحديث من المزايا والمناقب لسيدتنا عائشة على غيرها، والله الموفق. * * *

стр. 355

الحديث الرابع عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، قالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ يَسْتَاكُ بسِوَاكٍ، قالَ: وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ؛ يَقُولُ: "أُعْ أُعْ"، والسِّوَاكُ في فِيهِ، كأنَه يَتَهَوَّعُ (١). * * * (عن أبي موسى) عبدِ الله بنِ قيسِ بنِ عامرٍ (الأشعريِّ) -بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة-، نسبةً إلى الأشعر، واسمه نَبْت -بفتح النون وسكون الموحدة فمثناة- بنُ أُدَد -بضم الهمزة بوزن عُمَر- بنِ زيدٍ. قدم أبو موسى (﵁)، فحالفه سعيدُ بنُ العاصِ بنِ أميةَ، فأسلم بمكةَ، ثم هاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مع أهل السفينتين

стр. 356

ورسولُ الله ﷺ بخيبر، فأسهم لهم منها، وكذلك أسلمت أمه طيبةُ بنتُ وهب، وتوفيت بالمدينة. ويقال: إن أبا موسى أسلم قديماً بمكة، ثم رجع إلى بلاده، ولم يزل بها حتى قدم هو وناسٌ من الأشعريين على رسول الله ﷺ . قال الإمام ابنُ الأدهم أبو بكرِ بنُ أبي داود ﵄: كان لأبي موسى الأشعري ﵁ مع حسن صوته بالقرآن فضيلةٌ ليست لأحدٍ من الصحابة: هاجر ثلاث هجرات؛ هجرةٌ من اليمن إلى رسولِ الله ﷺ بمكة، وهجرةٌ من مكة إلى الحبشة، وهجرةٌ من الحبشة إلى المدينة، انتهى. واستعمله النبي ﷺ على زَبِيد، وعَدَن، وساحل اليمن، وولَّاه عمرُ بنُ الخطاب البصرةَ حين عزلَ عنها المغيرةَ بنَ شعبةَ في خبر الشهادة عليه سنة عشرين، فافتتح أبو موسى الأهواز، ولم يزل على البصرة إلى حين من خلافة عثمان، ثم عُزل عنها، فانتقل إلى الكوفة، وأقام بها، فلما رفع أهل الكوفة خلافة ابن العا صعنهم، وَلَّوا أبا موسى الأشعري عليهم، فأقره عثمان على الكوفة، ولم يزل عليهم حتى قُتل عثمان بن عفان، ثم انقبض أبو موسى إلى مكة بعد التحكيم وما كان منه، فلم يزل بها إلى أن مات سنة إحدى وخمسين على ما رجحه ابن الأثير، وقال النووي: سنة خمسين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، مات بالكوفة، ودُفن بالبصرة، ودُفن بالتربة التي على ميلين منها. روي له عن النبي ﷺ ثلاث مئة وستون حديثاً، اتفقا على تسعةٍ وأربعين، وانفرد البخاري بأربعةٍ، ومسلم بخمسة عشر (١).

стр. 357

مما اتفقا عليه من حديثه: أنه (قال) ﵁: (أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو) ﷺ (يستاك)، أي: في حال استياكه (بسواكٍ، وطرفُ السواكِ على لسانِه) ﷺ الواو: للحال -أيضاً-. وظاهرُ صنيع الحافظِ عبد الحق: أن هذا القدر من الحديث الذي أخرجه مسلم (١)، وأن البخاري روى عن أبي موسى ﵁ قال: أتيتُ النبي ﷺ وهو يستنُّ بسواكٍ بيده، وهو (يقول)، وفي لفظٍ: بإسقاط "هو"، والضمير في "يقول" عائد إلى النبي ﷺ ، أو السواك مجازاً (أُعْ أُعْ) -بضم الهمزة وسكون المهملة-. كذا في رواية أبي ذر كما في "الفتح" (٢). وأشار إلى أن غيره رواه بفتح العين، ورواية النسائي وابن خزيمة بتقديم العين على الهمزة، وكذا أخرجه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي أويس (٣). ولأبي داود: بهمزةٍ مكسورة، ثم هاء (٤). وللجوزقي: بخاء معجمة بدل الهاء، والرواية الأولى أشهر.

стр. 358

وإنما اختلفت لتقارب مخارج هذه الأحرف، وكلها ترجع إلى حكاية صوته، إذ جعل السواك على طرف لسانه، كما عند مسلم. والمراد: من طرف اللسان الداخل، كما عند الإمام أحمد: "ويَستن إلى فوق" (١)، ولهذا قال: (والسواك في فيهِ) ﷺ ، يستاك به على طرف لسانه الداخل إلى جهة حلقه (٢). (كأنه يتهؤَع)، والمتهوِّع: المتقيىء؛ أي: له صوتٌ كصوت المتقيىء على سبيل المبالغة. ويستفاد منه: مشروعيةُ السواك على لسانه. والعلة التي تقتضي الاستياك على الأسنان موجودة في اللسان، بل هي أبلغ وأقوى؛ لما يتراقى إليه من أبخرة المعدة، فيكون الاستياك في اللسان طولاً، فأما الأسنان، فليكن فيها عرضاً (٣). وقيل: طولاً، كما في "الفروع" لابن مفلح (٤). وقال محققو متأخري علمائنا: طولاً بالنسبة إلى الفم، عرضاً بالنسبة إلى الأسنان، فالمسألة ليست بذات قولين، كما في "حواشي ابن قندُس على الفروع " (٥)؛ بدليل ما روى عطاء، قال: [قال] رسول ﷺ : "إذا اسْتكتُمْ، فاستاكوا عَرْضاً،

стр. 359

وإذا شربتُم، فاشربوا مَصّا" رواه سعيد في "سننه"، وأبو داود في "مراسيله" (١). وعن سعيد بنِ المسيب، عن ربيعةَ بنِ أكثمَ، قال: كان رسول الله ﷺ يستاك عرضاً، ويشربُ مَصّاَ، ويقول: "هو أهنأ وأمرأ" رواه أبو بكرٍ الشافعي في "فوائده" (٢). ولأن التسوك طولاً من أطراف الأسنان إلى أصولها ربما آذى اللِّثَة وأدماها. وفيه: تأكيد استحباب السواك، وأنه لا يختص بالأسنان، بل يكون على الأسنان واللسان واللثة والحلق. قال حماد: في قوله: "يستن إلى فوق": كأنه يرفع سواكه، قال: ووصفه لنا غيلان قال: كأنه يستاك طولاً، رواه الإمام أحمد (٣). يعني بقوله: طولاً: استياكه في حلقه. قال في "شرح الوجيز": وقال: ويمر السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه؛ ليستأصل جميعَ ما عليها من القلح. قال في "الرعاية": ومن سقطت أسنانه، استاك على لثته ولسانه (٤).

стр. 360

فوائد: الأولى: كان السواك واجباً على النبي ﷺ عند كل صلاة، كما اختار القولَ بخصوصية وجوبه عليه ﷺ : القاضي أبو يعلى، وابنُ عقيل؛ بدليل حديث عبدِ الله بنِ أبي حنظلة ﵁: أن رسول الله ﷺ أُمر بالسواك عند كل صلاةٍ، طاهراً أو غير طاهر، فلما شقَّ ذلك عليه، أمر بالسواك لكل صلاة. رواه أبو داود، وتقدم (١)، واختار ابن حامد: عدم وجوبه (٢). الثانية: ذكر في "شرح الوجيز"، وكذا في أدلة "أوراد داود" لابنه (٣): أن السواك لا ينبغي أن يزيد على قدر شبر. قال: فإن الشيطان يركب على الزائد منه، انتهى. قلت: وهو كلامٌ ساقطٌ، لا ينبغي الاعتبار به؛ لعدم وروده فيما علمت. قال في "شرح الوجيز": ولا يوضع السواك بالأرض، بل يُنصب نصباً؛ فإنه يروى عن سعيد بن جبير: أنه قال: من وضع سواكه بالأرض، فجُنَّ من ذلك، فلا يلومنَّ إلا نفسَه. الثالثة: المستحب أن يستاك بيساره، يعني: يحمل السواك بها، كما نقله حرب عن الإمام أحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ما علمتُ إماماً خالف فيه -يعني: من أصحاب المذاهب-.

стр. 361

وقال جده: يستاك بيمينه (١). وكلام إمام الحرمين من الشافعية موجبه أنه يكودن باليسرى، فإنه قال: الاستياك عند الاصفرار إزالة القلح (٢). وقال ابن الهمام من المالكية: إدن كالن لإزالة القلح وتغير الفم، فباليسرى، وإلا، فباليمنى (٣). ويبدأ بالجانب الأيمن من فمه من ثنايا الجانب الأيمن إلى أضراسه، كما في "المطلع" (٤). وفي "قطعة الفتوحي على الوجيز" (٥): يبدأ من أضراس الجانب الأيمن. قال في "الرعاية": ويقول إذا استاك: اللهمَّ طهِّر به لساني وذنوبي. قال بعض الشافعية: وينوي به الإتيان بالسنة. قال في "شرح الوجيز" للبهاء البغدادي: ويستحب أن يسمي عند إرادته، كذا قال، ويبتلع ريقه أول ما يستاك؛ فإنه ينفع من الجذام والبرص وكل داءٍ، ولا يبتلعه بعد ذلك؛ فإنه يورث الوسوسة، ولا يمص السواك مصاً؛ فإن ذلك يورث العمى، انتهى.

стр. 362

الرابعة: قال الحكيم الترمذي: المستحب في إمساكه: أن يجعل الخنصر من اليد أسفل السواك تحته، والبنصر والسبابة فوق، ويحمل الإبهام أسفل رأس السواك، كما روي عن ابن مسعود ﵁. قال: ولا يقبض عليه؛، فإنه يورث البواسير (١). الخامسة: جزم متأخرو علمائنا بعدم إصابة السنة بالاستياك بغير عود؛ من إصبع وخرقة. وقيل: بلى، وهو مذهب أبي حنيفة. وقيل: بالخرقة دون الإصبع، وهو مذهب الشافعي. قال الشيخ الموفق: والصحيح أنه يصيب بقدر ما يحصل من الإنقاء. قال: ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها (٢). وقال المجد في "شرح الهداية" (٣): الصحيح إصابةُ السنة بالأصبع مَعَ المضمضة؛ لأن الماء يساعدها، وقد وَرد الأثر به، فروي عن علي ﵁: أنه أتي بكوز من ماء، فغسل كفيه، وتمضمض ثلاثاً، فأدخل بعضَ أصابعه في فيه، واستنشق ثلاثاً، وتمّم وضوءه، وقال: هكذا كان وضوء النبي ﷺ . رواه الإمام أحمد (٤).

стр. 363

وروى البيهقي بإسنادٍ لا بأس به، عن أنس مرفوعاً: "يُجزىء من السواكِ الأصابعُ" (١). السادسة: يكره السواك بقصب، وطَرْفاءَ، وريحان، ورمانٍ، وآسٍ. وفي "الإقناع": بريحان، وهو الآس، وبكل عود زكي الرائحة، وكل ما يضر أو يجرح، وكذا التخلل بها، وبالخوص، ولا يتسوك ولا يتخلل بما يجهله؛ لئلا يكون من ذلك (٢). وقيل: يحرم فعل ذلك بشيء من هذه الأشياء. السابعة: ذكر أبو شامةَ من الشافعية في مصنفٍ له سماه: "السواك" (٣): أنه لا يشترط السواك في الصلوات المتواليات، كالتراويح والتهجد، قال بعضهم: وكأن المراد: لا يُسن في غير الركعتين الأولتين، ويستأنس لذلك بأنه ﷺ لم ينقل عنه أنه كان يستاك عند افتتاح كل ركعتين من تهجده، وإنما كان يستاك مرةً واحدة، كذا قال. وفيه: ما روى ابن ماجه والنسائي - ورواته ثقاتٍ - عن ابن عباس ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ يقوم من الليل ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك (٤).

стр. 364

الثامنة: في التسوك بكل عود ينقي ولا يضر عدة فوائد: يطيب النكهة والفم، ويجلو الأسنان ويقويها، ويشد اللِّثة. قال بعضهم: ويسمِّنها، ويقطع البلغم، ويجلو البصر، ويمنع الحفر، ويذهب به، ويُصِحُّ المعدة، ويعين على الهضم، ويشهي الطعام، ويصفِّي الصوت، ويسهِّل مجاري الكلام، وينشط، ويطرد النوم، ويخفف عن الرأس وفم المعدة، كما في "الفروع" (١). وروى الدارقطني وغيره فيما روى عن ابن عباس ﵄ موقوفاً: في السواك عشر خصال: مَرْضاة الرب، ومَسْخَطةٌ للشيطان، مَفْرَحةٌ للملائكة، جيدٌ لِلِّثة، ويذهبُ بالبَخْر، ويجلو البصر، ويُطَيِّبُ الفمَ، ويُقِلُّ البلغمَ، وهو من السنة، ويزيد في الحسنات (٢). وفي "أدلة الأوراد" لأبي داود: الاستياك بالأراك يمنع الحَفْر، ويُنقِّي الدماغَ، ويُشهي الطعام،- لاسيما إذا كان مبلولاً بماء الورد -، ويعين على هضمه، ويسهِّل مجاريه، ويُصفِّي اللون، ويجفف الرطوبة من الرأس وفم المعدة. وزاد غيره: ويسهل خروجَ الروح، ويذكِّر الشهادةَ عند الموت، ويغذِّي من جوع، ويُرهبُ العدو، ويُرغمُ الشيطان، ومع كونه متبِعاً للنبي الكريم، فهو مقتفٍ لأثر سيدنا الخليل إبراهيم - عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم - ومضاعفة الصلاة على ما مرّ، ويكفي عن كل ذلك الاحتفالُ باقتفاء خير البشر، والله الموفق. * * *

стр. 365

باب المسح على الخفين قال في "شرح الوجيز": يجوز المسحُ على الخفين إجماعاً، ولا اعتبارَ بقول الإمامية، والخوارج، وأبي بكر بن داود. قال: والصحيح عن علي، وابن عباس، وعائشة، وأبي هريرة ﵃، كقول الجماعة، وإن روي عنهم المنعُ من وجه ضعيف، ورُوي ذلك عن مالك. قال ابن عبد البر: هي رواية أنكرها أكثرُ القائلين بقوله (١)، انتهى. قلت: وبما ذُكر علمت أن الإجماع، نعم، هو الصحيح المعتمد، وعليه اتفق الأئمة في الجملة، وقد اشتهر القول به عند علماء أهل السنة حتى صار شعاراً لهم، وعُدّ إنكاره من شعار أهل البدع. والمسحُ على الخفين رخصة، وهي لغةً: السهولة، وشرعاً: ما ثبت على خلاف دليلٍ شرعيًّ لمعارض راجح. وقيل: عزيمةٌ، وهي لغةً: القصدُ المؤكَّد، وشرعاً: حكمٌ ثابتٌ بدليلٍ شرعيٍّ خالٍ عن معارضٍ راجحٍ، والرخصةُ والعزيمةُ وَصْفان للحكم الوضعي.

стр. 366

قال في "الفروع": والظاهر أن من فوائدها المسح في سفر المعصية، وتعيين المسح على لابسه (١). ونظر فيه ابن اللحام في "القواعد الأصولية" (٢). قال علماؤنا: والمسح أفضل من الغسل، إلا قولاً لأبي حنيفة، ومالك، والشافعي؛ لأنه ﷺ داوم على الغسل، وهو الأفضل، وفيه إرغامُ أهل البِدع، ولحديث: "إن الله يحبُّ أن يُؤخَذَ بِرُخصه، كما يكره أن تُؤتى معصيتُه" رواه الإمام أحمد من حديث ابن عمر ﵄ (٣)، و"ما خُيِّرَ ﷺ بين أمرين إلا اختارَ أيسرَهما" (٤)، وحديث صفوان بن عسال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طُهْرٍ، ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا ننزعهما من غائطٍ ولا بولٍ ولا نومٍ. رواه الترمذي، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة في "صحيحه" (٥).

стр. 367

فأمرَ بالمسح وتركِ الخلع مدة التوقيت، وأقلُّها يومٌ وليلةٌ للمقيم. وذكر الحافظ - رحمه الله تعالى - في هذا الباب حديثين. * * *

стр. 368

الحديث الأول عن المُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فقالَ: "دَعْهُمَا؛ فَإنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ"، فَمَسَحَ عَلَيْهمَا (١).

стр. 369

(عن المغيرهْ) بضم الميم على الأشهر، وحكى ابنُ قتيبة والزمخشريُّ وغيرُهما كسرَها، والهاء فيه للمبالغة (بن شعبة) بنِ أبي عامر بن مسعود بن معتب، من ولد قيس عيلان -بالعين المهملة- ابنِ مضر بن نزار بنِ سعد بن عدنان، أبو عبد الله الثقفيُّ الكوفيُّ، الصحابيُّ الجليل ﵁ أسلم عام الخندق، وقدم مهاجراً، وقيل: أول مشاهده الحُديبية، وكان رجلاً طُوالاً موصوفاً بالدهاء، قال الشعبي: دهاة العرب أربعة: معاويةُ بنُ أبي سفيان، وعمرُو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد (١). قال ابن الأثير: قيل: إن المغيرة أحصنَ ثلاثَ مئة امرأةٍ في الإسلام، وقيل: ألفاً، وكان ختنَ جرير بن عبد الله البجلى على ابنته. قال الحافظ ابن الجوزي: وكان يلزم النبيَّ ﷺ في مقامه وأسفاره، يحمل وضوءه معه، ورَمى خاتمَه في قبر النبي ﷺ لما دفن، ثم نزل، دكان آخرَهم عهداً به ﷺ فيما يقال، وولي من قبل عمر ﵄ الولايات، فولي له الكوفة بعد البصرة حتى قتل عمر، فأمَّره عثمانُ عليها، ثم عزله، وذهبت عينُه يومَ اليرموك، ثم ولاَّه معاويةُ على الكوفة، فمات بها سنة خمسين، أو إحدى وخمسين، وهو ابن سبعين سنة، روي له عن رسول الله ﷺ مئةٌ وستة وثلاثون حديثاً، اتفقا منها على سبعة، وللبخاري حديث، ولمسلم حديثان (٢).

стр. 370

فمما اتفقا عليه ما أخرجا عنه، قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر من أسفاره، فقال: "يا مغيرة! خُذِ الإداوةَ"، فأخذتها، ثم خرجت معه، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني، فقضى حاجته، ثم جاء وعليه جُبَّة شامية ضيقةُ الكمين، فذهب يُخرج يدَه من كمِّها، فضاقت، فأخرج يده من أسفلها، فصببتُ عليه، فتوضأ وضوءه للصلاة، ثم مسح على خفيه، ثم صلى بنا، ولم يقل البخاري: بنا (١). وفي لفظ: في هذا الخبر: (قال: كنت مع النبي ﷺ ) ذات ليلة (في سفر)، فقال لي: "أمعك ماء؟ "، قلت: نعم، فنزل عن راحلته، فمشى حتى توارى في سواد الليل، ثم جاء، فأفرغت عليه من الإداوة، فغسل وجهه، وعليه جبة من صوف، فلم يستطع أن يُخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة، فغسل ذراعيه، ومسح برأسه، (فأهويتُ)، وفي لفظ: ثم أهويت؛ أي: مِلْتُ إليه ومددت يدي (لأنزع)؛ أي: لأجذبَ وأقلع (خفيهِ) ﷺ -تثنية خف- بالضم -: وهو المعروف الذي يُلبس في الرجلين. (فقال) ﵊: (دَعْهما) في رجلَيَّ؛ أي: اتركهما فلا تنزِعْهما؛ (فإني أدخلتهما)؛ أي: أدخلت رجليَّ في الخفين حالَ كونهما (طاهرتين).

стр. 371

وإذا كانتا كذلك، فيجزىء المسحُ على الخفين عن غسلهما، ونقل الإمام إخراجهما، (فمسح) ﷺ (عليهما)؛ أي: الخفين الساترين للكعبين من الرجلين. وقد استدل بقوله: "فإني أدخلتُهما طاهرتين" على اشتراط لبسِهما بعد كمال الطهارة؛ لأنه ﵇ علل عدمَ نزعهما بإدخالهما طاهرتين، ومفهومه: أن إدخالهما غير طاهرتين يقتضي النزع، وأصرَحُ من هذا - على اعتبار لبس الخفين بعد كمال الطهارة - حديثُ المغيرة بن شعبة ﵁، قال: قلت: يا رسول الله! أيمسح أحدنا على خفيه؟ قال: "نعم، إذا أدخلهما وهما طاهرتان" رواه الدارقطني (١). فإن قوله: "أدخلتُهما" يقتضي كل واحدة منهما. وقوله: "وهما طاهرتان" حالٌ من كل واحدة منهما، فيصير التقدير: إذا أُدخلت كلُّ واحدةٍ في حال طهارتها، فذلك إنما يكون في كمال الطهارة، فلو غسل إحدى رجليه، فأدخلهما الخفَّ، ثم غسل الأخرى، وأدخلها الخفَّ، لم يجز المسح؛ لأنه أدخل الرِّجلَ الأولى قبل كمال الطهارة. فإن نزعها، ثم أدخلها الخف، جاز المسح؛ لأنه حينئذ يكون قد لبسهما بعد كمال الطهارة، وهذا وفاقاً للشافعي، وإسحاق، ونحوُه عن مالك. وكذا حكمُ غير الخفِّ من كل ممسوح، فلو مسح رأسه، ولبس العمامة المحنكة، أو ذات الذؤابة، لم يَسُغْ له المسح عليها حتى ينزعها، فيلبَسها

стр. 372

بعد كمال طهارته، ولأنه لا يصدُق على عضو من أعضاء الوضوء أنه طاهر إلا بعد كمال طهارة سائر الأعضاء، وأما قبل ذلك، فطهارته متوقفةٌ ومراعية بكمال طهارة بقية أعضاء الوضوء، حيث قلنا بالترتيب، وهو الصحيح المعتمد على ما تقدم.

стр. 373

الحديث الثاني عَن حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﵁، قالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَالَ، وَتَوَضَّأَ، وَمسَحَ على خُفَّيْهِ" (١). مُختَصَرٌ.

стр. 374

(عن حذيفة بن اليمان ﵁) صاحبِ سرِّ رسولِ الله ﷺ (قال: كنت مع النبي ﷺ ) في سفرٍ، (فبالَ، وتوضأ). كذا في نسخ "العمدة" على مارأيته، والذي في "صحيح مسلم"، و"الجمع بين الصحيحين" للحافظ عبد الحق من حديث حذيفة بن اليمان ﵁، قال: كنت مع النبي ﷺ ، فانتهى إلى سُبَاطَةِ قومٍ، فبالَ قائماً، فتنحيتُ، فقال: "ادْنُهْ"، فدنوت حتى قمتُ عند عَقبِهِ، فتوضأ، فمسح على خفيه. قال الحافظ عبد الحق: لم يذكر البخاري المسحَ في حديث حذيفة (١). وفي "مسلم" أيضاً، عن أبي وائل، قال: كان أبو موسى يشدِّد في

стр. 375

البول، ويبول في قارورة، ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلدَ أحدهم بولٌ، قَرَضَه بالمقاريض، فقال حذيفة: لَوَدِدْتُ أن صاحبكم لا يشدِّد هذا التشديدَ، فلقد رأيتُني أنا ورسولُ الله ﷺ نتماشى، فأتى سُباطةَ قومٍ خلفَ حائط، فقام كما يقوم أحدُكم، فبال، فانتبذُت منه، فأشار إلي فجئتُ، فقمت عند عَقِبيه حتى فرغ (١)، ترجم البخاري عليه: باب البول قائماً وقاعداً، وباب البول عند صاحبه، وباب البول عند سباطة قومٍ، وقال في بعض طرقه عن حذيفة: فبال قائماً، ثم دعا بماءٍ، فأتيته (٢). (فتوضأ)؛ أي: من ذلك الماء الذي أتيتُه به، زاد مسلمٌ: (ومسح)، وفي لفظٍ - بالفاء - (على خفيه). قال الحافظ المصنف - رحمه الله تعالى -: (مختصرٌ)؛ أي: هذا مختصرٌ من حديث حذيفة ﵁، وقد ذكرته بطوله - كما ترى -. و"السُّباطة": ملقى القمامة والتراب. والعرب تستشفي لوجع الصُّلْب بالبول قائماً (٣). وفي حديث حذيفة تصريحٌ بجواز المسح عن حدث البول. وفي حديث صفوان بن عَسَّالٍ (٤) -بالعين المهملة والسين المشددة-، ما يقتضي جوازه عن حدث الغائط، وعن النوم أيضاً.

стр. 376

تنبيهات: الأول: قد أشرنا -فيما تقدم- إلى اشتهار المسح على الخفين، وصيرورته من شعار أهل السنة، حتى يذكروه في العقائد إرغاماً لمن خالف فيه من الرافضة، قال الإمام أحمد ﵁ في رواية الميموني: سبعة وثلاثون نفساً يروون المسحَ عن النبي ﷺ (١). وقال ابن عبد البر: نحو من أربعين (٢). وروى ابن المنذر، عن الحسن، قال: حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ : أنه مسح على الخفين (٣). وذكر ابن عبد البر عنه: أنه قال: أدركتُ سبعين رجلاً من أصحاب رسول ﷺ يمسحون على الخفين (٤). وقال الإمام أحمد: ليس في قلبي من المسح شيءٌ، فيه أربعون حديثاً عن أصحاب رسول الله ﷺ ما رفعوا إلى النبي ﷺ وما وقفوا (٥). قال في "تنقيح التحقيق": قد روى حديثَ المسح: عمرُ، وعليٌّ، وسعدٌ، وبلالٌ، وثوبانُ، وعبادةُ بنُ الصامت، وحذيفةُ، وأنسٌ، وسهل بنُ سعد، وأسامةُ بنُ زيد، وأسامةُ بنُ شريك، وصفوان بنُ عَسَّال،

стр. 377

وأبو أمامةَ، وجابرٌ، وعمرُ وبنُ أمية، في آخرين (١). قال ابن عبد البر: عمل بالمسح على الخفين: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسائر أهل بدر، وأهلُ الحديبية، وغيرُهم من المهاجرين والأنصار - رضوان الله عليهم أجمعين - (٢). واحتجت الإمامية بما رُوي عن علي ﵁: أنه قال: ما أبالي مسحتُ على الخفين، أو على ظهر حمار (٣). وجواب هذا: أنه قد صح عن علي ﵁ حديثُ المسح، وما ذكروه عنه لا يصحُّ ولا يثبت. واحتجوا أيضاً: بما روي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: سبقَ كتابُ الله المسحَ، وما أبالي أمسحتُ على الخفين، أو على ظهر بختي هذا (٤)، وأنه قال: قد مسحَ رسولُ الله ﷺ على الخفين، واللهِ! ما مسح بعد المائدة (٥). فأثبتَ مسحَه ﷺ ، وادَّعى النسخَ. والجواب: أن هذا لم يصحَّ عن ابن عباسٍ ﵄ (٦)، ولو

стр. 378

صح، فقد روى البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁: أنه بالَ، ثم توضأ، ومسح على خفيه، قال: تفعل هذا؟ قال: نعم، رأيت رسول الله بالَ، ثم توضأ، ومسح على خفيه. قال الأعمش: قال إبراهيم: فكان يعجبُهم هذا الحديث؛ لأن إسلامَ جريرٍ كانَ بعدَ نزول المائدة (١). قال الحافظ ابن الجوزي في "التحقيق": فجريرٌ أعلمُ بحال نفسِه، وقد ذكر أنه روى المسح، وقال: أسلمتُ بعد [المائدة] (٢). وفي النسائي: وكان أصحاب عبد الله -يعني: ابنَ مسعود ﵁ - يعجبهم قولُ جرير، وكان إسلامُ جرير قبل موت النبي ﷺ بيسير (٣). ولأبي داود قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول [المائدة]، قال: ما أسلمتُ إلا بعد نزول [المائدة] (٤). وللإمام أحمدَ، عن جرير ﵁، قال: ما أسلمتُ إلا بعد أن نزلت المائدة، وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعد ما أسلمت (٥). قال أهلُ السِّيَر: كان إسلام جرير في آخر سنة عشر، وقيل: في أولها، وقيل: قي أول سنة إحدى عشرة، وفيها مات النبي ﷺ (٦).

стр. 379

وجزم ابن عبد البر بأنه أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بأربعين يوماً (١)، كذا قيل. قلت: وهذا ليس بشيءٍ؛ فقد ثبت في "الصحيحين": أنه ﷺ قال له في حجة الوداع: "استَنْصِتِ الناسَ" (٢). وجزم الواقدي بأنه أسلم، ودخل على رسولِ الله ﷺ في شهر رمضان سنةَ عشر، وأنَّ بعثه إلى ذي الخَلَصَة كان بعد ذلك، وأنه وافى مع رسولِ الله ﷺ حجة الوداع من عامه (٣). قلت: واعتمد هذا، وجزم به الحافظُ ابن الجوزي في "الوفا" (٤)، و"المنتخب" وغيرهما. قال ابن الجوزي: روى جرير عن رسول الله ﷺ مئة حديث. والحاصل: تأخرُ إسلام جرير عن إنزال سورة المائدة على كلِّ قولٍ، والله الموفق. وروى الإمام أحمد، من حديث عوف بن مالك الأشجعيِّ: أن

стр. 380

رسول ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك، ثلاثةَ أيامٍ ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم (١). قال الإمام أحمد ﵁: هذا أجود حديث في المسح؛ لأنه في غزوة تبوك، وهي آخر غزاة غزاها النبي ﷺ (٢). ورواه الطبراني (٣). الثاني: جوزَ الإمام مالك المسح سفراً، وعنه في جوازه حضراً روايتان، وقد تظافرت الأخبار وتظاهرت الآثار عن النبي المختار، وعن أصحابه الأطهار - صلوات الله وسلامه عليه وعليهم - ما تعاقب الليل والنهار، بجواز المسح حضراً وسفراً؛ في الحضر يوماً وليلة، وفي السفر الذي تقصر فيه الصلاة ثلاثة أيامٍ بلياليها. الثالث: لابد من لبسهما بعد كمال الطهارة -كما قدمنا-. وقال أبو حنيفة: لا يشترط ذلك، وتقدم حديث صفوان بن عسالٍ ﵁. الرابع: يمسح ظاهرُ الخف دونَ باطنه. وقال مالك والشافعي: يمسح الظاهر والباطن.

стр. 381

لنا: حديث عمر ﵁: سمعتُ رسولَ الله (١) ... وقال ﵀: يصح المسح أيضاً على خُمُر النساء المُدارة تحت حُلوقهن؛ لأن أم سَلَمة ﵂ كانت تمسح ظاهر خمارها، كذا ذكره ابن المنذر (٢). ولحديث: "امسحوا على الخفين والخمار" رواه الإمام أحمد (٣)، ولأنه ساترٌ يشق نزعه (٤). ولابد من كون العِمامة كالخِمار محنكتين، إلا أن تكون العمامة ذاتَ ذُوابة؛ لأنها المعهودة إذ ذاك، ولتخرج عن كونها صماء (٥)، والله الموفق. * * *

стр. 382

باب المزي وغيره مِنْ تَخَيُّل الشخص ما ينقض طهارتَه، وحكم بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، وتطهير الأرض ونحوها إذا تنجست، وحديثِ الفطرة، ومن الخِتانِ، وغيرِه. قوله: "المَذْي" هو -بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وتخفيف الياء على المشهور-، وقيل:-بكسر الذال وتشديد الياء المثناة تحت-: الماء الذي يخرج من الذَّكَر عند الإنعاظ (١). وفي "النهاية": هو -بسكون الذال مخفف الياء-: البَلَلُ اللزجُ الذي يخرج من الذَّكَر عند ملاعبة النساء (٢). وذكر الحافظ في هذا الباب ستة أحاديث. * * *

стр. 383

الحديث الأول عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ ﵁، قَالَ: كنتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ لِمكانِ ابْنَتِهِ مِنِّي، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ" (١). وللبخاريِّ: "اغْسِلْ ذَكَرَكَ، وَتَوَضَّأ" (٢). ولمُسْلِمٍ: "تَوَضَّأْ، وَانْضَحْ فَرْجَكْ" (٣).

стр. 384

(عن) سيدنا الإمام (علي) الهمام (﵁) أمير المؤمنين (ابنِ أبي طالب)، واسم أبي طالب: عبد مناف، وقيل: اسمه كنيتة، وأبوه عبد المطلب، وفيه يجتمع مع النبي ﷺ ، وولده الذكور أربعة: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي. وفيهم لطيفةٌ، وهو أن كل واحدٍ أكبر ممن بعده بعشر سنين، فطالبٌ أكبر من عَقيل بعشر سنين، ثم عَقيلٌ، ثم جعفرٌ، ثم عليٌّ، وأشرفهم عليٌّ، ثم جعفرٌ، فعقيلٌ، وطالبٌ لم يسلم، فلا شرف له، والإناث: أم هانىء، وحمامة. وأم الجميع فاطمةُ بنتُ أَسَدِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مناف، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، أسلمت وهاجرت، ولما توفيت في حياة وسول الله ﷺ ، ألبسها قميصه، واضطجع معها في قبرها، فسُئل عن ذلك، فقال: "لم يكنْ بعدَ أبي طالب أَبَرَّ لي منها؛ فألبستُها قميصي؛ لتكتسيَ من حُلَل الجنةِ، واضطجعتُ معها؛ ليهون عليها" (١)، وهي التي سَمَّتْ عَلِيّاً حيدرةَ.

стр. 385

قال ابن قتيبة: ولد عليٌّ وأبو طالب غائب، فسمته أمه حيدرةَ، فلما قدم أبوه، كره هذا الاسم، وسماه علياً. وحيدرةُ من أسماء الأسد، وهو أشجعها؛ ولذا قال سيدنا علي ﵁ يوم خيبر: [من الرجز] أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ المَنْظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ (١) والسَّندرة: شجرٌ يُعمل منها القِسِيُّ. كان سيدنا علي - رضوان الله عليه - من الخلفاء الراشدين، والعشرةِ المبشرين، والأئمةِ المَهْديين، والشجعانِ المشهورين، والعلماء المتبحِّرين. يكنى بأبي تُراب، كناه بذلك سيدُ العالم رسولُ الله ﷺ (٢). وكان لعلي ﵁ من الولد أربعون إلا ولداً، أشرفُهم: الحسنُ، والحسين - رضوان الله عليهم أجمعين -. وعند جَمْعٍ: أنه أولُ من أسلم ﵁. والتحقيق: أن الصِّدِّيقَ الأكبرَ أولُ من أسلم من الرجال، وعلياً من الصبيان، وخديجة من النساء، وزيدَ بن حارثة من الموالي، وبلال بن حمامة -وهي أمه، وأبوه اسمه: رباح- من العبيد.

стр. 386

وقد قال له ﷺ في ذلك: "لا يحبُّك إلا مؤمنٌ، ولا يُبغضك إلا منافقٌ" (١). ومناقبه ﵁ لا تنحصر، وقد أُفْرِدَت بالتأليف. بويع له بالخلافة بعد عثمان، فوليها أربعَ سنين، وسبعةَ أشهر، وأياماً، وقيل: خمسة، وقيل: تسعة، وقيل: ثلاثة، أو غير ذلك. ثم قتله عبدُ الرحمن بن مُلْجِم ليلةَ الجمعة، فتُوفي ليلة الأحد، التاسع عشر من شهر رمضان، سنة أربعين، عام الجماعة، وله ثلاث وستون سنة على المشهور ﵁ (٢). (قال) علي ﵁: (كنت رجلاً مذاءً)؛ أي: كثير خروج المذي من ذَكَري. قال في "النهاية" مَذَّاء: فَعَّال للمبالغة في كَثْرَة المَذْي، وقد مذى الرجل يَمْذي وإمذاءً، والمذاء المماذاة: فَغَال منه (٣).

стр. 387

قال علي ﵁: (فاستَحييت) هي اللغة الفصحى، وقد يقال: استَحَيْتُ؛ من الحياء، وهو لغةً: تغيرُ وانكسارٌ يعتري الإنسانَ من خوف ما يُعاب به، وشرعاَّ: خُلُق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق (١) (أن أسأل رسول الله ﷺ ) عن حكم ذلك؛ المكان ابنته) ﷺ ، وهي فاطمة الزهراء ﵍ (مِنِّي) (٢). وفي روايةٍ لمسلم من طريق ابن الحنفية، عن علي: من أجل فاطمة ﵍. وفيه: استعمالُ الأدب ومحاسن العادات في ترك المواجهة مما يُستحيا منه عرفاً. (فأمرت المقداد بنَ الأسود) وليس الأسود - الذي اشتُهر به - أباه، وإنما هو المقدادُ بنُ عمرِو بنِ ثعلبةَ الكِنْديُّ، وقيل: القضاعيُّ، وذلك أن أباه حالفَ كندةَ، فنُسب إليها، وحالف المقدادُ الأسودَ بنَ عبدِ يغوثَ بنِ وهب بن مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة الزهريَّ، فقيل للمقداد: الزهري، ومن هنا عُلم سبب اشتهاره بابن الأسود، للحلف المذكور. أسلم ﵁ قديماً، شهد بدراً، ولم يثبت أنه شهدها مع النبي ﷺ فارسٌ غيرُه، وقد قيل: بل الزبير أيضاً كان فارساً، وشهد المقداد أحُداً، والمشاهدَ كلَّها، وكان من الفضلاء النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 388

روى عنه: عليٌّ، وغيره من الصحابة. رُوي له اثنان وأربعون حديثاً، اتفقا على واحد، ولمسلمٍ ثلاثة، مات بالجُرُف -بضم الجيم والراء - على ثلاثة أميال من المدينة، وقيل: عشرة أميال، فحمل على رقاب الناس، ودُفن بالبقيع، سنة ثلاثٍ وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان ﵁ (١). (فسأله)؛ أي: سأل المقدادُ النبيَّ ﷺ عن حكم المذي. ووقع في رواية لأبي داود، والنسائي، وابن خزيمة ذكرُ سبب سؤاله، من طريق حصين بن قَبيصة، عن علي ﵁، قال: كنت رجلاً مذاءً، فجعلتُ أغتسل منه في الشتاء، حتى تشقَّق ظهري، فقال النبي ﷺ : "لا تفعل" (٢). ووقع في رواية النسائي: أن علياً قال: أمرتُ عماراً أن يسأل (٣)، وفي

стр. 389

رواية لابن حبان والإسماعيلي: أن علياً قال: سألتُ (١)، وجمع ابنُ حِبَّانَ بين هذا الاختلاف أن علياً أمر عماراً أن يسأل، ثم أمر المقدادَ بذلك، ثم سأل بنفسه، وهو جمع جيد لولا آخره؛ لأنه ينافي قوله: إنه استحى من السؤال بنفسه لأجل فاطمة، فيتعين حملُه بأن بعض الرواة أطلق أنه سأله؛ لكونه الآمرَ بذلك (٢)، وبه جزم الإسماعيلي، ثم النووي (٣)، ويؤيده أنه أمر كلاً من المقداد وعمارٍ بالسؤال عن ذلك ما رواه عبد الرزاق، من طريق عائش بن أنس، قال: تذاكر عليٌّ والمقدادُ وعمارٌ المذيَ، فقال علي: إنني رجلٌ مذاءٌ، فاسألا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فسأله أحد الرجلين (٤). وصحح ابن بشكوال أن الذي تولى السؤال عن ذلك المقدادُ (٥). وعلى هذا، فنسبة عمار إلى أنه سألَ عن ذلك محمولةٌ على المجاز؛ لكونه قصده، لكن تولى المقداد الخطابَ دونه (٦) (فقال) ﷺ مجيباً لسؤال المقداد: (يغسل ذَكَرَه)؛ أي: عليٌّ، إن كان أفصحَ بذكره. والأظهر: ما في رواية لمسلم من طريق ابن عباس ﵄، عن علي ﵁: فسأله عن المذي يخرج من الإنسان (٧)، وفي

стр. 390

"الموطأ" نحوه (١)، (ويتوضأ)؛ لأنه نجاسةٌ خارجةٌ من أحد السبيلين ناقضةٌ للطهارة الصغرى. وفيه دليل على عدم وجوب الغسل منه، وأنه نجسٌ؛ للأمر بغسل الذَّكَر منه. قال الحافظ - رحمه الله تعالى -: (ولـ) ـلإمام (البخاري): أنه ﷺ قال للمقداد بن الأسود ﵁ بصيغة الخطاب، والمراد: ما يعمم كلَّ من خرج منه المذي: (اغسلْ ذَكَرَكَ)، وظاهره: ولو لم يصبه من الخارج شيء، وأنه لكل الذكر، (وتوضَّأْ)، والذي في نسخ البخاري: "توضأ، واغسلْ ذكرك" بتقديم الأمر بالوضوء على غَسل الذكر، وفي "شرح البخاري": وقع في "العمدة": تقديمُ غسل الذكر على الوضوء، ونسبه للبخاري، لكن الواو لا تفيد الترتيب، فالمعنى واحد، وهي رواية الإسماعيلي، فيجوز تقديمُ الوضوء على غسله، لكن من يقول: إن مس الذكر ينقض الوضوء، يشترط أن يكون ذلك بحائل (٢). (ولـ) لإمام (مسلم) بلفظ: (توضأ، وانضَحْ فَرْجَك). قال الحافظ عبد الحق في "الجمع بين الصحيحين": لم يذكر البخاري النضحَ (٣). قال في "النهاية": الانتضاح بالماء: هو أن يأخذ قليلاً من الماء، فيبرش به مذاكيره، وهذا قاله في الانتضاح المندوب بعد الاستنجاء لدفع
следующие страницы →