قال الجمهور: يوجبه، وخالفهم أبو حنيفة، فأوجب عليه دية مغلظة، والحديث حجة عليه.
وأجاب العيني عن ذلك بأنه إنما أمر ﵇ بقتل اليهودي؛ لأنه كان ساعيًا في الأرض بالفساد، فقُتل سياسة، فأورد عليه بأنه لو قتل لسعيه في الأرض بالفساد، لما قتل مماثلة برض رأسه بين الحجرين، وكان يجب أن يكون بالسيف في العنق، وأجاب: بأنه إنما قتل كذلك؛ لأنه كان قبل تحريم المثلة، فلما حرمت، نسخت، فكان القتل بعد ذلك بالسيف (١). ولا يخفى أنها دعوى بلا برهان.
ثم إن لنا عليه هذه الرواية التي في مسلم، والنسائي من حديث أنس حيث قال: فأقاده بها، فهذا خبر صحيح، وهذا بمدعانا صريح، والله أعلم.
ومن أوجب كونَ القود بالسيف، أجاب عن الحديث المذكور أنه ﷺ رأى أن ذلك القاتل يجب قتله لله -تعالى- وللقود إذا كان إنما قتل على مال، كما يجب دم قاطع الطريق لله -تعالى-، فكان له أن يقتله كيف شاء بسيف أو بغيره، وقد ذكرنا أنه روي أنه أمر به ﵇ أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات، فدلّ أن قتل القاتل لا يتعين فيه التماثل (٢).
والذي أجاب به علماؤنا: أن ذلك كان حين كانت المثلة مباحة كما فعل ﵇ بالعرنيين (٣)، ثم نسخت بعد ذلك، ونهى عنها ﵇.
стр. 3257
وأما إن قتله بمحرَّم في نفسه كتجريع الخمر واللواط ونحوه، قتل بالسيف، رواية واحدة، وهو متفق عليه بين الأئمة، فلا يفعل به كفعله (١).
نعم حكي عن بعض الشافعية فيمن قتله باللواط: أنه يُدخل في دبره خشبة يقتله بها، وفيمن قتله بتجريع الخمر يجرعه الماء حتى يموت (٢).
ولا ريب أن هذا -ولاسيما إدخال الخشبة في دبره- أمر مستبشَع، فلا تكاد تأتي الشريعة بمثله، والله -تعالى- أعلم.
(عن أبي هريرة) عبدِ الرحمنِ بنِ صخرٍ (﵁ قال: لما فتح الله) (على رسوله) محمدٍ ( ﷺ مكة) المشرفة، وكان ذلك في شهر رمضان في الثامنة (قتلت هذيل) كذا قال المصنف -رحمه الله تعالى-، وهو سبق قلم، أو وهم، والصواب: (قتلت هذيل رجلًا من بني ليث) كما في "الصحيحين" وغيرهما (بقتيل كلان لهم)؛ أي: لخزاعة (في الجاهلية) قبل الإسلام.
قال البرماوي: يؤخذ تعيين القاتل والمقتول به مما روى ابن إسحاق: أن خِراشًا -بكسر الخاء المعجمة وآخره شين معجمة- بن أميةَ من خزاعة قتل ابنَ الأدلع الهذلي وهو مشرك بقتيل قتل في الجاهلية يقال له أحمر بأسًا، انتهى (١).
واسم ابن الأدلع: جُنْدُب -بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة فموحدة-، فقد روى الشيخان، والترمذي عن أبي شريح
стр. 3260
خويلد بن عمرو العدوي (١)، والشيخان عن ابن عباس (٢)، والإمامُ أحمد، وابنُ منيع بسندٍ صحيح، والبيهقي عن ابن عمر (٣)، وابنُ أبي شيبة، والشيخان عن أبي هريرة (٤) ﵃، قالوا: لما كان الغد من يوم الفتح، عدت خزاعةُ على رجل من هذيل، فقتلوه وهو مشرك، (فقام رسول الله ﷺ ) في الناس خطيبًا بعد الظهر، فأسند ظهره إلى الكعبة.
وعند ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة ﵁: أنه ﷺ ركب راحلته، فحمد الله، وأثنى عليه (٥)، وقال: "يا أيها الناس! إن الله -تعالى- حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، ويوم خلق الشمس والقمر، ووضع هذين الجبلين، ولم يحرمهما الناس، فهي حرام إلى يوم القيامة".
قال في "الهدي" وغيره: وكان ﷺ قد حكم لخزاعة أن يبذلوا سيوفهم في بني بكر إلى صلاة العصر من يوم الفتح (٦) (فقال) ﵊: (إن الله قد حبس عن مكة) المشرفة (الفيلَ) الذي كان مع أبرهة عامل النجاشي على اليمن؛ لأن أبرهة لما رأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج بيت الله، بنى كنيسة عظيمة بصنعاء، وكتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يُبن لملك مثلُها، ولست منتهيًا حتى أصرف إليها حجَّ العرب، فسمع به رجل من بني
стр. 3261
مالك بنِ النضر بنِ كنانة، فخرج إليها، فدخلها ليلًا، فصعد فيها ولطخ بالعذرة قِبلتَها، فبلغ ذلك أبرهةَ، فقال: من اجترأ عليّ؟ فقيل: صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت لما سمع الذي قلت، فحلف أبرهةُ عند ذلك ليسيرنَّ إلى الكعبة حتى يهدمها، فكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، وسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان له فيل يقال له: محمود، وكان فيلًا لم يُر مثلُه، جسيمًا عظيمًا ذا قوة، فبعث به إليه، فخرج أبرهة في الحبشة سائرًا إلى مكة ومعه الفيل، فسمعت العرب بذلك، فأعظموه، ورأوا جهاده حقًا عليهم، فقاتلهم ملك من ملوك اليمن يقال له: ذو نفر بمن أطاعه من قومه، فهزمهم أبرهة، وأُخذ ذو نفر، فقال له: أيها الملك! لا تقتلني، فإن استبقائي خير لك من قتلي، فاستحياه، وأوثقه، وكان أبرهة رجلًا حليمًا، ثم سار حتى دنا من بلاد خثعم، فخرج نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم، ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه، فهزمهم، وأُخذ نفيل، فقال نفيل: أيها الملك! إني دليل بأرض العرب، فهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة، فاستبقاه، وخرج معه يديه، حتى إذا مر بالطائف، خرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف، فقال: أيها الملك! نحن عبيدك، ليس لك عندي خلاف، إنما تريد البيت بمكة، نحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه أبا رغال مولَى لهم، فخرج حتى إذا كان بالمغمس، مات أبو رغال، وهو الذي يُرجم قبره، وبعث أبرهة من المغمس رجلًا من الحبشة يقال له: الأسود بن المقصور على مقدمة خيله، وأمره بالغارة على نَعَم الناس، فجمع الأسود إليه أموال الحرم، وأصاب لعبد المطلب مئتي بعير، ثم إن أبرهة بعث حباطة العميري إلى أهل مكة، فقال: سل عن شريفها، ثم أبلغه أني لم آتِ لقتال، إنما جئت لأهدمَ هذا البيت، فأنطلق
стр. 3262
حتى دخل مكة، [فلقي] (١) عبد المطلب بن هاشم، فقال: إن الملك أرسلني إليك لأخبرك بأنه لم يأت لقتال إلا أن تقاتلوه، إنما جاء لهدم هذا البيت، ثم الانصراف عنكم، فقال عبد المطلب: ما له عندنا قتال، ولا لنا به يَدان، سنُخلي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت الله الحرام وبيتُ خليله إبراهيم ﵊، فإن منعه، فهو بيته وحرمه، وإن يُخَلِّ بينه وبين ذلك، فو الله! ما لنا به قوة، قال: فانطلقْ معي إلى الملك.
قال بعض أهل العلم: إنه أردفه على بغلة كان عليها، وركب معه بعضُ بنيه حتى قدم المعسكر، وكان ذو نفر صديقًا لعبد المطلب، فأتاه فقال: يا ذا نفر! هل عندك من غَناءٍ بما نزل بنا؟ فقال: ما غَناءُ رجل أسيرٍ لا يأمن أن يُقتل بكرة أو عشيًا؟ ولكن سأبعث لك إلى أنيس سائس الفيل، فإنه في صديق، فاسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير، ويعظم خطرك ومنزلتك عنده، قال: فأرسل إلى أنيس، فأتاه، فقال له: إن هذا سيد قريش، وصاحب عير مكة الذي يُطعم الناس في السهل، والوحوشَ في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مئتي بعير، فإن استطعت أن تنفعه عنده، فانفعه؛ فإنه صديق لي، أحب ما وصل إليه من الخير.
فدخل أنيس على أبرهة، فقال له: أيها الملك! هذا سيد قريش، وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل، والوحوش في رؤوس الجبال، يستأذن عليك، وأنا أحبُّ أن تأذن له فيكلّمك، وقد جاء غيرَ ناصبٍ لك، ولا مخالف عليك، فأذن له.
وكان عبد المطلب رجلًا جسيمًا وسيمًا، فلما رآه أبرهة، أعظمه، وأكرمه، وكره أن يجلس معه على سريره، أو أن يجلس تحته، فهبط إلى
стр. 3263
البساط، فجلس عليه، ثم دعاه وأجلسه معه، ثم قال لترجمانه: ما حاجتُك إلى الملك، فقال له الترجمان ذلك، فقال عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يردّ إليَّ مئتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنتَ أعجبتني حين رأيتُك، ولقد زهدتُ فيك، قال: لِمَ؟ قال: جئتُ لبيت هو دينك ودين آبائك، وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمَه، لمْ تكلمْني فيه، وتكلمُني في مئتي بعير أصبتُها؟! قال عبد المطلب: أنا ربُّ هذه الإبل، ولهذا البيت ربّ سيمنعه [منك] (١)، قال: ما كان ليمنعه مني، قال: فأنت وذاك، فأمر بإبله فردّت إليه، فلما ردّت الإبل إلى عبد المطلب، خرج فأخبر قريشًا الخبر، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب، ويتحرزوا في رؤوس الجبال تخوفًا عليهم من معرّة الجيش، ففعلوا، وأتى عبدُ المطلب الكعبةَ، فأخذ بحلقة الباب، وجعل يقول: [من الرجز]
يَا رَبِّ لاَ أَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ... يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمُ حِمَاكَا
إِنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَنْ عَادَاكَا ... امْنَعْهُمُ أَنْ يُخْرِبُوا حِمَاكَا
ثم إن عبد المطلب توجه مع قومه، وأصبح أبرهة بالمغمس قد تهيأ للدخول، وعبأ جيشه، وهيأ فيله، وكان فيلًا لم يُر مثلُه في العظم والقوة، ويقال: كان معه اثنا عشر فيلًا، فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم، فأخذ بأذنه وقال: ابرك محمود وارجع راشدًا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، فبرك الفيل، فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه فأبى، فأدخلوا محاجنهم تحت مراقه ومرافقه فنزعوه ليقوم فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، وصرفوه إلى الحرم، فبرك وأبى أن يقوم،
стр. 3264
وخرج نفيل يشتد حتى أصعد في الجبل، فأرسل الله طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، حجرانِ في رجليه، وحجرٌ في منقاره أمثال الحِمِّص والعدس، فلما غشين القوم، أرسلتها عليهم، فلم تصب تلك الحجارة أحدًا إلا هلك، وليست كلَّ القوم أصابت، وخرجوا هاربين لا يهتدون إلى الطريق الذي منه جاؤوا، يتساءلون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، ونفيل ينظر إليهم من بعض تلك الجبال، وصرخ القوم، وماج بعضهم في بعض يتساقطون بكل طريق، ويهلكون كل مهلك، وبعث الله على أبرهة داء في جسده، فجعل تتساقط أنامله، كما سقطت أنملة، أتبعها مِدَّة من قيح ودم، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطير فيمن بقي من أصحابه، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، ثم هلك.
قال الواقدي: فأما محمود فيلُ النجاشي، فربض، ولم يجسر على الحرم، فنجا، والفيل الآخر شَجُع؛ أي: جَسُرَ، فحُصب، أي: رُمي بالحصباء، رواه ابن إسحاق عن بعض أهل العلم، عن سعيد بن جبير، وعكرمة، عن ابن عباس ﵄، وهو المشار إليه بقوله -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] السورة، وكان ذلك قبل مولد النّبيّ ﷺ ، والمشهور أنه كان في العام الذي ولد وفيه ﷺ .
قال مقاتل: كان معهم فيل واحد، وقال الضحاك: كانت ثمانية، وقيل: اثنا عشر سوى الفيل الأعظم (١)، (وسلط عليها)؛ أي: على مكة
стр. 3265
المشرفة (رسولَه) محمدًا ﷺ (و) أصحابه (المؤمنين)، فلم يحبسهم عنها كما حبس الفيل وأصحابه؛ لأن مقصود أصحاب الفيل الفساد والإفساد، فهم محاربون لله ولبيته وأهله، ومقصود الرسول والمؤمنين استنقاذ بيته المعظّم من أيدي عبدة الأوثان والأصنام، وما كانوا يصنعون فيه وعليه من الأنصاب والأزلام، فالله أذن لرسوله، ولم يأذن
لغيره.
(وإنها) أي: مكة -زادها الله تشريفًا وتعظيمًا- (لم تحلَّ لأحد) من الخلق كان (قبلي ولا تحل لأحد) من الخلق يأتي من (بعدي، وإنما أحلت) مكة المشرفة (لي ساعة من نهار)، وكانت تلك المدةُ التي أُحلت له المعبر عنها بالسّاعة من صبيحة يوم الفتح إلى العصر كما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ (١) - كما تقدم عن صاحب "الهدي" -أيضًا-، وتقدم في كتاب: الحج مفصلًا.
(وإنها ساعتي هذه) التي أُحلت في ولمن أطلقْتُ سيفَه فيها بعد مقامي هذا (حرام)، أي: عادت حرامًا كما كانت، (لا يعُضد) -بضم أوله وفتح ما قبل آخره- مبنيًا لما لم يسمَّ فاعله، (شجرُها) -بالرفع-: نائب الفاعل؛ أي: لا يُقطع، يقال: عضدت الشجر أعضده عَضْدًا، فالعَضَد -بالتحريك-: المعضود، ومنه الحديث: "لوددتُ أني شجرةٌ تُعضد" (٢)،
стр. 3266
وفي حديث طهفة: ونستعضد البرير (١)، يعني: ثمر الأراك؛ أي: نقطعه ونجنيه من شجره للأكل (٢).
(ولا يُخْتلى) أي: يُقطع، ويُحش (شوكها) أي: مكة، يعني: حرمها.
قال في "الفروع": يحرم قلع الشجر إجماعًا، ونباته، حتى الشوك، خلافًا للشافعي، إلا اليابس، فإنه كالميت (٣).
(ولا تُلتقط ساقطتُها)؛ أي: مكة، يعني: حرمها، (إلا لمُنْشِد) عنها لأجل التعريف، فإذا عرفها التعريفَ الشرعيَّ، ملكها كسائر اللقط، هذا معتمد مذهبنا، كالحنفية والمالكية، فلا خصوصية للقطة الحرم.
وقال الشافعية: لا يملكها، وعليه أن يعرِّفها أبدًا، فلا تُلتقط القطة الحرم إلا لمجرد التعريف، واستدلوا بهذا الحديث ونحوه، قالوا: لأن الكلام ورد مورد الفضائل المختصة بها، كتحريم صيدها، وقطع شجرها، فإذا سوينا بين لُقطة الحرم وغيره من البلاد، بقي ذكر اللقطة في هذا الحديث خالٍ عن الفائدة، وهذه رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من متأخري علمائنا (٤).
(ومن قُتل لَهُ) -بضم القاف وكسر المثناة تحت- مبنيًا للمفعول، (قتيل) نائب الفاعل، (فهو)؛ أي: وليُّ المقتول، (بخير النظرين) أراد بالنظر هنا:
стр. 3267
الرأي، فهو مخير (إما أن يقتل) الذي قتل موليه قصاصًا حيث كان كُفئًا له، (وإما أن يُفدى) -بضم الياء المثناة تحت- من أفدى، يقال: أفدى الأسير: قبل منه فديته، ويقال: فاداه يفاديه مفاداة: إذا أعطى فداءه وأنقذه (١).
وفي رواية في "الصحيحين": "فهو بخير النظرين، إما أن يعطي الدية، وإما أن يقاد أهل القتيل" (٢).
وفي "السنن" عن أبي شريح الخزاعي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصيب بدمٍ أو خبل"، والخبل: الجراح، "فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة، فخذوا علي يديه: أن يقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية، فمن فعل شيئًا من ذلك، فعاد، فله نارُ جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا" رواه الإمام أحمد، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (٣).
وعن ابن عباس ﵄، قال: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال الله -تعالى- لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] الآية، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، قال: العفو: أن يقبل في العمد الدية، والاتباع بالمعروف: أن يتبع الطالب بمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ
стр. 3268
رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فيما كتب على من كان قبلكم. رواه البخاري، والنسائي، والدارقطني (١).
والحاصل: أن القتل ثلاثة أنواع:
أحدها: العمد المحض، وهو أن يقصد من يعلمه معصومًا بما يقتل غالبًا، سواء كان يقتل بحده، كالسيف ونحوه، أو بثقله، كالسندان والحجر الكبير، أو بغير ذلك، كالتحريق، والتغريق، والإلقاء من مكان شاهق، والخنق، وإمساك الخصيتين حتى تخرج الروح، وسقيِ السموم، ونحو ذلك من الأفعال، فهذا إذا فعله، وجب فيه القَوَد، وهو أن يمكن أولياء المقتول من القاتل، فإن أحبوا، قتلوا، وإن أحبوا، عفوا، وإن أحبوا، أخذوا الدية، وليس لهم أن يقتلوا غير قاتله، قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء: ٣٣]، قيل في التفسير: لا يقتل غير قاتله (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في [كتابه] (٣) "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية": من قتل بعد العفو، أو بعد أخذ الدية، فهو أعظم جرمًا ممن قتل ابتداء، حتى قال بعض العلماء: إنه يجب قتلُه حدًا، ولا يكون أمره لأولياء المقتول.
стр. 3269
وقال: في قوله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]: إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ حتى يؤثروا أن يقتلوا القاتل وأولياءه، وربما لم يرضوا بقتل القاتل، بل يقتلون كثيرًا من أصحاب القاتل، كسيد القبيلة، ومقدَّم الطائفة، فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء، ويعتدي هؤلاء في الاستيفاء كما كان يفعله أهل الجاهلية، وكما يفعله الخارجون عن الشريعة في هذه الأوقات من الأعراب والحاضرة وغيرهم، وقد يستعظمون قتل القاتل لكونه عظيمًا أشرفَ من المقتول، فيفضي ذلك إلى أن أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل، وربما حالف هؤلاء قومًا، واستعانوا بهم، وهؤلاء قومًا، فيفضي إلى الفتن والعداوات العظيمة، وسبب ذلك كله خروجهم عن سنن العدل الذي هو القصاص في القتلى، فكتب علينا القصاص، وهو المساواة والمعادلة في القتلى، وأخبر أن فيه حياةً، فإنه يحقن دمَ غيرِ القاتل من أولياء الرجلين، وأيضًا إذا عَلم من يريد القتل أنه يُقتل، كفَّ عن القتل.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما من حديث علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه- من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن رسول ﷺ قال: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم وأموالهم، وهم يدٌ على مَنْ سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يُقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (١)، فقضى ﵊ أن المسلمين تتكافأ
دماؤهم؛ أي: تتساوى وتتعادل، فلا يفصّل عربي على عجمي، ولا قرشي أو هاشمي على غيره من المسلمين، ولا حر أصلي على مولى عتيق،
стр. 3270
ولا عالم أو أمير على أميّ أو مأمور، وهذا متفق عليه بين المسلمين، بخلاف ما كان عليه الجاهلية وحكام اليهود، فإن بني النضير كانت تتفضل على قريظة في الدماء، فتحاكموا إلى رسول الله ﷺ في ذلك، وفي حد الزنا، فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] الآيات (١).
(فقام رجل) لما سمع خطبة النّبيّ ﷺ (من أهل اليمن يقال له)؛ أي: لذلك الرجل الذي قام: (أبو شاه) -بالهاء- في الوقف والدرج، ولا يقال -بالتاء-، خلافًا لما قاله ابن دحية، ونقل عن الحافظ الدمياطي أنه -بالتاء مفتوحة-.
قال النووي: لاخلاف أنه بالهاء في آخره (٢)، فلا يغتر بكثرة من يُصَحِّفه ممن لا يأخذ العلم على وجهه ومن مَظانِّه (٣)، ومثله شاه الكرماني الصوفي الزاهد، هو -بالهاء- في الوقف والدرج.
قال البرماوي: وأبو شاه هذا لا يعرف اسمُه، ولا يعرف له غيرُ هذه القصة (٤).
(فقال) أبو شاه للنبي ﷺ : (يا رسولَ الله! اكتبوا لي)؛ أي: ما قُلْتَه في هذه الخطبة من الحكم في حرمة مكة والحرم، ومن حكم الدماء، (فقال رسول الله ﷺ : اكتبوا لأبي شاه) ما طلبه، (ثم قام العباس) ﵁
стр. 3271
(فقال: يا رسول الله! إلا الإذخِرَ)، فإنا لا غنى لنا عنه، (فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا) ليلقَى التراب، (فقال رسول الله ﷺ : إلا الإذخر)، فهو مستثنى من نبات الحرم -كما تقدم في الحج-، والله أعلم.
تنبيهان:
الأول: يعتبر للقصاص شروط:
منها: كون الجاني مكلفًا، وكون المقتول معصومًا، فلا قصاص ولا دية ولا كفارة في قتل حربي ولا مرتد قبل توبته، ولا زانٍ محصن ولو قبل ثبوته عند حاكم، ولا محارب تحتَّمَ قتلُه.
ومنها: أن يكون المجني عليه مكافِئًا للجاني، وهو أن يساويه في الدين والحرية والرق، فلا يقتل المسلم بالكافر، ولو ذميًا (١).
وفي "مسند الإمام أحمد"، و"صحيح البخاري"، وفي "سنن أبي داود"، والترمذي، والنسائي من حديث أبي جُحيفة، قال: قلت لعلي ﵁: هل عندكم شيء من الوحي ما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقلُ، وفكاكُ الأسير، وأَلَّا يقتل مسلم بكافر (٢).
стр. 3272
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث علي ﵁ مرفوعًا: "ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (١).
وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن النّبيّ ﷺ قضى ألَّا يقتل مسلم بكافر (٢)، وتقدم، وكذا لا يقتل الحر بالرقيق كما تقدم الكلام على ذلك.
ومنها: ألَّا يكون القاتل أبًا -كما تقدم-.
فمتى ورث ولدُ القاتل القصاص، أو شيئًا منه، أو ورث القاتل شيئًا من دمه، سقط القصاص، فلو قتل أحد الزوجين صاحبه، ولهما ولد، لم يجب القصاص؛ لأنه لو وجب، لوجب لولده، ولا يجب للولد قصاصٌ على أبيه؛ لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه، فلأن لا يجب بالجناية على غيره أولى، وسواء كان له من يشاركه في الميراث، أو لم يكن؛ لأنه لو ثبت القصاص، لوجب له جزء منه، ولا يمكن وجوبه، وإذا لم يثبت بعضه، سقط كله؛ لأنه لا يتبعض، وصار كما لو عفا بعضُ مستحقي القصاص عن نصيبه منه، فإن لم يكن للمقتول ولد منها، وجب القصاص في قول أكثر أهل العلم، منهم: عمر بن عبد العزيز، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وقال الزهريّ؟: لا يقتل الزوج بامرأته؛ لأنه ملكها بعقد النكاح أشبه الأمة (٣).
والمعتمد: وجوب القصاص، لوجود المكافأة، وقوله: إنه ملكها غيرُ صحيح، وإنما ملك الانتفاع بالبضع، والانتفاع بها من أنواع التمتع.
стр. 3273
الثاني: أجمع أهل العلم على أن الحر المسلم يقاد به قاتله، وإن كأن مجدَّعَ الأطراف معدومَ الحواس، والقاتلُ صحيح سويُّ الخلق، أو كان بالعكس، وكذلك إن تفاوتا في العلم والشرف، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف، والكبر والصغر.
ويجري القصاص بين الولاة والعمالك وبين رعيتهم (١)، لعموم الآيات والأخبار، وليس في هذا خلاف بين أئمة المسلمين، والله -تعالى- الموفق.
стр. 3274
الحديث السادس
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁: أَنّهُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي إِمْلاَصِ المَرْأَةِ، فَقَالَ المُغِيرَةُ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قضَى فِيهِ بغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، فَقَالَ: لَتأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، فَشَهِدَ مَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ (١).
إمْلاصُ المَرْأَةِ: أن تُلقي بجنينها حيًّا.
* * *
(عن) أمير المؤمنين أبي حفص (عمر بن الخطاب ﵁: أنه)؛ أي: عمر -رضوان الله عليه- في أيام خلافته (استشار الناس) من
стр. 3275
علماء أصحاب رسول الله ﷺ ، و -رضي عنهم- (في إملاص المرأة) جنينَها، وهو أن يزلق الجنين قبل وقت الولادة، وكل ما أزلق من اليد، فقد ملص، وأَمْلَصَ، وأملصته أنا (١)، والمراد: إسقاطُها الجنين قبل أوان ولادته، (فقال المغيرة بن شعبة) الثقفيُّ الصحابيُّ ﵁ وتقدمت ترجمته في المسح على الخفين: (شهدت النّبيّ ﷺ قضى فيه)؛ أي: في إملاص المرأة؛ أي: جنينَها (بغرة) على الجاني عليها حتى أملصها (عبدٍ أو أمةٍ) -بالجر- بدل من غرة، وأصل الغرة: البياض الذي يكون في وجه الفرس، ولهذا كان يقول أبو عمرو بن العلاء: الغرةُ: عبد أبيض، أو أمة
بيضاء، وإنما سمي غرة، لبياضه، فكان يقول: لا يُقبل في الدية عبدٌ أسود، ولا جارية سوداء، وليس ذلك شرطًا عند الفقهاء، وإنما الغرة عندهم، من بلغ ثمنُه نصفَ عشرِ دية أمه (٢)؛ أي: الجنين من العبيد والإماء.
(فقال) سيدنا عمر ﵁ للمغيرة بن شعبة ﵁: (لتأتينَّ بمن) أي: بأحد من أصحاب النّبيّ ﷺ (يشهد معك) على ما زعمتَهُ، واللام في: (لتأتينّ) موطِّئة للقسم، (فشهد له)؛ أي: لعمر ﵁ مع المغيرة بن شعبة (محمدُ بنُ مسلمة)؛ أي: شهد أن رسول الله ﷺ قضى في إملاص المرأة بغرة، ومحمد بن مسلمة بن خالد البكري الأنصاري حليفُ بني عبد الأشهل، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وقيل: إنه استخلفه ﷺ على المدينة عام تبوك، اعتزل الفتنة، وأقام بالربذة، ومات بالمدينة في شهر صفر سنة ثلاث وأربعين،
стр. 3276
وقيل: سنة سبع وأربعين، وهو ابن سبع وسبعين، وصلى عليه مروان وهو يومئذٍ أمير المدينة (١).
قال الحافظ المصنف ﵀ ورضي عنه-: (إملاصُ المرأة): هو (أن تلقي بجنينها حيًا).
قال في "المقنع": دية الجنين الحر المسلم إذا أسقط ميتًا غرةٌ عبدٌ أو أَمَةٌ قيمتُها خمسٌ من الإبل موروثةٌ عنه، ذكرًا كان أو أنثى.
يقال: غرة عبد بالصفة وبالإضافة، قال: والصفة أحسن؛ لأن الغرة اسم للعبد نفسه، قال مهلهل: [من الرجز]
كُلُّ قَتِيلٍ فِي كُلَيْبٍ غُرَّهْ ... حَتَّى يَنَالَ القَتْلُ آلَ مُرَّهْ (٢)
قال في "شرح المقنع": في جنين الحرة المسلمة غيرةٌ، وعبارة المتن
стр. 3277
أشملُ وأحسن، قال: وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: عمر بن الخطاب ﵁، وعطاء، والشعبي، والنخعي، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وإنما سميت غرة؛ لأن العبد والأمة من أنفس الأموال.
والأصل في الغرة: الخيار، فإن قيل: فقد روي في هذا الخبر: أو فرسٌ أو بغلٌ (١)، فالجواب: إن هذا لم يثبت، ووهم فيه عيسى بن يونس كما قاله أهل النقل.
ولابد من وجوب الغرة أن يسقط الجنين من الضربة، ويُعلم ذلك بأن تُسقط عقب الضرب، أو تبقى الأم متألمة منها إلى أن تُسقط، ولا فرق في إلقائها إياه في حياتها، أو بعد موتها، وبهذا قال الشافعي.
وقال مالك، وأبو حنيفة: إن ألقته بعد موتها، لم يضمنه؛ لأنه يجري مجرى أعضائها، وبموتها سقط حكم أعضائها.
ولنا: أنه جنين سقط بجنايته، وعلم ذلك بخروجه، كما لو سقط في حياتها، ولأنه لو سقط حيًا، ضمنه، فكذا إذا سقط ميتًا، كما لو أسقطته في حياتها، وما ذكروه غير صحيح؛ لأنه لو كان كذلك، لكان إذا سقط ميتًا، ثم ماتت، لم يضمنه، كأعضائها.
стр. 3278
فإن ظهر بعضُه من بطن أمه، ولم يخرج باقيه، ففيه الغرة، وبه قال الشافعي.
وقال مالك، وابن المنذر: لا تجب الغرة حتى تلقيه؛ لأنه ﷺ إنما أوجبها في الجنين الذي ألقته المرأة، وهذه لم تلق شيئًا، أشبهَ ما لو لم يظهر منه شيء.
ولنا: أنه قاتل لجنينها، فلزمته الغرة كما لو ظهر جميعه، ويفارق ما لو لم يظهر منه شيء، فإنه لم يتيقن قتلُه ولا وجوده، وكذا الحكم إن ألقت يدًا أو رجلًا أو رأسًا أو جزءًا من أجزاء الآدمي؛ لأنا تيقنا أنه من جنين، وإن ألقت رأسين ونحوهما، لم يجب أكثرُ من غرة، لجواز كونهما من جنين واحد، فلم تجب الزيادة مع وجود الاحتمال؛ لأن الأصل براءة الذمة، فإن أسقطت ما ليس فيه صورة آدمي، فلا شيء فيه؛ لأنه لا يعلم أنه جنين، وإن ألقت مضغة، فشهد ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية، ففيه غرة، وإن شهدت أنه مبدأ خلق إنسان لو بقي تصور، فلا شيء فيه، على الأصح (١).
قلت: ومعتمد المذهب: يقبل قول ثقة واحدة -كما مر-.
تنبيهان:
الأول: معتمد المذهب: كونُ الغرة عبدًا أو أَمَةً، وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال عروة، وطاوس، ومجاهد: عبد أو أمة أو فرس؛ لأن الغرة اسم لذلك، وقد جاء في حديث أبي هريرة، قال: قضى رسول الله ﷺ في
стр. 3279
الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو يغل (١)، وتقدم أنه لم يصح.
وجعل ابن سيرين مكان الفرس مئة شاة، ونحوه قال الشعبي؛ لأنه روي في حديث النّبيّ ﷺ : أنه جعل في ولدها مئة شاة، رواه أبو داود (٢).
وروي عن عبد الملك بن مروان: أنه قضى في الجنين إذا أملص بعشرين دينارًا، فإذا كان مضغة فأربعين، فإن كان علقة فستين، فإذا كأن عظمًا قد كسي لحمًا، فثمانين، فإن تم خلقه وكسي شعره، فمئة دينار (٣).
وقال قتادة: إذا كان علقة، فثلث غرة، وإذا كان مضغة، فثلثي غرة (٤).
والحق الصريح ما ثبت في "الصحيح"، وسنّةُ النّبيّ ﷺ قاضية على من خالفها، وتقدم أن ذكر الفرس والبغل وهم انفرد به عيسى بن يونس عن سائر الرواة، وهو متروك في البغل بغير خلاف، فكذلك في الفرس.
وقول عبد الملك بن مروان بحكم بتقدير لم يرد به الشرع، وكذلك قتادة، نعم، إن دفع بدل الغرة، ورضي المدفوعُ إليه، جاز؛ لأنه حق لآدمي، فجاز ما تراضيا عليه، أيهما قبل البدل، فله ذلك؛ لأن الحق فيها لهما فلا يقبل بدلها إلا برضاهما (٥).
الثاني: إن كانت أم الجنين أَمَةً، وهو حر، فتقدر حرة، أو كانت ذمية حاملًا من ذمي ومات على أصلنا، فتقدر مسلمة؛ لأنا حكمنا بإسلامه على أصلنا.
стр. 3280
ولا يقبل في الغرة خنثى، ولا خصي ونحوه، وإن كثرت قيمته، ولا مَعيبٌ بعيب يُرد في البيع، ولا هرمة، ولا مَنْ دون سبع سنين، وإن كان الجنين مملوكًا، ففيه عُشر قيمة أمه يوم الجناية نقدًا، ومع سلامته وعيبها تعتبر سليمة.
وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: يجب في الجنين الرقيق نصفُ عشر قيمته إذا كان ذكرًا، وعشرُ قيمته إن كان أنثى؛ لأن الغرة الواجبة في جنين الحرة هي نصف عشر دية الرجل، وعشر دية الأنثى، وهذا متلف، فاعتباره بنفسه أولى من اعتباره بأمه، ولأنه جنين مصون تلف بالضربة، فكان فيه نصفُ الواجب فيه إذا كان ذكرًا كبيرًا، أو عشر الواجب إذا كان أنثى، كجنين الحرة (١)، والله أعلم.
(عن أبي هريرة ﵁، قال: اقتتلت امرأتان من هُذَيل)، قال الخطيب: إحدى المرأتين اسمُها مُليكة -بضم الميم- مصغرًا، والأخرى اسمها غُطَيف -بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة-، وقيل: أم غطيف.
قال النووي: ثم رواه -يعني: الخطيب- كذلك عن ابن عباس ﵄ في المرأتين، قال الخطيب: وروي: أن إحداهما أم عَفيف -أي: بفتح العين المهملة وكسر الفاء-، والأخرى أم مكلف (١)، (فرمت إحداهما) -هي أم عفيف بنتُ مسروح- (الأخرى بحجر) -المضروبة مُليكة بنتُ ساعدة-، وقال النووي: مليكة بنت عويمر، وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني: بنت عويم -بلا راء في آخره (٢) -، (فقتلتها)، (و) قتلت (ما)؛ أي: الجنين الذي (في بطنها، فاختصموا)؛ أي: أهلُها (إلى رسول الله ﷺ ) في ذلك، (فقضى النّبيّ ﷺ أن دية جنينها) الذي أسقطته بضربتها (غرةٌ عبدٌ أو وليدة)؛ أي: أَمَةٌ، وإن كانت كبيرة.
قال في "النهاية": وقد تطلق الوليدة على الجارية والأمةِ، وإن كانت كبيرة، ويطلق الوليد على الطفل، فَعيل بمعنى مفعول، وفي قصة فرعون مع موسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]، والأنثى: وليدة، والجمع:
стр. 3283
الولائد، ومنه: "الوليد في الجنة" (١): الذي مات وهو طفل أو سقْطٌ (٢).
(وقضى) ﷺ (بدية المرأة على عاقلتها)، ودية المرأة نصفُ دية الرجل، وديةُ الحرِّ الذكرِ المسلم مئة من الإبل، أو مئتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف مثقال ذهبًا، أو اثنا عشر ألف درهم فضة من دراهم الإسلام التي كلُّ عشرة منها سبعة مثاقيل، فهذه الخمس أصولٌ في الدية، لا حُلَلٌ، فأيها أحضرَ من لزمته الديةُ، لزم الوليَّ قبولُه، ولم يكن له المطالبةُ بغيره، سواء كان من أهل ذلك النوع، أو لم يكن؛ لأنها أصول في قضاء الواجب، يجزىء واحد منها، فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه، كخصال الكفارة، وهذا قول عمر، وعطاء، وطاوس، والفقهاء السبعة، وبه قال الثوري، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد بن عمرو بن حزم، وروي في كتابه: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن: "وإن في النفس المؤمنة مئة من الإبل، وعلى أهل الوَرِق ألفُ دينار" رواه النسائي (٣).
وروى ابن عباس ﵄: أن رجلًا من بني عدي قُتل، فجعل النّبيُّ ﷺ ديته اثني عشر ألفًا، رواه أبو داود، وابن ماجه (٤).
وروى الشعبي: أن عمر جعل على أهل الذهب ألف دينار (٥).
стр. 3284
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن عمر قام خطيبًا، فقال: ألا إن الإبل قد غلت، فقوَّمَ على أهل الذهب ألفَ دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحُلَل مئتي حُلَّة، رواه أبو داود (١).
ومعتمد المذهب: أن الحلل ليست أصلًا، وقيل: بلى، لهذا الحديث.
وعن الإمام أحمد ﵁: أن الإبل هي الأصل خاصة، وهذا ظاهر كلام الخرقي، وذكره أبو الخطاب عن الإمام أحمد، وهو قول طاوس، والشافعي، وابن المنذر (٢).
تنبيه:
دية الكتابيِّ الذَّكَرِ الحرِّ نصفُ دية المسلم الحر إن كان ذميًا، أو مستأمنًا، أو معاهدًا، ونساؤهم على النصف من دياتهم، وهو مذهب مالك -أيضًا-.
وقال أبو حنيفة: دية اليهودي والنصراني والمجوسي كدية المسلم.
وقال الشافعي: دية النصراني أربعة آلاف درهم.
ولنا: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النّبيّ ﷺ ، قال: "دية المعاهد نصف دية المسلم" (٣)، وفي لفظ: أن النّبيّ ﷺ قضى أن
стр. 3285
عقل أهل الكتاب نصفُ عقل المسلمين، رواه الإمام أحمد (١)، وفي لفظ: "دية المعاهد نصف دية الحر" (٢).
قال الخطابي: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبينُ من هذا (٣)، ولا بأس بإسناده، وقد قال به أحمد، وقول رسول الله ﷺ أولى.
وأما حديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم (٤)، فلم يذكره أهل السنن، والظاهر: أنه ليس بصحيح، قاله في "شرح المقنع".
ومذهب مالك، والشافعي في دية المجوسي ثماني مئة درهم، وكذا مذهبنا إن كان المجوسي ذميًا، أو مستأمنًا، أو معاهدًا، وكان القتل خطأ.
فأما عَبَدَة الأوثان وسائر مَنْ لا كتاب له، كالترك، ومن عبدَ ما استحسنَ، فلا دية لهم إذا لم يكن لهم أمان ولا عهد، فإن كان، فديةُ مجوسي.
ومعتمد مذهب الإمام أحمد: أن المسلم إذا قتل كافرًا، كتابيًا أو غيره حيث حقن دمه عمدًا، أُضعفت الديةُ على قاتله لإزالة القود، كما حكم عثمان ﵁، كما رواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن رجلًا قتل رجلًا من أهل الذمة، فرفع إلى عثمان، فلم يقتله، وغلّظ ألف دينار (٥)، فذهب إليه الإمام أحمد ﵁، وله نظائر في مذهبه.
стр. 3286
وذهب الجمهور إلى أن دية الذمي في العمد والخطأ واحد، لعموم الأخبار (١)، والله أعلم.
والعاقلة التي تحمل الدية عن الجاني، سواء كان الجاني ذكرًا أو أنثى: ذكورُ عصبته نسبًا وولاءً، قريبُهم وبعيدُهم، حاضرُهم وغائبُهم، صحيحُهم ومريضُهم، ولو هرمًا وزَمِنًا وأعمى، ومنهم عمودُ نسبه آباؤه وأبناؤه، ولا يعتبر أن يكونوا وارثين في الحال، بل متى كانوا يرثون لولا الحجب، عقلوا، وليس منهم الإخوة لأم، ولا سائر ذوي الأرحام، ولا الزوج، ولا الولي من أسفل، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، لما روى عمرو به. شعيب عن أبيه، عن جده، قال: قضى رسول الله ﷺ : أن عقلَ المرأة بينَ عصبتها مَنْ كانوا لا يرثون منها شيئًا إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت، فعقلُها بين ورثتها، رواه أبو داود (٢).
ولأنهم عصبة، فأشبهوا سائر العصبات، يُحَقِّقه أن العقل موضوع على التناصر، وهم من أهله.
وعن الإمام أحمد رواية ثانية: أن الآباء والأبناء ليسوا من العاقلة، وهو قول الشافعي؛ لأن النّبيّ ﷺ قضى بدية المرأة على عاقلتها (٣)، (وورثها)؛ أي: المرأة (ولدها ومن معهم)؛ أي: مع ولدها من بقية الورثة دون عصبتها الذين هم عاقلتها.
وفي رواية: ثم ماتت القاتلة، فجعل رسول الله ﷺ ميراثَها لبنيها، والعقلَ على العصبة (٤).
стр. 3287
وفي رواية عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلتها، وبرأ زوجها وولدها، قال: فقالت عاقلة المقتولة: ميراثُها لنا، فقال رسول الله ﷺ : "ميراثها لزوجها وولدها" رواه أبو داود (١).
وإذا ثبت هذا في الأولاد، قسنا عليه الوالد؛ لأنه في معناه، ولأن مال ولده ووالده كماله، ولهذا لم تقبل شهادتهم له، ولا شهادته لهما، ووجب على كل واحد منهما الإنفاق على الآخر إذا كان محتاجًا، والآخرُ موسرًا، فلا يجب في ماله دية كما لا تجب في مال القاتل (٢).
تنبيهات:
الأول: اختلفوا في ترتيب ما تحمله العاقلة، فقال أحمد، والشافعي: يبدأ بالأقرب فالأقرب، كعصبات في ميراث، لكن يؤخذ من بعيد لغيبة قريب، فإن اتسعت أموال الأقربين لها، لم يتجاوزهم، وإلا انتقل إلى من يليهم.
فعند الإمام أحمد: يبدأ بالآباء، فالأبناء، فالإخوة، فبنيهم، فالأعمام، فبنيهم، فأعمام الجد، فبنيهم كذلك، فإذا انقرض ذو نسب، فعلى المولى المعتق، فعصباته، فإن كان المعتق امرأة، حمل عنها جنايةَ عتيقها من يحمل جنايتها من عصباتها، ثم على مولى المولى، فعصباته الأقرب فالأقرب كالميراث، ولا يدخل الجاني في العاقلة، فلا يلزمه شيء مطلقًا (٣).
стр. 3288
وقال الشافعي: إن اتسعت العاقلة، لم يلزم الجانيَ شيء، وإن لم تتسع العاقلة لها، لزمه.
وقال أبو حنيفة: هو كأحد العاقلة، يلزمه ما يلزم أحدَهم.
واختلف أصحاب مالك عنه، فقال ابن القاسم كقول أبي حنيفة، وقال غيره: لا يجب على الجاني الدخول مع العاقلة.
وعلى معتمد مذهبنا: متى لم تتسع العاقلة لتحمل جميع الدية، انتقل باقي ذلك في بيت المالك، والأصل فيه حديث حويصة ومحيصة (١).
وعند الشافعي: الأقربُ الإخوةُ فبنوهم وإن نزلوا، فالأعمام فبنوهم، ويقدم مُدْلٍ بأبوين على مدلٍ بأب كالإرث، وقال أبو حنيفة: القريب والبعيد في التحمل سواء، فيقسم على جميعهم؛ لأن النّبيّ ﷺ جعل دية المقتول على عصبة القاتل (٢).
الثاني: اختلفوا فيما تحمله العاقلة، هل هو مقدَّر أو لا؟ فمعتمد مذهبنا: أن ما يحمل كل واحد من العاقلة غيرُ مقدر، ويرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم، فيحمل كل إنسان ما يسهل عليه ولا يشق، بل يحمل كل واحد على قدر ما يطيق، وهذا مذهب مالك؛ لأن التقدير إنما يثبت بالتوقيف لا بالرأي والتحكم، ولا نص من الشارع في هذه المسألة، فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم كمقادير النفقات.
وعن الإمام أحمد رواية ثانية: أنه يُفرض على الموسر نصفُ مثقال؛ لأنه أقل مالك يتقدر في الزكاة، فكان معتبرًا بها، وعلى المتوسط ربعُ مثقال؛
стр. 3289
لأن ما دون ذلك تافه، لكون اليد لا تقطع به، بدليل قول عائشة ﵂: لا تقطع في الشيء التافه، وما دون ربع دينار لا قطعَ فيه، وهذا اختيار أبي بكر، وهو مذهب الشافعي، وعندهم: الغنيُّ: من ملك آخر السنة فاضلًا عن حاجته عشرين دينارًا، والمتوسط: من ملك دونها.
وقال أبو حنيفة: أكثر ما يُجعل على الواحد أربعةُ دراهم، وليس لأقله حَدٌّ؛ لأن ذلك يجب على سبيل المواساة للقرابة، فلم يتعذر أقله، كالنفقة، قال: ويسوى بين الغني والمتوسط لذلك (١).
الثالث: فيما تحمله العاقلة: قال علماؤنا: لا تحمل العاقلة عمدًا محضًا، ولو لم يجب فيه القصاص، كالجائفة، ولا عبدًا قتل عمدًا أو خطأ، ولا طرفه ولا جنايته، ولا قيمة دابة، ولا صلح إنكار، ولا تحمل اعترافًا، بأن يقرَّ على نفسه بجناية خطأ، أو شبه عمد توجب ثلث الدية فأكثر إن لم تصدقه العاقلة، ولا تحمل العاقلة ما دون ثلث الدية الكاملة، وهي دية الحر الذكر المسلم، إلا غرةَ جنين مات مع أمه بجناية واحدة، أو بعدَ موتها لا قبلها، لنقصه عن الثلث (٢).
أما ما يجب فيه القصاص، فلا خلاف بين العلماء أن العاقلة لا تحمله، وأكثر أهل العلم على أنها لا تحمل العمدَ بحال، وحُكي عن مالك: أنها تحمل الجنايات التي لا قصاص فيها، كالمأمومة والجائفة، وهذا قول قتادة؛ لأنها جناية لا قصاص فيها، فأشبهت جناية الخطأ.
ولنا: ما روى ابن عباس ﵄: أنه قال: لا تحمل العاقلة
стр. 3290
عمدًا، ولا عبدًا، ولا صلحا، ولا اعترافا، روي عنه مرفوعًا وموقوفًا (١)، ولم يعرف له في الصحابة مخالف، فيكون إجماعًا، ولأن حمل العاقلة إنما ثبت في الخطأ، لكون الجاني معذورًا، تخفيفًا عنه، ومواساة له، والعامد غير المعذور، فلا يستحق المواساة ولا التخفيف، فلم يوجد فيه المقتضي، وبهذا فارق العمدَ الخطأ (٢).
وأما العبد، فوافق على عدم تحمل العاقلة له: الشعبيُّ، والثوريُّ، ومكحول، والنخعي، ومالك، والليث، وابن أبي ليلى، وإسحاق،
وأبو ثور.
وقال عطاء، والزهري، وحماد، وأبو حنيفة: تحمل العاقلة، وهو الأصح في مذهب الشافعي، قالوا: لأنه آدمي يجب بقتله القصاص والكفارة، فحملت العاقلة بدله، كالحر.
ووافقنا أبو حنيفة في دية أطرافه، فلم يحملها للعاقلة، وعند الشافعية: بلى، ولنا: على المذهب حديثُ ابن عباس المارُّ، ولأن الواجب فيه قيمتُه، وتختلف باختلاف صفاته، فلم تحمله العاقلة، كسائر القيم، ثم إن قياسه في مقابلة نص، فوجب طرحُه والاعتماد على النص (٣).
واختلف علماؤنا في الصلح، فقدم في "الشرح": أن معناه: أن يدعي عليه القتل، فينكره، ويصالح المدعي على مال، فلا تحمله العاقلة؛ لأنه مال ثبت بمصالحته واختياره، فلم تحمله العاقلة، كالذي ثبت باعترافه.
стр. 3291
وقال القاضي: معناه: أن يصالح الأولياء عن دم العمد إلى الدية.
والأول أولى؛ لأن العمد يستغنى عنه بذكر العمد.
وممن قال: لا تحمل العاقلة الصلح: ابن عباس، والزهري، والشعبي، والثوري، والليث، والشافعي، وقد ذكرنا حديث ابن عباس في ذلك (١).
وأما ما دون ثلث الدية، فقال بأن العاقلة لا تحمله: سعيد بن المسيب، وعطاء، ومالك، وإسحاق.
وقال الزهري: لا تحمل الثلث -أيضًا-.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: تحمل السن، والموضحة، وما فوقها، واحتج بالغرة في الجنين على العاقلة، وقيمتها نصف عشر الدية، ولا تحمل ما دون ذلك.
والصحيح عند الشافعية: أنها تحمل الكثير والقليل، كالجاني في العمد.
ولنا: ما روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: أنه قضى في الدية ألَّا يحمل منها شيء، حتى تبلغ المأمومة، ولأن مقتضى الأصل وجوبُ الضمان على الجاني؛ لأنه موجب جنايته، وبدلُ متلَفه، فكان عليه كسائر المتلفات والجنايات، وإنما خولف في الثلث تخفيفًا من الجاني، لكونه كثيرًا، فيجحف به، وقد قال ﷺ : "الثلث كثير" (٢).
فأما دية الجنين، فلا تحملها العاقلة إلا إذا مات مع أمه من الضربة؛
стр. 3292
لكون ديتهما جميعًا توجب جناية تزيد على الثلث، وإن سلَّمنا وجوبها على العاقلة، فلأنها دية كاملة (١).
الرابع: تحمل العاقلة دية المرأة اتفاقًا، وتحمل من جراحها ما بلغ ثلث دية الرجل، كأنفها، فأما ما دون ذلك، كيدها، فلا تحمله العاقلة، وكذلك الحكم في دية الكتابي، ولا تحمل دية المجوسي؛ لأنها دون ثلث الدية (٢).
تتمة:
ما تحمله العاقلة يجب مؤجلًا في ثلاث سنين، في آخر كل سنة ثلثه إن كان دية كاملة، كدية النفس، أو طرفٍ كأنفٍ، وإن كان الثلثَ، كدية المأمومة، وجب في آخر السنة الأولى، وإن كان نصفَ الدية الكاملة، كدية اليد، ودية المرأة، والكتابي، أو ثلثيها، كدية المنخرين وجب الثلث في آخر السنة الأولى، والباقي في آخر السنة الثانية، وإن كان أكثر من دية، مثل أن ذهب سمعُ إنسان وبصرُه بجناية واحدة، ففي ست سنين، في كل سنة ثلث (٣).
والحاصل: لا يزاد في كل حول على ثلث دية من جناية واحدة، لكن اختلف القائلون بالتقدير، فقال بعضهم: يتكرر الواجب في الأحوال الثلاثة، فيكون الواجب على الغني فيها دينارًا ونصفًا، وعلى المتوسط ثلاثة أرباع دينار، وقال بعضهم: لا يتكرر، ويعتبر الغِنَى والتوسُّطُ عند رأس الحول (٤)، والله أعلم.
стр. 3293
(ف) لما قضى رسول الله ﷺ بأن دية جنين المضروبة غُرَّةٌ، وديتها هي على عاقلتها، (قام حَمَلُ بنُ) مالكِ بنِ (النابِغة) وهو -بفتح الحاء المهملة وتخفيف الميم المفتوحة- والنابغة: -بالنون، وكسر الموحدة بعدها غين معجمة-، واشتهر بجده النابغة، وهو النابغة بن جابر بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كبير -بالموحدة- من نسل مدركة بنِ إلياس، عدَّه مسلمٌ من الصحابة المدنيين، وعده غيره من البصريين؛ لأنه نزل بالبصرة، وله بها دار، ويكنى: أبا نضلة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة-، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١).
وقد وقع في "المبهمات" لابن بشكوال عن الحافظ عبد الغني: أن القائل في هذا الحديث ما قال هو مسروح، بناءً على أن الضاربة أم عفيف بنت مسروح (٢)، وما في "الصحيحين"، بل أخرجه الجماعة أصح، ويحتمل على بعد أن يكون كل منهما قال ذلك، فقد أخرج أبو داود، والنسائي من حدي اثبن عباس؛ أن حمل بن النابغة قال لعمر لما سأل عن قضية رسول الله ﷺ في ذلك: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى، الحديث، وفيه: فقال عمها: إنها قد أسقطت يا نبي الله غلامًا قد
стр. 3294
نبت شعره، فقال أبو [القاتلة] (١): إنه كاذب، والله ما استهل، الحديث (٢) (الهذلي)، -منسوب إلى هُذَيل-.
(فقال): حَمَلُ بنُ النابغة: (يا رسول الله! كيف أغرم) -أي: التزم وأَدِي- (مَنْ)؛ أي: سقطًا، (لا شربَ ولا أكلَ)؛ أي: لا شرب ماء، ولا أكل زادًا، (ولا نطق)؛ أي: لا تكلم بصوت وحروف تُعرف بها المعاني، (ولا استهلَّ)؛ أي: صاح عند الولادة.
قال في "المطلع": استهل المولود: إذا صاح عند الولادة (٣).
وقال القاضي عياض: استهل المولود: رفع صوته، فكل شيء رفع صوته فقد استهل، وبه سُمّي الهلال هلالًا، والإهلالُ بالحج: رفعُ الصوت بالتلبية (٤).
(فمثل ذلك)؛ أي: حيث كان نحوه بهذه المثابة من عدم دخول جوفه ماء ولا زاد، ولا تكلم ولا رفع صوته بالصراخ (يُطَلُّ)؛ أي: يُهدر، وهو -بضم الياء المثناة تحت، وفتح الطاء المهملة فلام مشددة- يقال: طُلُّ دمه -بضم الطاء-، وأطل، وأطله الله، وأجاز الكسائي طَلَّ -بفتح الطاء- ومنه هذا الحديث (٥)، ومنه: فسقطت ثنايا العاض، فطلها رسول الله ﷺ (٦).
стр. 3295
(فقال رسول الله ﷺ ) لما سمع كلامه المسجع: (إنما هو من إخوان الكهان) جمع كاهن وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويَدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كهنة، كشِقٍّ، وسَطيح، وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن ورِئيًا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلامِ مَنْ يسأله، أو فعلِه أو حالِه، وهذا يخصّونه باسم العراف، كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق، ومكانَ الضالَّة ونحوِهِما (١).
وإنما قال ﷺ لحمل بن النابغة ذلك (من أجل سجعه الذي سجع)، ولم يعبه بمجرد السجع دون ما تضمن سجعه من الباطل كما في "النهاية"، وإنما ضرب المثل بالكهان؛ لأنهم كانوا يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق للسامعين، فيستميلون بها القلوب، ويستصغون إليها الأسماعَ، فأما إذا وُضع السجع في مواضعه من الكلام، فلا ذم فيه ولا ملام (٢)، وكيف وقد جاء في كلام رسول الله ﷺ كثيرًا، كقوله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعاءٍ لا يُسمع" (٣)، ففي هذا الحديث وغيره من الأدعية المسجوعة دليلٌ لما قاله