← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

وقال القاضي: معناه: أن يصالح الأولياء عن دم العمد إلى الدية. والأول أولى؛ لأن العمد يستغنى عنه بذكر العمد. وممن قال: لا تحمل العاقلة الصلح: ابن عباس، والزهري، والشعبي، والثوري، والليث، والشافعي، وقد ذكرنا حديث ابن عباس في ذلك (١). وأما ما دون ثلث الدية، فقال بأن العاقلة لا تحمله: سعيد بن المسيب، وعطاء، ومالك، وإسحاق. وقال الزهري: لا تحمل الثلث -أيضًا-. وقال الثوري، وأبو حنيفة: تحمل السن، والموضحة، وما فوقها، واحتج بالغرة في الجنين على العاقلة، وقيمتها نصف عشر الدية، ولا تحمل ما دون ذلك. والصحيح عند الشافعية: أنها تحمل الكثير والقليل، كالجاني في العمد. ولنا: ما روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: أنه قضى في الدية ألَّا يحمل منها شيء، حتى تبلغ المأمومة، ولأن مقتضى الأصل وجوبُ الضمان على الجاني؛ لأنه موجب جنايته، وبدلُ متلَفه، فكان عليه كسائر المتلفات والجنايات، وإنما خولف في الثلث تخفيفًا من الجاني، لكونه كثيرًا، فيجحف به، وقد قال ﷺ : "الثلث كثير" (٢). فأما دية الجنين، فلا تحملها العاقلة إلا إذا مات مع أمه من الضربة؛

стр. 3292

لكون ديتهما جميعًا توجب جناية تزيد على الثلث، وإن سلَّمنا وجوبها على العاقلة، فلأنها دية كاملة (١). الرابع: تحمل العاقلة دية المرأة اتفاقًا، وتحمل من جراحها ما بلغ ثلث دية الرجل، كأنفها، فأما ما دون ذلك، كيدها، فلا تحمله العاقلة، وكذلك الحكم في دية الكتابي، ولا تحمل دية المجوسي؛ لأنها دون ثلث الدية (٢). تتمة: ما تحمله العاقلة يجب مؤجلًا في ثلاث سنين، في آخر كل سنة ثلثه إن كان دية كاملة، كدية النفس، أو طرفٍ كأنفٍ، وإن كان الثلثَ، كدية المأمومة، وجب في آخر السنة الأولى، وإن كان نصفَ الدية الكاملة، كدية اليد، ودية المرأة، والكتابي، أو ثلثيها، كدية المنخرين وجب الثلث في آخر السنة الأولى، والباقي في آخر السنة الثانية، وإن كان أكثر من دية، مثل أن ذهب سمعُ إنسان وبصرُه بجناية واحدة، ففي ست سنين، في كل سنة ثلث (٣). والحاصل: لا يزاد في كل حول على ثلث دية من جناية واحدة، لكن اختلف القائلون بالتقدير، فقال بعضهم: يتكرر الواجب في الأحوال الثلاثة، فيكون الواجب على الغني فيها دينارًا ونصفًا، وعلى المتوسط ثلاثة أرباع دينار، وقال بعضهم: لا يتكرر، ويعتبر الغِنَى والتوسُّطُ عند رأس الحول (٤)، والله أعلم.

стр. 3293

(ف) لما قضى رسول الله ﷺ بأن دية جنين المضروبة غُرَّةٌ، وديتها هي على عاقلتها، (قام حَمَلُ بنُ) مالكِ بنِ (النابِغة) وهو -بفتح الحاء المهملة وتخفيف الميم المفتوحة- والنابغة: -بالنون، وكسر الموحدة بعدها غين معجمة-، واشتهر بجده النابغة، وهو النابغة بن جابر بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كبير -بالموحدة- من نسل مدركة بنِ إلياس، عدَّه مسلمٌ من الصحابة المدنيين، وعده غيره من البصريين؛ لأنه نزل بالبصرة، وله بها دار، ويكنى: أبا نضلة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة-، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١). وقد وقع في "المبهمات" لابن بشكوال عن الحافظ عبد الغني: أن القائل في هذا الحديث ما قال هو مسروح، بناءً على أن الضاربة أم عفيف بنت مسروح (٢)، وما في "الصحيحين"، بل أخرجه الجماعة أصح، ويحتمل على بعد أن يكون كل منهما قال ذلك، فقد أخرج أبو داود، والنسائي من حدي اثبن عباس؛ أن حمل بن النابغة قال لعمر لما سأل عن قضية رسول الله ﷺ في ذلك: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى، الحديث، وفيه: فقال عمها: إنها قد أسقطت يا نبي الله غلامًا قد

стр. 3294

نبت شعره، فقال أبو [القاتلة] (١): إنه كاذب، والله ما استهل، الحديث (٢) (الهذلي)، -منسوب إلى هُذَيل-. (فقال): حَمَلُ بنُ النابغة: (يا رسول الله! كيف أغرم) -أي: التزم وأَدِي- (مَنْ)؛ أي: سقطًا، (لا شربَ ولا أكلَ)؛ أي: لا شرب ماء، ولا أكل زادًا، (ولا نطق)؛ أي: لا تكلم بصوت وحروف تُعرف بها المعاني، (ولا استهلَّ)؛ أي: صاح عند الولادة. قال في "المطلع": استهل المولود: إذا صاح عند الولادة (٣). وقال القاضي عياض: استهل المولود: رفع صوته، فكل شيء رفع صوته فقد استهل، وبه سُمّي الهلال هلالًا، والإهلالُ بالحج: رفعُ الصوت بالتلبية (٤). (فمثل ذلك)؛ أي: حيث كان نحوه بهذه المثابة من عدم دخول جوفه ماء ولا زاد، ولا تكلم ولا رفع صوته بالصراخ (يُطَلُّ)؛ أي: يُهدر، وهو -بضم الياء المثناة تحت، وفتح الطاء المهملة فلام مشددة- يقال: طُلُّ دمه -بضم الطاء-، وأطل، وأطله الله، وأجاز الكسائي طَلَّ -بفتح الطاء- ومنه هذا الحديث (٥)، ومنه: فسقطت ثنايا العاض، فطلها رسول الله ﷺ (٦).

стр. 3295

(فقال رسول الله ﷺ ) لما سمع كلامه المسجع: (إنما هو من إخوان الكهان) جمع كاهن وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويَدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كهنة، كشِقٍّ، وسَطيح، وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن ورِئيًا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلامِ مَنْ يسأله، أو فعلِه أو حالِه، وهذا يخصّونه باسم العراف، كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق، ومكانَ الضالَّة ونحوِهِما (١). وإنما قال ﷺ لحمل بن النابغة ذلك (من أجل سجعه الذي سجع)، ولم يعبه بمجرد السجع دون ما تضمن سجعه من الباطل كما في "النهاية"، وإنما ضرب المثل بالكهان؛ لأنهم كانوا يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق للسامعين، فيستميلون بها القلوب، ويستصغون إليها الأسماعَ، فأما إذا وُضع السجع في مواضعه من الكلام، فلا ذم فيه ولا ملام (٢)، وكيف وقد جاء في كلام رسول الله ﷺ كثيرًا، كقوله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعاءٍ لا يُسمع" (٣)، ففي هذا الحديث وغيره من الأدعية المسجوعة دليلٌ لما قاله

стр. 3296

العلماء: إن السجع المذموم في الدعاء هو المقصود المتكلَّف، فإنه يُذهب الخشوع والخضوع والإخلاص، ويُلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، وأما ما حصل بلا كلفة ولا إعمال فكر، لكمال الفصاحة أو نحو ذلك، أو كان محفوظًا، فلا بأس به بل هو حسن (١). والسجع: هو الكلام المقفّى، أو موالاة الكلام على رَوِيّ، يقال: سجع: إذا نطق بكلامٍ له فواصل، فهو سَجَّاعة وساجع، وسجعت الحمامة: رددت صوتها، فهي ساجعة وسجوع (٢)، والله الموفق.

стр. 3297

الحديث الثامن عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن ﵄: أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيْهِ، فَوَقَعَتْ ثنَيَّتَاهُ، فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ؟ لاَ دِيَةَ لَكَ" (١). * * * (عن عمرانَ بنِ حصين ﵄: أن رجلًا) من الصحابة ﵃ (عضَّ يدَ رجلٍ)، عضّ الأسنان -بالضاد المعجمة- يقال:

стр. 3298

عضه عضا: إذا أمسكه بأسنانه (١)، وفي الحديث: "عَضُّوا عليها بالنواجِذ" (٢) هو مَثَلٌ في شدة الاستمساك؛ لأن العض بالنواجذ عضٌّ بجميع الفم والأسنان، والنواجذ -بالذال المعجمة-: أواخر الأسنان، وقيل: التي بعد الأنياب (٣). وقد صرح في رواية مسلم أن المعضوض يعلى بن مُنْيَةَ -بضم الميم وسكون النون وفتح المثناة تحت-، وقيل: ابن أمية، وكلاهما صحيح، فمرة نُسب إلى أبيه أمية بن أبي عتيد بن همام بن الحارث التميمي الحنظلي، ومرة إلى أمه وكنية يعلى: أبو صفوان، وقيل: أبو خالد، وهو قول الأكثر، أسلم يوم الفتح، فشهد حنينًا والطائف وتبوك، مات سنة ثمان وثلاثين بصفين مع علي بعد أن شهد الجمل مع عائشة، وهو صاحب الجمل أعطاه عائشةَ ﵂ (٤) -. وفي رواية لمسلم -أيضًا-: أن المعضوض كان أجيرًا ليعلى (٥)؛ إذ لا يظن بيعلى ذلك، قاله النووي (٦)، وكذا صاحب "المفهم" (٧). قال البرماوي: الصحيح المعروف أنه أجير ليعلى، ويحتمل أنهما قضيتان (٨) انتهى.

стр. 3299

قلت: في "منتقى الأحكام" للإمام مجد الدين بن تيمية (١): عن يعلى بن أمية، قال: كان لي أجير، فقاتل إنسانًا، فعض أحدُهما صاحبه، فانتزع إصبعه، فأندر ثنيته، فسقطت، فانطلق إلى النّبيّ ﷺ ، فأهدر ثنيته وقال: "ليدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل" رواه الجماعة إلا الترمذي (٢)، وهم في اصطلاحه: الإمامُ أحمد، والشيخان، وأصحاب السنن. قلت: وفي لفظ البخاري: "أيدفع يده إليك فتقضمها كما يقضم الفحل؟! " (٣)، وقال في آخر: "فيدع إصبعه في فيك" (٤)، (فنزع) المعضوض (يده من فيه)؛ أي: من فم العاضِّ، (فوقعت ثنيتاه)؛ أي: ثنيتا العاض -بالتثنية- بالنزع، وفي رواية: ثنيته -بالإفراد (٥) -، وللإنسان أربع ثنايا: ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل (٦)، (فاختصما)؛ أي: العاض

стр. 3300

والمعضوض (إلى رسول الله ﷺ في ذلك)، (فقال) ﵇: (يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟)؛ أي: فحلُ الإبل، وفي رواية: "أردت أن تأكل لحمه؟! " (١)، وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : "ما تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضَمُها كما يقضم الفحل؟! " (٢)، والقضمُ: هو الأكل بأطراف الأسنان، وفي لفظ: "أردت أن تقضمه كما يقضم الفحل؟ " (٣)، (لا دية لك)، وفي رواية من حديث يعلى بن أمية: فسقطت ثنيتاه، فأبطلهما النّبيّ ﷺ (٤)، وتقدم آنفًا من حديثه: فأهدر ثنيته؛ أي: أبطل أن يكون فيها قصاص أو دية، بل ذهبت باطلة. قال علماؤنا: إن عضَّ يدَ إنسان عضًا محرَّمًا، فانتزع يده من فيه، ولو بعنف، فسقطت ثناياه، فهدر، وكذا ما في معنى العض (٥). قال في "شرح الكافي": وهذا المذهب مطلقًا، وعليه جماهير الأصحاب، وقال جماعة من الأصحاب: ينتزعها بالأسهل فالأسهل؛ كالصائل (٦)، انتهى. تنبيهات: الأول: أشار الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- بمضمون هذا الحديث إلى قاعدة فقهية، وهي حكم الصائل، فكل من صال على نفسه أو

стр. 3301

نسائه أو ولده أو ماله، ولو قل، سواء كان الصائل بهيمة أو آدميًا، ولو غير مكلف، أو صبيًا أو مجنونًا، في منزله أو غيره، ولو متلصصًا، ولم يخف أن يبدره الصائل بالقتل، دفعه بأسهل ما يغلب على ظنه دفعُه به، فإن اندفع بالقول، لم يكن له ضربه، كان لم يندفع بالقول، فله ضربه بأسهل ما يظن أن يندفع به، فإن ظن أنه يندفع بضرب عصا، لم يكن له ضربه بحديد، وإن ولى هاربًا، لم يكن له قتله، ولا اتباعه، وإن ضربه فعطله، لم يكن له أن يثني عليه، وهكذا مِنْ فعلِ الأسهلِ فالأسهل (١). قال في "شرح المحرر": الصَّوْل والصِّيال: قصدُ الإنسان بما لا يحل له من تلف نفسه أو طرفه أو ماله، أو هتك عورته، وأصل الصول: الاستطالة والتغلب. وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أن يأخذ مالي؟ قال: "فلا تُعطِه"، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "فاقتلْه"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: "هو في النار" (٢) ورواه الإمام أحمد، وفيه: أنه قال له: "لولا أنشده الله"، قال: فإن أبى علي؟ قال: "فاقتله" (٣). وقال في حديث عمران بن حصين هذا: لم يوجب النّبيّ ﷺ الضمان في ذلك، وقد ذهبت ثنيتاه بفعله؛ لأنه كان دافعًا عن نفسه، وشبهه في ذلك بالفحل.

стр. 3302

قال: وقد روي أن جارية خرجت من المدينة تحتطب، فتبعها رجل، فراودها عن نفسها، فرمته بفهر، فقتلته، فرُفع ذلك إلى عمر، فقال: هذا قتيل الله، واللهِ لا يودى أبدًا (١). ومعنى قتيل الله: أن الله أباح قتله، ولأنه إتلاف بدفعٍ مباح، فوجب أن يسقط ضمانه، كالعادل إذا قتل الباغي، فإن قتل الدافع، فهو شهيد؛ لما روي عن سعيد بن زيد ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قُتل دون دمه، فهو شهيد، ومن قتل دون ماله، فهو شهيد، ومن قتل دون أهله، فهو شهيد" رواه أبو داود، والترمذي، وصححه (٢)، ومن حديث ابن عمر ﵄: أن النّبيّ ﷺ قال: "من قتل دون ماله، فهو شهيد" رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وصححه (٣). فإن كان الدفع عن حرمته مثل أن يجد رجلًا مع امرأته أو ابنته أو أخته يزني بها، أو مع ابنه يلوط به، فدفعُه واجبٌ عليه، رواية واحدة؛ لأنه قد اجتمع فيه حق لله -تعالى-، وهو منعه عن الفاحشة، وحقٌّ لنفسه بالمنع عن أهله، فلا يسعه إضاعةُ هذه الحقوق؛ لأن الأمر بالمعروف والنهيَ عن المنكر واجبٌ في غير هذه الصورة، ففيها أولى أن يجب. وإن كان الدفع عن نفسه؛ مثل من قصد قتلَه أو قطعَ عضو من أعضائه، ففي وجوبه روايتان: إحداهما: يجب؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]،

стр. 3303

وكما يحرم عليه قتلُ نفسه، يحرم عليه إباحة دمه. والثانية: يجوز ولا يجب، بل يستحب، لقوله -تعالى- في قصة ابني آدم: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨]، فهذا يدل على أنه ترك قتله مع القدرة عليه (١). وقد روى ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما يمنع أحدَكم إذا جاء من يريد قتلَه أن يكون مثلَ ابني آدم؟ القاتلُ في النار، والمقتولُ في الجنة" رواه الإمام أحمد (٢)، ولأن عثمان ﵁ ترك القتال على من بغى عليه مع القدرة عليه، ومنعَ غيره عن قتالهم، وصبر على ذلك، ولو لم يجز، لأنكر الصحابة عليه ذلك. وإن كان الدفع عن ماله، فهذا لا يجب عليه، رواية واحدة؛ لأنه ليس فيه من المحذور ما في النفس، لأن المال لا حرمة له كحرمة النفس، فلا يجب عليه أن يقتل النفس بسبب المال؛ لأنه ربما يمكن دفع الصائل بدون القتال، ولا يأمن المقاتل أن يقتل، ومع ذلك يجوز له قتال الصائل؛ لاعتدائه عليه. قال شيخ الإسلام حفيد المجد بن تيمية -قدس الله روحه-: لا يجب على الإنسان الدفعُ عن ماله، قال -تعالى-: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]، قال عمر [و] بن أوس: هم الذين لا يظلمون إذا ظُلموا (٣)، فينبغي الصبر على الظالم، وأَلَّا يبغي عليه، قال ابن مسعود ﵁: لو بغى

стр. 3304

جبل على جبلٍ، لجعل الله -تعالى- الباغيَ منهما دكًا (١)، ومن ذا قول الشاعر: [من الطويل] قَضَى اللهُ أَنَّ الْبَغْيَ يَصرَعُ أَهْلَهُ ... وَأَنَّ عَلَى الْبَاغِي تَدُورُ الدَّوَائِرُ (٢) ويشهد لهذا قوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]. الثاني: ذكر البدر العيني في "شرح البخاري" تحت قوله ﷺ من حديث عبد الله بن عمر ﵄: "من قتل دون ماله فهو شهيد": فيه جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق، سواء كان المال قليلًا، أو كثيرًا؛ لعموم الحديث. قال: وهذا قول جماهير العلماء، وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز إذا طلب شيئًا يسيرًا؛ كالثوب والطعام، قال: وهذا ليس بشيء، والصواب ما قاله الجماهير. قال: وأما المدافعة عن الحريم، فواجبة بلا خلاف في مذهبنا ومذهب غيرنا. والمدافعة عن المال جائزة واجبة، قال: وفيه أن القاصد إذا قُتل، لا دية له، ولا قصاص، وأن الدافع إذا قُتل يكون شهيدًا. وقال الإمام الحافظ الترمذي: وقد رخص بعضُ أهل العلم للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله. وقال الإمام ابن المبارك: يقاتل ولو على درهمين (٣).

стр. 3305

وقال ابن المهلب: وكذلك في كل من قاتل على ما يحل له القتال عليه من أهلٍ ودينٍ، فهو كمن قاتل دون نفسه وماله، فلا دية عليه، ولا تبعة، ومن أخذ في ذلك بالرخصة، وأسلم المال والأهل والنفس، فأمرُه إلى الله -تعالى-، والله يعذره ويأجره، ومن أخذ في ذلك بالشدة، وقُتل كانت له الشهادة. وقال الإمام ابن المنذر: روينا عن جماعة من أهل العلم: أنهم رأوا قتالَ اللصوص ودفعَهم عن أنفسهم وأموالهم، وقد أخذ ابن عمر لصًا في داره، فأصلت عليه السيف، قال سالم: لولا أنا حُلْنا بينه وبينه، لضربه به (١). وقال النخعي: إذا خفت أن يبدأك اللص، فابدأه. وقال الحسن: إذا طرق اللص بالسلاح، فاقتله. وسئل الإمام مالك عن القوم يكونون في السفر، فتلقاهم اللصوص، قال: يقاتلونهم ولو على دانق. وقال عبد الملك: إن قدر أن يمتنع من اللصوص، فلا يعطهم شيئًا. وقال الإمام أحمد: إذا كان اللص مقبلًا، فادفعه؛ يعني: ولو بالقتل، وإن كان موليًا، فلا تقتله. وعن إسحاق مثله. وقال الإمام أبو حنيفة في رجل دخل على رجل ليلًا للسرقة، ثم خرج بالسرقة من الدار، فأتبعه الرجل فقتله: لا شيء عليه. وقال الإمام الشافعي: من أريد ماله في مصر أو في صحراء، أو أريد حريمه، فالاختيار له أن يكله، أو يستغيث، فإن منع أو امتنع، لم يكن له

стр. 3306

قتاله، فإن أبى أن يمتنع من قتله من أراد قتله، فله أن يدفعه عن نفسه وعن ماله، وليس له عمد قتله، فإذا لم يمتنع، فقاتله فقتله، فلا عقل فيه، ولا قود، ولا كفارة (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية": إذا كان مطلوب الصائل المال، جاز دفعه بما يمكن، فإذا لم يندفع إلا بالقتال، قوتل، وإن ترك القتال، أو أعطاهم شيئًا من المال، جاز، وأما إذا كان مطلوبه الحرمة؛ مثل أن يطلب الزنا بمحارم الإنسان، أو يطلب من المرأة والصبي الفجور به، فيجب عليه أن يدفع عن نفسه بما يمكن، ولو بالقتل، ولا يجوز التمكين بحال؛ بخلاف المال؛ لأن بذل المال جائز؛ بخلاف الفجور، وأما إذا كان مقصوده قتل الإنسان، جاز له الدفع، وهل يجب عليه؟ على قولين للعلماء في مذهب الإمام أحمد وغيره، والله أعلم (٢). الثالث: إذا نظر إنسان في بيت إنسان من خصاص الباب ونحوه، فحذف عينه، ففقأها، فلا شيء عليه (٣)؛ لما روى أبو هريرة ﵁: أن النّبيّ ﷺ قال: "من اطلع في بيتِ قومٍ بغير إذنهم، ففقؤوا عينه، فلا ديةَ ولا قصاص" رواه الإمام أحمد، والنسائي (٤). وفي رواية: "من اطلع في بيت قومٍ بغير إذنهم، فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه" رواه الإمام أحمد، ومسلم (٥).

стр. 3307

وعن سهل بن سعد ﵁: أن رجلًا اطلع في جحرٍ في باب رسول الله ﷺ ، ومع رسول الله ﷺ مِدْرَى يرجِّل به رأسه، فقال له: "لو أعلم أنك تنظر، طعنتك به في عينك، إنما جُعل الإذن من أجل البصر" (١). قوله: أن رجلًا، قيل: هو الحكمُ بن العاص بن أمية والدُ مروان، وقيل: سعد، غير منسوب. وقوله: اطَّلع -بشد الطاء-، والجُحْر -بضم الجيم وسكون المهملة-، والمِدْرى -بكسر الميم وسكون الدال المهملة-: عود تُدخله المرأة في رأسها ليضم بعض شعرها إلى بعض، وهو يشبه المِسَلَّة، يقال: مدرت المرأة: سرحت شعرها، وقيل: مشط له أسنان يسيرة، وقال الأصمعي وأبو عبيد: هو المشط، ويأتي له تتمة. وقد روي: في جُحْر -بضم الجيم وسكون المهملة-، وهو ثقب مستدير في أرض أو حائط، وأصلها: مكامنُ الوحش، وروي -بضم الحاء المهملة وفتح الجيم-: جمع حُجَرة، وهي ناحية من البيت، ووقع في رواية: حُجْرة -بالإفراد-، والله -تعالى- الموفق (٢).

стр. 3308

الحديث التاسع عَنِ الحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ البصرِيَ، قَالَ: حَدَّثنا جُنْدُبٌ فِي هذَا المَسْجِدِ، وَمَا نَسِينَا مِنْهُ حَديثًا، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَانَ فِيْمَنْ كَانَ قَبْلَكُم رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزع، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِها يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللهُ : "عَبْدِي بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ، فَحَرَّمتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ" (١). * * * (عن الحسن بن أبي الحسن) الإمامِ المشهور التابعيِّ الأنصاريِّ، مولاهم؛ لأنه مولى زيد بن ثابت، وقيل: مولى جابر بن عبد الله، وقيل:

стр. 3309

مولى جميل بن قطبة، ويكنى: أبا سعيد، وأبا الحسن، اسمه يَسار -بفتح المثناة تحت وبعدها سين مهملة- من سبي مَيْسان -بفتح الميم وسكون المثناة تحت وبالسين المهملة-، وهو صُقْع بالعراق، وكان المغيرة بن شعبة افتتحها. قال ابن سعد وغيره: وكانت اشترته الرُّبَيِّعُ -بالتصغير- بنتُ النضر -بالضاد المعجمة- عمة أنس بن مالك، فأعتقته. ويروى عن الحسن (البصري) ﵀ أنه قال: كان أبواي لرجل من بني النجار، فتزوج امرأة من بني سلمة، فساقهما إليها من مهرها، فأعتقتهما. لكن المشهور أن أمه واسمها خَيْرَة -بالخاء المعجمة المفتوحة وبعدها مثناة من تحت ساكنة- كانت مولاة لأم المؤمنين أم سلمة ﵂، قالوا: وكانت أمه ربما خرجت في شغل، فيبكي الحسن، فتعطيه أم سلمة ثديها، فيدر عليه، فيرون أن تلك الفصاحة والحكم من بركة ذلك. ونشأ الحسن بوادي القرى، ورأى طلحةَ بنَ عبد الله، وعائشةَ، ولم يصح سماعه منهما كما قاله الحافظ عبد الغني المصنف -رحمه الله تعالى-، وكذلك رأى أم سلمة، ولم يسمع منها. وقيل: إنه لقي عليَّ بنَ أبي طالب، ولم يصح لُقِيُّه له كما قاله البرماوي، وابن الأثير، وجمعٌ، وقطع به شيخ الإسلام ابن تيمية. وقال في "جامع الأصول": وقيل: إنه لقي عليًا بالمدينة، ولا يصح، وأما رؤيته إياه بالبصرة، فلم تصح؛ لأنه كان في وادي القرى متوجهًا نحو البصرة حين قدم عليّ البصرة. ولد الحسن البصري لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله

стр. 3310

عنه- بالمدينة، وقدم البصرة بعد مقتل عثمان ﵁، فسمع ابنَ عمر، وأنسًا، وسمرةَ، وأبا بكرة، وقيسَ بنَ عاصم، وجندبَ بنَ عبد الله، ومعقلَ بن يسار، وعمروَ بنَ تَغْلِب -بالمثناة والغين المعجمة وكسر اللام-، وعبد الرحمن بنَ سمرة، وأبا برزة الأسلمي، وعمران بنَ حُصَيْن، وعبدَ الله بن مُغَفَّلٍ، وغيرَهم. قال الفضيل بن عياض: سألت هشام بن حسان: كم أدرك الحسنُ من الصحابة؟ قال: مئة وثلاثين. وعن الحسن، قال: غزونا غزوة إلى خراسان معنا فيها ثلاث مئة من أصحاب رسول الله ﷺ . وأما التابعون، فسمع كثيرًا منهم، وروى عنه خلق كثير لا يُحصون، وكان قد حضر يوم الدار، وعمره أربع عشرة سنة، وجلالته وإمامته وزهده وورعه وعبادته ما لا يخفى، ومناقبه لا تحصى. روى الثوري عن عمران القصير، قال: سألت الحسن عن شيء، فقلت: إن الفقهاء يقولون كذا وكذا، فقال: وهل رأيت فقيهًا بعينك؟ إنما الفقيهُ: الزاهدُ في الدنيا، البصيرُ بدينه، المداومُ عبادة ربه (١). وكان الحسن يحلف بالله ما أعز أحدٌ الدراهم إلا أذله الله (٢). وقدم الحسن مكة، فأجلسوه على سرير. توفي سنة عشر ومئة في رجب، وعمره ثمانٍ وثمانون سنة (٣).

стр. 3311

قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصحَ من الحسن البصري، ومن الحجاجِ بنِ يوسفَ الثقفي، فقيل له: فأيهما كان أفصح؟ قال: الحسن (١). وكان أجملَ أهل البصرة حتى سقط عن دابته، فحدث بأنفه ما حدث. وحكى الأصمعي عن أبيه، قال: ما رأيت أعرضَ زَنْدًا من الحسن، كان عرضه شبرًا. ومن كلامه: ما رأيت يقينًا لا شكَّ فيه أشبه بشكٍّ لا يقين فيه إلا الموت (٢). ولما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق، وأضيفت إليه خراسان، وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك، استدعى الحسنَ البصري، ومحمدَ بن سيرين، والشعبيَّ، وذلك في سنة ثلاث ومئة، فقال لهم: إن يزيد خليفة الله، استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، فيكتبُ إليَّ بالأمر من أمره، فأقلده ما تقلده من ذلك الأمر، فما ترون؟ فقال ابنُ سيرين والشعبيُّ قولًا فيه تَقِية، فقال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن؟ فقال: يا بن هبيرة! خَفِ الله في يزيدَ، ولا تخف يزيدَ في الله، إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك

стр. 3312

من الله، ويوشك أن يبعث إليك مَلَكًا فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سَعَةِ قصر إلى ضيق قبرٍ، ثم لا ينجيك إلا عملُك، يا بن هبيرة! لا تعص الله، فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرًا لدين الله وعباده، فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأجازهم ابنُ هبيرة، وأضعفَ جائزةَ الحسن، فقال ابن سيرين والشعبي: سَفْسَفْنا له، فسفسفَ لنا (١). ودخل على أمه وفي يدها كراثة تأكلها، فقال لها: يا أُمَّه! ألقي هذه البقلة الخبيثة من يدك، فقالت: يا بني! إنك شيخ قد كبرتَ وخرفت، فقال: يا أُمه! أينا أكبر (٢)؟!. وأكثرُ كلامه حكمة وبلاغة ﵀، ورضي عنه-. (قال) أبو سعيد الحسنُ البصري: (حدّثنا جُنْدُب) -بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة وفتحها، لغتان- بنُ عبد الله البَجَلِيُّ ﵁، وتقدمت ترجمته في باب: صلاة العيدين (في هذا المسجد)؛ يعني: مسجد البصرة. قال الحسن ﵀: (وما نَسينا منه)؛ أي: مما حدّثنا به (حديثًا)؛ لأنه كان من أحفظ الناس، (وما نخشى)؛ أي: ما نخاف (أن يكون) أبو عبد الله (جندب) بن عبد الله البجلي صاحبُ رسول الله ﷺ (كذب على رسول الله ﷺ )، وهو يعلم ما قال رسول الله ﷺ فيمن كذب عليه. (قال) جندب: (قال رسول الله ﷺ : كان فيمن)؛ أي: في الناس؛ أي:

стр. 3313

الخلق أو الجيل الذي (كان قبلكم) في الزمن الذي مضى (رجلٌ به جرحٌ) في يده، وفي رواية: كان رجل به جراح (١)، (فجَزع) -بفتح الجيم وكسر الزاي-؛ أي: فزع وقلَّ صبرُه. وفي البخاري عن ابن عباس ﵄، قال: الجزع: القول السيئ (٢)، (فأخذ) ذلك الرجل (سكينًا، فحزَّ)؛ أي: قطع (بها) أي: السكينِ، (يده)؛ أي: يد نفسه التي بها الجرح، (فما رَقَأَ) -مهموز-؛ أي: ما جفّ (الدمُ) وسكنَ جريانه (حتى مات) من ذلك، (قال الله : عبدي بادرني) -من المبادرة- بمعنى: المسابقة؛ أي: سابقني (بنفسه)، فقتلها بجزعه وعدم صبره على ما ابتليته به، (فحرمت عليه) دخول (الجنة). وفي رواية لمسلم: "إن رجلًا كان ممن كان قبلكم خرجت بوجهه قرحة، فلما آذته، انتزع سهمًا من كنانته، فنكأها -أي: نخسها وفجرها-، فلم يرقأ الدم حتى مات. قال ربكم: قد حرمت عليه الجنة" (٣). وفي "صحيح ابن حبان" من حديث جابر بن سمرة ﵁: أن رجلًا كان به جراحة، فأتى قرنًا له، فأخذ مِشْقَصًا، فذبح به نفسه، فلم يصلِّ عليه النّبيُّ ﷺ (٤). القرن -بفتح القاف والراء: جعبة النشاب، والمِشْقَص -بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح القاف-: سهم فيه نصل عريض، وقيل: هو

стр. 3314

النصل وحده، وقيل: سهم فيه نصل طويل، وقيل: هو ما طال وعرض من النصال (١). وفي "الصحيحين"، وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تَرَدَّى من جبلٍ، فقتل نفسَه، فهو في نار جهنم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومن قتلَ نفسَه بحديدةٍ، فحديدتُه في يده يتوجّأ بها في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا" (٢). قوله: "تردّى"؛ أي: رمى نفسه من الجبل أو غيره، فهلك، وقوله: "يتوجّأ" -مهموزًا-؛ أي: يضرب بها نفسه (٣). وفي البخاري عنه: أنه ﷺ قال: "الذي يخنق نفسه، يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار، والذي يقتحم يقتحم في النار" (٤). تنبيه: من قتل نفسه خطأ، وجبت الكفارة في ماله، وبهذا قال الشافعي. قال أبو حنيفة: لا تجب؛ لأن ضمان نفسه لا يجب، فلم تجب الكفارة به؛ كقتل نساء أهل الحرب وصبيانهم. ووجه الأول: عمومُ قوله -تعالى-: ﴿وَمَن قَنَلَ مُؤْمَنًا خَطا فَتحْريرُ رَقَبَةٍ

стр. 3315

مّؤمِنةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، ولأنه آدمي مؤمن مقتول خطأ، فوجبت الكفارة على قاتله، كما لو قتله غيره. قال الإمام الموفق: وقول أبي حنيفة أقربُ إلى الصواب؛ فإن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ، فلم يأمر النّبيُّ ﷺ فيه بكفارة، فأما قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، فإنما أريد بها إذا قتل غيره؛ بدليل قوله -تعالى-: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وقاتل نفسه لا تجب فيه دية؛ بدليل قتل عامر بن الأكوع. وأما إن قتل نفسه عمدًا، فلا كفارة؛ لأن معتمد المذهب أنه لا كفارة بقتل العمد العدوان، وبه قال الثوري، ومالك، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وعن الإمام أحمد رواية أخرى: تجب في العمد الكفارة، وحكي عن الزهري، وهو قول الشافعي، واحتج له بحديث واثلة بن الأسقع، قال: أتينا النّبيّ ﷺ بصاحب لنا قد أوجب بالقتل، فقال: "اعتقوا عنه رقبة يعتق الله تعالى بكل عضو منها عضوًا منه من النار" (١). قالوا: ولأنها إذا وجبت في قتل الخطأ، ففي العمد أولى؛ لأنه أعظم جرمًا، وحاجته إلى تكفير ذنبه أعظم. ولنا: مفهوم قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، ثم ذكر قتل العمد، فلم يوجب فيه كفارة، وجعل جزاءه جهنم، فمفهومه أنه لا كفارة.

стр. 3316

وروي أن سُويد بنَ الصامت قتل رجلًا، فأوجب النّبيّ ﷺ القودَ، ولم يوجب كفارة، وعمر [و] بن أمية الضمري قتل رجلين كانا في عهد النّبيّ ﷺ (١)، فوداهما النّبيّ ﷺ ، ولم يأمره بكفارة؛ لأنه فعل يوجب القتل، فلا يوجب الكفارة، كزنى المحصن، وحديث واثلة يحتمل أنه كان خطأ، وسماه موجبًا؛ أي: فوت النفس بالقتل، ويحتمل أنه كان شبه عمد، ويحتمل أنه أمرهم بالإعتاق تبرعًا، وكذلك أمرُه غيرَ القاتل بالإعتاق، وما ذكروه من المعنى لا يصح؛ لأنها وجبت في الخطأ لتمحو إثمه، لكونه لا يخلو من تفريط، فلا يلزم من ذلك إيجابها في موضع عظم الإثم فيه بحيث لا يرتفع بها، وأما شبه العمد، فتجب فيه الكفارة بلا خلافٍ في المذهب (٢). والحاصل: أن الذي استقر عليه المذهب: وجوبُ الكفارة في الخطأ وشبهِ العبد، سواء كان الجاني هو على نفسه، أو شارك في قتل نفس غيره، أو كان الجاني على غيره حيث كانت النفس محرمة، والله -تعالى- الموفق.

стр. 3317

كتاب الحدود جمع حَدّ، وهو في الأصل: المنعُ والفصلُ بين شيئين، وحدودُ الله: محارمه؛ كقوله -تعالى-: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]. وحدود الله -أيضًا-: ما حَدَّه وقَدَّرَه، فلا يجوز أن تُتعدى؛ كالمواريث المعينة، وتَزَوُّجِ الأربع، ونحوِ ذلك مما حَدَّه الشرع، فلا تجوز الزيادةُ ولا النقصان، قال الله -تعالى-: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والحدود المراد بها هنا: العقوبات المقدرة، وإنما سميت بذلك؛ لأنها مأخوذة من الحد، وهو: المنع؛ لأنها تمنع من الوقوع في مثل ذلك الذنب، ويحتمل أن تكون سميت بالحدود التي هي المحارم؛ لكونها زواجرَ عنها، أو بالحدود التي هي المقدرات؛ لكونها مقدرة لا يجوز فيها الزيادة ولا النقصان كما في "المطلع" (١). وذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب ستة أحاديث:

стр. 3318

الحديث الأول عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَدِمَ نَاس مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنة، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بلِقَاحٍ، وَأَمَرَهُم أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالها وَأَلْبَانها، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوَا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النهارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِم، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهارُ، جِيءَ بِهم، فَأَمَرَ بِقَطْعِ أيدِيهِم وَأَرجُلِهِم، وَسُمِرَتْ أَعيُنُهم، وَتُرِكُوا في الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلاَ يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلابة: فَهؤُلاَءِ سَرَقُوا، وَقَتَلُوا، وَكفَرُوا بَعدَ إِيمَانِهِم، وَحَارَبُوا الله وَرَسُولَهُ. [أخرجه الجماعة] (١).

стр. 3319

(عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ مالك ﵁، قال: قدم) على النبي ﷺ (ناسٌ من عُكْلٍ) -بضم العين المهملة وسكون الكاف- هو في

стр. 3320

الأصل اسمُ امرأة حصيبٍ ولدِ عوفِ بن أيامين، غلب اسمها على القبيلة من ولدها (١). (أو) الناس الذين قدموا على النّبيّ ﷺ من (عُرَيْنة) -بضم العين المهملة وفتح الراء- بطن من بَجيلة (٢)، وكان عدة هؤلاء ثمانية كما في "الصحيحين": أربعة كانوا من عكل، وثلاثة من عرينة والرابع كان تابعًا لهم (٣). وفي لفظ [لمسلم] (٤): أن ناسًا من عرينة (٥)، وفي آخر: من عكل وعرينة (٦)، وفي رواية للإمام أحمد، والبخاري، وأبي داود، قال قتادة: فحدّثني ابن سيرين: أن ذلك قبل أن تنزل الحدود (٧). (فاجتووا المدينة) النبويةَ؛ أي: استَوْبَلوها واستَوْخَموها (٨)، وقد جاء ذلك مفسرًا، ففي لفظ في "الصحيح": فقالوا: يا نبي الله! إنا كنا أهلَ ضرع، ولم نكن أهلَ ريف، خرّجه البخاري في الطب، والمغازي (٩)،

стр. 3321

وقال فيه: قالوا: يا رسول الله! آونا وأطعِمْنا، فلما صحوا، قالوا: إنّ المدينة وخمة (١)، (فأمر لهم النّبيّ ﷺ بلقاح) جمع لقوح؛ كصبور: الناقة القريبة العهد بالنتاج، وناقة لقوح: إذا كانت غزيرة اللبن، ولاقح: إذا كانت حاملًا، ونوقٌ لواقحُ، واللِّقاح: ذواتُ الألبان، الواحدة لَقوح (٢). وفي "الفتح": اللِّقاح -باللام المكسورة فالقاف وآخره مهملة-: النوق ذوات الألبان، واحدها لِقْحَة -بكسر اللام وإسكان القاف-، قال أبو عمرو: يقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر، ثم هي لبون (٣). وعند أبي عوانة من حديث أنس في هذه القصة: فعظمت بطونهم، فأمرهم بلقاح (٤)؛ أي: أمرهم أن يلحقوا بها. وفي رواية عند البخاري وغيره: فأمرهم أن يلحقوا براعيه (٥). وعند أبي عوانة بسند "صحيح مسلم": أنهم بدؤوا بطلب الخروج إلى اللقاح، فقالوا: يا رسول الله! قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل (٦). وفي رواية عند البخاري: قالوا: يا رسول الله! ابغنا رِسْلًا؛ أي: اطلب لنا لبنًا، قال: "ما أجدُ لكم إلا أن تلحقوا بالذَّوْد" (٧).

стр. 3322

وظاهر الأمر: أن اللقاح كانت للنبي ﷺ (١)، وصرح بذلك في: "البخاري" في المحاربين، ولفظه: أن تلحقوا بإبل الرسول ﷺ ، وكذا فيه، وفي "مسلم": أن تخرجوا إلى إبل الصدقة (٢)، وطريق الجمع بينهما: أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعثَ النّبيّ ﷺ بلقاحه إلى المرعى طلبُ هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء (٣)، (وأمرهم) النّبيّ ﷺ (أن يشربوا من ألبانها)؛ أي: اللقاح، (وأبوالها)، احتج به من قال بطهارة بول مأكول اللحم، أما من الإبل، فبهذا الحديث، وأما بقية مأكول اللحم، فبالقياس عليه، وهو مذهب الإمام أحمد، والإمام مالك، وطائفة من السلف، ووافقهم من الشافعية: ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، والإصطخري، والروياني. وذهب الشافعي، وجمهور من العلماء إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلِّها، من مأكول اللحم أو غيره. واحتج ابن المنذر بأن الأشياء على الطهارة حتى يثبت دليل النجاسة. قال: ومن زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام، فلم يصب، إذ الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، ولم يزل الناس يبيعون أبعار الغنم في أسواقهم، ويستعملون أبوال الإبل في أدويتهم قديمًا وحديثًا من غير نكير، وهذا يدل على طهارة ذلك. وقال ابن العربي: تعلق بهذا الحديث من قال بطهارة أبوال الإبل،

стр. 3323

وعورضوا بأنه أذن لهم في شربها للتداوي (١). وتعقب بأن التداوي ليس حال ضرورة؛ بدليل أنه لا يجب، فكيف يُباح الحرام لما لا يجب؟ وأجيب: بمنع أنه ليس حال ضرورة، بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره، وما أبيح للضرورة لا يسمى حرامًا وقتَ تناوله؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢) [الأنعام: ١١٩]. ولنا: قوله ﷺ : "إن الله لم يجعل شفاءَ أُمتي فيما حَرَّمَ عليها" رواه أبو داود من حديث أم سلمة (٣)، وروي من طريق في البخاري وغيره -أيضًا- (٤)، والنجس حرام، فلا ويُتداوى به؛ لأنه غير شفاء، وقد قال ﷺ في جواب من مسألة عن التداوي بالخمر: "إنها ليست بدواء، إنها داء" رواه مسلم (٥). وقد جاء في حديث عن ابن عباس مرفوعًا: "إن في أبوال الإبل شفاء للذربة" رواه ابن المنذر (٦)، والذربة: فساد المعدة، فلولا أن أبوال الإبل

стр. 3324

طاهرة، لما ثبت فيها دواء؛ بدليل قوله في الحديث الصحيح: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" (١). (فلما صحوا)، في السياق حذف تقديره: ففعلوا؛ أي: شربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحوا، وقد ثبت ذلك في رواية (٢). وفي لفظ لمسلم: ففعلوا، فصحوا (٣)، و (قتلوا راعي) لقاح (النّبيّ ﷺ ). وفي رواية عند مسلم: ثم مالوا على الرعاء فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، (واستاقوا النعم)، من السوق، وهو السير العنـ[ـيـ]ـف (٤). وفي لفظ لمسلم: وساقوا ذَوْدَ رسول الله ﷺ (٥)، (فجاء الخبر)، وفي لفظ: فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ (٦)، وفي رواية: فجاء الصريخ -بالخاء المعجمة (٧) -، وهو فعَيل بمعنى فاعل؛ أي: صرخ بالإعلام بما وقع منهم، وهذا الصارخ هو أحد الرعاء كما ثبت في "صحيح أبي عوانة" من حديث أنس، وأخرج مسلم إسناده، ولفظه: فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جزع، فقال: قد قتلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل (٨). واسم راعي النّبيّ ﷺ المقتول: يَسار -بياء تحتانية فمهملة خفيفة- كما ذكره ابن إسحاق في "المغازي"، والحافظ ابن حجر في "الفتح"، ورواه

стр. 3325

الطبراني موصولًا من حديث سلمة بن الأكوع بإسناد صالح، قال: كان للنبي ﷺ غلام يقال له: يسار. زاد ابن إسحاق: أصابه في غزوة بني ثعلبة، قال سلمة: فرآه يحسن الصلاة، فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحَرَّة، فكان بها، فذكر قصة العرنيين، وأنهم قتلوه (١). قال في "الفتح": ولم أقف على تسمية الراعي الآتي بالخبر، والظاهر أنه راعي إبل الصدقة، ولم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعي النّبيّ ﷺ ، وفي ذكره بالإفراد، وكذا لمسلم، لكنه عنده في رواية ما ذكرناها: ثم مالوا على الرعاء، فقتلوهم -بصيغة الجمع-، ونحوه لابن حبان عن أنس (٢)، فيحتمل أن إبل الصدقة كان لها رعاة، فقتل بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعضُ الرواة على ذكر راعي النّبيّ ﷺ ، وذكر بعضهم معه غيره. ورجح في "الفتح" أن بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوَّزَ بالإتيان بصيغة الجمع، قال: لأن أهل المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار (٣). قال البرماوي: فلما قتلوه، حُمل إلى قباء ميتًا، فدفن بها. قال: وكانت عدة اللقاح خمسة عشر (في أول النهار) -متعلق بجاء- (فبعث) رسول الله ﷺ (في آثارهم)، زاد في رواية الأوزاعي: الطلب (٤)، وفي حديث سلمة بن الأكوع: خيلًا من المسلمين، أميرهم كُرْز بن جابر

стр. 3326

الفهري (١)، وكذا ذكره ابن إسحاق والأكثرون، وهو -بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي-، وللنسائي من رواية الأوزاعي: فبعث في طلبهم قافَة (٢)؛ أي: جمع قائف، ولمسلم من رواية معاوية بن قرة عن أنس: أنهم شباب من الأنصار قريب من عشرين رجلًا، وبعث معهم قائمًا يقتصُّ آثارهم (٣). قال في "الفتح": ولم أقف على اسم هذا القائف ولا على اسم واحد من العشرين، لكن في "مغازي" الواقدي: أن السرية كانت عشرين رجلًا، ولم يقل من الأنصار، بل سمى منهم جماعة من المهاجرين، منهم: بريدة بن الحصيب، وسلمة بن الأكوع الأسلميان، وجندب ورافع ابنا مكيث جهنيان، وأبو ذر وأبو رهم الغفاريان، وبلال بن الحارث وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان، وغيرهم. وقد قيل: إن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، كذا بزيادة الياء بعد العين المهملة، والمعروف: سعد -بسكون العين- بن زيد الأشهلي (٤). وفي البرماوي: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وقيل: جرير بن عبد الله البجلي، والمعروف تأخرُ إسلام جرير عن ذلك بمدة، فإن هذه القصة كانت في شوال سنة ست من الهجرة. (فلما ارتفع النهار) فيه حذف تقديره: فأُدركوا في ذلك اليوم، فأُخذوا، فلما تعالى النهار، (جيء بهم) إلى رسول الله ﷺ أسارى، ولفظ جيء مبني

стр. 3327

للمفعول، (فأمر) ﷺ (بقطع أيديهم). وفي لفظ: فقطع أيديهم (وأرجلهم) (١)، قال الداودي: يعني: قطع يدي كل واحد ورجليه، وزاد الترمذي: من خلاف (٢)، وهي ترد ما قاله الداودي، ولم يحسمهم؛ أي: لم يكن إذا قطع منهم عضوًا يحسمه بالزيت المغلي لينقطع الدم، بل تركه ينزف حتى ماتوا (٣)، (وسُمِّرَتْ) -بتشديد الميم-، وفي رواية -بتخفيفها-، ولم تختلف رواية البخاري أنها بالراء، ووقع لمسلم: وسمل -بالتخفيف واللام (٤) - (أعينهم). قال الخطابي: السمل: فَقْءُ العين بأي شيء كان. قال أبو ذؤيب الهذلي: [من الكامل] وَالْعَيْنُ بَعدَهُمُ كَأَنَّ حِدَاقَهَا ... سُمِلَتْ بِشَوْكٍ فَهْيَ عُورٌ تَدمَع (٥) قال: والسمر لعلَّه لغة في السمل، ومخرجهما متقارب، قال: وقد يكون من السمر، يريد: أنهم كحلوا بأميال قد أحميت (٦)، وقد وقع التصريح بالمراد عند البخاري، ولفظه: ثم أمر بمسامير فأُحميت فكحلهم بها (٧)، فهذا يوضح ما تقدم، ولا يخالف ذلك رواية السمل؛ لأنه فقء

стр. 3328

العين بأي شيء كان كما مضى (١) (وتُرِكُوا)، وفي لفظ: وتركهم (٢)، وفي آخر: ونبذوا (٣)، وفي آخر: وألقوا (٤) (في الحَرَّة) -وهي بفتح الحاء المهملة-: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة، وإنما ألقوا فيها؛ لأنها أقرب إلى المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا (٥). (يستسقون)؛ أي: يطلبون السقيا، يعني: يطلبون الماء ليشربوا، بها (فلا يُسْقَون)، حتى ماتوا. وفي رواية شعبة عن قتادة: يعضون الحجارة (٦)، وفي رواية: قال أنس: فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت (٧)، ولأبي عوانة: يعض الأرض ليجد بردها ممّا يجد من الحر والشدة (٨)، وفي لفظ: ممّا يجد من الغم والوجع (٩). وعند أبي عوانة عن أنس قال: فصلب اثنين، وقطع اثنين، وسمل اثنين (١٠)، كذا ذكر ستة فقط.

стр. 3329

قال في "الفتح": فإن كان محفوظًا، فعقوبتهم كانت موزعة (١). وقال ابن الجوزي وجماعة من العلماء: إن ذلك وقع عليهم على سبيل القصاص؛ لما وقع عند مسلم من حديث سليمان التيمي عن أنس: إنما سمل النّبيّ ﷺ أعينَهم، لأنهم سملوا أعين الرعاة (٢)، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن المُثلة وقعت في حقهم من جهات، وليس في الحديث إلا السمل، فيحتاج إلى ثبوت البقية (٣). قال في "الفتح": كأن من قال: إنه فعل بهم ذلك قصاصًا تمسكَ بما نقله أهلُ المغازي أنهم مثلوا بالراعي، وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ، قال ابن شاهين عقب حديث عمران بن حصين في النهي عن المثلة: هذا الحديث ينسخ كل مثلة. وتعقبه ابن الجوزي بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار (٤)، بعد الإذن فيه، وقصةُ العرنيين قبل إسلام أبو هريرة، وقد ذكر النهي بعد الإذن، وحضر ذلك. وروى قتادة عن ابن سيرين: أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود (٥)، ولموسى بن عقبة في "المغازي" ذكر أن النّبيّ ﷺ نهى بعد ذلك عن المثلة

стр. 3330

بالآية في سورة المائدة، وإلى هذا مال البخاري، واستشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء للإجماع على أن من وجب عليه القتل فاستسقى، لا يمنع، وأجاب: بأن ذلك لم يقع عن أمر النّبيّ ﷺ ، ولا وقع منه نهي عن سقيه، انتهى (١). وضعفه في "الفتح"؛ لأنه ﷺ اطلع على ذلك، وسكوته كافٍ في ثبوت الحكم (٢). وأجاب النووي بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره (٣)، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته ليس له أن يسقيه المرتدَّ ويتيمم، بل عليه أن يستعمل الماء ولو مات المرتد عطشًا؛ أي: لعدم عصمته. وقال الخطابي: إنما فعل النّبيّ ﷺ بهم ذلك؛ لأنه أراد بهم الموت بذلك (٤)، وقيل: الحكمة في ذلك لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم، ولأنه ﷺ دعا بالعطش على من عطَّش آل بيته في قصة رواها النسائي (٥)، فيحتمل أن يكونوا منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يُراح به إلى النّبيّ ﷺ من لقاحه في كل
следующие страницы →