← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

الفهري (١)، وكذا ذكره ابن إسحاق والأكثرون، وهو -بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي-، وللنسائي من رواية الأوزاعي: فبعث في طلبهم قافَة (٢)؛ أي: جمع قائف، ولمسلم من رواية معاوية بن قرة عن أنس: أنهم شباب من الأنصار قريب من عشرين رجلًا، وبعث معهم قائمًا يقتصُّ آثارهم (٣). قال في "الفتح": ولم أقف على اسم هذا القائف ولا على اسم واحد من العشرين، لكن في "مغازي" الواقدي: أن السرية كانت عشرين رجلًا، ولم يقل من الأنصار، بل سمى منهم جماعة من المهاجرين، منهم: بريدة بن الحصيب، وسلمة بن الأكوع الأسلميان، وجندب ورافع ابنا مكيث جهنيان، وأبو ذر وأبو رهم الغفاريان، وبلال بن الحارث وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان، وغيرهم. وقد قيل: إن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، كذا بزيادة الياء بعد العين المهملة، والمعروف: سعد -بسكون العين- بن زيد الأشهلي (٤). وفي البرماوي: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وقيل: جرير بن عبد الله البجلي، والمعروف تأخرُ إسلام جرير عن ذلك بمدة، فإن هذه القصة كانت في شوال سنة ست من الهجرة. (فلما ارتفع النهار) فيه حذف تقديره: فأُدركوا في ذلك اليوم، فأُخذوا، فلما تعالى النهار، (جيء بهم) إلى رسول الله ﷺ أسارى، ولفظ جيء مبني

стр. 3327

للمفعول، (فأمر) ﷺ (بقطع أيديهم). وفي لفظ: فقطع أيديهم (وأرجلهم) (١)، قال الداودي: يعني: قطع يدي كل واحد ورجليه، وزاد الترمذي: من خلاف (٢)، وهي ترد ما قاله الداودي، ولم يحسمهم؛ أي: لم يكن إذا قطع منهم عضوًا يحسمه بالزيت المغلي لينقطع الدم، بل تركه ينزف حتى ماتوا (٣)، (وسُمِّرَتْ) -بتشديد الميم-، وفي رواية -بتخفيفها-، ولم تختلف رواية البخاري أنها بالراء، ووقع لمسلم: وسمل -بالتخفيف واللام (٤) - (أعينهم). قال الخطابي: السمل: فَقْءُ العين بأي شيء كان. قال أبو ذؤيب الهذلي: [من الكامل] وَالْعَيْنُ بَعدَهُمُ كَأَنَّ حِدَاقَهَا ... سُمِلَتْ بِشَوْكٍ فَهْيَ عُورٌ تَدمَع (٥) قال: والسمر لعلَّه لغة في السمل، ومخرجهما متقارب، قال: وقد يكون من السمر، يريد: أنهم كحلوا بأميال قد أحميت (٦)، وقد وقع التصريح بالمراد عند البخاري، ولفظه: ثم أمر بمسامير فأُحميت فكحلهم بها (٧)، فهذا يوضح ما تقدم، ولا يخالف ذلك رواية السمل؛ لأنه فقء

стр. 3328

العين بأي شيء كان كما مضى (١) (وتُرِكُوا)، وفي لفظ: وتركهم (٢)، وفي آخر: ونبذوا (٣)، وفي آخر: وألقوا (٤) (في الحَرَّة) -وهي بفتح الحاء المهملة-: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة، وإنما ألقوا فيها؛ لأنها أقرب إلى المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا (٥). (يستسقون)؛ أي: يطلبون السقيا، يعني: يطلبون الماء ليشربوا، بها (فلا يُسْقَون)، حتى ماتوا. وفي رواية شعبة عن قتادة: يعضون الحجارة (٦)، وفي رواية: قال أنس: فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت (٧)، ولأبي عوانة: يعض الأرض ليجد بردها ممّا يجد من الحر والشدة (٨)، وفي لفظ: ممّا يجد من الغم والوجع (٩). وعند أبي عوانة عن أنس قال: فصلب اثنين، وقطع اثنين، وسمل اثنين (١٠)، كذا ذكر ستة فقط.

стр. 3329

قال في "الفتح": فإن كان محفوظًا، فعقوبتهم كانت موزعة (١). وقال ابن الجوزي وجماعة من العلماء: إن ذلك وقع عليهم على سبيل القصاص؛ لما وقع عند مسلم من حديث سليمان التيمي عن أنس: إنما سمل النّبيّ ﷺ أعينَهم، لأنهم سملوا أعين الرعاة (٢)، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن المُثلة وقعت في حقهم من جهات، وليس في الحديث إلا السمل، فيحتاج إلى ثبوت البقية (٣). قال في "الفتح": كأن من قال: إنه فعل بهم ذلك قصاصًا تمسكَ بما نقله أهلُ المغازي أنهم مثلوا بالراعي، وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ، قال ابن شاهين عقب حديث عمران بن حصين في النهي عن المثلة: هذا الحديث ينسخ كل مثلة. وتعقبه ابن الجوزي بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار (٤)، بعد الإذن فيه، وقصةُ العرنيين قبل إسلام أبو هريرة، وقد ذكر النهي بعد الإذن، وحضر ذلك. وروى قتادة عن ابن سيرين: أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود (٥)، ولموسى بن عقبة في "المغازي" ذكر أن النّبيّ ﷺ نهى بعد ذلك عن المثلة

стр. 3330

بالآية في سورة المائدة، وإلى هذا مال البخاري، واستشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء للإجماع على أن من وجب عليه القتل فاستسقى، لا يمنع، وأجاب: بأن ذلك لم يقع عن أمر النّبيّ ﷺ ، ولا وقع منه نهي عن سقيه، انتهى (١). وضعفه في "الفتح"؛ لأنه ﷺ اطلع على ذلك، وسكوته كافٍ في ثبوت الحكم (٢). وأجاب النووي بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره (٣)، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته ليس له أن يسقيه المرتدَّ ويتيمم، بل عليه أن يستعمل الماء ولو مات المرتد عطشًا؛ أي: لعدم عصمته. وقال الخطابي: إنما فعل النّبيّ ﷺ بهم ذلك؛ لأنه أراد بهم الموت بذلك (٤)، وقيل: الحكمة في ذلك لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم، ولأنه ﷺ دعا بالعطش على من عطَّش آل بيته في قصة رواها النسائي (٥)، فيحتمل أن يكونوا منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يُراح به إلى النّبيّ ﷺ من لقاحه في كل

стр. 3331

ليلة، كما ذكر ذلك ابن سعد (١) (قال أبو قِلابة) -بكسر القاف وتخفيف اللام وبالباء الموحدة- عبدُ الله بنُ زيد بنِ عمرو الجَزمي نسبة إلى جرم -بفتح الجيم وسكون الراء-، روى عن الثابت بن الضحاك الأنصاري، وأنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وتقدمت ترجمته في باب: صفة صلاة النّبيّ ﷺ : (فهؤلاء)؛ يعني: العرنيين المتقدم ذكرهم، (سرقوا)؛ أي: لأنهم أخذوا اللقاح من حرز مثلها، وهذا ما قاله أبو قلابة استنباطًا كما في "الفتح" (٢). قال البدر العيني: لم يكن هذا سرقة، إنما كان حرابة، وهذا ظاهر لا يخفى (٣)، (وقتلوا)، أي: الراعي -كما تقدم-، (وكفروا بعد إيمانهم)؛ أي: ارتدوا عن دين الإسلام، هكذا هو في رواية سعيد عن قتادة عن أنس في "المغازي"، وكذا في رواية وهب عن أيوب في الجهاد في أصل الحديث (٤)، وليس موقوفًا على أبي قلابة كما توهمه بعضهم (٥). كذا قوله: (وحاربوا [الله ورسوله]): ثبت عند الإمام أحمد من رواية حميد عن أنس في أصل الحديث: وهربوا محاربين (٦). وفي هذا الحديث من الفوائد سوى ما تقدم: قدوم الوفود على الإمام، ونظرُه في مصالحهم.

стр. 3332

وفيه: مشروعية الطلب والتداوي بألبان الإبل وأبوالها. وفيه: أن كل جسد يطب بما اعتاده. وفيه: قتل الجماعة بالواحد، سواء قتلوه غيلة، أو حرابة (١)، إن قلنا: إن قتلهم كان قصاصًا، وأما إن كان قتلهم لأجل حرابتهم، فلا ريب أنه ثبت في "الصحيحين" من حديث أنس: ثم مالوا على الرعاء فقتلوهم، وارتدوا على الإسلام، واستاقوا ذَوْدَ رسول الله ﷺ (٢)، وحينئذٍ فيكون قتلهم بردتهم، والتنكيل الذي صار لهم لعظم جرمهم وقبح جريرتهم. وثبت -أيضًا- أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود. وفي البخاري: قال سلام بن مسكين: فبلغني أن الحَجاج قال لأنس: حدّثني بأشدِّ عقوبة عاقبه النّبيّ ﷺ -كذا بالتذكير على إرادة العقاب-، وفي رواية بهز: عاقبها؛ إجراءً على ظاهر اللفظ، فحدّثه بهذا، يعني: حديث العرنيين، فبلغ الحسنَ البصري -رحمه الله تعالى-، فقال: وددت أنه لم يحدّثه بهذا (٣)، أو في رواية بهز: فوالله! ما انتهى الحجاج حتى قام بها على المنبر، فقال: حدّثنا أنس، فذكره، وقال: قطع النّبيّ ﷺ الأيدي والأرجل، وسمر الأعين في معصية الله، أفلا نفعل نحن ذلك في معصية الله. وساق الإسماعيلي من وجهٍ آخر عن ثابت: حدّثني أنس، قال: ما ندمت على شيء ما ندمتُ على حديثٍ حدّثت به الحجاجَ، فذكره، وإنما ندم أنس على ذلك؛ لأن الحجاج كان مسرفًا في العقوبة، وكان يتعلق

стр. 3333

بأدنى شبهة، ولا حجةَ له في قصة العرنيين، لأنه ورد التصريح في الصحيح بأنهم ارتدوا، و-أيضا- كان ذلك قبل النهي عن المثلة؛ فإن أبا هريرة حضر الأمر بالتعذيب بالنار، ثم حضر نسخَه (١)، والنهيَ عن التعذيب بالنار، وكان إسلام أبي هريرة متأخرًا عن قصة العرنيين، وقد نهى النّبيّ ﷺ عن المثلة (٢). وفي مسلم عن قتادة، قال: بلغنا أن النّبيّ ﷺ بعد ذلك كان يحثُّ على الصدقة، وينهى عن المثلة (٣). تنبيه: حَدُّ المحاربين، وهم قطاعُ الطريق المكلفون الملتزمون، ولو أنثى، الذين يعرضون للناس بسلاحٍ ولو بِعصًا وحجارة، في صحراء أو بنيان أو بحر، فيغصبونهم مالًا محترمًا قهرًا مجاهرة، فإِن أخذوا مختفين، فسرّاق، وإن خطفوه وهربوا، فمنتهبون، لا قطع عليهم، وإن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة، فاستلبوا منها شيئًا، فليسوا بمحاربين؛ لأنهم لم يرجعوا إلى منعة وقوة، وإن خرجوا على عددٍ يسير فقهروهم، فهم محاربون، ويعتبر ثبوت ذلك ببيّنة، أو إقرار معتبر، فمن كان منهم قد قتل قتيلًا لأخذ ماله، ولو بمثقل، أو سوطٍ، أو عصا ولو غير مكافٍ له؛ كمن قتل عبدًا أو ذميًا وأخذ المال، قتل حتمًا بالسيف في عنقه، ولو عفا عنه ولي، وصلب المكافىء دون غيره بقدر ما يشتهر، ثم يُنزل ويُدفع إلى أهله، فيُغسل ويُكفن، ويصلى عليه، ويدفن، فإن مات قبل قتله، لم يصلب.

стр. 3334

ولا يتحتم استيفاء جناية توجب القصاص فيما دون النفس إلا إذا كان قد قتل، وحكمها حكم الجناية في غير المحاربة، فإن جرح إنسانًا وقتل آخر، اقتُصَّ منه للجراح، ثم قُتل للمحاربة حتمًا فيهما (١). وفي "التنقيح" (٢)، و"المنتهى" (٣): التحتُّم القصاص في النفس فقط، وولي الجراح بالخيار، ورِدءٌ وطليع في ذلك كمباشر، فإذا قتل واحدًا منهم، ثبت حكم القتل في حق جميعهم، فيجب قتل الكل، وإن قتل بعضُهم، وأخذ المال بعضُهم، قتلوا كلهم، وصلب المكافىء. وإن قطع أهل الذمة على المسلمين الطريق وحدَهم، أو مع المسلمين، انتقض عهدُهم، وحلّت دماؤهم وأموالهم، ومن قتل من المحاربين، ولم يأخذ المال، قُتل حتمًا، ولا أثر لعفو ولي، ولم يصلب. ومن أخذ المال ولم يقتل، قُطعت يده اليمنى، وحُسمت، ثم رجلُه اليسرى، وحُسمت في مقام واحد حتمًا مرتبًا وجوبًا. وإن أخافوا السبيل من غير قتل ولا أخذ مال، نُفوا وشُرِّدوا، فلا يُتركون أن يأووا إلى بلد -ولو عبدًا- حتى تظهر توبتهم، ويجب أن ينفوا متفرقين، ومن تاب منهم قبل القدرة عليه لا بعدها، سقط عنه حقُّ الله من الصلب والقطع، وانحتام القتل، حتى حدّ زِنًا وسرقةٍ وشرب، وكذا خارجي وباغٍ ومرتدّ، وآخذ بحقوق الآدميين من الأنفس والأموال والجراح، إلا أن يُعفى لهم عنها، وقد تضمنت الآية الشريفة أحوال المحاربين وهي: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ

стр. 3335

تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. وقد روى الشافعي في "مسنده" عن ابن عباس ﵄ في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال، قُتلوا وصُلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، قُتلوا ولم يُصلبوا، فإذا أخذوا المال ولم يَقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلُهم من خلف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا، نُفوا من الأرض (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية": هذا قول كثير من أهل العلم كالشافعي، وأحمد، قال: وهو قريب من قول أبي حنيفة، انتهى (٢). وتحقيق مذهب أبي حنيفة على ما نقله الإمام ابن هبيرة في "الإفصاح": أن الإمام مخيّر، إن شاء، قطع أيديهم وأرجلهم من خلف، وصلبهم، وإن شاء، صلبهم، وإن شاء، قتلهم ولم يصلبهم، وصفةُ القتل عنده أن يُصلب الواحد منهم حيا ويُبعج بطنه برمح إلى أن يموت، ولا يُصلب أكثرَ من ثلاثة أيام. وعنه رواية أخرى: أنه يقتل، ثم يصلب مقتولًا، فإن قتلوا ولم يأخذوا المال، قتلهم الإمام حدًا، وإن عفا الأولياء عنهم، لم يلتفت إلى قولهم، فإن أخذوا مالًا لمسلم أو ذمي، والمأخوذ لو قُسم على جماعتهم أصابَ كلَّ واحد عشرةُ دراهم فصاعدًا، أو ما قيمته ذلك، قطع الإمام أيديَهم وأرجلَهم من خلاف، فإن أُخذوا قبل أن يأخذوا مالًا ولا قَتلوا نفسًا، حبسهم الإمام

стр. 3336

حتى يحدِثوا توبة، أو يموتوا، فهذه صفة النفي عنده. وقال مالك: إذا المحاربون فعل الإمام فيهم ما يراه ويجتهد فيه، فمن كان منهم ذا رأي وقوة، قتل، ومن كان ذا جلد وقوة، قطعه من خلاف، ومن كان منهم لا رأي له ولا قوة، نفاه. وفي الجملة عنده: أنه يجوز قتلهم وقطعهم وصلبهم وإن لم يقتلوا، ولم يأخذوا مالًا على ما يراه أردعَ لهم ولأمثالهم، وصفةُ النفي عنده: أن يُخرجوا من البلد الذي كانوا فيه إلى غيره، ويُحبسوا فيه. ووقتُ الصلب عنده لمن رأى الإمام أن يجمع بين صلبه وقتله: أن يُصلب حيًا، ويقتل. وكيفية الصلب في مذهبه كمذهب أبي حنيفة. وصفة النفي عند الشافعي: أن يطلبوا إذا هربوا ليقام عليهم الحد إن أتوا حدًا، وعند بعض أصحاب الشافعي: أنه يصلب حيًا، ثم يقتل، والأصح عندهم كمذهبنا، والله أعلم (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من كان من المحاربين قد قتل، فإنه يقتله الإمام حدًا، لا يجوز العفو عنه بحال، بإجماع العلماء، ذكره ابن المنذر، وهذا متفق عليه بين الفقهاء، حتى لو كان المقتول غير مكافىء للقاتل -كما تقدم (٢) -. قال شيخ الإسلام: فأما التمثيل في القتل، فلا يجوز إلا على وجه القصاص، وقد قال عِمران بن حُصين ﵁: ما خطبنا

стр. 3337

رسول الله ﷺ خطبةً إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المُثْلَة (١)، حتى الكفار إذا قتلناهم، فإنا لا نمثل بهم بعد القتل، فلا نجدع أنفهم وآذانهم، ولا نبقُر بطونهم، إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا، فنفعل بهم مثلما فعلوا، والتركُ أفضلُ كما قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]. وفي "صحيح مسلم" عن بريدة بن الحصيب ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على سرية جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم يقول: "اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا مَنْ كفرَ بالله، ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تُمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا" (٢)، والله -تعالى- الموفق.

стр. 3338

الحديث الثاني عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهنِيِّ ﵄: أنّهُمَا قَالَا: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنْشُدُكَ الله، إِلا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بكِتَابِ اللهِ، فَقَالَ الخَصمُ الآخَرُ -وَهوُ أَفْقَهُ مِنْهُ-: نعم. اقْضِ بينَنَا بَكِتَاب اللهِ، وَائذنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قُلْ"، قَالَ: إنَّ ابْنِي كانَ عَسِيفًا عَلَى هذَا، فَزَنَى بامرَأَتِهِ، وَإنِّي أُخْبرتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتديْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَة، فَسأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَأَخْبَرونِي: أنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِئة وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، وأَنَّ عَلَى امرَأَةِ هذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ! لأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بكِتَابِ اللهِ، الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أَنِيسُ -لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَم- إلَى امرَأَةِ هذَا، فَإنِ اعتَرَفَتْ، فَارجُمها"، فَغَدَا عَلَيْها، فَاعتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِها رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَرُجِمَتْ (١). العسيف: الأجير.

стр. 3339

(عن عُبيد الله) -مصغرًا- (بنِ عبد الله بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ) الهُذَليِّ، وهو أخو عبد الله بن مسعود، أحدُ الفقهاء السبعة من المدينة، وأحد أعلام التابعين، إمام ثقة، مأمون، كثير الحديث والعلم، شاعر مُجيد، لقي خلقًا

стр. 3340

كثيرًا من الصحابة، وسمع من ابن عباس، وابن عمر، وسمع عائشة، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وغيرهم، وروى عنه: أبو الزناد، والزهري. مات سنة تسع وتسعين على ما قاله المديني، وقال البخاري: سنة خمس، أو أربع، وقال الواقدي، وابن نمير: سنة ثمان، أخرج له الجماعة (١). (عن أبي هريرة) عبدِ الرحمن بنِ صخرٍ (وزيدِ بنِ خالدٍ الجهني) الصحابي -وقد تقدمت ترجمته في باب: اللقطة - ﵄ -؛ يعني: من تقدم ذكرُهم من الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- (أنهما)؛ أي: أبا هريرةَ، وزيدَ بنَ خالد (قالا): (إن رجلًا من الأعراب) لم يسمِّه البرماوي في "مبهمات العمدة"، ولا الأسيف، ولا اسم أبيه، ولا اسم المرأة، ولا وقفت على من سمَّى أحدًا منهم (أتى رسول الله ﷺ ، فقال) ذلك الأعرابي: (يا رسولَ الله! أنشدُكَ الله) (إلا قضيتَ بيننا)؛ أي: بيني وبين هذا الرجل، وابنه الذي زنى بامرأته، (بكتاب الله)؛ أي: بحكم الله -تعالى-. فإن قيل: هذا المتكلم وخصمُه يعلمان أنه ﵇ لا يحكم إلا بكتاب الله -تعالى-، فما معنى قولهما: اقض بيننا بكتاب الله؟

стр. 3341

فالجواب: أن مرادهما الفصلُ بينَهما بالحكم الصرف لا بالصلح، إذ للحاكم أن يفعل ذلك، لكن برضاهما (١). (فقال الخصم الآخر: وهو أفقهُ)؛ أي: أعلمُ وأفهم (منه)؛ أي: من الأول الذي هو زوجُ المرأة، (نعم) وفي لفظ: صدقَ (٢): (اقضِ)؛ أي: افصل (بيننا بكتاب الله)؛ أي: بحكمه (وائذَنْ لي) فعل دعاء؛ لأنه من الأدنى إلى الأعلى، ومن أدبه وفقهه: طلبُه الإذنَ من الرسول ﷺ . (فقال) له (رسول الله ﷺ : قل) جوابًا لطلبه أن يأذن له بالتكلم (قال: إن ابني كان عسيفًا)؛ أي: أجيرًا، ويُجمع على عسفاء، ذكره الأزهري (٣)، وعَسَفَة على غير قياس، ذكره ابن سيده (٤)، وقيل: كل خادم عسيفٌ. وقال ابن الأثير: عسيف: فَعيل بمعنى مفعول؛ كأسير، أو بمعنى فاعل؛ كعليم؛ من العَسْف: الجور، أو الكفاية، يقال: هو يعسفهم؛ أي: يكفيهم، وكم أعسف عليك؛ أي: أعمل لك، ومنه الحديث: "لا تقتلوا عسيفًا ولا أسيفًا" (٥). (على هذا)، إنما عداه بعلى دون اللام؛ ليعلم أنه أجير، وأجرته ثابتة عليه، وإنما يكون كذلك إذا لابسَ العملَ وأتمّه، ولو قال: لهذا، لم يلزم ذلك (٦).

стр. 3342

(فزنى) ابني الذي هو أجيرُ هذا (بامرأته)، ويُعلم من فحوى هذا أنه برضاها غير غاصب لها، فلا مهر لها، (وإني) استخبرتُ عن حكم ذلك، وما يلزم ابني منه، فـ (أُخبرت أن على ابني الرجمَ) حتى يموت، وفي لفظ: فقالوا لي: على ابنك الرجمُ (١)، (فافتديت) ابني (منه)؛ أي: من الرجم، أو من هذا بألَّا يرجم (بمئة شاة) من الغنم، (ووليدة)؛ أي: جارية، فقبل ذلك مني، وتسلم المئة شاة والوليدة مني، (فسألتُ)، وفي لفظ: ثم سألت (أهلَ العلم) (٢) -أراد بهم: الصحابة- الذين كانوا يُفتون في عصر النبي ﷺ ، وهم: الخلفاء الأربعة، وثلاثة من الأنصار: أُبي بن كعب، ومُعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، ﵃ كما تقدم في ترجمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في أول الكتاب، (فأخبروني أَنَّما)؛ أي: ليس (على ابني) شيء سوى (جلد مئة) من الجلدات، (وتغريب عام)، التغريب -بالغين المعجمة-: النفي من البلد الذي وقعت فيه الجنابة، يقال: أغربته، وغَرَّبته: إذا نحيته وأبعدته، والغرب: البعد (٣). (و) أخبروني (أن على امرأة هذا) الرجلِ (الرجمَ)؛ لكونها محصنة، وأما ابني؛ فإنه بكر لم يحصن. (فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده!) وكانت هذه يمينه غالبًا، وهو الله -جل شأنه- (لأقضينّ بينكما) ثناه لإرادة الخصمين، بقطع النظر عن

стр. 3343

الزاني والمزنيِّ بها (بكتاب الله)؛ أي: بحكمه -تعالى-؛ إذ ليس في الكتاب حكم الرجم، وقد جاء الكتاب بمعنى الفرض، قال -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]؛ أي: فرض، أو لأنه نزلت أولًا آية الرجم، ثم نسخ لفظها وبقي حكمها (١). كما روي عن عمر ﵁ أنه قال: قرأناها فيما أنزل الله: (الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا، فارجموهما البتةَ) (٢). وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا، البكرُ بالبكر مئةُ جلدة ونفيُ سنة، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مئة والرجم" رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٣). وعن جابر بن عبد الله ﵄: أن رجلًا زنى بامرأة، فأمر به النبيُّ ﷺ ، فجلد الحد، ثم أُخبر أنه محصَن، فأمر به فرُجم. رواه أبو داود (٤). وعن جابر بن سمرة ﵁: أن رسول الله ﷺ رجم ماعزَ بنَ مالك، ولم يذكر جلدًا. رواه الإمام أحمد (٥). (الغنم) (٦) التي دفعتها له مصالحةً عما أخبرت به من رجم ولدك، (و) كذا (الوليدةُ) التي دفعتها له كذلك (رَدُّ)؛ أي: مردود ذلك (عليك)،

стр. 3344

ويروى: "فترد عليك" على صيغة المجهول من المضارع (١)، فالواجب (على ابنك جلدُ مئة) سوط (وتغريب عام) من محله إلى مسافة قصر، والبدوي يغرب عن محلته وقومه، ولا يمكَّن من الإقامة بينهم، والواجب على امرأة هذا الرجل الرجم بالحجارة حتى تموت إن ثبت زناها، إما بالبينة، أو الاعتراف. ثم قال ﷺ : (واغد يا أنيس)؛ أي: ائت. وقال البرماوي: أُنيس -بضم الهمزة- تصغير أنس، واختُلف فيه، فقيل: إنه أنيس بن مرثد بن أبي مَرْثَد -بفتح الميم والثاء المثلثة- الغَنَوِيُّ -بفتح الغين والنون-، واسمُ أبي مرثد: كَنَّاز -بفتح الكاف وتشديد النون وآخره زاي- ابنُ حصن أو حُصين، وقيل: بل اسمه حصينُ بنُ كناز. وقيل: اسمه أيمن، نقله الذهبي عن "تلقيح" ابن الجوزي (٢)، وهذا جده حليف حمزة بن عبد المطلب ﵁، وهو من بني غَنِيّ -بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد الياء- اسمه: عمرو بن أَعصُر -بفتح الهمزة وسكون العين وضم الصاد المهملتين-، ويقال: يَعْصُر: بإبدال الهمزة ياء مثناة تحت، ابن سعد بن قيس عيلان -بالعين المهملة- بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وأنيس هذا وأبوه وجدُّه من أصحاب رسول الله ﷺ ، قتل أبوه يوم الرجيع في حياة النبي ﷺ ، ومات جده في خلافة الصديق الأعظم ﵁. وشهد أنيسٌ هذا فتحَ مكة وحُنينًا، وكان عينًا للنبي ﷺ في غزوة حنين.

стр. 3345

والصحيح أن أنيسًا هو الأسلمي، نسبة إلى أَسْلَم -بسكون السين المهملة وفتح اللام- ابن أَفْصى -بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الصاد-، وقد روي عنه حديث: أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: "البسِ الخشنَ الضيق"، ويُعد في الشاميين، ومخرج حديثه عندهم. قال ابن الأثير في "جامع الأصول" عن أبي مرثد هذا: يقال: إنه الذي قال له النبي ﷺ : "واغدُ يا أنيس على امرأة هذا"، وقيل: هو غيره، ويكنى هذا بأبي يزيد، والصحيح أنه الأسلمي لا الغَنَوي؛ لكثرة الناقلين له، ولأن النبي ﷺ كان يتقصد أَلَّا يؤمر في القبيلة إلا رجلًا منهم؛ لنفورهم من حكم غيرهم. قال البرماوي: وكانت المرأة أسلمية، وفي رواية البخاري في "كتاب الأيمان" في باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ : "وامر أنيسَ الأسلميَّ أن يأتي امرأة الآخر" الحديث (١). وهذا قضية كلام الحافظ الذهبي في "تجريده" حيث جزم في ترجمة الأسلمي بأنه الذي قال له النبي ﷺ : "اغد يا أنيس"، وقال في ترجمة الغنوي: ويقال: إنه الذي قال له: "اغد يا أنيس". قال البرماوي: لم أطلع على وفاة الأسلمي، وأما الغنوي، فقال ابن عبد البر: إنه توفي في ربيع الأول سنة عشرين، والله الموفق (٢). (إلى امرأة هذا) الجار والمجرور متعلق بـ "اغد"، فاسألها عما نسب

стр. 3346

إليها من الزنا (فإن اعترفت) به، (فارجمها)؛ لأنها محصنة، ولا لها ما يدرأ الحد عنها. قال الراوي: (فغدا عليها)؛ أي: أتاها غدوةً، قاله ابن التين، ثم قال: قيل: فيه تأخير الحكم إلى الغد، وقال غيره: ليس معناه: امض إليها بكرة، بل معناه: امش إليها، فمشى إليها (١)، (فاعترفت) بالزنا، ولم تجد ما يدرأ الحد عنها، (فأمر بها رسول الله ﷺ )، في الكلام طيٌّ، والتقدير: فرجع أنيسٌ إلى النبي ﷺ ، فأخبره باعترافها، فأمر بها، (فرجمت) حتى ماتت. قال ﵀ ورضي عنه-: (العَسيف) -بفتح العين وكسر السين المهملتين-: (الأجير) كما ذكرنا أولًا. احتج به الإمام أحمد، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وغيرهم على أن الرجل إذا لم يكن محصنًا، وزنى، فإنه يجلد مئة، ويغرب عامًا، وقال أبو عمر: لا خلاف بين المسلمين أن البكر إذا زنى، فإنه يجلد مئة جلدة. واختلفوا في التغريب: فقال مالك: ينفى الرجل، ولا تُنفى المرأةُ، ولا العبدُ. وقال الأوزاعي: ينفى الرجل، ولا تنفى المرأة. وقال الثوري، والشافعي، والحسنُ بن حَيّ: ينفى الزاني إذا جُلد، امرأةً كان أو رجلًا. واختلف قول الشافعي في العبد، فقال مرة: استخرت الله في تغريب

стр. 3347

العبد، وقال مرةً: ينفى العبد نصفَ سنة، وقال مرةً: ينفى العبد إلى غير بلده، وبه قال الطبري. ومذهب الإمام أحمد: وجوبُ التغريب على الرجل والمرأة دون الرقيق مطلقًا، ويأتي تحرير ذلك. قال الإمام الترمذي: قد صح عن رسول الله ﷺ النفيُ، والعملُ على هذا عند أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر، وغيرهم، وكذلك روي عن غير واحد من التابعين، وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (١). وقال إبراهيم النخعي، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر: البكر إذا زنى، جُلد مئة جلدة، ولا ينفى إلا أن يرى الإمام أن ينفيه للدعارة التي كانت منه، فينفيه إلى حيث أحب (٢). قال البدر العيني في "شرح البخاري": الدعر والدعارة والشَّرُّ والفساد، ومدة نفي الدعار موكولة إلى رأي الإمام، انتهى (٣). وروي عن عمر: أنه غَرَّبَ في الخمر، وكان إذا غضب على رجل، نفاه، واحتج أبو حنيفة بحديث أبي هريرة الآتي في الأَمَةِ إذا زنت ولم تحصن، فأمر بجلدها، ولم يأمر مع الجلد بنفي. وقال -تعالى- في حق الإماء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فأعلمنا بذلك أن الواجب على الإماء إذا زنين نصفُ

стр. 3348

ما على الحرائر إذا زنين. ثم ثبت أن لا نفي على الأمة إذا زنت، كذلك -أيضًا- لا نفيَ على الحرة إذا زنت. وقال الطحاوي من الحنفية: وقد روينا عن رسول الله ﷺ : أنه نهى أن تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع مَحْرَم (١)، قال: وفي ذلك إبطال النفي عن النساء في الزنا، وانتفاء ذلك عن الرجال -أيضًا-؛ لأنه في درئه إياه عن الحرائر دليلٌ على درئه عن الأحرار، هذا كلامه (٢). وعلل غيره منهم ذلك بأن تغريبها بغير محرم إغراءٌ لها بالفجور، وتضييع لها، وإن غربت بمحرم، أفضى إلى تغريب مَنْ ليس بزانٍ، ونفي مَنْ لا ذنب له، وإن كلفت أجرته، ففي ذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به، كما لو زاد ذلك على الرجل. وقال أبو حنيفة، ومحمد: لا تغريب على رجل، ولا على امرأة؛ لأن عليًا ﵁ قال: حَسْبُهما من الفتنة أن يُنفيا (٣). ولنا: قوله ﷺ : "البكر بالبكر جلدُ مئة وتغريب عام"، وروى أبو هريرة، وزيدُ بنُ خالد هذا الحديث عن النبي ﷺ على العسيف بالتغريب عامًا، وفيه: فقال أبو العسيف: سألت رجالًا من أهل العلم، فقالوا: إنما على ابنك جلدُ مئة وتغريب عام، وهذا يدل على أن هذا كان مشهورًا عندهم من حكم الله وقضاء رسوله، وقد قيل: إن الذي قال له هذا أبو بكر، وعمر ﵄، ولأن التغريب فعلَه الخلفاء

стр. 3349

الراشدون، ولا يُعرف لهم في الصحابة مُخالف، فكان إجماعًا، وما روي عن علي ﵁ لا يثبت؛ لضعف رواته وإرساله، وما ذكروه من التعليل قياسٌ في مقابلة نص، فلا ينظر إليه، وقياسُهم الحرائر على الإماء قياسٌ مع الفارق لا ينهض لهم بحجة، ولأن تغريب الإماء تضييعٌ لحقوق ساداتهن، وإبطال لما يستحقونه من خدمتهن (١). وعلى كل حال ما قضى به النبي ﷺ والخلفاء الراشدون أولى وأحقُّ وأجدرُ أن يتبع، والله أعلم. وفي هذا الحديث: رجم الثيب، ويأتي الكلام عليه في حديث ماعز. وفيه: أن المدعي أولى بالقول، والطالب أحقُّ أن يتقدم بالكلام، وإن بدأ المطلوب. وفيه: أن الباطل من القضاء مردود، وما خالف السنة الواضحة من ذلك فباطل. وفيه: عدم اعتبار القبض الباطل، وأنه لا يدخل المقبوض في ملكه، ولا يصح ذلك، لأنه مبني على فاسد، وعليه رده. وفيه: أن للعالِم أن يُفتي في عصر فيه مَنْ هو أعلم منه حيث أفتى بعلم. وفيه: أن مجرد الزنا لا يوجب الفرقة بين المزني بها وزوجها. وفيه: دليل على قبول خبر الواحد. وفيه: أدب السائل في طلب الإذن. وفيه: أن الرجم لا يجب إلا على المحصَن، وهذا لا خلاف فيه بين

стр. 3350

العلماء، ولا التفات إلى ما يحكى عن الخوارج وقد خالفوا السنن (١). تنبيهات: الأول: المراد بالمُحْصَن هنا: من وطىء امرأة في قُبلها -ولو كانت امرأة كتابية- وطئًا حصل به تغييبُ الحَشَفة أو قدرِها بلا حائل في نكاح صحيح، وهما بالغان عاقلان حرّان ملتزمان لديننا، فإن اختل شرط منها، ولو في أحدهما، فلا إحصان لواحد منهما، فإن عتقا وبلغا وعقلا بعد النكاح، ثم وطئها، صارا محصَنين، فلا يحصل الإحصان بالوطء بملك اليمين، ولا في نكاح فاسد، ولا في نكاح خال عن الوطء، سواء حصل في خلوة، أو وطىء فيما دون الفرج، أو في الدبر، أو لا. ويثبت لمستأمنين كذميين، نعم، لا يصير المجوسيُّ محصنًا بنكاح ذي محرم (٢). وكل ما ذكرناه متفق عليه بين الأئمة الأربعة، إلا أن الإمام مالك قال: إذا كان أحد الزوجين كاملًا، والآخر ناقصًا، صار الكامل محصنًا، إلا الصبيَّ إذا وطىء الكبيرة لم يحصِنْها، ونحوه عن الأوزاعي. واختلف عن الشافعي، فقيل: له قولان: أحدهما: كقولنا، والثاني: أن الكامل يصير محصنًا، وهو قول ابن المنذر، وذكر ذلك من علمائنا: ابنُ أبي موسى في "الإرشاد"، فقال: إذا وطىء الحر البالغ حرة صغيرة في نكاح صحيح، صار محصَنًا دونها، وإذا وطىء الصبي الحرة الكبيرة، صارت محصنة دونه.

стр. 3351

وكذا يشترط الإسلام في الإحصان، وعطاء، والنخعي، والشعبي، ومجاهد، والثوري قالوا: فلا يكون الكافر محصنًا، ولا تُحصِن الذميةُ مسلمًا، وقال مالك كقولهم، إلا أن الذمية تحصن المسلم بناء على أصله في أنه لا يعتبر الكمال في الطرفين (١). قلت: معتمد مذهب الشافعي -كما في "شرح المنهج" للقاضي زكريا-: يحصل الإحصان الكامل بناقص؛ كأن وطىء كامل بتكليف، وحرة ناقصة، أو عكسه، فالكامل محصن نظرًا إلى كماله (٢). ويأتي الكلام على رد قول من أهدر الإحصان في حق أهل الذمة في الحديث الخامس. الثاني: لو ثبت زناه، وشهدت بينة الإحصان أنه داخل بزوجته، فقال علماؤنا: يثبت الإحصان بذلك، لأن المفهوم من لفظ الدخول كالمفهوم من لفظ المجامعة. وقال محمد بن الحسن: لا يكتفى به حتى يقول: جامَعها، أو باضَعَها، أو نحو ذلك؛ لأن الدخول يطلق على الخلوة، ولهذا يثبت بها أحكامه. قال الإمام الموفق: وهذا أصح القولين (٣). قلت: مشى في "الإقناع" على هذا حيث قال: ويثبت -يعني: الإحصان- بقوله: وطئتها -يعني: زوجته-، أو جامعتُها، أو باضعتُها، ويثبت إحصانها بقولها: إنه جامعها، أو باضعها، أو وطئها، وإن قالت: باشرها،

стр. 3352

أو مسها، أو أصابها، أو أتاها، أو دخل بها، أو قاله هو، فينبغي أَلَّا يثبت الإحصان، انتهى (١). وفي "المنتهى": يثبت؛ أي: إحصانه بقوله: وطئتها، أو جامعتها، أو دخلت بها (٢). الثالث: لو كان لرجل ولد من امرأته، فقال: ما وطئتها، لم يثبت إحصانه، وكذا هي إذا كان لها ولد من زوج، فأنكرت أن يكون وطئها، لم يثبت إحصانها، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يثبت الإحصان بذلك، ويُرجم إذا زنى؛ لأن الولد لا يكون إلا من وطء، فقد حكم ضرورة الحكم بالولد. ولنا: أن الولد يلحق بإمكان الوطء واحتماله، والإحصان لا يثبت إلا بحقيقة الوطء، فلا يلزم من ثبوت ما يكتفى فيه بالإمكان وجود ما تعتبر فيه الحقيقة، وهو أحق الناس بهذا، فإنه قال: لو تزوج امرأة في حضرة الحاكم في مجلسه، ثم طلقها فيه، فأتت بولد، لحقه، مع العلم بأنه لم يطأها في الزوجية، فكيف يحكم بحقيقة الوطء مع تحقق انتفائه؟ والله أعلم (٣). الرابع: دل الحديث على عدم صحة الصلح عن الحدود التي متمحضة لحق الله، فلا يصح الصلح عنها، واختلف في حد القذف هل يصح الصلح فيه أم لا؟ ولم يختلف في كراهيته؛ لأنه عن عِرض. ومعتمد مذهب الإمام أحمد: عدم صحة الصلح عنه، ويسقط.

стр. 3353

قال في "الإقناع": وإن صالح شفيعًا عن شُفعتِهِ، أو مقذوفًا عن حدِّه، أو صالح بعِوَضٍ عن خيار، لم يصح الصلح، وتسقط الشفعة وحد القذف، انتهى (١). وأما حقوق الأبدان من الجوارح، وحقوق الأموال، فلا خلاف في جواز الصلح عنها مع الإقرار، واختلف في صحة الصلح مع الإنكار، فأجازه أحمد، ومالك، وأبو حنيفة، ومنعه الشافعي (٢)، والله -تعالى- أعلم.

стр. 3354

الحديث الثالث عَنْهُ، عَنْهُمَا قَالَا: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنِ الأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَم تُحصِنْ، قَالَ: "إذَا زَنَتْ، فَاجْلِدُوها، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ، فَاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ، فَاجْلِدُوها، ثُمَّ بِيعُوها وَلَوْ بِضفِيرٍ". قَالَ ابنُ شِهاب: ما أَدرِي أَبَعدَ الثَّالِثة أَو الرَّابِعة. وَالضَّفِيرُ: الحَبْلُ (١).

стр. 3355

(عنه)؛ أي: عبيدِ الله بنِ عبد الله بن عتبةَ بنِ مسعود -رضي الله (عنهما) -؛ أي: عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني المتقدم ذكرُهما ﵄ (قالا: سئل) -بالبناء للمجهول- (النبيُّ) -بالرفع نائب الفاعل ( ﷺ عن الأمة) القِنِّ (إذا زنت ولم تحصن)، هذا لا مفهوم له؛ لأن الأمة لا يتصور إحصانُها، إذ من شرط الإحصان الحريةُ في قول جميع أهل العلم، إلا أبا ثور قال: العبد والأمة هما محصنان، يُرجمان إذا زنيا، إلا أن يكون الإجماع يخالف ذلك. وحكي عن الأوزاعي في العبد تحته حرة: هو محصن يُرجم إذا زنى، وإن كان تحته أمة، لم يرجم. وهذه أقوال تخالف النص والإجماع، فإن الله -تعالى- قال: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والرجم لا يتنصف، وإيجابه كله يخالف النص مع مخالفة الإجماع المنعقد على عدم رجم الأرقاء. وقد وافق الأوزاعي الجمهورَ على أن العبد إذا وطىء الأمة، ثم عتقا، لم يصيرا محصنين (١). (قال) ﷺ مجيبا لسؤال من سأل عن زنا الأمة: (إن زنت، فاجلدوها). وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين: أنه ﷺ قال: "إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحدَّ ولا تثريب عليها" (٢).

стр. 3356

قال الخطابي: ومعنى "لا تثريب عليها": لا يقتصر على التثريب، وهو التعيير والتوبيخ بالذنب (١). (ثم إن زنت) ثانيًا، (فاجلدوها) جلدًا ثانيًا، (ثم إن زنت) ثالثًا (فاجلدوها) -أيضًا- جلدًا ثالثًا. قال العلماء: إن كان الزاني رقيقًا من ذكر أو أنثى، فحدُّه خمسون جلدةً، بكل حال، سواء كانا بكرين، أو ثيبين، في قول أكثر أهل العلم، منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود ﵃، والحسن البصري، والنخعي، ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي، والعنبري، وغيرهم. وقال ابن عباس، وأبو عبيد: إن كانا مزوجين، عليهما نصفُ الحد، ولا حد على غيرهما؛ لقوله -تعالى-: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فيدل بخطابه على أنه لا حدَّ على غير المحصَنات من الإماء (٢). وفي "الهدي": قد يقال: إن تنصيصه على التنصيف بعدَ الإحصان لئلا يتوهم متوهم أن الإحصان يزيل التنصيف، ويصير حدها حدَّ الحرة، كما أن الجلد عن البكر زالَ بالإحصان، وانتقل إلى الرجم، فتبقى على التنصيف في أكمل حالتيها، وهي الإحصان؛ تنبيهًا على أنه إذا اكتفى به فيها، ففيما قبل الإحصان أولى وأحرى (٣).

стр. 3357

وقال داود الظاهري: على الأمة نصف الحد إذا زنت بعدما زوجت، وعلى العبد جلدُ مئة بكل حال. وعنه في الأَمة إذا لم تزوج روايتان: إحداهما: لا حدَّ عليها. والأخرى: تُجلد مئة؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] خرجت منه الأمة المحصنة بقوله: ﴿أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فيبقى العبد والأَمَة التي لم تحصن على مقتضى العموم. وقال: ويحتمل دليل الأمة في الخطاب أن لا حدّ عليها؛ كقول ابن عباس. وقال أبو ثور: الرقيقان إذا لم يحصنا بالتزويج، فعليهما نصفُ الحد، وإن أحصنا، فعليهما الرجمُ؛ لعموم الأخبار فيه، قال: ولأنه حدّ لا يتبعَّض، فوجب تكميله؛ كالقطع في السرقة. ولنا: ما ذكرنا من الأحاديث، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد حجةٌ على ابن عباس وموافقيه. وجعل داود على الأمة إذا لم تحصن مئة، وخمسين إذا أحصنت؛ نبذًا للشريعة، وخلاف ما شرع الله تعالى؛ فإنه تعالى ضاعف عقوبة المحصَن على غيره، فجعل الرجم على المحصن، والجلدَ على البكر، وداودُ عكس الأمر، فلا جَرَمَ وجب اتباع ما شرع اللهُ ورسوله، وطرحُ ما خالفه. وأما مفهوم الخطاب الذي تمسك به أبو ثور، فقد روي عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: إحصانُها إسلامُها، ثم إن أبا ثور خالف نصَّ قوله

стр. 3358

تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وخرق الإجماع في إيجاب الرجم على المحصنات من الأرقاء، كما خرقه داود في تكميل الجلد على العبيد، وتضعيف جلد الأبكار على المحصنات (١). وفي "زوائد المسند" للإمام عبد الله بن الإمام أحمد -رحمهما الله تعالى- عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى أمة له سوداءَ زنت لأجلدَها الحدَّ، فوجدتها في دمها، فأتيت النبيَّ ﷺ ، فأخبرته بذلك، فقال: "إذا تعالَّتْ من نفاسها، فاجلدها خمسين" (٢). وفي رواية: فأتيتها، فوجدتها لم تجفَّ من دمها، فأتيته فأخبرتُه، فقال: "إذا جفت من دمها، فأقم عليها الحد، أقيموا الحدودَ على ما ملكت أيمانكم" رواه أحمد، وأبو داود (٣). وفي "صحيح مسلم" من حديث علي ﵁: أنه قال: يا أيها الناس! أقيموا على أرقائكم الحدَّ، من أحصنَ منهن ومن لم يحصنْ؛ فإن أَمة رسولِ الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثةَ عهد بنفاسٍ، فخشيتُ إن أنا جلدتها أن أقتلَها، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "أحسنت" (٤). وفي "موطأ الإمام مالك" عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد

стр. 3359

من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا (١). (ثم) إن زنت الأَمَةُ بعد ذلك (بيعوها)، ولا تقتنوها؛ لعدم ردعها عن الفاحشة (ولو بضفير). و (قال) الإمام أبو بكر محمد (ابنُ شهاب) الزهري التابعيُّ: (لا أدري أبعدَ) المرةِ (الثالثةِ) أمرَ ببيعها، (أو) بعد المرة (الرابعة). وفي حديث أبي هريرة في "الصحيحين": "ثم إن زنت الثالثة، فليبعها، ولو بحبل من شعر" (٢). ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، وذكر فيه في الرابعة الحدَّ والبيع (٣). قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (والضفير) -بفتح الضاد المعجمة وكسر الفاء فتحتية ساكنة فراء-: (الحبل) العظيم المفتولُ من شعر، فَعيل بمعنى مفعول. تنبيه: استدل علماؤنا ومَنْ وافقهم بهذا الحديث وغيره على أن السيد له إقامةُ الحدِّ على رقيقه القِنِّ حيث كان الحدُّ جَلْدًا، وبهذا قال أكثر العلماء، ورُوي نحوُ ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي حميد، وأبي أسيد الساعديين، وسيدة نساء العالمين فاطمةَ الزهراء -رضوان الله عليهم-، ومن التابعين: علقمة، والأسود، والحسن، والزهري، وغيرهم، ومن الأئمة: مالك، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر.

стр. 3360

وقال ابن أبي ليلى: أدركتُ بقايا الأنصار يجلدون ولائدَهم في مجالسهم الحدودَ إذا زنوا (١). وعن الحسن بن محمد: أن فاطمةَ ﵍ حدَّتْ جاريةً لها زنت (٢). وعن إبراهيم: أن علقمةَ والأسودَ كانا يُقيمان الحدود على من زنى من خدم عشائرهم؛ كما رواه سعيد في "سننه" (٣). وقال الحنفية: ليس له ذلك؛ لأن الحدود إلى السلطان، ولأن من لا يملك إقامةَ الحد على الحر، لا يملكه على العبد؛ كالصبي، ولأن الحد لا يجب إلا ببينة أو إقرار، ويعتبر ذلك شروط؛ من عدالة الشهود، ومجيئهم مجتمعين في مجلس واحد، وذكر حقيقة الزنا، وغير ذلك من الشروط التي تحتاج إلى فقيه يعرفها، ويعرف الخلاف فيها، والصواب منها، وكذلك الإقرار، فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام أو نائبه كحدِّ الأحرار، ولأنه حقٌّ لله، فيفوض إلى الإمام؛ كالقتل والقطع. ولنا: الأحاديثُ المتقدمة، وفي حديث علي ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" رواه الدارقطني (٤)، ولأن السيد يملك تأديبَ أَمَته وتزويجَها، فملكَ إقامةَ

стр. 3361

الحدِّ عليها كالسلطان، وبهذا فارقَ الصبيَّ. إذا ثبت هذا، فيملك السيدُ إقامة الحد على رقيقه بأربعة شروط: أحدها: أن يكون جلدًا؛ كحد زنا، وشرب مسكر، وحد قذف، فأما القتلُ في الردة، والقطعُ في السرقة، فلا يملكها إلا الإمام، وفي رواية: يملكها السيد، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لظاهر قوله ﷺ : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". وروي: أن ابن عمر قطع عبدًا سرق، وكذلك عائشة، وعن حفصة: أنها قتلت أمةً لها سحرتها، وقد أنكر عثمان على حفصة ذلك. الثاني: كونُ السيد حرًا مكلفًا، عالمًا به وبشروطه، ولو فاسقًا، أو امرأة. الثالث: أَلَّا يكون له فيه شرك، وأن يكون كله في الرِّق، فلا يملك إقامةَ الحد على عبده المشترك، ولا على المبعَّض. الرابع: أَلَّا تكون أمته مزوجة، فإن كانت مزوجة، لم يملك إقامةَ الحد عليها، كما لا يملك إقامته على رقيق موليه، ولا فرق في الرقيق بين كونه مكاتبًا أو مرهونًا أو مستأجرًا، وليس للسيد إقامته إلا بعد ثبوته، إما بإقرار الرقيق الإقرارَ الذي يثبت به الحدُّ إذا علم شروطه، أو ببينة يسمعها إن كان يحسن سماعها، ويعرف شروط العدالة، نعم إن ثبت بعلمه، فله إقامتُه، بخلاف الإمام أو نائبه، فليس لهما إقامةُ الحدود بعلمِهما، والله تعالى الموفق (١).

стр. 3362

الحديث الرابع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنِّي زَنَيْتُ، فَأَعرَضَ عَنْهُ، فَتنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي زَنَيْتُ، فَأعرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَربَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَربَعَ شَهادَاتٍ، دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَبكَ جُنُون؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهلْ أَحصَنْتَ؟ "، قَالَ: نَعَم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اذْهبُوا بِهِ فَارجُمُوهُ". قالَ ابنُ شهابٍ: فَأَخبرَنَي أَبُو سَلَمَة بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّه سَمعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمنَاهُ بالمُصلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ، هرَبَ، فَأَدرَكنَاهُ بِالحَرَّةِ، فَرَجمنَاهُ (١).

стр. 3363

الرجُلُ هُوَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ. ورَوَى قِصَّتَهُ جَابِرُ بْنُ سَمُرَة (١)، وعَبْدُ الله بْنُ عبَّاسٍ (٢)، وأبو سعيدٍ الخُدرِيُّ (٣)، وبُرَيْدَةُ بنُ الحُصَيبِ الأَسْلَمِيُّ (٤). * * * (عن أبي هريرة ﵁: أنه)؛ أي: أبا هريرة (قال: أتى رجلٌ) هو ماعِزُ بنُ مالكٍ الأسلميُّ -كما يأتي في كلام المصنف ﵀،- وهو -بكسر العين المهملة وبالزاي-، وقال بعض العلماء: ماعزٌ لقبٌ له، واسمُه: عَرِيب -بفتح العين المهملة وكسر الراء-، وهو معدود في

стр. 3364

المدنيين، كتب له رسول الله ﷺ بإسلام قومه كتابًا، روى عنه ابنه عبد الله حديثًا واحدًا، وجاء وصفُه والثناءُ عليه في طرق من حديث حدِّه في الزنا (١). ففي مسلم من حديث بريدة: أن ماعزًا لما رُجِم، كان الناس فيه فرقتين، فقائل يقول: لقد هلك، قد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبةٌ أفضلُ من توبة ماعز، إنه جاء إلى رسول الله ﷺ ، فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة، قال: فلبثوا في ذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله ﷺ وهم جلوس، فسلم، ثم جلس، فقال: "استغفروا لماعز بنِ مالك"، فقالوا: غفرَ اللهُ لماعز بن مالك، قال: فقال رسول الله ﷺ : "لقد تابَ توبةً لو قُسمت بين أمة، لوسعتهم" الحديث (٢). وفي "أبي داود" من حديث أبي هريرة ﵁: لما أمر به ﷺ ، فرُجم، سمع رجلين من أصحابه يقول أحدُهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي سترَ الله عليه، فلم تدَعه نفسه حتى رُجم رجمَ الكلب، فسكت عنهما، وسار ساعةً حتى مَرَّ بجيفة حمار شائلًا رجله، فقال: "أين فلان وفلان؟ "، فقالا: نحن ذا يا رسول الله! قال: "كُلا من جيفة هذا الحمار"، فقالا: يا نبي الله! من يأكل من هذا؟ قال: "فما نِلْتُما من عِرض أخيكما آنِفًا أشدُّ من أكله، والذي نفسي بيده! إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" (٣).

стр. 3365

وفي "أبي داود" أيضًا، من حديث جابر بن سمرة ﵁، قال: أنا رأيت ماعزًا حين جيء به رسولَ الله ﷺ ، قصيرا أعضلَ عليه رداء، الحديث (١). والأعضل -بالضاد المعجمة- قال في "النهاية": الأعضل والعَضِل: المكتنز باللحم، والعَضَلَةُ في البدن: كلُّ لحمة صلبة مكتنزة، ومنه: عَضَلَة الساق، قال: ويجوز أن يكون أراد: أن عضلة ساقيه كبيرة (٢). وفي رواية: أتى رجل قصيرٌ أشعثُ ذو عضلات (٣). (من المسلمين)، بيان الواقع؛ لأن ماعزًا من أصحاب رسول الله ﷺ (رسولَ الله ﷺ ) بالنصب مفعولًا لأتى، (وهو)؛ أي: رسولُ الله ﷺ (في المسجد) النبوي، جملة حالية، (فناداه)، أي: نادى ذلك الرجل الذي هو ماعز بنُ مالك الأسلميُّ النبيَّ ﷺ ، (فقال) في ندائه: (يا رسول الله! إني زنيت)، وهذا أصح وأثبت من كل حديث في صفة إقرار ماعز. وفي "مسلم": أن النبي ﷺ قال لماعز: "حقٌّ ما بلغني عنك؟ "، قال: وما بلغك عني؟ قال: "بلغني عنك أنك وقعتَ بجارية آل فلان"، قال: نعم (٤). وجاء في رواية لغير مسلم: أن قومه أرسلوه، فقال ﷺ للذي أرسله:
следующие страницы →