الحدِّ عليها كالسلطان، وبهذا فارقَ الصبيَّ.
إذا ثبت هذا، فيملك السيدُ إقامة الحد على رقيقه بأربعة شروط:
أحدها: أن يكون جلدًا؛ كحد زنا، وشرب مسكر، وحد قذف، فأما القتلُ في الردة، والقطعُ في السرقة، فلا يملكها إلا الإمام، وفي رواية: يملكها السيد، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لظاهر قوله ﷺ : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم".
وروي: أن ابن عمر قطع عبدًا سرق، وكذلك عائشة، وعن حفصة: أنها قتلت أمةً لها سحرتها، وقد أنكر عثمان على حفصة ذلك.
الثاني: كونُ السيد حرًا مكلفًا، عالمًا به وبشروطه، ولو فاسقًا، أو امرأة.
الثالث: أَلَّا يكون له فيه شرك، وأن يكون كله في الرِّق، فلا يملك إقامةَ الحد على عبده المشترك، ولا على المبعَّض.
الرابع: أَلَّا تكون أمته مزوجة، فإن كانت مزوجة، لم يملك إقامةَ الحد عليها، كما لا يملك إقامته على رقيق موليه، ولا فرق في الرقيق بين كونه مكاتبًا أو مرهونًا أو مستأجرًا، وليس للسيد إقامته إلا بعد ثبوته، إما بإقرار الرقيق الإقرارَ الذي يثبت به الحدُّ إذا علم شروطه، أو ببينة يسمعها إن كان يحسن سماعها، ويعرف شروط العدالة، نعم إن ثبت بعلمه، فله إقامتُه، بخلاف الإمام أو نائبه، فليس لهما إقامةُ الحدود بعلمِهما، والله تعالى الموفق (١).
الرجُلُ هُوَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ.
ورَوَى قِصَّتَهُ جَابِرُ بْنُ سَمُرَة (١)، وعَبْدُ الله بْنُ عبَّاسٍ (٢)، وأبو سعيدٍ الخُدرِيُّ (٣)، وبُرَيْدَةُ بنُ الحُصَيبِ الأَسْلَمِيُّ (٤).
* * *
(عن أبي هريرة ﵁: أنه)؛ أي: أبا هريرة (قال: أتى رجلٌ) هو ماعِزُ بنُ مالكٍ الأسلميُّ -كما يأتي في كلام المصنف ﵀،- وهو -بكسر العين المهملة وبالزاي-، وقال بعض العلماء: ماعزٌ لقبٌ له، واسمُه: عَرِيب -بفتح العين المهملة وكسر الراء-، وهو معدود في
стр. 3364
المدنيين، كتب له رسول الله ﷺ بإسلام قومه كتابًا، روى عنه ابنه عبد الله حديثًا واحدًا، وجاء وصفُه والثناءُ عليه في طرق من حديث حدِّه في الزنا (١).
ففي مسلم من حديث بريدة: أن ماعزًا لما رُجِم، كان الناس فيه فرقتين، فقائل يقول: لقد هلك، قد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبةٌ أفضلُ من توبة ماعز، إنه جاء إلى رسول الله ﷺ ، فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة، قال: فلبثوا في ذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله ﷺ وهم جلوس، فسلم، ثم جلس، فقال: "استغفروا لماعز بنِ مالك"، فقالوا: غفرَ اللهُ لماعز بن مالك، قال: فقال رسول الله ﷺ : "لقد تابَ توبةً لو قُسمت بين أمة، لوسعتهم" الحديث (٢).
وفي "أبي داود" من حديث أبي هريرة ﵁: لما أمر به ﷺ ، فرُجم، سمع رجلين من أصحابه يقول أحدُهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي سترَ الله عليه، فلم تدَعه نفسه حتى رُجم رجمَ الكلب، فسكت عنهما، وسار ساعةً حتى مَرَّ بجيفة حمار شائلًا رجله، فقال: "أين فلان وفلان؟ "، فقالا: نحن ذا يا رسول الله! قال: "كُلا من جيفة هذا الحمار"، فقالا: يا نبي الله! من يأكل من هذا؟ قال: "فما نِلْتُما من عِرض أخيكما آنِفًا أشدُّ من أكله، والذي نفسي بيده! إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" (٣).
стр. 3365
وفي "أبي داود" أيضًا، من حديث جابر بن سمرة ﵁، قال: أنا رأيت ماعزًا حين جيء به رسولَ الله ﷺ ، قصيرا أعضلَ عليه رداء، الحديث (١).
والأعضل -بالضاد المعجمة- قال في "النهاية": الأعضل والعَضِل: المكتنز باللحم، والعَضَلَةُ في البدن: كلُّ لحمة صلبة مكتنزة، ومنه: عَضَلَة الساق، قال: ويجوز أن يكون أراد: أن عضلة ساقيه كبيرة (٢).
وفي رواية: أتى رجل قصيرٌ أشعثُ ذو عضلات (٣).
(من المسلمين)، بيان الواقع؛ لأن ماعزًا من أصحاب رسول الله ﷺ (رسولَ الله ﷺ ) بالنصب مفعولًا لأتى، (وهو)؛ أي: رسولُ الله ﷺ (في المسجد) النبوي، جملة حالية، (فناداه)، أي: نادى ذلك الرجل الذي هو ماعز بنُ مالك الأسلميُّ النبيَّ ﷺ ، (فقال) في ندائه: (يا رسول الله! إني زنيت)، وهذا أصح وأثبت من كل حديث في صفة إقرار ماعز.
وفي "مسلم": أن النبي ﷺ قال لماعز: "حقٌّ ما بلغني عنك؟ "، قال: وما بلغك عني؟ قال: "بلغني عنك أنك وقعتَ بجارية آل فلان"، قال: نعم (٤).
وجاء في رواية لغير مسلم: أن قومه أرسلوه، فقال ﷺ للذي أرسله:
стр. 3366
"لو سترتَه بثوبك يا هزَّالُ، لكان خيرًا لك" (١)، وهزَّال -بفتح الهاء وتشديد الزاي- كان ماعز تربَّى يتيما في حَجْره، والمشهور ما فى الروايات: أنه هو أتى النبيَّ ﷺ ، ويمكن أنه جاء أولًا من غير استدعاء، فذكر قومُه ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "أحقٌّ ما بلغني عنك؟ "، ثم جاء هو بنفسه، فقال ذلك، هذا معنى كلام الإمام النووي (٢)، (فأعرضَ) رسولُ الله ﷺ (عنه)؛ أي: عن ماعز لما قال له: إني زنيتُ، (فتنحى) ماعز من مقامه الذي كان فيه إلى مكان (تلقاءَ)؛ أي: مقابلًا لـ (وجهه) الكريم، (فقال له) ثانيًا: (يا رسول الله! إني زنيت، فأعرضَ) ﷺ (عنه) ثانيًا، ولم يزل ماعزٌ يقول ذلك ويصرِّحُ به معترفًا، والرسولُ ﷺ يُعرض عنه (حتى ثنى)؛ أي: إلى أن قال (ذلك)؛ أي: يصرح يقول: إني زنيت، (أربع مرات).
وفي حديث ابن عباس عند الإمام أحمد، ومسلم، وأبي داود، والترمذي: أن النبي ﷺ قال لماعز بن مالك: "أحقٌّ ما بلغني عنك؟ "، قال: وما بلغك عني؟ قال: "بلغني أنك وقعت بجارية لبني فلان"، قال: نعم، فشهد أربع شهادات، فأمر به فرجم (٣).
قال البرماوي: التي زنى بها ماعز هي فاطمةُ مولاة هَزَّال -بفتح الهاء وتشديد الزاي- بن ذياب بنِ بريدٍ الأسلميِّ، وهو والد نُعَيم -بضم النون وفتح العين- بنِ هزَّال، قيل: له صحبه، وقيل: الصحبة لأبيه فقط، روى
стр. 3367
عن النبي ﷺ قصة ماعز، وأخرج له النسائي كما قاله [المزي] (١).
قال أبو عمر بن عبد البر: ما كان له غير قول النبي ﷺ .: "يا هَزَّالُ! لو سترته بردائك" (٢).
وقيل: اسمها منيرة، وفي "طبقات ابن سعد" أن اسمها مهيرة (٣).
وفي رواية عند أبي داود، قال: جاء ماعزُ بنُ مالكٍ إلى النبي ﷺ ، فاعترف بالزنا مرتين، فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين، فقال: "شهدتَ على نفسك أربعَ مرات، اذهبوا به فارجموه" (٤).
وفي حديث الصديق -رضوان الله عليه-، قال: كنتُ عند النبي ﷺ جالسًا، فجاء ماعزُ بنُ مالك، فاعترف عنده مرة، فردَّه، ثم جاء فاعترف عنده الثانية، فردَّه، ثم جاء فاعترف عنده الثالثة فردَّه، فقلت له: إنك إن اعترفت الرابعة، رجمَك، قال: فاعترف الرابعةَ، فحبسَه، ثم سأل عنه، فقالوا: ما نعلم إلا خيرًا، قال: فأمر برجمه، رواه الإمام أحمد (٥).
وروي أيضًا من حديث بريدة، قال: كنا نتحدث -أصحابَ رسول الله ﷺ : أن ماعز بن مالك لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات، لم يرجمه، وإنما رجمه عند الرابعة (٦).
стр. 3368
(فلما شهد) ماعزُ بنُ مالك (على نفسه) أنه زنى (أربعَ شهادات) يصرِّح في كل مرة من الشهادات الأربِع بأنه زنى، (دعاه رسول الله ﷺ ، فقال) له: (أبك جنون؟ قال: لا) جنون بي، (قال) له ﷺ : (فهل أحصنتَ؟ قال: نعم)، أي: قد أحصنتُ، (فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به)، أي: بماعز (فارجموه).
فيه دليل على أن الإحصان يثبُت بالإقرار مرة، وأن الجواب بنعم إقرار (١).
وفي حديث ابن عباس ﵄ عند الإمام أحمد، والبخاري، وأبي داود، قال: لما أتى ماعز بن مالك النبيَّ ﷺ ، قال له: "لعلك قبلتَ، أو غمزتَ، أو نظرت"، قال: لا يا رسول الله، قال: "أنكتها"، لا يكني، قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه (٢).
وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند أبي داود، والدارقطني، قال: جاء الأسلمي رسولَ الله ﷺ ، فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حرامًا أربعَ مرات، كل ذلك يُعرض عنه، فأقبل عليه في الخامسة، فقال: "أنكتها؟ "، قال: نعم، [قال] (٣): "كما يغيب المِروَدُ في المكحلة؟ " أو "الرشاء في البئر؟ "، قال: نعم، قال: " [فهل] (٤) تدري ما الزنا؟ "، قال: نعم، أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا، قال: "فما تريد بهذا
стр. 3369
القول؟ "، قال: أريد أن تطهرني، فأمر به فرُجم (١).
فظهر أنه لابد من التصريح، فإن أقر بأنه أصاب حدًا، لم يقم عليه الحد.
ففي "الصحيحين" من حديث أنس ﵁، قال: كنت عند النبي ﷺ ، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدًا، فأقمه عليَّ، ولم يسأله، قال: وحَضرَت الصلاةُ، فصلى مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة، قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدًا، فأقم فيَّ كتاب الله، قال: "أليس قد صليت معنا؟ "، قال: نعم، قال: "فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو حَدَّك" (٢).
وروى الإمام أحمد ومسلم نحوه من حديث أبي أمامة ﵁.
تنبيهات:
الأول: عُلم من هذا الحديث، ومن حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في قصة العَسيف: أن حد المحصَن الرجمُ حتى يموت، سواء كان الزاني المحصَن رجلًا أو امرأة، هذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولم يخالف فيه إلا الخوارج، فإنهم زعموا أن الجلد للبكر والثيب؛ لمفهوم عموم قوله
стр. 3370
تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، ولا ريب أنه قد ثبت عن النبي ﷺ الرجمُ بقوله في أخبار كثيرة تشبه التواتر، وأجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، وتقدم أنه كان قد نزل به كتاب يتلى، ثم نُسخ لفظه دون حكمِه.
قال سيدنا عمر بن الخطاب ﵁: إن الله تعالى بعث النبي ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأتُها وعَقَلْتُها ووعيتُها، رجم رسولُ الله ﷺ ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان يقول قائل: ما نجد الرجمَ في كتاب الله تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، فالرجمُ حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت به البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف، وقد قرأ لنا: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، نكالًا من الله، والله عزيز حكيم) رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما (١).
ومع ثبوت هذه النصوص القولية والفعلية، والإجماع السابق، واتفاق الأئمة، فلا التفات لما زعم الخوارج، ولا ينبغي أن يشغل البال في الرد عليهم (٢).
الثاني: اختلف العلماء في المحصَن هل يُجلد ثم يُرجم، أو يُقتصر على الرجم فقط؟
الذي استقرت عليه المذاهب الأربعة: الاقتصار على الرجم، وهو مروي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود ﵃، قال ابن
стр. 3371
مسعود: إذا اجتمع حدان -فيهما القتل-، أحاط القتل بذلك (١)، وبه قال النخعي، والأوزاعي، والزهري، وأبو ثور، واحتجوا بقصة ماعز؛ فإن النبي ﷺ رجمه، ولم يجلده، ورجم ﷺ الغامديةَ، ولم يجلدها، ورجم الأسلميةَ في قصة العَسيف، ولم يجلدها، فكان هذا آخرَ الأمرين عن النبي ﷺ ، فيجب تقديمه، وعمر ﵁ رَجَمَ ولم يجلِدْ.
وعن الإمام أحمد ﵁ رواية ثانية: أنه يجلَد، ثم يرجَم؛ لأن علي بن أبي طالب ﵁ فعله، وبه قال ابن عباس، وأبيّ بن كعب، وأبو ذر ﵃، وبه قال الحسن، وداود، وابن المنذر.
قال علي ﵁ لما جلد شراحةَ، ثم رجمها: جلدتُها بكتاب الله، ثم رجمتُها بسنة رسول الله ﷺ (٢).
وروي أن عليًا ﵁ جلدَ شراحةَ يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة (٣).
الثالث: لابد لحدّ الزنا من ثبوته، ولا يثبت الزنا إلا بأحد (٤) شيئين:
أحدهما: أن يقرّ أربع مرات في مجلس أو مجالس، وهو بالغ عاقل، ويصرح بذكر حقيقة الوطء، ولا ينزع عن إقراره حتى يتم الحد، وبهذا قال الحكم، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي.
стр. 3372
وقال الحسن، وحماد، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: يُحدّ بإقراره مرةً، لقصة العسيف؛ فإنه قال: "واغدُ يا أُنيسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفتْ، فارجمها"، واعترافُ مرة اعتراف، وقد أوجب عليها الرجم به، ورجم الجهينية، وإنما اعترفت مرة.
وقال عمر ﵁: إن الرجم حقٌّ واجب على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف (١).
قالوا: ولأنه حق، فيثبت باعتراف مرة؛ كالإقرار بالقتل.
ولنا قصةُ ماعز بن مالك، وإعراضُ النبي ﷺ مرة بعد أخرى إلى ما بعد الرابعة، ولو وجب الحد بمرة، لم يعرض عنه النبي ﷺ ؛ لأنه لا يجوز ترك حدٍّ وجبَ لله، وقد روى نُعيم بنُ هَزَّال حديثه، وفيه: حتى قالها أربع مرات، فقال رسول الله ﷺ : "إنك قد قلتها أربع مرات فبمن؟ "، قال: بفلانة. رواه أبو داود (٢)، هذا تعليم منه يدل على أن إقرار الأربع هي الموجبة، وتقدم أن الصديق ﵁ قال له عند النبي ﷺ : إن أقررتَ أربعًا، رجمَكَ رسولُ الله ﷺ (٣)، وفي هذا دلالة من وجهين: كونه أقره على هذا ولم ينكره، فكان بمنزلة قوله؛ لأنه لا يقر على الخطأ، وكونه معلومًا من حكمه ﷺ ، ولولا ذلك ما تجاسر الصديق على قوله بين يديه.
قال الإمام أحمد -وقد سُئل عن الزاني يردد أربع مرات-: نعم، على حديث ماعز هو أحوط، قال الأثرم: قلت له: في مجلس واحد، أو
стр. 3373
مجالس متفرقة؟ قال: أما الأحاديث، فليست تدل إلا على مجلس واحد، إلا عن ذلك الشيخ بشير بن مهاجر، عن عبد الله بن بريد، عن أبيه، وذلك عندي منكر الحديث.
وقال أبو حنيفة: لا يثبت إلا بأربع إقرارات في أربعة مجالس؛ لأن ماعزًا أقرّ في أربعة مجالس، فلو أقرّ عن يمين الحاكم، ويسارِه، وأمامِه، وورائه، كانت أربعة مجالس.
ولنا: أن الحديث الثابت الصحيح إنما يدل على أنه أَقَرَّ أربعًا في مجلس واحد.
الثاني: أن يشهد عليه أربعةُ رجال عدولٍ يصفون الزنا، ويجيئون في مجلس واحد، سواء جاؤوا مجتمعين، أو متفرقين، ويشترط فيهم سبعة شروط:
* كونهم أربعة، وهذا بالإجماع.
* وكونهم رجالًا كلهم، فلا تقبل في الزنا شهادة النساء بحال، من غير خلاف بين الأئمة الأربعة.
* وكونهم أحرارًا، فلا تقبل فيه شهادة العبيد، من غير خلاف، إلا رواية عن الإمام أحمد، وهي معتمد مذهبه على متأخري علمائنا، وإن استثنى جماعة عدَم قبول شهادة العبيد في الحدود والقصاص، لكن الذي استقر عليه المذهب: قبولُ شهادتهم في كل ما تقبل فيه شهادة الحر، وهو قول أبي ثور.
* وكونهم عدولًا اتفاقًا.
* وكونهم مسلمين.
стр. 3374
* وأن يصفوا الزنا؛ بأن يقولوا: رأينا ذَكَرَه في فرجها كالمِرْوَدِ في المكحلة، والرشاء في البئر، وهذا قول معاوية بن أبي سفيان، والزهري، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي؛ لما ذكرنا في قصة ماعز؛ فإنه لما أقر عند النبي ﷺ بالزنا، فقال: "أنكتها؟ "، فقال: نعم، فقال: "حتى غابَ ذلكَ منكَ في ذاكَ منها كما يغيب المرودُ في المكحلة، والرشاء في البئر؟ "، قال: نعم (١).
وإذا اعتبر التصريح في الإقرار، فاعتباره في الشهادة أولى، ولأنهم إذا لم يصفوا الزنا، احتمل أن يكون المشهودُ به لا يوجب الحد، فاعتبر كشفُه.
قال بعض أهل العلم: يجوز للشهود أن ينظروا إلى ذاك منها؛ لإقامة الشهادة عليها؛ ليحصل الردع بالحد، فإن شهدوا بأنهم رأوا ذكره قد غيبه في فرجها، كفى.
ولا يعتبر ذِكْرُ مكانِ الزنا، ولا زمانِه، ولا ذكرُ المَزْنِيِّ بها إن كانت الشهادةُ على رجل، ولا ذكرُ الزاني إن كانت الشهادة على امرأة؛ خلافًا للقاضي أبي يعلى من أعلام علمائنا.
* الشرط السابع: مجيء الشهود كلهم في مجلس واحد، فإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم، كانوا قذفة، وعليهم الحدُّ، وهذا مذهب الإمام أحمد، ومالك، وأبي حنيفة.
وقال الشافعي، والبَتِّي، وابن المنذر: لا يشترط ذلك.
ولنا: أن أبا بكرةَ ونافعًا وشبلَ بنَ معبد شهدوا عند عمرَ على المغيرة بن شعبةَ بالزنا، ولم يشهد زيادٌ، فحدَّ الثلاثةَ، ولو كان اتحادُ
стр. 3375
المجلس غيرَ مشترَط، لم يجز أن يحدَّهم؛ لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر، ولأنه لو شهد ثلاثة، فحدهم، ثم جاء رابع، لم تقبل شهادته، ولولا اشتراط اتحاد المجلس، لكملت شهادتهم، وبهذا يفارق سائر الشهادات، فإن جاؤوا متفرقين واحدًا بعد واحد في مجلس واحد، قُبلت شهادتهم.
وقال مالك، وأبو حنيفة: إن جاؤوا متفرقين، فهم قذفة؛ لعدم اجتماعهم في مجيئهم، فلم تُقبل شهادتهم؛ كالذين لم يشهدوا في مجلس واحد.
ولنا قصة المغيرة بن شعبة؛ فإن الشهود جاؤوا واحدًا بعد واحد، وإنما حُدُّوا؛ لعدم كمالها في المجلس، وفي حديثه: أن أبا بكرة قال لعمر ﵁: أرأيتَ لو جاء آخر شهد، أكنت ترجمه؟ قال عمر: إي والذي نفسي بيده.
وقد روى صالحٌ بإسناده عن أبي عثمانَ النهديِّ، قال: جاء رجل إلى عمر، فشهد على المغيرة بن شعبة، فتغير لونُ عمرَ، ثم جاء آخرُ فشهدَ، فتغير لون عمر، ثم جاء آخرُ فشهد، فاستنكر ذلك عمرُ، ثم جاء شابٌّ يخطر بيديه، فقال عمر: ما عندك سلحَ العقاب؟! وصاح به عمر صيحة، فقال أبو عثمان: والله! لقد كدتُ يُغشى عليَّ، فقال: يا أمير المؤمنين! رأيت أمرًا قبيحًا، فقال: الحمد لله الذي لم يتشبث الشيطان بأصحاب محمد، قال: فأمر بأولئك النفر فجلدوا.
وفي رواية ابن عمر: لما شهد عنده على المغيرة، شهد ثلاثة، وبقي زياد، فقال عمر: أرى شابًا، وأرجو أَلَّا يفضح الله على لسانه رجلًا من أصحاب محمد ﷺ ، فقال: يا أمير المؤمنين! رأيت استًا تنبر، ونفسًا
стр. 3376
تعلو، ورأيت رجليها فوق عنقه كأنهما أذنا حمار، ولا أدري ما وراء ذلك، فقال عمر: الله أكبر، وأمر بالثلاثة فضُربوا.
وقول عمر: يا سلح العقاب! معناه أنه يشبه سلحَ العُقاب الذي يحرق كل شيء أصابه، كذلك هو يوقع العقوبة بأحد (١) الفريقين لا محالة، إن كملت شهادته، حُدّ المشهود عليه، وإن لم تكمل، حُدّ أصحابه، والله الموفق (٢).
تتمة:
محصل قصة المغيرة بن شعبة ﵁: أنه كان أميرًا بالبصرة لعمر بن الخطاب ﵁، فاتهمه أبو بكرةَ، وشِبْل -بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة- بنُ مَعبَد -بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الموحدة- بنِ عبيد بنِ الحارث، ونافعُ بنُ الحارث أخو أبي بكرة لأمه.
قال الكرماني: الثلاثة -يعني: أبا بكرة، وشبل بن معبد، ونافعًا- إخوة صحابيون، شهدوا مع أخ لأبي بكرة اسمُه زياد، وليست لزياد صحبة ولا رواية.
وكان زياد من دهاة العرب وفصحائهم، مات سنة ثلاث وخمسين، وهو زياد الذي يقال له زياد بن أبي سفيان، والأربعة إخوة من أم، وهي سمية، فرأوا المغيرة مستبطِنَ المرأة، وكان يقال لها: الرقطاء أم جميل بنت عمرو بن الأفقم الهلالية، وزوجُها الحجاجُ بن عَتيك بنِ الحارث بن عوف الجشمي، فرحلوا إلى عمر ﵁، فشكوه، فعزله عمر، وولى
стр. 3377
أبا موسى الأشعري، وأحضر المغيرةَ، فشهد عليه الثلاثةُ بالزنا، وأما زياد، فلم يثبت الشهادة (١).
وروى الحاكم في "المستدرك": أن زيادًا قال: رأيتهما في لحاف، وسمعت نفسًا عاليًا، ولا أدري ما وراء ذلك (٢).
وقد رويت هذه القصة من وجوه كثيرة، وطرق متعددة، ومحصلها يرجع إلى ما ذكرنا، والله تعالى أعلم.
(قال) الإمام التابعي الجليل أبو بكر محمد (ابنُ شهاب) الزهريُّ: (فأخبرني) الإمام (أبو سلمةَ) عبد الله، على الأرجح، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته (بنُ عبدِ الرحمن) بنِ عوف الزهريُّ القرشيُّ المدنيُّ، وهو أحدُ الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، من مشاهير التابعين وأعلامهم، ثقة، كثير الحديث، واسع الرواية، سمع ابنَ عباس، وأبا هريرة، وابن عمر، وعائشةَ، وغيرَهم، روى عنه الزهري، ويحيى بن أبي كثير، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والشعبي، ومحمد بن إبراهيم، وغيرهم، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: أربع ومئة، وله اثنتان وسبعون سنة (٣).
(أنه)؛ أي: أبا سلمةَ بنَ عبد الرحمن (سمع جابرَ بنَ عبد الله)
стр. 3378
الأنصاريَّ الخزرجيَّ ﵄ (يقول: كنت فيمَنْ)؛ أي: في الجمع الذي (رجمَهُ)؛ أي: رجمَ ماعز بن مالك، (فرجمناه بالمصلَّى).
فيه دليل على أن الحدود إنما تقام خارج المساجد.
وروى حكيمُ بنُ حِزام ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى أن يُستقاد في المسجد، وأن تُنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود (١)؛ لأنه لا يؤمَن أن يحدث من المحدود شيء يتلوث به المسجد، فإن أقيم فيه، سقط الفرض عنه؛ لحصول المقصود، وهو الزجر؛ لأن المرتكب للنهي غيرُ المحدود، فلم يمنع ذلك سقوطَ الفرض عنه؛ كما لو اقتصّ في المسجد (٢).
(فلما أَذْلَقَتْه)؛ أي: لما أصابت (الحجارةُ) ماعزًا بحدِّها، ومنه: سنان مذلق؛ أي: حادّ، قال في "القاموس": ذلقَ السكينَ: حَدَّدَهُ؛ كذَلَّقَه، وأَذْلَقَه، والسَّمُومُ أو الصومُ فلانًا: أضعفه، وذَلِق اللسانُ؛ كفَرِحَ: ذَرِبَ، وقال -أيضًا- ذَلِقَ اللسانُ؛ كفرح ونصر وكرم، فهو ذليق، والذَلَقٌ -بالفتح-، وكصُرَد، وعُنُق؛ أي: حديد بليغ بيّنُ الذلاقة، ويقال: أذلقه؛ أي: أقلقه وأضعفه (٣)، وهذا الذي ينبغي أن يُحمل عليه ما في هذا الحديث.
(هرب، فأدركناه بالحَرَّة)، وهو موضع معروف بالمدينة، وأصلُها كلُّ أرض ذاتِ أحجار سودٍ، وذلك لشدة حرها، ووهج الشمس فيها، وجمعُها
стр. 3379
حِرار، وحِراء، وأحرين، وأحرون في الرفع كما في "المطالع" (١).
وفي "القاموس": الحرة: موضع بين المدينة والبقيع وقبلي المدينة (٢)، انتهى.
وهذه -أعني: التي قبلي المدينة- المرادةُ هنا، وهي التي تُرك فيها العرنيون بعد قطعهم وسَمْلِهم.
(فرجمناه)؛ أي: ماعزًا، يعني: في الحرة حتى مات هناك.
قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (الرجل) المذكور في حديث أبي هريرة في قوله: أتى رجل من المسلمين رسولَ الله ﷺ ، وهو في المسجد، فناداه فقال: يا رسول الله! إني زنيت، الحديث (هو: ماعزُ بنُ مالك) الأسلمي.
قال المصنف ﵀: (وروى قصته جابرُ بن سمرة)، رواه مسلم، وهو أبو عبد الله، وقيل: أبو خالد بن سمرةَ بنِ جُنادة -بضم الجيم وتخفيف النون والدال المهملة- من ولد قيس عيلان -بالعين المهملة- بنِ مضر بنِ نزار بنِ معدِّ بنِ عدنان، السُّوائيُّ -بضم السين وتخفيف الواو والمد- نسبة إلى سُواءَةَ بنِ عامر بنِ صعصعة من قيس عيلان، وجابرٌ هذا هو وأبوه صحابيان، وهو ابنُ أختِ سعدِ بنِ أبي وقاص ﵁، واسمها: خالدةُ بنتُ أبي وقاص، نزل الكوفة، مات بها سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ست وستين أيامَ المختار، وصلى عليه عمرُو بنُ الحارث المخزوميُّ.
стр. 3380
وجزم الذهبي: أنه توفي سنة ثلاث وسبعين.
روي له عن رسول الله ﷺ مئة وستة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين حديثًا.
روى عنه: سماكُ بنُ حَرب، وعامرٌ الشعبيُّ، وحصينُ بنُ عبد الرحمن، وغيرهم (١).
(و) روى قصة ماعز أيضًا (عبدُ الله بن عباس)، رواه البخاري، ومسلم (٢)، (وأبو سعيد الخدري)، رواه مسلم (٣)، (وبُريدة بنُ الحُصَيْب الأسلمي)، رواه مسلم أيضًا (٤).
وبُرَيْدَة هذا -بضم الموحدة وفتح الراء وسكون المثناة تحت- يقال: إن هذا لقبه، وإن اسمه عامر، والحُصَيب -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وسكون المثناة تحت- ابنُ عبد الله بنِ الحارثِ بنِ الأعرجِ الأسلمي، من ولد أسلم بن أَفْصَى -بفتح الهمزة وسكون الفاء وبالصاد المهملة- بنِ حارثة.
стр. 3381
وفي كتاب "الأنساب" (١) للرشاطي: أنه سَهْمِي من سهمِ خزاعةَ، كنيته: أبو عبد الله، على المشهور، أسلم قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد الحديبية، وبايع بيعة الرضوان، سكن المدينة، ثم انتقل إلى البصرة، ثم إلى مرو، ثم انتقل إلى خراسان، فمات بها سنة اثنتين وستين، وقيل: ثلاث وستين.
وفي "جامع الأصول" لابن الأثير: أنه تحول من المدينة إلى البصرة، ثم خرج من البصرة إلى خراسان غازيًا، فمات بمرو زمن يزيدَ بنِ معاوية سنة اثنتين، أو ثلاث وستين، وله بها عقب، وهو آخر من مات من الصحابة بخراسان.
روى له عن رسول الله ﷺ مئة حديث، وأربعة وستون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بأحد عشر (٢).
وفي "البخاري"، في باب: الجريدة على القبر: أن بريدةَ بن الحُصيب أوصى أن يُجعل على قبره جريدتان (٣)، والله الموفق.
стр. 3382
تنبيهات:
الأول: متى رجع المقرّ عن إقراره، قُبل منه، وإن رجع في أثناء الحد، لم يتمم؛ لأن من شرط إقامة الحد بالإقرار البقاءَ عليه إلى تمام الحد، وبهذا قال عطاء، ويحيى بن يعمر، والزهري، وحماد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأبو يوسف.
وقال الحسن، وسعيد بن جبير، وابن أبي ليلى: يُقام عليه الحد، ولا يُترك؛ لأن ماعزًا هرب، فقتلوه، وروي أنه قال: رُدُّوني إلى رسول الله ﷺ ؛ فإن قومي هم غَرُّوني من نفسي، وأخبروني أن النبيَّ ﷺ غيرُ قاتلي، فلم ينزعوا عنه حتى قتلوه، رواه أبو داود (١)، ولو قُبل رجوعه، للزمتهم ديتُه، ولأنه حقٌّ وجب بإقراره، فلم يقبل رجوعُه؛ كسائر الحقوق.
وحكي عن الأوزاعي: أنه إن رجع، حُدَّ للفرية على نفسه، وإن رجع عن السرقة والشرب، ضُرِب دونَ الحَدّ (٢).
وفي "الإفصاح" للإمام عون الدين بن هبيرة: أن الإمام مالكًا فَصَّل في رجوعه عن إقراره بأنه إن رجع عن الإقرار بشبهة يُعذر بها؛ مثل أن يقول: إني وطئت في نكاح فاسد، أو ظننت أنها جارية مشتركة، أو نحو ذلك، قُبل رجوعه؛ كمذهب الجمهور، وأما إن رجع عن الإقرار بالزنا بغير شبهة، ففيه عنه روايتان:
إحداهما: يُقبل رجوعه؛ كمذهب الجماعة.
стр. 3383
والأخرى: لا يقبل رجوعه بوجه (١).
واستدل لقول الجمهور: أن ماعزًا لما هرب، ذُكر للنبيِّ ﷺ ، فقال: "هلا تركتموه يتوب، فيتوب الله عليه" رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن (٢).
وفي حديث جابر في قصة ماعز: أنه لما وجد مَسَّ الحجارة، صرخ بنا: يا قوم! ردوني إلى رسول الله ﷺ ، فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، الحديث، فلما رجعنا إلى رسول الله ﷺ فأخبرناه، قال: "فهلا تركتموه وجئتموني به" (٣)، ففي هذا أوضح الدلائل على أنه يُقبل رجوعه.
وعن بريدة ﵁، قال: كنا -أصحابَ رسول الله ﷺ - نتحدث أن الغامديةَ وماعزَ بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما، أو قال: لو لم يرجعا بعد اعترافهما، لم يطلبهما، وإنما رجمهما عند الرابعة، رواه أبو داود (٤).
ولأن رجوعه شبهة، والحدود تُدرأ بالشبهات، ولأن الإقرار أحدُ بينتي الحد، فسقط بالرجوع عنه؛ كالبينة إذا رجعت قبل إقامة الحد، وفارق سائرَ الحقوق؛ فإنها لا تدرأ بالشبهات.
стр. 3384
وإنما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هربه؛ لأنه ليس بصريح في الرجوع. وأما إن رجم ببينة، فهرب، لم يترك، بخلاف الرجوع عن الإقرار.
فإن قال من رجم بإقراره: ردوني إلى الحاكم، أو هرب، وجب تركُه وردُّه، ولم يجز إتمامُ الحد، فإن أُتم، فلا ضمان على من أتمه؛ لأنه ﷺ لم يضمن ماعزًا من قتله، ولأن هربه ليس بصريح في رجوعه.
وأما إن قال: كذبتُ في إقراري، أو: رجعتُ عنه، أو: لم أفعلْ ما أقررتُ به، وجب تركُه، فإن قتله قاتل بعد ذلك، فعليه ضمانُه؛ لأنه قد زال إقراره بالرجوع عنه، فصار كمن لم يقرَّ، ولا قصاص على قاتله؛ لاختلاف العلماء في صحة رجوعه، فكان اختلافهم شبهة دارئة للقصاص، ولأن صحة الرجوع مما يخفى، فيكون ذلك عذرًا مانعًا من وجوب القصاص، بخلاف ما إذا رُجم ببينة، فهرب؛ فإنه لا يترك؛ لأن زناه ثبت على وجه لا يبطل برجوعه، فلم يؤثر فيه هربُه كسائر الأحكام، والله أعلم (١).
الثاني: الذي استقر عليه المذهبُ: أن المرجوم يُرجم بحجارة متوسطة كالكف، فلا ينبغي أن يثخن بصخرة كبيرة، ولا أن يطول عليه بحصاة خفيفة، ويتقى الوجه، ولا يزال يرجم حتى يموت من غير أن يُحفر له حفيرة، رجلًا كان المرجوم أم امرأة، ثبت ببينة أو إقرار، وتُشد ثيابُ المرأة؛ لئلا تنكشف، والسنة أن يدور الناس حوله من كل جانب كالدائرة إن كان زناه ثبت ببينة، وأما إن كان ثبت بإقراره، لم يدر حوله؛ لاحتمال أن يهرب فَيُترك.
стр. 3385
ويُسن حضورُ شهود الزنا، وبدأتُهم بالرجم، وإن ثبت بإقرار، بدأ بالرجم الإمامُ أو الحاكم، ثم يرجم الناسُ، ويجب حضور الإمام أو نائبه في كل حد (١).
قال في "شرح المقنع": أما إذا كان الزاني رجلًا، لم يوثق بشيء، ولم يُحفر له، سواء ثبت زناه ببينة أو إقرار، لا نعلم فيه خلافًا؛ لأن النبي ﷺ لم يحفر لماعز، قال أبو سعيد: لما أمر رسول الله ﷺ برجم ماعز، خرجنا به إلى البقيع، فوالله! ما حفرنا له، ولا أوثقناه، ولكنه قام لنا. رواه أبو داود (٢).
ولأن الحفرَ له ودفنَ بعضه عقوبةٌ لم يرد بها الشرع في حقه، فوجب أَلَّا تثبت.
قال: وأما المرأة، فإن كان ثبت زناها بإقرارها، لم يُحفر لها، وإن ثبت ببينة، حُفر لها إلى الصدر.
وظاهر كلام أحمد: لا يحفر لها أيضًا، وهو معتمد مذهبه، وهو الذي ذكره القاضي أبو يعلى في "الخلاف"، وفصَّل في "المجرد" بأنه إن ثبت زناها بالبينة، حُفر لها إلى الصدر.
قال أبو الخطاب: وهذا أصح عندي، وهو قول الشافعية؛ لما روى أبو بكرة، وبريدة ﵄: أن النبي ﷺ رجم امرأة، فحفر لها إلى الثندوة. رواه أبو داود (٣)، ولا حاجة إلى تمكينها من الهرب؛ لكون
стр. 3386
الحد ثبت بالبينة، فلا يسقط بفعل من جهتها؛ بخلاف الثابت بالإقرار؛ فإنها تترك على حال لو أرادت الهربَ، تمكنت منه؛ لأن رجوعها عن إقرارها مقبول.
ولنا -على معتمد المذهب-: أن أكثر الأحاديث على ترك الحفر؛ فإن النبي ﷺ لم يحفر للجهنية، ولا لليهوديين، ففي "مسند الإمام أحمد"، و"صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد ﵁، قال: لما أمرَنا رسولُ الله ﷺ أن نرجم ماعز بن مالك، خرجنا به إلى البقيع، فوالله! ما حفرنا له، ولا أوثقناه، ولكن قام لنا، فرميناه بالعظام والخزف، فاشتكى، فخرج يشتدُّ حتى انتصب لنا في عرض الحرة، فرميناه بجلاميد الجندل حتى سكت (١).
وأما ما احتجوا به من قصة الغامدية، وهو ما رواه الإمام أحمد، ومسلم عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁، قال: جاءت الغامدية، فقالت: يا رسول الله! إني قد زنيتُ، فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد، قالت: يا رسول الله! لمَ تُرَدِّدني؟ لعلك ترددني كما رَدَّدْت ماعزًا، فوالله! إني لحبلى، الحديث، وفيه: فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد ﵁، فرمى رأسها، فنضح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع النبي ﷺ سبه إياها، فقال: "مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده! لقد تابت توبة لو تابها صاحبُ مكس، لغفر له"، ثم أمر بها، فصلَّى عليها، ودُفنت (٢)، فمتروك العمل به؛ فإنهم
стр. 3387
لا يقولون به؛ فإنها إنما ثبت حدها بإقرارها، ومن كان كذلك، لا يُحفر له باتفاقٍ مِنّا ومنهم (١).
الثالث: يؤخر إقامة الحد عن الحبلى حتى تضع؛ لما في "صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود"، والدارقطني، وقال: هذا حديث صحيح عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن النبي ﷺ جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهرني، فقال: "ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه"، فقالت: أراك تريد أن تُرددني كما رددت ماعزَ بن مالك، قال: "وما ذاك؟ "، قالت: إنها حبلى من الزنا، قال: "أنت؟ "، قالت: نعم، فقال لها: "حتى تضعي ما في بطنك"، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبيَّ ﷺ فقال: قد وضعت الغامديةُ، قال: "إذًا لا نرجُمها وندعُ ولدها صغيرًا ليس له من يُرضعه"، فقام رجل من الأنصار، فقال: إليّ إرضاعُهُ يا نبي الله، قال: فرجمَها (٢).
وفي حديث عمرانَ بنِ حُصين عند الإمام أحمد، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي: أن امرأة من جُهينة أتت رسولَ الله ﷺ وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله! أصبتُ حدًا، فأقمه عليّ، فدعا نبيُّ الله ﷺ وليها، فقال: "أحسنْ إليها، فإذا وضعتْ، فائتني"، ففعل، فأمر بها رسول الله ﷺ ، فشُدَّت عليها ثيابُها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟! قال: "لقد
стр. 3388
تابت توبة لو قُسمت بين سبعين من أهل المدينة، لوسعتهم، وهل وجدت أفضلَ من أَنْ جادت بنفسها لله؟ " (١).
وروي أن امرأة زنت في أيام عمر ﵁، فهمّ برجمها وهي حامل، فقال له معاذ: إن كان لك سبيل عليها، فليس لك سبيل على حملها، فقال: عجز النساء أن يلدن مثلك، ولم يرجمها (٢).
وعن عليّ ﵁ مثلُه (٣).
وسواء كان الحد رجمًا أو غيره؛ لأنه لا يؤمن تلف الولد من سراية الضرب، وربما سرى إلى نفس المضروب، فيفوت الولد بفواته، فإذا وضعت الولدَ، فإن كان الحدُّ رجمًا، لم ترجم حتى تسقيه اللِّبَأ؛ لأن الولد لا يكاد يعيش إلا به، ثم إن كان له من يرضعه، أو تكفل أحد برضاعه، رُجمت، وإلا، تركت حتى تفطمه (٤).
الرابع: معتمد المذهب: أن إقامة الحدود لا تؤخر للمرض، فإن كان جلدًا، أو خشي عليه من السوط، أقيم بأطراف الثياب والعثكول.
قال في "شرح المقنع": ويُحتمل أن يؤخَّر للمرض المرجوِّ زوالُه، وأما
стр. 3389
إذا كان الحد رجمًا، لم يؤخر؛ لأنه لا فائدة فيه إذا كان قتله متحتمًا، وبمعتمد المذهب قال إسحاق، وأبو ثور؛ لأن عمر ﵁ أقام الحد على قُدامة بنِ مظعون في مرضه (١)، ولم يؤخره، وانتشر ذلك في الصحابة، ولم ينكروه، فكان إجماعًا، ولأن الحد واجب على الفور، فلا يؤخر ما أوجبه الله تعالى بغير حجة.
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا يقام عليه في مرضه، لحديث عليّ ﵁ في الأَمَة التي كانت في نفاسها، رواه الإمام أحمد، ومسلم، وتقدَّم (٢).
وهو قول الخرقي من علمائنا.
وأجابوا عن إقامة عمرَ الحدَّ على قدامة باحتمال أنه كان مرضًا خفيفًا لا يمنع من إقامة الحد، ولهذا لم يُنقل عنه أنه خفف عنه في السوط، وإنما اختار له سوطًا وسطًا (٣) كالذي يضرب به الصحيحُ.
وأما إن كان مريضًا لا يرجى برؤه، فهذا يقام عليه الحد في الحال، ولا يؤخر، بسوط يؤمن معه التلف؛ كالقضيب الصغير، وشمراخ النخل، فإن خيف عليه من ذلك، جمع ضغثًا فيه مئة شمراخ، فضرب به ضربة واحدة، وبهذا قال الشافعي.
وأنكر مالك هذا، وقال: قال الله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وهذا جلدة واحدة.
ولنا: ما روى أبو أمامةَ بنُ سهلِ بنِ حنيف، عن بعض أصحاب
стр. 3390
رسول الله ﷺ : أن رجلًا اشتكى حتى ضَنِيَ، فدخلت عليه امرأة، فهشَّ لها، فوقعَ بها، فسئل له رسول الله ﷺ ، فأمر أن يأخذوا مئة شمراخ فيضربوه ضربة واحدة، رواه أبو داود، والنسائي (١).
قال ابن المنذر: في إسناده مقال، وهذا أولى من ترك الحد بالكلية، أو قتله بما لا يوجب القتل (٢)، والله أعلم.
(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ) بنِ الخطاب (﵄: أن رسول الله ﷺ جاء إليه اليهود، فذكروا له) ﷺ : (أن امرأة منهم) -أي: اليهود- (ورجلًا منهم).
قال البرماوي: اسم المرأة اليهودية التي زنت بسرة.
قال البغوي في "تفسيره": إنهما، أي: اللذين (زنيا) وأُتي بهما رسول الله ﷺ من أهل خيبر (١).
قال السهيلي: اسم المرأة بسرة (٢)، ولم يسم الرجل، زنيا بعد إحصان.
وفي "سنن أبي داود": أن رجلًا منهم -أي: يهود- وامرأة زنيا، فقالوا: اذهبوا إلى هذا النبي، فإنه بُعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم، قبلناها منه، واحتججنا بها عند الله، وقلنا: فُتيا نبيٍّ من أنبيائك، فأتوه وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم! ما ترى في رجل
стр. 3393
وامرأة زنيا؟ فلم يكلمهم بكلمة حتى أتى بيتَ مِدْراسهم (١)؛ أي: وهو البيت الذي يقرأ فيه أهل الكتاب، ودرستُ الكتاب: قرأته، كما في "المطالع" (٢)، وفي "القاموس" المِدراس: الموضعُ يُقرأ فيه القرآن، ومنه مِدراسُ اليهود (٣)، انتهى.
(فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟).
وفي حديث أبي داود: فقام ﷺ على الباب، فقال: "أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى! ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ "، (فقالوا: نفضحهم)؛ أي: نفضح من زنى؛ أي: نظهر ذمه وعيبه، ونُسَخِّمهم، أي: نسوِّدُ وجوههم، (ويُجلدون) بالسوط.
وفي حديث أبي داود: يُحَمَّم؛ أي: يُسَوَّد وجهُه؛ من الحمم، وهو الفحم، ومنه: صاروا حممًا (٤)، ويُجَبَّهُ، ويُجْلَد، وفي لفظ: التحميمُ والتجبية (٥)، وهو -بفتح المثناة فوق مشددة، وسكون الجيم وكسر الموحدة فمثناة فهاء-، جاء تفسيره في الحديث: أنهما يُجلدان، وتُحمم وجوههما، ويُحملان على حمار، ويخالَفُ بين وجوههما، فيقابل أقفيتهما، ويُطاف بهما (٦).
стр. 3394
قال: فسكت شابٌّ منهم، فلما رآه النبيُّ ﷺ سكت، أَلَظَّ به النِّشْدَةَ، فقال: اللهم إذ نشدتنا، فإنا نجد في التوراة الرجمَ، ولما قالوا ما قالوا، وأنكروا الرجمَ، (قال عبد الله بن سَلَام) -بتخفيف اللام- بنِ الحارث، يكنى: أبا يوسف، من بني قَيْنُقاع -بفتح القاف وسكون المثناة تحت وضم النون ثم قاف وألف وآخره عين مهملة- الإسرائيليُّ، من ولد يوسفَ الصديقِ -على نبينا وعليه أفضلُ الصلاة والسلام-، وكان حليفًا لبني عوف بنِ الخزرج، وكان اسمه: الحُصينَ، فسماه رسول لله ﷺ : عبدَ الله، أسلم أول مقدمِ النبيِّ ﷺ المدينة، وهو أحد الأحبار، وأحدُ من شهد له رسول الله ﷺ ، ففي "الصحيحين" من حديث سعد بن أبي وقاص، قال: ما سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لحيّ يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (١) [الأحقاف: ١٠].
روى عنه: ابناه: يوسف، ومحمد، وأنسُ بنُ مالك، وغيرهم، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين.
روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بآخر ﵁ (٢).
стр. 3395
(كذبتم)؛ أي: قال عبد الله بن سلام ﵁ ليهود لما قالوا في الزناة: نفضحهم ونُسَخِّمهم، ونسبوا ذلك إلى التوراة: كذبتم، (إن فيها)؛ أي: التوراة (آيةَ الرجم)، فأنكروا ذلك، فطلبها منهم، (فأتوا) -بقصر الهمز-؛ أي: جاؤوا (بالتوراة، فنشروها)؛ أي: أفردوها، ونظروا فيها، والنشرُ ضدُّ الطَّيِّ (١)، (فوضع أحدهم يده)؛ أي: اليهود، وهو عبد الله بن صوريا -كما يأتي في كلام المصنف ﵀ (يده على آية الرجم) من التوراة، فغطاها، (فقرأ ما قبلها)؛ أي: الآية التي قبل آية الرجم، (وما)؛ أي: والآية التي (بعدها)، ولم يقرأ آية الرجم، (فقال له)؛ أي: عبدِ الله بن صوريا (عبدُ الله بنُ سلام) ﵁ فاعل، قال: (ارفع يدك، فرفع يده) الخبيثة، (فإذا فيها)؛ أي: التوراة (آيةُ الرجم) مكتوبة، (فقال) عبد الله بن صوريا ومَنْ معه من أحبار يهود: (صدق) عبد الله بن سلام (يا محمد)، إن فيها آيةَ الرجم.
وفي حديث أبي داود لما اعترفوا أنهم يجدون في التوراة الرجم: فقال النبي ﷺ : "فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟ "، قال له الشاب: زنى ذو قرابةٍ [مع] ملكٍ من ملوكنا، فأخر عنه الرجمَ، ثم زنى رجل في أسرة من الناس، فأراد رجمَه، فحال قومُه دونه، وقالوا: لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمَه، فاصطلحوا [على] هذه العقوبة بينهم، فقال النبي ﷺ :
стр. 3396
"فإني أحكم بما في التوراة" (١)، (فأمر بهما)؛ أي: الزانيين من اليهود ([النبي ﷺ ])، (فرجما) عند باب مسجده الشريف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية": وذلك أول رجم كان في الإسلام (٢).
وفي كتاب "الأوائل" لعلي دَدَهْ: أن أول من رُجم في الإسلام ماعز، وعزاه لـ"شرح المصابيح".
ويمكن الجمع بأن أول من رُجِم في الإسلام من المسلمين ماعزٌ، وأول رجم مطلقًا اليهوديين (٣).
وعند أبي داود أيضًا: أنه ﷺ دعا بالشهود، فجاء أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثلَ الميل في المكحلة (٤)، (قال) عبدُ الله بن عمر ﵄: (فرأيت الرجل) وهما يُرجمان (يَحني)؛ أي: يميل ويعطف (على المرأة يَقيها الحجارةَ) بنفسه؛ من العطف والإشفاق عليها.
قال الحافظ المصنف ﵀ ورضي عنه-: الحبر (الذي وضع يده على آية الرجم) في التوراة من يهود (عبدُ الله بن صُورِيا) -بضم الصاد المهملة وسكون الواو وكسر الراء وبالمثناة تحت- وقال الحافظ زكي الدين المنذري: عبد الله بن صُوَرَى -بفتح الواو-، وقيده بعضهم: صُورِي -بكسر الراء-.
стр. 3397
قال الحافظ المنذري: وفي أبي داود، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: جاءت اليهود برجل وامرأة قد زنيا، فقال: "ائتوني بأعلم رجلين منكم"، فأتوا بابني صُوريا (١)، ولعله أراد: عبدَ الله بنَ صوري المتقدم، وكنانةَ بنَ صوريا، ويكون قد ثناهما على لفظ أحدهما، أو يكون عبد الله يقال فيه: ابن صوريا (٢).
قال البرماوي: صورياء -ممدود-، وفي "البحر" عن السهيلي حكاية عن النقاش: إنه أسلم (٣).
قلت: عند الإمام أحمد من حديث ابن عمر ﵄: فجاؤوا -يعني: يهود- بقارىء لهم أعور يقال له: ابن صوريا (٤).
وفي "المسند" أيضًا، و"صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود"، من حديث البراء بن عازب ﵄، قال: مُرّ على النبيِّ ﷺ بيهودي مُحَمَّمٍ مجلودٍ، فدعاهم، فقال: "هكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ "، قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ "، قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا، لم أخبرك، نجد الرجمَ، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف، تركناه، وإذا أخذنا الضعيف، أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلْنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميمَ والجلدَ مكانَ الرجم، فقال رسول الله ﷺ : "إني أولُ من أحيا أمرك إذْ أماتوه"،
стр. 3398
فأمر به فرُجم، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ)﴾ [المائدة: ٤١]، يقولون: ائتوا محمدًا، فإن أمركم بالتحميم والجلد، فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم، فاحذروا، فأنزل الله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، هي في الكفار كلُّها (١).
وفي "تفسير الحنبلي العُليمي" في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة: ٤١]: المعنى: هؤلاء الجماعة الذين جاؤوك من اليهود هم جواسيسُ لطائفة أخرى منهم لم تجئْكَ؛ لأنه كان قد زنى يهودي بيهودية، وكانا محصنين شريفين عند أهل خيبر، وكان حدُّهما الرجم، فكرهوا رجمَهما، فأرسلوا بهما مع جماعة من قريظة والنضير ليسألوا النبيَّ ﷺ عن حدهما عنده، وقالوا: إن أمركما محمد بالجلد، فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم، فاحذروا، فعلى هذا ﴿سماعون﴾ الأولى: أهل خيبر، والثانية: قريظة والنضير، وذكر تمام القصة على نحو ما قدمنا (٢)، والله الموفق.
стр. 3399
تنبيهان:
الأول: ثبت بهذا الحديث ونحوِه الإحصانُ للذميين، وهي مسألة خلاف، فمعتمد مذهب الإمام أحمد، عدم اشتراط الإسلام في الإحصان، وبه قال الزهري، والشافعي، فيكون الذميان محصَنين، وإذا تزوج المسلم ذمية، فوطئها، صارا محصنين.
وفيه رواية أخرى عن الإمام أحمد: أن الذمية لا تحصن المسلم.
وقال عطاء، والنخعي، والشعبي، ومجاهد، والثوري: الإسلام شرط في الإحصان، فلا يكون الكافر محصنًا، ولا تحصن الذمية مسلمًا؛ لأن ابن عمر روى: أن النبي ﷺ قال: "من أشرك بالله، فليس بمحصَن" (١)، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، إلا أن الذمية تحصِنُ المسلم عند مالك بناء على أصله في أنه لا يعتبر الكمال في الزوجين.
ولنا: هذا الحديث في قصة اليهوديين، ولأن الجناية بالزنا استوت من المسلم والذمي، فيجب أن يستويا في الحد، وحديثهم لم يصح، ولا يُعرف في مسنَد، وقيل: هو موقوف على ابن عمر، ثم على فرض ثبوته، يتعين حملُه على إحصان القذف؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الثابتة في "الصحيحين"، وغيرهما، ولاسيما وروايهما واحد، وحديثنا صريح في الرجم، فيتعين حملُ خبرهم على الإحصان الآخر.
فإن قيل: إنما رجم رسولُ الله ﷺ اليهوديين بحكم التوراة؛ بدليل أنه راجعها، فلما تبين له أن ذلك حكمُ الله عليهم، أقامه فيهم، وفيها أنزل الله
стр. 3400
تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤].
فالجواب: إنما حكم عليهم رسولُ الله ﷺ بما أنزل الله عليه؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، ولأنه لا يسوغ للنبي ﷺ الحكمُ بغير شريعته، ولو ساغ ذلك له، لساغ لغيره، وإنما راجعَ ﷺ التوراة؛ لتعريفهم أن حكم التوراة موافقٌ لما يحكم به عليهم، وأنهم تاركون شريعتهم، مخالفون لحكمهم، ثم هذا حجة لنا؛ لأن حكم الله تعالى -في وجوب الرجم- إن كان ثابتًا في حقهم، يجب أن يحكم به عليهم، وقد ثبت وجود الإحصان فيهم، ولا معنى له سوى وجوب الرجم على من زنى منهم بعد وجود شروط الإحصان فيه، فإن منعوا ثبوتَ الحكم في حقهم، فلم حكم به النبي ﷺ ، ولا يصح القياس على إحصان القذف؛ لأن من شروطه العفةَ، وليست شرطًا هاهنا (١).
الثاني: حدُّ اللواط، وهو عمل الفاحشة، ونسبته إلى قوم لوط؛ لأنه يعمل عملهم، وهم منسوبون إلى لوط النبي ﵇، وهو لوط بن هاران، وهارانُ أخو إبراهيم الخليل ﵇، وأما هاران أبو سارة فهو هاران الأكبر عمُّ إبراهيم ﵇ كما برهن على ذلك ابن خلكان في "تاريخه" (٢).
وكان لقوم لوط صفات مذمومة، أشهرها وأقبحها إتيانُ الذكور في