← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

"فإني أحكم بما في التوراة" (١)، (فأمر بهما)؛ أي: الزانيين من اليهود ([النبي ﷺ ])، (فرجما) عند باب مسجده الشريف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية": وذلك أول رجم كان في الإسلام (٢). وفي كتاب "الأوائل" لعلي دَدَهْ: أن أول من رُجم في الإسلام ماعز، وعزاه لـ"شرح المصابيح". ويمكن الجمع بأن أول من رُجِم في الإسلام من المسلمين ماعزٌ، وأول رجم مطلقًا اليهوديين (٣). وعند أبي داود أيضًا: أنه ﷺ دعا بالشهود، فجاء أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثلَ الميل في المكحلة (٤)، (قال) عبدُ الله بن عمر ﵄: (فرأيت الرجل) وهما يُرجمان (يَحني)؛ أي: يميل ويعطف (على المرأة يَقيها الحجارةَ) بنفسه؛ من العطف والإشفاق عليها. قال الحافظ المصنف ﵀ ورضي عنه-: الحبر (الذي وضع يده على آية الرجم) في التوراة من يهود (عبدُ الله بن صُورِيا) -بضم الصاد المهملة وسكون الواو وكسر الراء وبالمثناة تحت- وقال الحافظ زكي الدين المنذري: عبد الله بن صُوَرَى -بفتح الواو-، وقيده بعضهم: صُورِي -بكسر الراء-.

стр. 3397

قال الحافظ المنذري: وفي أبي داود، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: جاءت اليهود برجل وامرأة قد زنيا، فقال: "ائتوني بأعلم رجلين منكم"، فأتوا بابني صُوريا (١)، ولعله أراد: عبدَ الله بنَ صوري المتقدم، وكنانةَ بنَ صوريا، ويكون قد ثناهما على لفظ أحدهما، أو يكون عبد الله يقال فيه: ابن صوريا (٢). قال البرماوي: صورياء -ممدود-، وفي "البحر" عن السهيلي حكاية عن النقاش: إنه أسلم (٣). قلت: عند الإمام أحمد من حديث ابن عمر ﵄: فجاؤوا -يعني: يهود- بقارىء لهم أعور يقال له: ابن صوريا (٤). وفي "المسند" أيضًا، و"صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود"، من حديث البراء بن عازب ﵄، قال: مُرّ على النبيِّ ﷺ بيهودي مُحَمَّمٍ مجلودٍ، فدعاهم، فقال: "هكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ "، قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ "، قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا، لم أخبرك، نجد الرجمَ، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف، تركناه، وإذا أخذنا الضعيف، أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلْنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميمَ والجلدَ مكانَ الرجم، فقال رسول الله ﷺ : "إني أولُ من أحيا أمرك إذْ أماتوه"،

стр. 3398

فأمر به فرُجم، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ)﴾ [المائدة: ٤١]، يقولون: ائتوا محمدًا، فإن أمركم بالتحميم والجلد، فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم، فاحذروا، فأنزل الله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، هي في الكفار كلُّها (١). وفي "تفسير الحنبلي العُليمي" في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة: ٤١]: المعنى: هؤلاء الجماعة الذين جاؤوك من اليهود هم جواسيسُ لطائفة أخرى منهم لم تجئْكَ؛ لأنه كان قد زنى يهودي بيهودية، وكانا محصنين شريفين عند أهل خيبر، وكان حدُّهما الرجم، فكرهوا رجمَهما، فأرسلوا بهما مع جماعة من قريظة والنضير ليسألوا النبيَّ ﷺ عن حدهما عنده، وقالوا: إن أمركما محمد بالجلد، فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم، فاحذروا، فعلى هذا ﴿سماعون﴾ الأولى: أهل خيبر، والثانية: قريظة والنضير، وذكر تمام القصة على نحو ما قدمنا (٢)، والله الموفق.

стр. 3399

تنبيهان: الأول: ثبت بهذا الحديث ونحوِه الإحصانُ للذميين، وهي مسألة خلاف، فمعتمد مذهب الإمام أحمد، عدم اشتراط الإسلام في الإحصان، وبه قال الزهري، والشافعي، فيكون الذميان محصَنين، وإذا تزوج المسلم ذمية، فوطئها، صارا محصنين. وفيه رواية أخرى عن الإمام أحمد: أن الذمية لا تحصن المسلم. وقال عطاء، والنخعي، والشعبي، ومجاهد، والثوري: الإسلام شرط في الإحصان، فلا يكون الكافر محصنًا، ولا تحصن الذمية مسلمًا؛ لأن ابن عمر روى: أن النبي ﷺ قال: "من أشرك بالله، فليس بمحصَن" (١)، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، إلا أن الذمية تحصِنُ المسلم عند مالك بناء على أصله في أنه لا يعتبر الكمال في الزوجين. ولنا: هذا الحديث في قصة اليهوديين، ولأن الجناية بالزنا استوت من المسلم والذمي، فيجب أن يستويا في الحد، وحديثهم لم يصح، ولا يُعرف في مسنَد، وقيل: هو موقوف على ابن عمر، ثم على فرض ثبوته، يتعين حملُه على إحصان القذف؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الثابتة في "الصحيحين"، وغيرهما، ولاسيما وروايهما واحد، وحديثنا صريح في الرجم، فيتعين حملُ خبرهم على الإحصان الآخر. فإن قيل: إنما رجم رسولُ الله ﷺ اليهوديين بحكم التوراة؛ بدليل أنه راجعها، فلما تبين له أن ذلك حكمُ الله عليهم، أقامه فيهم، وفيها أنزل الله

стр. 3400

تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]. فالجواب: إنما حكم عليهم رسولُ الله ﷺ بما أنزل الله عليه؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، ولأنه لا يسوغ للنبي ﷺ الحكمُ بغير شريعته، ولو ساغ ذلك له، لساغ لغيره، وإنما راجعَ ﷺ التوراة؛ لتعريفهم أن حكم التوراة موافقٌ لما يحكم به عليهم، وأنهم تاركون شريعتهم، مخالفون لحكمهم، ثم هذا حجة لنا؛ لأن حكم الله تعالى -في وجوب الرجم- إن كان ثابتًا في حقهم، يجب أن يحكم به عليهم، وقد ثبت وجود الإحصان فيهم، ولا معنى له سوى وجوب الرجم على من زنى منهم بعد وجود شروط الإحصان فيه، فإن منعوا ثبوتَ الحكم في حقهم، فلم حكم به النبي ﷺ ، ولا يصح القياس على إحصان القذف؛ لأن من شروطه العفةَ، وليست شرطًا هاهنا (١). الثاني: حدُّ اللواط، وهو عمل الفاحشة، ونسبته إلى قوم لوط؛ لأنه يعمل عملهم، وهم منسوبون إلى لوط النبي ﵇، وهو لوط بن هاران، وهارانُ أخو إبراهيم الخليل ﵇، وأما هاران أبو سارة فهو هاران الأكبر عمُّ إبراهيم ﵇ كما برهن على ذلك ابن خلكان في "تاريخه" (٢). وكان لقوم لوط صفات مذمومة، أشهرها وأقبحها إتيانُ الذكور في

стр. 3401

الدُّبُر، وهو المراد هنا، الفاعل والمفعول به كزانٍ، ولا فرق بين أن يكون في مملوكه، أو أجنبي، أو أجنبية. وأما إن وطىء زوجته في دبرها، وكذا مملوكته، فهو محرم من الكبائر، ولا حد عليه في ذلك، نعم يُعَزَّرُ ويُفَرَّق بينهما إن أصرَّ على ذلك. قال في "شرح المقنع": وحدُّ اللوطيِّ كحدِّ الزاني، وعنه: حده الرجم بكل حال، قال: وأجمع أهل العلم على تحريم اللواط، وقد ذمه الله تعالى في كتابه، وعاب مَنْ فعله، وذمه رسولُ الله ﷺ ، ولعنَ من عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوط، وكرر ذلك. قال: واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في حده، فروي عنه: أن حده الرجم بكل حال، بكرًا كان أو ثيبًا، وهذا قول علي، وابن العباس، وجابر بن زيد، وعبيد الله بن معمر، والزهري، وأبي حبيب، وربيعة بن مالك، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي. والرواية الثانية: أن حده حدّ الزنا، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، والنخعي، وقتادة، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وهو المشهور من قولي الشافعي؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا أتى الرجلُ الرجلَ، فهما زانيان" (١)، ولأنه إيلاج في فرج آدمي لا ملك له فيه، ولا شبهةَ ملكٍ، فكان زنا كالإيلاج في فرج المرأة، وإذا ثبت كونه زنا،

стр. 3402

دخل في عموم الآية والأخبار فيه، ولأنه فاحشة، فكان زنا كالفاحشة بين الرجال والنساء. وروي عن أبي بكر الصديق ﵁: أنه أمر بتحريق اللوطي، وهو قول ابن الزبير، ولما روى صفوان بن سليم عن خالد بن الوليد: أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلًا يُنكح كما تُنكح المرأة، فكتب إلى أبي بكر، فاستشار أبو بكر الصحابة فيه، فكان علي ﵁ أشدَّهم قولًا فيه، فقال: ما فعل هذا إلا أمةٌ من الأمم واحدة، وقد علمتم ما فعل الله بها، أرى أن يحرق بالنار، فكتب أبو بكر ﵁ إلى خالد، فحرقه (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "السياسة الشرعية": وأما المتلوط، فمن العلماء من يقول: حدُّه حدُّ الزنا، وقد قيل: دون ذلك، والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة: أن يُقتل الاثنان الأعلى والأسفلُ، سواء كانا محصَنين، أو غيرَ محصَنين؛ فإن أهل السنن رووا عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ : أنه قال: "من وجدتموه يعملُ عملَ قومِ لوط، فاقتلوه، الفاعلَ والمفعولَ به" (٢)، وروى أبو داود عن ابن عباس ﵄ في البكر يؤخذ على اللوطية، قال: يرجم (٣)، ورُوي عن علي بن أبي طالب ﵁ نحوُ ذلك (٤).

стр. 3403

قال شيخ الإسلام: لم يختلف الصحابة ﵃ في قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فعن بعضهم: أنه يُلقى عليه جدار حتى يموت تحت الهدم، وقيل: يُحبسان في أنتنِ موضع حتى يموتا، وعن بعضهم: أنه يرفع على أعلى جدار في القرية، فيرمى منه، ويتبع بالحجارة؛ كما فعل الله بقوم لوط، قال: وهذه رواية عن ابن عباس، والرواية الأخرى قال: يرجم. قال شيخ الإسلام: وعلى هذا أكثرُ السلف، قالوا: لأن الله رجم قومَ لوط، وشرع رجم الزاني تشبيهًا برجم قوم لوط، فيرجم الاثنان، سواء كانا حرين، أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوكًا، والآخر حرًا، إذا كانا بالغين، فإن كان أحدهما غير بالغ، عوقب بما دون القتل، ولا يرجم إلا البالغ، انتهى (١). وقال ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية": هو -أي: اللواط- أولى بالحد من الزنا، فإنه وطء فرج لا يستباح بحال، والداعي إليه قويٌّ، فهو أولى بوجوب الحد، فيكون نصابه -يعني: من جهة ثبوته- نصابَ الزنا. واكتفى أبو حنيفة، وأبو محمد بن حزم بشاهدين (٢). وقال في كتابه "إغاثة اللهفان": اعلم أن الإمام مالكًا من أشد الناس، بل أشدّهم في هذا الباب، حتى إنه يوجب قتل اللوطي حدًا، بكرًا كان أو ثيبًا، قال: وقوله في ذلك هو أصح المذاهب كما دلت عليه النصوص، واتفقت عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن اختلفت أقوالهم في كيفية قتله، وما نسب إلى الإمام مالك من جواز وطء الرجل امرأته في دبرها هو كذبٌ

стр. 3404

عليه وعلى أصحابه، فكتبُهم كلُّها صريحة بتحريمه. قال: ومن نسب إلى الإمام مالك شيئًا من إباحة الفواحش، فهو كذب، وهو كفر وزندقة من قائله بإجماع الأمة. قال: ونظير هذا ما يتوهمه كثير من الفَسَقَة وجهالِ الترك وغيرهم أن مذهب أبي حنيفة أن هذا ليس من الكبائر، وغايته أن يكون صغيرة من الصغائر، وهذا من أعظم الكذب والبهتان على الأئمة، فقد أعاذ الله أبا حنيفة وأصحابه من ذلك، وشُبهة هؤلاء الفسقة الجهلة أنهم لما رأوا أبا حنيفة لم يوجبْ فيه الحد، ركَّبوا على ذلك أنه ليس من كبائر الذنوب، بل من صغائرها، وهذا ظن كاذب؛ فإنه لم يُسقط فيه الحد لخفته؛ فإن جرمه عنده وعند جميع أهل الإسلام أعظمُ من جرم الزنا، ولهذا عاقب الله -سبحانه- أهله بما لم يعاقب به أمةً من الأمم، وجمعَ عليهم من أنواع العذاب ما لم يجمعه على غيرهم، ولكن شُبهة من أسقط فيه الحد: أن فحشه مركوز في طباع الأمم، فاكتفى فيه بالوازع الطبعي، كما اكتفى بذلك في أكل الرجيع وشرب البول والدم، ورتب الحد على شرب الخمر؛ لكونه مما تدعو إليه النفوس. والجمهور يجيبون عن هذا بأن في النفوس الخبيثة المتعديةِ حدودَ الله أقوى الداعي لذلك، فالحد فيه أولى من الحد في الزنا، ولذلك وجب الحد على من وطىء أمه وبنته وخالته وجدته، وإن كان في النفوس وازع وزاجر طبعي عن ذلك، بل حد هذا القتل بكل حال، بكرًا كان أو محصنًا في أصح الأقوال. قال: وهذا مذهب الإمام أحمد، وغيره، وأطال في ذلك (١).

стр. 3405

وقال في كتابه "الداء والدواء": وقد اختلف الناس هل هو أغلظ عقوبة من الزنا، أو الزنا أغلظ عقوبة منه، أو عقوبتهما سواء؟ على ثلاثة أقوال: فذهب الصديق الأعظمُ، وعليُّ بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وجابر بن زيد، وعبد الله بن معمر، والزهري، وربيعة بن عبد الرحمن، ومالك، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد في أصح الروايتين عنه، والشافعي في أحد قوليه: إلى أن عقوبته أغلظُ من عقوبة الزنا، وعقوبته القتل على كل حال، محصنًا كان أو غير محصن. وذهب عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي في ظاهر مذهبه، والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن: إلى أن عقوبته وعقوبة الزنا سواء. وذهب الحكم، وأبو حنيفة: إلى أن عقوبته دون عقوبة الزاني، وهي التعزير، قالا: لأنه معصية من المعاصي لم يقدر الله ولا رسولُه فيه حدًا مقدَّرًا، فكان فيه التعزير؛ كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، ولأنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، بل ركبها الله على النفرة منه، حتى الحيوان البهيم، فلم يكن فيه حد؛ كوطء الحمار وغيره. قالوا: ولأنّا رأينا قواعد الشريعة أن المعصية إذا كان الوازع عنها طَبْعيًّا، اكتفي بذلك الوازع من الحد، وإذا كان في الطباع تقاضيها، جعل فيه الحد بحسب اقتضاء الطباع لها، وقد جبل الله الطباع على النفرة من وطء الرجل مثلَه أشدَّ نفرة، كما جبلها على النفرة من استدعاء الرجل من يطؤه؛ بخلاف الزنا؛ فإن الداعي فيه من الجانبين.

стр. 3406

قال أصحاب القول الأول، وهم جمهور الأمة، وحكاه غير واحد إجماعًا للصحابة: ليس في المعاصي مفسدة أعظمُ من هذه المفسدة، وهي التي تلي مفسدةَ الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل، إلى أن قال: وقد حتم قتلُ اللوطي حدًا؛ كما أجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، ودلت عليه سنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة التي لا مُعارِضَ لها، بل عليها عملُ أصحابه وخلفائه الراشدين، وذكر قصةَ خالد بن الوليد والذي وجده في بعض ضواحي العرب، وتحريقه بالنار (١)، وقد روى ابنُ عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عملَ قوم لوط، فاقتلوا الفاعلَ والمفعول به" رواه أهل "السنن"، وصححه ابن حِبانَ وغيرُه (٢)، واحتج به الإمامُ أحمد، قال ابن القيم: وإسنادُه على شرط البخاري، وثبت عنه ﷺ أنه قال: "لعن الله من عمل عمل قومِ لوط، لعن الله من عمل عملَ قوم لوطٍ، لعن الله من عمل عمل قوم لوط" (٣)، ولم تجىء لعنة الزاني في حديث واحد، وقد لعنَ جماعةً من أهل الكبائر، فلم يجاوز بهم اللعنة مرة واحدة، وكرر لعنَ اللوطية ثلاثَ مرات، وأطال في تقرير أدلة هذا المذهب، ورد ما يخالفه وتضعيفه، وأنه غير ملتفَت إليه (٤).

стр. 3407

وقد ذكرتُ طرفًا من ذلك صالحا في رسالتي "قرع السياط في قمع أهل اللواط"، والله الموفق (١).

стр. 3408

الحديث السادس عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لو أن امرأ اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بحَصَاةٍ، فَفَقَأتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ جُنَاحٌ" (١). * * * (عن أبي هريرة) عبدِ الرحمن بنِ صخر (﵁: أن رسول الله ﷺ قال: لو أن امرأ) من الناس، من ذكر أو أنثى (اطلع عليك)

стр. 3409

في بيتك (بغير إذنٍ) منك، (فحذفته) -بالحاء المهملة- عند أبي ذر، والقابسي، وعند غيرهما -بالخاء المعجمة-، وهو أوجه؛ لأنه الرمي (بحصاة) ونحوِها من نواة وغيرها، إما بين الإبهام والسبابة، وإما بين السبابتين، وجزم النووي بأنه في "مسلم" -بالخاء المعجمة- (١)، لكن في رواية سفيان -بالمهملة-، وقال القرطبي: الرواية -بالمهملة- خطأ (٢)؛ لأن في نفس الخبر أنه الرمي بالحصا، وهو -بالمعجمة- جزمًا. قال العلقمي: ولا مانع من استعمال -المهملة- في ذلك مجازًا، انتهى (٣). وفي "المطالع" في باب الحاء المهملة والذال المعجمة: فحذفه بحصاة، كذا للقابسي -بحاء مهملة-، وعند سائرهم -بخاء معجمة-، وهو الصواب المستعمل في الحصاة وشبهها (٤). وقال في الخاء والذال المعجمتين: الخذف: الرمي بحصا أو نوى بين سبابتيه، أو بين الإبهام والسبابة، ومنه: نَهى عن الخذف (٥)، قوله: "فخذفته بحصاة"، وللقابسي في كتاب: الديات بحاء مهملة، والأول أصوب، انتهى (٦).

стр. 3410

(ففقأَت) -بقاف ثم همزة ساكنة-؛ أي: شققتَ (عينه)، قال ابن القطاع: فقأ عينه: أطفأ ضوءَها (١)، وفي "النهاية": فيه؛ أي: الحديث: "لو أن رجلًا اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤوا عينه، لم يكن عليهم شيء"؛ أي: شقوها، والفقء: الشق (٢). (ما كان عليك جُناح) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "لم يكن عليك جناح"؛ أي: لم يكن عليك حرج. وفي رواية من حديث أبي هريرة كما في مسلم: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينه" (٣). وفيه ردٌّ على من حمل الجُناح هنا على الإثم، ورتَّب على ذلك وجوبَ الدية؛ إذ لا يلزم من رفع الإثم رفعُها؛ لأن وجوبَ الدية من خطاب الوضع، ووجه الدلالة: أن إثبات الوضع يمنع من ثبوت القصاص والدية. وورد ما هو أصرح من هذا كما في "مسند الإمام أحمد"، والنسائي، وصححه ابن حبان، والبيهقي من رواية بشير بن نَهيك بلفظ: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤوا عينه، فلا قصاص ولا دية" (٤)، وفي رواية: "فهو هدر" (٥)، واستدل به على جواز رمي من يتجسس، ولو لم يندفع

стр. 3411

بالشيء الخفيف، جاز بالثقيل، وأنه إذا أصيبت نفسه أو بعضه، فهو هدر (١). قال علماؤنا: وإن نظر في بيته من خصاص الباب (٢)، أو من ثقب في جدار، أو من كوة ونحوه، لا من باب مفتوح، فرماه صاحب الدار بحصاة أو نحوها، أو طعنه بعود، فقلع عينه، فلا شيء عليه، ولو أمكن الدفعُ بدونه، وسواء كان في الدار نساء، أو كان الناظر محرمًا، أو نظر من الطريق، أو من ملكه، أو لا، فإن ترك الاطلاع ومضى، لم يجز رميُه، فإن رماه، فقال المُطَّلع: ما تعمدته، أو: لم أر شيئًا حين اطلعت، لم يضمنه، وليس لصاحب الدار رميُه بما يقتله ابتداءً، فإن لم يندفع برميه بالشيء اليسير، جاز رميه بأكثر منه حتى يأتي ذلك على نفسه (٣). وأما لو تسمَّع الأعمى أو البصير على مَنْ في البيت، لم يجز طعنُ أذنه. وعن أبي ذر مرفوعًا: "وإن مر رجل على باب لا سترَ له غير مغلق، فنظر، فلا خطيئة عليه، وإنما الخطيئة على أهل البيت"، في سنده ابن لهيعة، رواه الإمام أحمد، والترمذي (٤)، وتقدم الكلام على ذلك في آخر الحديث الثامن من باب القصاص. وذهب المالكية فيما إذا خذف عينَ من اطلع على بيته بلا إذنه، ففقأها:

стр. 3412

إلى وجوب القصاص، وأنه لا يجوز قصدُ العين ولا غيرُها، واعتلوا بأن المعصية لا تُدفع بالمعصية. وأجاب الجمهور: بأن المأذون فيه إذا ثبت الإذن، لا يسمَّى معصيةً، وإن كان الفعلُ لو تجرد عن هذا السبب يعدُّ معصية. وقد اتفقوا على جواز دفع الصائل، ولو أتى على نفس المدفوع، وهو بغير السبب المذكور معصية، فهذا يلحق به مع ثبوت النص فيه. وأجاب المالكية عن الحديث: بأنه ورد على سبيل التغليظ والإرهاب، ووافق الجمهورَ منهم ابنُ نافع. وقال يحيى بن عمر منهم: لعل مالكًا لم يبلغْه الخبر. وقال القرطبي في "المفهم": ما كان ﵊ بالذي يهمُّ أن يفعل ما لا يجوز (١)، أو يؤدي إلى ما لا يجوز، والحمل على رفع الإثم لا يتم مع وجود النهي برفع الحرج، وليس مع النص قياس، انتهى (٢). وتقدم في آخر القصاص قوله ﷺ : "إنما جُعل الإذن من أجل البصر" (٣)، فيشرع الاستئذان على كل أحد، حتى المحارم؛ لئلا تكون منكشفة العورة. وقد أخرج البخاري في "الأدب المفرد" عن نافع: كان ابن عمر ﵄ إذا بلغَ بعضُ ولده الحلمَ، لم يدخل عليه إلا بالإذن (٤).

стр. 3413

ومن طريق علقمة: جاء رجل إلى ابن مسعود ﵁، فقال: أستأذن على أمي؟ فقال: ما على كل أحيانها تريد أن تراها (١). ومن طريق مسلم بن ندير -بالنون مصغرًا-: سأل رجل حذيفة: أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها، رأيت ما تكره (٢). ومن طريق موسى بن طلحة: دخلتُ مع أبي على أمي، فدخل، فاتبعته، فدفع في صدري، وقال: تدخل بغير إذن (٣). ومن طريق عطاء: سألت ابن عباس: أستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت: إنها في حَجْري، قال: أتحبُّ أن تراها عريانة؟ (٤). وأسانيد هذه الآثار كلها صحيحة. وأما دخول المرء منزلَه، فلا يحتاج فيه إلى الاستئذان؛ لفقد العلة التي لأجلها شرع الاستئذان، نعم لو احتمل أن يتجدد فيه ما يحتاج معه إليه، شُرع له (٥)، والله تعالى الموفق.

стр. 3414

باب حد السرقة وهي أخذ مالٍ محترمٍ لغيره، وإخراجُه من حرزِ مثلِه، لا شبهةَ له فيه، على وجه الاختفاء (١). يقال: سرق منه الشيء يَسرِق، سَرَقًا -محركة-، وككتف، وسَرَقَة -محركة- وكفَرِحَة، وسَرقًا -بالفتح-، واسترقه: جاء مستترًا إلى حرز، فأخذ مالًا لغيره (٢)، والاسم: السَّرقة -بالفتح-، وكَفِرحَةٍ، وكَتِفٍ، وسرقه، فهو سارق، والشيءُ مسروق، وصاحبُه مسروقٌ منه (٣). وذكر المصنف -رَوَّحَ الله روحَه- في هذا الباب ثلاثة أحاديث.

стр. 3415

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ في مِجَنٍّ قِيْمَتُهُ -وَفِي لَفْظٍ: ثَمَنُهُ- ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ (١).

стр. 3416

(عن) أبي عبد الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ ﵄) قال: (أَنَّ النبي ﷺ قطع) اليدَ (في مِجَنٍّ)، وهو الترس. قال في "النهاية": المِجَنُّ، والمَجَانُّ: هو الترسُ، والترسة، والميم زائدة؛ لأنه من الجُنَّة: السترة، انتهى (١). وفي "المطالع" المِجَنُّ: الترس؛ لأنه يُستتر به، والمَجَانُّ المُطْرَقَةُ -بفتح الميم وتشديد النون- جمعُ مِجَنٍّ، ووزنه مَفاعِل، وحكي عن بعضهم: أنه كان يقوله -بكسر الميم-، قال: وهو خطأ، وإنما هو مثل مِحْمَل ومَحامل، الميم فيه زائدة، مفتوحة في الجمع، قال: وقد رواه ابن السماك وغيره من رواة البخاري -بكسر الميم- (٢). (قيمته)؛ أي: قيمة ذلك المِجَنِّ المسروقِ، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد (٣)، والشيخان، وأصحاب السنن الأربعة. (وفي لفظ) بعضهم: (ثَمَنُه) -بفتح الثاء المثلثة والميم فنون-، والهاء تعود على المجن، وهو ما استحق به ذلك الشيء، والجمع أثمان، ويرادف القيمةَ في الجملة؛ لأنها ما تقوم بها السلعة (ثلاثةُ دراهمَ) إسلامية.

стр. 3417

الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبع دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (١). * * * (عن) أم المؤمنين (عائشةَ) الصديقة (﵂: أنها سمعت

стр. 3418

رسولَ الله ﷺ يقول: تقطع اليد) من السارق (في) سرقة (ربع دينار) من حرزه (فصاعدًا)؛ أي: أكثر، وهذا رواه مع الشيخين: الإمام أحمد (١)، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (٢). وفي رواية: أن النبي ﷺ قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا" رواه الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه (٣). وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يقطع السارقَ في ربع دينار فصاعدًا (٤). وفي رواية: لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه (٥). وقال ﷺ : "اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك" ذكره الإمام أحمد (٦). وقالت عائشة ﵂: لم تكن تُقطع يدُ السارق في عهد

стр. 3419

رسول الله ﷺ في أدنى من ثمن المِجَنِّ ترسٍ أو حجفةٍ، وكان كل منهما ذا ثمن (١). وقال الإمام مجد الدين في "المنتقى": وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار: اثني عشر درهمًا، رواه الإمام أحمد (٢). وصح عنه ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁: أنه قال: "لعن اللهُ السارق يسرق البيضةَ فتقطع يدُه، ويسرق الحبلَ فتقطع يدُه" قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيضة الحديد، والحبل، كانوا يرون أنه منها ما يساوي ثلاثة دراهم، متفق عليه (٣)، وليس لمسلم فيه زيادة قول الأعمش (٤). قال الإمام ابن القيم في "الهدي": هذا حبل السفينة، وبيضةُ الحديد، وقيل: بل كل حبل وبيضة، وقيل: هو إخبار بالواقع؛ أي: إنه يسرق هذا، فيكون سببًا لقطع يده بتدرجه منه إلى ما هو أكبر منه (٥). قال الإمام النووي: أجمع العلماء على قطع يد السارق، واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره، فقال أهل الظاهر لا يشترط نصاب، بل تقطع في

стр. 3420

القليل والكثير، وبه قال ابن بنت الشافعي من أصحابنا، وحكاه عياض عن الحسن البصري (١)، واحتجوا بعموم الآية، وقال الجمهور: لا تقطع إلا في نصاب؛ لما ذكرنا من الأحاديث (٢). واختلفوا في قدره، فقال الإمام أحمد، ومالك، وإسحاق: تقطع في ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، وما قيمته ذلك، قال ابن هبيرة: أي قيمة ثلاثة دراهم من العروض، قال: والتقويم بالدرهم خاصة، قال: والأثمان أصول لا يقوَّم بعضُها ببعض (٣). قلت: معتمد المذهب: كونُ الدينار الذي تقطع اليد في ربعه مثقالًا ذهبًا، وإن العرض يقوَّم بأحدهما، فإن بلغ ربع دينار، أو ثلاثة دراهم فضة صافية، قطعت، وتعتبر القيمة حال إخراجه من الحرز، فإن كان في أحد النقدين غش، لم تقطع حتى يبلغ ما فيه من النقد الخالص نصابًا، وسواء كان النقد مضروبًا، أو تبرًا، أو حليًا، أو مكسرًا، ويضم أحدُ النقدين إلى الآخر بالأجزاء في تكميل النصاب؛ كالزكاة، فلو سرق ثُمْنَ مثقال ودرهمًا ونصفًا، قُطع، وكذا يضم أحد النقدين أو هما إلى قيمة عرض في تكميل النصاب، فلو سرق درهمًا وعرضًا يساوي درهمًا ونصف سدس مثقال، قطع (٤). ومذهب الشافعي: النصاب ربعُ دينار ذهبًا، أو ما قيمته ربع دينار، فلا تُقطع في أقل منه.

стр. 3421

وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تقطع إلا في عشرة دراهم، وما قيمته ذلك (١). والصحيح ما عليه الإمام مالك، والإمام أحمد، وإسحاق، وغيرهم، ففي حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قطع يد سارق سرق ترسًا من صُفَّة النساء قيمتُه ثلاثة دراهم، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي (٢)، فهذا يدل على أن كل واحد من النقدين أصل؛ لأن ثمن المجن قُوِّمَ تارة بربع دينار؛ كما في حديث عائشة عند النَّسائيُّ (٣)، وتارة بثلاثة دراهم؛ كما في حديث ابن عمر هذا، فلو كانت الدراهم هي الأصل، لاختص التقويم بها دون الذهب. قال في "شرح المحرر": والرواية الثانية: أن الدراهم هي الأصل؛ لقول عائشة ﵂: كان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهمًا (٤)، فيدل على أحد شيئين: إما على أنه لا يريد بربع الدينار الذهب، وإنما يريد الدينار المصطلح عليه، وهو اثنا عشر درهمًا، وإما على أن قيمة الدينار كانت يومئذ كذلك، فعلى هذا تُقوم العروضُ به دون الذهب، ويبقى الذهب على أصله في القيمة بتقويم الشرع، الدينار باثني عشر درهمًا، لأن الدرهم أعم وجودًا، وأسهل في

стр. 3422

التقويم؛ لأنها يندر دخول الكبير فيها، ولا كذلك الذهب، فيجب أن تكون أصلًا في التقويم. وفي رواية: أن الأصل الدراهم خاصة، فتقوم العروض، وكذا الذهب بذلك، فمتى بلغ المسروق ثلاثة دراهم فضة، قطعت اليد فيه (١). قال في "الفتح": قال الداودي في قوله ﷺ : "لعن الله السارق": يحتمل أن يكون خبرًا؛ ليرتدع من سمعه عن السرقة، ويحتمل أن يكون دعاء، قال: ويحتمل أَلَّا يراد به حقيقة اللعن، بل التنفير فقط. وقال الطيبي: لعل المراد باللعن هنا: الإهانة والخذلان، كأنه قيل: لما استعمل أعزَّ شيء في أحقر شيء، خذله الله حتى قطع. واعترض الخطابي على تأويل الأعمش من قوله: كانوا يرون أنه بيضة الحديد. . . . إلخ، بأن هذا غير مطابق لمذهب الحديث، ومخرج الكلام فيه، وذلك أنه ليس بالشائع في الكلام أن يقال في مثل ما ورد فيه الحديثُ من اللوم والتثريب: أخزى الله فلانًا، عرض نفسه للتلف في مال له قدر ومزية، وعرض له قيمة، إنما يُضرب المثل في مثله بالشيء الذي لا وزنَ له ولا قيمةَ، هذا حكم العرف الجاري، وإنما وجه الحديث وتأويله: ذمُّ السرقة، وتهجينُ أمرها، وتحذير سوء بغيتها فيما قل وكثر من المال، يقول: إن سرقة الشيء القليل الذي لا قيمة له كالبيضة المذرة، والحبل الخلَق الذي لا قيمة له، إذا تعاطاه، فاستمرت به العادة، ولم يتب، يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقها حتى يبلغ قدرَ ما تقطع فيه اليد، فتقطع يده، يقول: فليحذر هذا الفعل، وليتوقَّه قبل أن تملكه العادة ويمرنَ عليها؛ ليسلم من

стр. 3423

سوء بغيه، ووخيمِ عاقبته، وهذا الذي أشار إليه ابن القيم. وسبق الخطابي إلى ذلك أبو محمد بن قتيبة فيما حكاه ابن بطال، فقال: واحتج الخوراج بهذا الحديث على أن القطع يجب في أقل الأشياء وكثيرها، ولا حجة لهم في ذلك (١)؛ لأن الآية لما نزلت، قال ﵇ ذلك على ظاهر ما نزل، ثم أعلمه الله تعالى أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار، فكان بيانًا لما أجمل، فوجب المصيرُ إليه، قال: وأما قول الأعمش: إن البيضة في هذا الحديث بيضةُ الحديد الذي يجعل في الرأس في الحرب، وإن الحبل حبال السفن، فهذا التأويل لا يجوز عند من يعرف صحيح كلام العرب؛ لأن كل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة، وهذا تكثير لما يسرقه السارق، وليس من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبح الله فلانًا عرّض نفسه للضرب في عقد جوهر، وتعرض للعقوبة بالغلول في جراب مسك، وإنما العادة في مثل هذا أن يقولوا: لعنه الله، تعرَّضَ لقطع اليد في حبل رَثّ، أو في كبة شعر، أو رداء خَلَق، وذكر نحو ما قدمنا عن الخطابي (٢). وأيضًا: فالعار الذي يلحقه بالقطع لا يساوي ما حصل له ولو كان جليلًا، وإلى هذا أشار القاضي عبد الوهاب بقوله: [من البسيط] صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا ... صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي وردَّ بذلك على قول المعري: [من البسيط] يَدٌ بِخَمْس مِئِين عَسْجدًا وُدِيَتْ ... مَا بَالُها قُطِعَتْ فِي رُبع دِينَارِ تَحَكُّمٌ مَا لَنَا إِلَّا السُّكُوتُ لَهُ ... وأَنْ نَعُوذَ بِمَوْلَانَا مِنَ النَّارِ

стр. 3424

كما في "الفتح" (١): ما عدا ثاني بيتي المعري. والذي في الدميري وغيره ما لفظه: ولما نظم أبو العلاء المعري أحمدُ بنُ عبد الله بنِ سليمان بيته الذي شكك به على الشريعة، وهو: يَدٌ بِخَمْسِ مِئِين عَسْجدًا وُدِيَتْ، البيت، فأجابه القاضي عبد الوهاب: [من البسيط] صِيَانَةُ النَّفْسِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا ... خِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي يعني: لما كانت أمينة، كانت ثمينة، فلما خانت، هانت، انتهى (٢). والمحفوظُ من لفظ بيت عبد الوهاب: [من البسيط] عِزُّ الأَمَانَةِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا ... ذُلُّ الْخِيَانَةِ فافْهَم حِكْمَةَ الْبَارِي قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": وشرح ذلك -يعني: بيت القاضي عبد الوهاب على ما أنشده من قوله: صيانة -بالصاد المهملة في الشقين- ما لفظه: وشرحُ ذلك: أن الدية لو كانت ربع دينار، لكثرت الجناية على الأيدي، ولو كان نصاب القطع خمسَ مئة دينار، لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطرفين (٣). تنبيهات: الأول: يشترط في قطع سارق: أن يكون مكلفًا مختارًا، وأن يكون المسروق مالًا محترمًا، ويكون السارق عالمًا به وبتحريمه، وأن يسرقه من

стр. 3425

مالكه أو نائبه، ولو من غلة وقف، وليس من مستحقيه. ويشترط للقطع أن تكون السرقة من حرز، فحرزُ المال: ما جرت العادة بحفظه فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان، وعدل السلطان وجوره، وقوته وضعفه. فحرز الأثمان والجواهر والقماش في الدور والدكاكين في العمران وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة. والصندوق في السوق حرز، وثَمَّ حارس، وإلا فلا. فإن لم تكن الأبواب مغلقة، ولا فيها حافظ، فليست حرزًا. وكذا البيوت التي في البساتين والطرق والصحراء إذا لم يكن فيها أحد، فليست حرزًا، ولو مغلقة. وإذا كان لابسًا ثوبًا، أو متوسدًا له، نائمًا أو مستيقظًا، أو مفترشًا، أو متكئًا عليه في أي موضع كان من بلد أو برية، أو نائمًا على مجرِّ فرسه، ولم يزل عنه، أو نعله في رجله، فمحرز، وإن تدحرج عن الثوب، زال الحرز. ومتاع البزازين بين أيديهم بحيث يشاهدونه وينظرون إليه مُحرز، إلا إن نام، أو غاب عن موضع مشاهدته. وحرز كفن مشروع -خرج غير مشروع من حلي وفراش ونحوهما- في قبر على ميت، ولو بعد عن العمران، بشرط كونِ القبر مطمومًا الطَّمَّ الذي جرت به العادة (١). الثاني: يشترط للقطع: انتفاءُ الشبهة، فلا تقطع بسرقة مال ولدِه وإن سفل، وسواء في ذلك الأبُ والأم، ولا بسرقة مال والده وإن علا؛ خلافًا

стр. 3426

لمالك في سرقة الولد من مال والده، إذ لا شبهة له في مال أبويه، بخلاف سائر الأقارب، فيقطعون بالسرقة من مال أقاربهم؛ كالإخوة والأعمام. ولا يقطع العبد بسرقة مال سيده، ولا سيدُ المكاتَب بسرقة ماله، ولا مسلم بسرقة من بيت المال -ولو عبدًا- إن كان سيده مسلمًا، ولا يقطع أحد الزوجين بسرقته من مال الآخر، ولو من محرز عنه؛ خلافًا لمالك والشافعي (١). الثالث: يشترط ثبوتُ السرقة بشهادة عدلين يصفانها، والحرزَ، وجنسَ النصاب وقدرَه، ولا تُسمع البينة قبل الدعوى أو باعتراف مرتين؛ وفاقًا لأبي يوسف، يذكر في الاعتراف شروط السرقة من النصاب والحرز وغير ذلك، والحر والعبد في هذا سواء، ولا ينزع عن إقراره حتى يقطع، فإن رجع قبلُ، فلا قطعَ؛ بخلاف ما لو ثبت ببينة، وإن شهدت البينة على إقراره بالسرقة، فجحد، وقامت البينة بذلك، لم يقطع، وعند الثلاثة: يثبت حد السرقة بإقراره مرة واحدة (٢). الرابع: إذا وجب القطع، قطعت يده اليمنى من مفصل الكف، وحُسمت وجوبًا، وهو أن يغمس موضع القطع من مفصل الذراع في زيت مغلي، فإن عاد، قُطعت رجلُه اليسرى من مفصل الكعب، وحُسمت وجوبًا، وصفة القطع: أن يجلس السارق ويُضبط لئلا يتحرك، وتُشديده بحبل، وتُجَرُّ حتى يتبين مفصل الكفِّ من مفصل الذراع، ثم توضع بينهما سكين حادة، ويدق فوقها بقوة لتقطع في مرة واحدة، أو توضع السكين على المفصل، وتُمَرُّ مرة واحدة، وإن علم قطعًا أوحى منها، قطع به،

стр. 3427

ويُسن تعليق يد المقطوع في عنقه، زاد جماعة: ثلاثة أيام، إن رآه الإمام (١)، ففي "السنن الأربع" عن عبد الرحمن بن مُحيريز، قال: سألنا فضالةَ بنَ عُبيد عن تعليق اليد في عنق السارق، أمن السنة؟ قال: أُتي رسول الله ﷺ بسارق، فقطعت يدُه، ثم أمر بها فعُلقت في عنقه (٢). قال المجد في "المنتقى": وفي إسناده ابن أرطاة ضعيف (٣). قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: لا يقطع في شدة حر ولا برد، ولا مريض في مرضه، ولا حامل حال حملها، ولا بعد وضعها حتى ينقضي نفاسها، وإذا قُطعت يده، فسرق قبل اندمالها، لم يقطع حتى يندمل القطع الأول، فإن عاد ثالثًا بعد قطع يده ورجله، حرم قطعه، وحبس حتى يتوب (٤)، هذا معتمد الروايتين عن الإمام أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يقطع في الثالثة والرابعة، وهذا مذهب مالك والشافعي، فيقطع في الثالثة يُسرى يديه، وفي الرابعة يُمنى رجليه (٥). قال في "الفروع": والمذهب: يحرم قطعه؛ يعني: بعد الثانية، فيحبس حتى يتوب كالمرة الخامسة.

стр. 3428

وفي "الإيضاح": ويعذب، وفي "التبصرة": أو يغرب، وفي "البلغة" يُعزر ويُحبس حتى يتوب. وأما ما رواه مُصعب بنُ ثابت عن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن المنكدر عن جابر، قال: جيء بسارق إلى النبي ﷺ ، فقال: "اقتلوه"، فقالوا: إنما سرق، فقال: "اقطعوه"، ثم جيء به ثانية، فأمر بقتله، فقالوا: إنما سرق، فقال: "اقطعوه"، ثم جيء به ثالثة، فأمر بقتله، فقالوا: إنما سرق، فقال: "اقطعوه"، ثم جيء به رابعة، فقال: "اقتلوه"، فقالوا: إنما سرق، فقال: "اقطعوه"، فأتي به في الخامسة، فأمر بقتله، فقتلوه (١). فقال الإمام أحمد، ويحيى بن معين: مصعبٌ ضعيف، زاد الإمام أحمد: لم أَرَ الناسَ يحمدون حديثه، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وروى حديثه أبو داود، والنسائي، وقال: حديث منكر، ومصعب ليس بالقوي. قال في "الفروع": وقيل: هو -أي: الحديث- حسن، وقتله لمصلحة اقتضته، وقد قال أبو مصعب المالكي: يقتل السارق في الخامسة. قال صاحب "الفروع": وقياس قول شيخنا ابن تيمية -قدس الله روحه- أنه كالشارب في المرة الرابعة يقتل إذا لم ينته بدونه (٢). الخامس: معتمد المذهب: لا قطع عامَ مجاعة غلاء، نص عليه الإمام أحمد ﵁ إذا لم يجد ما يشتريه، أو يشتري به. قال الإمام أحمد: ويروى ذلك -يعني: عدم القطع عام المجاعة- عن عمر ﵁.

стр. 3429

قال في "الفروع": قال جماعة: ما لم يبذل له، ولو بثمن غال. وفي "الترغيب": ما يحيي به نفسه؛ يعني: لا يقطع به (١). السادس: اتفق الأئمة على أنه إذا كانت العين المسروقة قائمة، فإنه يجب ردها، واختلفوا هل يجتمع القطعُ والضمانُ مع تلف المسروق؟ فالجمهور: أنه يجتمع عليه القطع والضمان. وقال أبو حنيفة: لا يجتمعان، فإن اختار المسروق منه الغرمَ، لم يقطع، وإن اختار القطع، فقد استوفى حقه، ولا يغرمه قيمة المسروق. وقال مالك: إن كان السارق موسرًا، وجب عليه القطع، وإن كان معسرًا، لا يتبع بقيمتها، ويقطع. ودليل قول الجمهور: أنهما حقان لمستحقين: القطع حق الله تعالى، والضمان حق للآدمي، فجاز اجتماعهما؛ كالجزاء والقيمة في الصيد المملوك إذا أتلفه في الحرم والإحرام، ولأنه إذا كانت العين باقية، وجب ردها مع القطع بالإجماع، فكذلك يجب ردُّ بدلِها إذا كانت تالفة؛ كما لو لم يقطع (٢). السابع: أن يطالِب المسروقُ منه مسألة، أو وكيلُه، فإن أقر بسرقة مال غائب، أو شهدت به بينة، حبس، ولم يقطع حتى يحضر (٣)، والله تعالى الموفق.

стр. 3430

الحديث الثالث وَعَنْهَا ﵂: أَنَّ قُرَيشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَخْزُومية الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيها رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِىءُ عَلَيْهِ إِلا أسَامَةُ بْنُ زيْدٍ حِب رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟! "، ثُمَّ قام فَخَطَبَ فَقَالَ: "إِنَّما أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإذَا سَرَقَ فِيْهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ. وَايْمُ اللهِ! لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (١).

стр. 3431

وَفي لَفْظٍ: قَالَتْ كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا (١). * * * ما أشار إليه بقوله: (وعنها)؛ أي: عن عائشةَ الصدِّيقةِ (﵂: أن قريشًا) هم القبيلة المعروفة المشهورة، وهم ولد فِهْر -بكسر الفاء وسكون الهاء- بنِ مالكِ بنِ النضرِ بنِ كِنانةَ، ففهرٌ هو جماع قريش في قول الكلبي وغيره من العلماء في أنساب العرب، وسُمُّوا قريشًا؛ لأنهم كانوا يقرشون عن خَلَّة الناس -بفتح الخاء المعجمة-؛ أي: حاجتهم وفقرهم، ومعناه: ينقِّبون عنها، ويستعلمونها؛ ليُغنوهم ويسدُّوا خَلَّتَهم، وكان من قولهم: تقارشت الرماح: إذا تداخلت في الحرب؛ لأن المستعلم المستخبر يداخل أحوال الذي يطلب علمَ حاله؛ ليحصل له مقصوده.

стр. 3432

وقيل: إنه مأخوذ من التقريش، وهو التعييش؛ لأنهم كانوا يعيشون الحاج، فيطعمون الجائع، ويكسون العاري، ويحملون المنقطع (١). وقال الجوهري: القرش: الكسب والجمع، وقد قرش يقرِش؛ يعني: بالكسر، قال الفراء: وبه سُميت قريش (٢). وفي "القاموس": قرشه يقرُشه ويقرشِه: قطعه، وجمعه من هاهنا وهاهنا، وضمَّ بعضَه إلى بعض، ومنه قريش؛ لتجمعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تقرَّش، وقيل غير ذلك (٣). وفي "حياة الحيوان" للدميري: سميت قريش بالقِرْش -بكسر القاف وإسكان الراء-: دابة عظيمة من دواب البحر تمنع السفنَ من السير في البحر، وتدفع السفينة، فتقلبها فتكسرها، قال الزمخشري: هو مُدَوَّرُ الخِلْقة، وذكر من كبره وعظمه شيئًا مهولًا، قال الشاعر: [من الخفيف] وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحـ ... ـرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا تَأْكُلُ الْغَثَّ والسَّمِينَ وَلَا تَتْـ ... ـرُكُ فِيه لِذِي جَنَاحَيْنِ رِيَشا هَكَذَا فِي الْبِلَادِ حيُّ قُرَيْشٍ ... يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَمِيشَا وَلَهُمْ آخِرَ الزَّمَانِ نَبِيٌّ ... يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمُ وَالخُمُوشَا الخموش: الخَدْش، وأكلا كميشًا؛ أي: سريعًا. قال ابن سيده: قريش: دابة في البحر لا تدع دابة إلا أكلتها، فجميع الدواب تخافها.

стр. 3433

وقال المطرزي: هي سيدة الدواب البحرية، وأشدها، وكذلك قريش هي سادات الناس (١). وقيل: إن جماع قريش النضرُ بن كنانة، وجزم به الجوهري في "الصحاح"، وكذا جزم به صاحب "القاموس"، وهذا الذي جزم به علماؤنا، والأكثر، قال في "الإقناع": قريش: بنو النضر بن كنانة، وقيل: بنو فهر بن مالك بن النضر (٢). (أهَمَّهُمْ)؛ أي: أحزنهم، يقال: هَمَّه الأمر هَمًّا ومهمَّةً: حزنه؛ كأَهَمَّه (٣) (شأن)؛ أي خَطْبُ، وأمر المرأة، والجمع شؤون (المخزومية) -بالخاء المعجمة والزاي- نسبة إلى مخزومِ بنِ يَقَظَةَ -بالمثناة تحت والقاف والظاء المعجمة المفتوحات- بنِ مرة بنِ كعب بنِ لؤيِّ بنِ غالبِ بنِ فهرٍ، وهو بطن كبير من قريش، وعامَّتهم بالحجاز (٤)، واسم هذه المرأة المخزومية على الأرجح: فاطمةُ بنتُ الأسود بن عبدِ الأسد، وهي بنت أخي أبي سلمة عبدِ الله بن عبد الأسد الذي كان زوجَ أم المؤمنين أم سلمة ﵂ قبل النبي (٥) ﷺ ، وقد سبقت ترجمة أبي سلمة. قال ابن عبد البر: روى حديثَها وسماها حبيبُ بنُ أبي ثابت (٦)، وهي (التي سرقت)، وكانت تجحد المتاع الذي تستعيره، وكانت قد أسلمت

стр. 3434

وبايعت، وقيل: إن التي سرقت وقطعها النبي ﷺ إنما هي أمُّ عمرو بنت سيبان بن عبد الأسد بن هلال، خرجت [في] حجة الوداع، فمرت بركب، فأخذت عَيْبَةً لهم، وهي زنبيل من أَدَم، وما يُجعل فيه الثياب، فأتوا بها النبيَّ ﷺ ، فقطع يدها. قال ابن شاهين: والمشهور أن قطع المخزومية إنما هو في عام الفتح، والنبيُّ ﷺ مقيم بمكة (١). (فقالوا)؛ أي: قريش -يعني: بعض وجوههم وأشرافهم: (من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟)؛ يعني: يشفع فيها عنده ﵇ بأَلَّا يقطع يدها، (فقالوا) في بعضهم، أو من كلموه من المسلمين في ذلك: (ومن يجترىء)؛ أي: يقدم ويتشجع في الإقدام (عليه)، أي: النبي ﷺ ، وهو من الجراءة، والجراية -بالياء- نادر: الشجاعة (٢)، (إلا أسامةُ بنُ زيد) بنِ حارثة (حِبُّ رسول الله ﷺ ) وابنُ حِبِّه، (فكلمه) ﷺ (أسامةُ) بنُ زيد ﵄؛ أي: شفع عنده ﷺ بها، فلم يُشَفِّعْه، وأنكر عليه ذلك، (فقال) له ﷺ : (أتشفع) بالاستفهام الإنكاري (في) إسقاطِ (حدٍّ من حدود الله) تعالى يا أسامة؟!. وفي حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَحَدٌّ يُقام في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يُمْطَروا ثلاثين صباحًا" (٣).

стр. 3435

وفي لفظ: "إقامةُ حد في الأرض خيرٌ لأهله من مطر أربعين ليلة" رواه النَّسائيُّ مرفوعًا، وموقوفًا، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" (١). وروى ابن ماجه أيضًا عن ابن عمر ﵄: أن رسول ﷺ قال: "إقامةُ حَدٍّ من حدود الله خيرٌ من مطر أربعين ليلة في بلاد الله" (٢). وفي "الطبراني" بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "يومٌ من إمام عادلٍ أفضلُ من عبادة ستين سنة، وحدٌّ يُقام في الأرض بحقِّه أزكى فيها من مطر أربعين عامًا" (٣). قال الإمام ابن القيم في "الهدي": لا يسقط القطع بعدَ رفعه إلى الإمام، وكذلك كلُّ حد بلغ الإمامَ وثبتَ عنده لا يجوز إسقاطُه، قال: وفي "السنن" عنه: إذا بلغت الحدود الإمامَ، فلعن الله الشافع والمشفّع (٤). وفي حديث ابن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله، فقد ضادَّ الله ، ومن خاصم في باطل، وهو يعلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، أسكنه الله رَدْغَةَ الخَبال حتى يخرجَ
следующие страницы →