← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وَفي لَفْظٍ: قَالَتْ كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا (١). * * * ما أشار إليه بقوله: (وعنها)؛ أي: عن عائشةَ الصدِّيقةِ (﵂: أن قريشًا) هم القبيلة المعروفة المشهورة، وهم ولد فِهْر -بكسر الفاء وسكون الهاء- بنِ مالكِ بنِ النضرِ بنِ كِنانةَ، ففهرٌ هو جماع قريش في قول الكلبي وغيره من العلماء في أنساب العرب، وسُمُّوا قريشًا؛ لأنهم كانوا يقرشون عن خَلَّة الناس -بفتح الخاء المعجمة-؛ أي: حاجتهم وفقرهم، ومعناه: ينقِّبون عنها، ويستعلمونها؛ ليُغنوهم ويسدُّوا خَلَّتَهم، وكان من قولهم: تقارشت الرماح: إذا تداخلت في الحرب؛ لأن المستعلم المستخبر يداخل أحوال الذي يطلب علمَ حاله؛ ليحصل له مقصوده.

стр. 3432

وقيل: إنه مأخوذ من التقريش، وهو التعييش؛ لأنهم كانوا يعيشون الحاج، فيطعمون الجائع، ويكسون العاري، ويحملون المنقطع (١). وقال الجوهري: القرش: الكسب والجمع، وقد قرش يقرِش؛ يعني: بالكسر، قال الفراء: وبه سُميت قريش (٢). وفي "القاموس": قرشه يقرُشه ويقرشِه: قطعه، وجمعه من هاهنا وهاهنا، وضمَّ بعضَه إلى بعض، ومنه قريش؛ لتجمعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تقرَّش، وقيل غير ذلك (٣). وفي "حياة الحيوان" للدميري: سميت قريش بالقِرْش -بكسر القاف وإسكان الراء-: دابة عظيمة من دواب البحر تمنع السفنَ من السير في البحر، وتدفع السفينة، فتقلبها فتكسرها، قال الزمخشري: هو مُدَوَّرُ الخِلْقة، وذكر من كبره وعظمه شيئًا مهولًا، قال الشاعر: [من الخفيف] وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحـ ... ـرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا تَأْكُلُ الْغَثَّ والسَّمِينَ وَلَا تَتْـ ... ـرُكُ فِيه لِذِي جَنَاحَيْنِ رِيَشا هَكَذَا فِي الْبِلَادِ حيُّ قُرَيْشٍ ... يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَمِيشَا وَلَهُمْ آخِرَ الزَّمَانِ نَبِيٌّ ... يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمُ وَالخُمُوشَا الخموش: الخَدْش، وأكلا كميشًا؛ أي: سريعًا. قال ابن سيده: قريش: دابة في البحر لا تدع دابة إلا أكلتها، فجميع الدواب تخافها.

стр. 3433

وقال المطرزي: هي سيدة الدواب البحرية، وأشدها، وكذلك قريش هي سادات الناس (١). وقيل: إن جماع قريش النضرُ بن كنانة، وجزم به الجوهري في "الصحاح"، وكذا جزم به صاحب "القاموس"، وهذا الذي جزم به علماؤنا، والأكثر، قال في "الإقناع": قريش: بنو النضر بن كنانة، وقيل: بنو فهر بن مالك بن النضر (٢). (أهَمَّهُمْ)؛ أي: أحزنهم، يقال: هَمَّه الأمر هَمًّا ومهمَّةً: حزنه؛ كأَهَمَّه (٣) (شأن)؛ أي خَطْبُ، وأمر المرأة، والجمع شؤون (المخزومية) -بالخاء المعجمة والزاي- نسبة إلى مخزومِ بنِ يَقَظَةَ -بالمثناة تحت والقاف والظاء المعجمة المفتوحات- بنِ مرة بنِ كعب بنِ لؤيِّ بنِ غالبِ بنِ فهرٍ، وهو بطن كبير من قريش، وعامَّتهم بالحجاز (٤)، واسم هذه المرأة المخزومية على الأرجح: فاطمةُ بنتُ الأسود بن عبدِ الأسد، وهي بنت أخي أبي سلمة عبدِ الله بن عبد الأسد الذي كان زوجَ أم المؤمنين أم سلمة ﵂ قبل النبي (٥) ﷺ ، وقد سبقت ترجمة أبي سلمة. قال ابن عبد البر: روى حديثَها وسماها حبيبُ بنُ أبي ثابت (٦)، وهي (التي سرقت)، وكانت تجحد المتاع الذي تستعيره، وكانت قد أسلمت

стр. 3434

وبايعت، وقيل: إن التي سرقت وقطعها النبي ﷺ إنما هي أمُّ عمرو بنت سيبان بن عبد الأسد بن هلال، خرجت [في] حجة الوداع، فمرت بركب، فأخذت عَيْبَةً لهم، وهي زنبيل من أَدَم، وما يُجعل فيه الثياب، فأتوا بها النبيَّ ﷺ ، فقطع يدها. قال ابن شاهين: والمشهور أن قطع المخزومية إنما هو في عام الفتح، والنبيُّ ﷺ مقيم بمكة (١). (فقالوا)؛ أي: قريش -يعني: بعض وجوههم وأشرافهم: (من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟)؛ يعني: يشفع فيها عنده ﵇ بأَلَّا يقطع يدها، (فقالوا) في بعضهم، أو من كلموه من المسلمين في ذلك: (ومن يجترىء)؛ أي: يقدم ويتشجع في الإقدام (عليه)، أي: النبي ﷺ ، وهو من الجراءة، والجراية -بالياء- نادر: الشجاعة (٢)، (إلا أسامةُ بنُ زيد) بنِ حارثة (حِبُّ رسول الله ﷺ ) وابنُ حِبِّه، (فكلمه) ﷺ (أسامةُ) بنُ زيد ﵄؛ أي: شفع عنده ﷺ بها، فلم يُشَفِّعْه، وأنكر عليه ذلك، (فقال) له ﷺ : (أتشفع) بالاستفهام الإنكاري (في) إسقاطِ (حدٍّ من حدود الله) تعالى يا أسامة؟!. وفي حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَحَدٌّ يُقام في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يُمْطَروا ثلاثين صباحًا" (٣).

стр. 3435

وفي لفظ: "إقامةُ حد في الأرض خيرٌ لأهله من مطر أربعين ليلة" رواه النَّسائيُّ مرفوعًا، وموقوفًا، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" (١). وروى ابن ماجه أيضًا عن ابن عمر ﵄: أن رسول ﷺ قال: "إقامةُ حَدٍّ من حدود الله خيرٌ من مطر أربعين ليلة في بلاد الله" (٢). وفي "الطبراني" بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "يومٌ من إمام عادلٍ أفضلُ من عبادة ستين سنة، وحدٌّ يُقام في الأرض بحقِّه أزكى فيها من مطر أربعين عامًا" (٣). قال الإمام ابن القيم في "الهدي": لا يسقط القطع بعدَ رفعه إلى الإمام، وكذلك كلُّ حد بلغ الإمامَ وثبتَ عنده لا يجوز إسقاطُه، قال: وفي "السنن" عنه: إذا بلغت الحدود الإمامَ، فلعن الله الشافع والمشفّع (٤). وفي حديث ابن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله، فقد ضادَّ الله ، ومن خاصم في باطل، وهو يعلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، أسكنه الله رَدْغَةَ الخَبال حتى يخرجَ

стр. 3436

مما قال" رواه أبو داود، واللفظ له (١)، والطبراني بإسناد جيد نحوه، وزاد في آخره: "وليسَ بخارج" (٢)، ورواه الحاكم مطوَّلًا ومختصرًا، وقال في كل منهما: صحيح الإسناد (٣)، والرَّدْغَة -بفتح الراء وسكون الدال المهملة وتحريكها أيضًا وبالغين المعجمة-: هي الوَحَل، وردغة الخبال -بفتح الخاء المعجمة وبالباء الموحدة-: هي عصارة أهل النار وعرقُهم كما جاء مفسرًا في "صحيح مسلم" وغيره (٤). وفي "الطبراني" من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "أَيُّما رجلٍ حالت شفاعتُه دون حد من حدود الله، لم يزل في غضب الله حتى ينزع" (٥)، ونحوه من حديث أبي هريرة ﵁ (٦). (ثم) بعد إنكار رسول الله ﷺ على أسامة ﵁ لشفاعته لإسقاط حد القطع (قام) رسول الله ﷺ في الناس خطيبًا؛ ليعرفهم حكمَ ذلك، ويحذرهم من غبه، (فخطب) الناسَ (فقال: إِنَّما أهلك)، وفي رواية: هلك (الذين من قبلكم) من بني إسرائيل: (أنهم كانوا) هذا -بفتح الهمزة- فاعلُ أهلك (إذا سرق فيهم الضعيف)؛ أي: الوضيعُ الذي لا عشيرة له ولا مَنَعَة و (أقاموا عليه الحد)؛ أي: قطعوه، (وإذا سرق فيهم الشريف)؛ أي: العالي

стр. 3437

المنزلة، الوجيهُ، (تركوه)، فلم يحدوه، ثم قال رسول الله ﷺ : (وايمُ الله!) قال في "الفتح": بكسر الهمزة وبفتحها والميم مضمومة، وحكى الأخفش كسرها مع كسر الهمزة، وهو اسم عند الجمهور، وحرفٌ عند الزجَّاج، وهمزته همزة وصل عندَ الأكثر، وهمزةُ قطع عند الكوفيين ومن وافقهم؛ لأنه عندهم جمع يمين، وعند سيبويه ومن وافقه أنه اسم مفرد، واحتجوا بجواز كسر همزته وفتح ميمه، واحتج ابن مالك بقول عروة بن الزبير لما أُصيب بولده وبرِجْله: لَيْمُنُك لئنِ ابتليتَ لقد عافيتَ (١)، فلو كان جمعًا، لم يتصرف فيه بحذف بعضه، قال ابن مالك: وفيه اثنتا عشرة لغة، ونظمها فقال: [من البسيط] هَمْزَ ايْمِ وَأيمَنَ فَافْتَحْ واكْسِرْ أوَ أم قل ... أُوْ قُلْ مَ أو مَن بِالتَّثْليثِ قَدْ شُكِلَا وَايْمُنَ اِخْتِمْ بِهِ وَاللهِ كلًّا أَضِفْ ... إِلَيْهِ فِي قَسَمٍ تَسْتَوْفِ مَا نُقِلَا (٢) قال محمد بن أبي الفتح البعلي صاحب "المطلع" تلميذُ ابنِ مالك، وهو من علماء مذهبنا: فات ابنَ مالك: أَمْ -بفتح الهمزة-، وهَيْم -بالهاء بدل الهمزة-، وقال في "المطلع": وايم الله: همزته همزة وصل، تفتح وتكسر، وميمه مضمومة، وقالوا: ايمُنُ الله -بضم الميم والنون مع كسر الهمزة وفتحها-، وعند الكوفيين ألفها ألفُ قطع، يأتي: وهي جمع يمين، وكانوا يحلفون باليمين، فيقولون: ويمين الله، قاله أبو عبيد، وأنشد لامرىء القيس: [من الطويل] فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ... وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي

стр. 3438

وهو اسم مفرد مشتق من اليمن والبركة. قال صاحب "المطلع": وفي استعمالها أربعةَ عشرَ وجهًا، قال: ذكرتها في كتابي "الفاخر في شرح جمل عبد القاهر" انتهى (١). وهي التي ذكرتها هنا، وهي يمينٌ عند الثلاثة، وعند الشافعية: إن نوى اليمينَ، فيمينٌ، وإن نوى غير اليمين، لم تنعقد، وإن أطلق، فوجهان: أصحهما: لا تنعقد عندهم، كما حكاه الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٢). (لو أن فاطمة) سيدةَ نساء العالمين (بنتَ محمدٍ) خاتمِ النبيين، وإمام المرسلين -صلاةُ الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين- (سرقت، لقطعت يدها) أعاذها الله من أن تسرق. ذكر ابن ماجه عن محمد بنِ رُمْحٍ شيخِه في هذا الحديث: سمعت الليثَ يقول عقبَ هذا الحديث: أعاذها الله من أن تسرق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول هذا (٣)، ذكره في "الفتح" (٤). قال: ووقع للشافعي أنه لما ذكر هذا الحديث، قال: فذكر عضوًا شريفًا من امرأة شريفة، واستحسنوا ذلك منه؛ لما فيه من الأدب البالغ، وإنما خص ﷺ سيدتنا فاطمةَ ابنتَه بالذكر؛ لأنها -رضوان الله عليها- أعزُّ أهلِه عنده، انتهى (٥). وهي أصغر بناته ﷺ سنًا، تكنى بابنيها الحسنِ والحسينِ، وأمُّها

стр. 3439

خديجةُ بنتُ خُويلد أمُّ المؤمنين، ولدتْها وقريش تبني البيت العتيق قبل البعثة بخمس سنين، تزوجها علي -رضوان الله عليه- في الثانية في شهر رمضان، وبنى عليها في ذي الحجة، وقيل: تزوجها في رجب، وقيل: في صفر، فولدت له الحسنَ، والحسينَ، وزينبَ، وأُمَّ كلثوم، ورُقية، وماتت بالمدينة بعد موت النبي ﷺ بستة أشهر وعمرُها إذ ذاك ثمانٍ وعشرون سنة، وقيل غير ذلك، وأهل البيت يقولون: ثمانية عشر [حديثًا]، وغسَّلَها علي، ودُفنت ليلًا بوصيتها بذلك، ونزل في قبرها علي، والعباس، والفضل بن العباس -رضوان الله عليهم أجمعين-. روى عنها: علي، وابناه الحسن والحسين، وابن عباس، وابن مسعود، وعائشة -رضوان الله عليهم أجمعين-. روي لها عن رسول الله ﷺ ثمانية عشر، اتفقا على حديث واحد في مسند عائشة (١). وقد روى الحاكم أبو عبد الله في فضائل فاطمة -رضوان الله عليها- بسنده إلى علي بن الحسين عن أبيه، عن علي -رضوان الله عليه-، قال: قال رسول الله ﷺ لفاطمة: "يا فاطمة! أتدري لم سُمِّيتِ فاطمةَ؟ إن الله فطمك وقومَك عن النار".

стр. 3440

وذكر أبو الحسن بن زنجويه عن أبي هريرة: إنما سميت فاطمة؛ لأن الله فطمَ من أحبها عن النار (١). وقالت عائشة ﵂: ما رأيت أحدًا أشبهَ كلامًا وحديثًا برسول الله ﷺ من فاطمة، وكانت إذا دخلت إلى النبي ﷺ ، قام إليها، فقبَّلها، ورحَّب بها (٢). وكلمة "لو" هنا على حقيقتها حرف امتناع لامتناع، والله أعلم. وفي لفظ: فقال رسول الله ﷺ لأسامة: "أتشفع في حد من حدود الله؟ "، فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي، قام رسول الله ﷺ ، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد: فإنما أهلك الذين من قبلكم" الحديث، وفيه: "وإني والذي نفسي بيده! لو أن فاطمة بنت محمد" الحديث، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت -يعني: المخزومية-، فقُطعت يدها، قالت عائشة ﵂: فحَسُنت توبتُها بعدُ، وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتَها إلى رسول الله ﷺ (٣). وفي بعض ألفاظ البخاري: "يا أيها الناس! إنما ضَلَّ من [كان] قبلكم" (٤) بدل "إنما أهلك الذين من قبلكم"، وفي أخرى: "إن بني إسرائيل كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، قطعوه" (٥).

стр. 3441

(وفي لفظ) رواه مسلم، وكذا رواه الإمام أحمد، والنسائي من حديث عائشة ﵂ (١)، (قالت): (كانت امرأة) مخزومية، وهي فاطمة بنتُ الأسودِ بنِ عبد الأسد -كما تقدم- (تستعيرُ المتاع وتجحدُه). وفي رواية عند أبي داود، والنسائي (٢)، قالت: استعارت امرأة -تعني: حليًا- على ألسنة ناس يعرفون، ولا تُعرف هي، فباعته، فأخذت، فأتي بها رسولُ الله ﷺ ، (فأمر النبي ﷺ بقطع يدها)، وهي التي شفع بها أسامة بن زيد ﵄. ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي أيضًا من حديث ابن عمر ﵄ (٣)، وقال أبو داود: ورواه ابن أبي نجيح عن نافع، عن صفية بنت عبيد، قال فيه: فشهد عليها (٤). وفي مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄: أن امرأة من بني مخزوم سرقت، فأتي بها النبيُّ ﷺ ، فعاذت بأمِّ سلمةَ زوجِ النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "لو كانتْ فاطمةُ، لقطعتُ يدها"، فقُطعت (٥).

стр. 3442

تنبيهات: الأول: قال بمقتضى هذه الرواية الصحيحة الصريحة الإمام أحمد، فوجب قطع يد جاحد العارية، لا المنتهب والمختلس، وهو نوعٌ من الخطف، ولا الغاصب والخائن في الوديعة، أو الخائن في العارية، ولا الجاحد للوديعة أو غيرها من الأمانات، إلا العارية، فيُقطع بجحدها (١)؛ لهذا الحديث. قال في "الهدي": قال الإمام أحمد بهذه الحكومة، ولا معارضَ لها، وقد حكم رسول الله ﷺ بإسقاط القطع عن المنتهب والمختلس والخائن، قال: والمراد بالخائن: خائن الوديعة، قال: وأما جاحد العارِيَّة، فيدخل في اسم السارق شرعًا؛ لأن النبي ﷺ لما كلموه في شأن المستعيرة الجاحدة، قطعها، وقال: "والذي نفسي بيده! لو أن. . . ." الحديث، فإدخاله ﵇ جاحدَ العاريَّة في اسم السارق كإدخاله سائرَ أنواع المُسْكِر في اسم الخمر، فتأمله، قال: وذلك تعريف للأمة بمراد الله من كلامه، والله الموفق (٢). قال في "شرح المقنع": فأما جاحدُ العاريَّة، فقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد ﵁ فيه، فعنه: أنه يقطع، وهو قول إسحاق؛ للحديث، قال الإمام أحمد: لا أعرف شيئًا يدفعه. وعنه رواية ثانية: أنه لا قطع عليه، وهو قول الخرقي، وأبي إسحاق بن شاقلا، وأبي الخطاب، وسائرِ الفقهاء، قال: وهو الصحيح -إن شاء الله تعالى-؛ لقول النبي ﷺ : "لا قطعَ على الخائن".

стр. 3443

وفي أبي داود، والترمذي، وغيرهما: "ليس على الخائن والمختلس قطع"، وصححه الترمذي، وفيهما: "ليس على المنتهب قطع" (١). قال في "الشرح": ولأن الواجب قطعُ السارق، والخائنُ ليس بسارق، فأشبه جاحدَ الوديعة، قال: وأما المرأة التي كانت تستعير المتاع، فإنما قُطعت بسرقتها، لا بجحدها، ألا تسمع قوله: "إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه"؟ وفي حديث: أنها سرقت قطيفة، فروى الأثرم بإسناده عن مسعود بن الأسود، قال: لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله ﷺ ، أعظمنا ذلك، وكانت امرأة من قريش، فجئنا إلى النبي ﷺ ، فقلنا: نحن نفديها بأربعين أوقية، فقال: "تطهر خيرٌ لها"، فلما: سمعنا لِينَ كلامِ رسول الله ﷺ ، أتينا أسامةَ، فقلنا: كَلِّمْ لنا رسولَ الله ﷺ ، فذكر الحديث بنحو سياق عائشة (٢)، وهذا ظاهر في أن القضية واحدة، وأنها سرقت، فقُطعت لسرقتها، وإنما عَرَّفتها عائشةُ بجحدها للعارية؛ لكونها مشهورة بذلك، ولا يلزم أن يكون ذلك سببًا كما لو عَرَّفتها بصفة من صفاتها. قال الشارح: وفيما ذكرنا جمعٌ بين الأحاديث، وموافقةٌ لظاهر الأحاديث والقياس وفقهاء الأمصار، فيكون أولى، انتهى (٣).

стр. 3444

قلت: الذي استقر عليه المذهب: أن جاحد العاريَّة كالسارق، قطع به في "الإقناع" (١)، و"المنتهى" (٢)، وغيرهما، والله أعلم. الثاني: لو سرق ثمرَ شجر، أو جُمَّارَ نخل، وهو الكَثَرُ قبلَ إدخاله الحرز؛ كأخذه من رؤوس نخل وشجر من البستان، لم يقطع، ولو كان عليه حائط وحافظ، ويضمن عوضه مرتين على معتمد المذهب، وكذا الماشية تُسرق من المرعى من غير أن تكون محرزة، فإنها تضمن بمثلي قيمتها، ولا قَطْعَ (٣)؛ لما رواه الإمام أحمد، وأهل السنن من حديث رافع بن خديج ﵁، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا قطعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" (٤). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن الثمر المعلق، قال: "من أصاب منه بفمه من ذي حاجة غيرَ متخذٍ خُبْنَةً، فلا شيءَ عليه، ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مِثْلَيه، والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجَرينُ، فبلغَ ثمنَ المِجَنِّ، فعليه القطع" رواه أبو داود، والنسائي (٥).

стр. 3445

وفي رواية قال: سمعت رجلًا من مزينة يسأل رسولَ الله ﷺ عن الحريسة التي تؤخذ في مراتِعها، قال: "فيها ثمنها مرتين، وضرب نَكال، وما أخذ من عطنه، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمنَ المجن"، قال: يا رسول الله! فالثمارُ وما يؤخذ منها في أكمامها؟ قال: "من أخذ بفمه، ولم يتخذ خُبنة، فليس عليه شيء، ومن احتمل، فعليه ثمنُه مرتين، وضرب نكال، وما أخذ من أجرانه، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمنَ المجن" رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه بمعناه، وزاد النَّسائيُّ في آخر: "ما يبلغ ثمنَ المجن ففيه غرامةُ مِثْلَيه وجَلدات نَكال" (١). والخُبْنَةُ: -بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة فنون فهاء تأنيث-: ما تحمله في حِضْنك، وخبنَ الطعام يَخْبِنُهُ: غَيَّبَهُ وخَبَّأَهُ للشِّدَّةِ، كما في "القاموس" (٢). واحتج الإمام أحمد ﵁ بأن عمر -رضوان الله عليه- أغرم حاطبَ بنَ أبي بلتعة حين نحرَ غلمانهُ ناقةَ رجل من مُزينة مِثْلَي قيمتها، رواه الأثرم (٣)، وهو من مفردات المذهب. قال ناظمُها: [من الرجز] وَسَارِقُ الثِّمَارِ مِنْ أَشْجَارِ ... ضَمَانُهَا بِالقِيمَتَيْنِ جَارِي كَذَلِكَ النَّصُّ أَتَى فِي الزَّرع ... ما أَخْذُ هَذَا فَانْتِفَاءُ القَطْعِ كَذَاكَ فِي المَاشِيَةِ الضَّمَانُ ... مِنْ غَيْرِ حِرْزِ أَخْذُهَا عُدْوَانُ

стр. 3446

لكن معتمد المذهب: وغير الشجر والنخل والماشية إذا سرقه من غير حرز، فلا يضمن عوضه إلا مرة واحدة (١)؛ لأن التضعيف فيها على خلاف القياس للنص، فلا يتجاوز به محل النص (٢). واعتذر بعض محدِّثي الشافعية عن الخبر بأنه كان حين كانت العقوبة بالأموال، ثم نُسخ، وهذه دعوى لا دليلَ لهم عليها، ثم إن في حكم سيدنا عمرَ على ابن أبي بلتعة ما يرد عذرهم. قال الإمام المحقق ابنُ القيم في "الهدي": أسقط ﷺ القطعَ عن سارق الثمر والكَثَر، وحكم أن من أصاب منه شيئًا بفمه، وهو محتاج، فلا شيءَ عليه، ومن خرج منه بشيء، فعليه غرامة مِثْلَيه، والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا في جَرينه، وهو بَيْدَرُه، فعليه القطعُ إذا بلغ ثمنَ المجن، قال: فهذا قضاؤه الفصل، وحكمُه العدل، قال: وقضى في الشاة التي تؤخذ من مراتعها بثمنها مرتين، وضرب نكال، وما أُخذ من عطنه، ففيه القطعُ إذا بلغ ثمنَ المجن، انتهى (٣). الثالث: يسوغ التعريض للسارق بعدم الإقرار، أو بالرجوع عنه، ويُطلب من المسروق منه أن يعفو عن قطع السارق قبلَ رفعه إلى الحاكم، لا بعد ذلك، ففي أبي داود، والنسائي عن عبد الله بن عمر [و]﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد، فقد وجب" (٤).

стр. 3447

وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "أَقيلوا ذَوي الهيئاتِ عَثَراتِهم، إلا الحدودَ" (١). وفي "موطأ الإمام مالك" عن ربيعةَ بنِ عبد الرحمن: أن الزبير بن العوام ﵁ لقي رجلًا قد أخذ سارقًا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان، فشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا حتى أبلغَ به السلطان، فقال: إذا بلغت السلطان، فلعن الله الشافعَ والمشفعَ (٢). وقضى ﷺ بقطع سارقِ رداءٍ نام صفوانُ بنُ أمية عليه في المسجد، فأراد صفوان أن يهبه إياه، أو يبيعه منه، فقال: "هَلَّا كان قبل أن تأتيني به؟ "، روى قصته الإمامُ أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، زاد في رواية للإمام أحمد، والنسائي: فقطعه رسول الله ﷺ (٣)، والله تعالى الموفق.

стр. 3448

باب حد الخمر اعلم أن الخمر محرَّم بالكتاب والسنَّة والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، والآية التي بعدها إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. قال أبو بكر الرازي في "أحكام القرآن": يستفاد تحريمُ الخمر من هذه الآية من تسميتها رِجسًا، وقد سمّى به ما أجمع على تحريمه، وهو لحم الخنزير، ومن قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ لأنه لما كان من عمل الشيطان، حرم تناوله، ومن الأمر بالاجتناب، وهو للوجوب، وما وجب اجتنابه، حرم تناوله، ومن الفلاح المرتَّب على الاجتناب، ومن كون الشرب سببًا للعداوة والبغضاء للمؤمنين، وتعاطي ما يوقع ذلك حرامٌ، ومن كونها تصدُّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، ومن ختام الآية بقوله تعالى: ﴿مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ فإنه استفهام معناه الردع والزجر، ولهذا قال عمر ﵁ لما سمعها: انتهينا انتهينا (١). وسبق الرازي إلى نحو ذلك الطبريُّ (٢).

стр. 3449

وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وصححه الحاكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: لما نزل تحريم الخمر، مشى أصحاب رسول الله بعضُهم إلى بعض، فقالوا: حُرِّمت الخمر، وجُعلت عدلًا للشرك (١) -يشير إلى تسميتها: رجسًا من عمل الشيطان-، فعادلت قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] إلى غير ذلك (٢). وأما السنة، فقوله ﷺ : "كلُّ مسكر خمرٌ، وكلُّ خمر حرامٌ" رواه الإمام أحمد، وأبو داود (٣). وفي "أبي داود" عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "لعن الله الخمرَ وشاربَها وساقيَها، وبائعَها ومبتاعَها، وعاصرَها، ومعتصرَها، وحاملَها والمحمولَة إليه" (٤). ورواه ابن ماجه، وزاد: "وآكلَ ثمنها" (٥). ورواه ابن ماجه أيضًا، والترمذي من حديث أنس بمعناه، وزاد فيه: "وبائعَها وآكلَ ثمنِها والمشتريَ لها والمشترَى له"، وفي أوله قال: لعن

стр. 3450

رسولُ الله ﷺ في الخمر عشرةً (١)، قال الحافظ المنذري: رواته ثقات (٢)، وروى نحوه الإمام أحمدُ بإسناد صحيح من حديث ابن عباس، وكذا ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد (٣). وأما الإجماع: فأجمعت الأمة على تحريمه، وإن ما حكي عن قدامة بن مظعون، وعمرو بن معدي كرب، وأبي جندل بن سهل: أنهم قالوا: هي حلال، فبين لهم علماء الصحابة معنى هذه الآية، وتحريمَ الخمر، وأقاموا عليهم الحدَّ لشربهم إياه، فرجعوا إلى ذلك، فانعقد الإجماع على التحريم، فمن استحلها الآن، فقد كذب النبيَّ ﷺ ؛ لأنه قد عُلِمَ ضرورة من جهة النقل تحريمُه، فيكفر مستحلُّه، ويُستتاب، فإن تاب، وإلا قتل. روى الجوزجاني بإسناده عن ابن عباس ﵄: أن قدامةَ بنَ مظعون شرب الخمر، فقال له عمر: ما حملك على ذلك؟ فقال: إن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]؛ وإني من المهاجرين الأولين من أهل بدر وأُحد، فقال عمر للقوم: أجيبوا الرجل، فسكتوا عنه، فقال لابن عباس أجبه، فقال: إنما أنزلها الله تعالى عذرًا للماضين لمن شربها قبل أن تُحَرَّم، وأنزل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] حجةً على الناس، ثم سأل عمرُ عن الحدِّ فيها، فقال علي بن أبي طالب ﵁: إذا شرب هَذى، وإذا هذى افترى، فاجلدوه ثمانين، فجلده عمر ثمانين.

стр. 3451

وروى الواقدي أن عمر قال له: أخطأتَ التأويل يا قدامة، إذا اتقيت، اجتنبْ ما حرم الله عليك. وروى الخلال بإسناده عن محارب بن دثار: أن أناسًا شربوا بالشام الخمر، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان: شربتم الخمر؟ قالوا: نعم، يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، فكتب فيهم إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا نهارًا، فلا تنتظر بهم إلى الليل، وإن أتاك ليلًا، فلا تنتظر بهم نهارًا حتى تبعث بهم إليّ؛ لئلا يفتنوا عبادَ الله، فبعث بهم إلى عمر، فشاور فيهم الناس، فقال لعلي: ما ترى؟ فقال: إنهم قد شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنها حلال، فاقتلهم، فقد أحلوا ما حَرَّم الله، وإن زعموا أنها حرام، فاجلدهم ثمانين ثمانين، فقد افتروا على الله، وقد أخبرنا بحد ما يفتري بعضُنا على بعض، قال: فحدهم عمر ثمانين ثمانين. إذا عرف هذا، فالمجمَع على تحريمه عصيرُ العنب إذا اشتدَّ وقذفَ زبدَهُ، وما عداه من الأشربة، فهو محرم (١)، وسنبينُ الخلاف، وذكر الصحيح منه فيما يأتي في كتاب: الأشربة -إن شاء اللهُ تعالى-. وذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب حديثين:

стр. 3452

الحديث الأول عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَ بِجَرِيدٍ نَحْوَ أَرْبَعِينَ. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفُّ الحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ (١).

стр. 3453

(عن) أبي حمزة (أنسِ بنِ مالك) الأنصاريِّ ثم النجَّاريِّ (﵁) خادمِ رسول الله ﷺ : (أن رسول الله ﷺ أتي) -بضم الهمزة مبنيًا للمجهول، ونائب الفاعل الضمير في أتي يرجع إلى رسول الله ﷺ (برجل)، يحتمل أن يفسر هذا الرجل المبهم بالنعيمان، أو بابن النعيمان. قال في "مختصر الاستيعاب" (١) في ترجمة نعيمان بن عمرو: وقال أبو عمر: كان نعيمان رجلًا صالحًا على ما كان فيه من الدعابة، وكان له ابن قد انهمك في شرب الخمر، فجلده رسول الله ﷺ فيها أربع مرات، وقال ﷺ للذي لعنه: "لا تلعنْه؛ فإنه يحبُّ الله ورسوله"، قال: وقد روي ذلك في النعيمان نفسه (٢). ويحتمل أن يفسر بعبد الله الملقب بحمار، ففي البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلًا على عهد رسول الله ﷺ كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يُضحك رسول الله ﷺ , وكان رسولُ الله ﷺ قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا، فأمر به فجُلد، فقال رجلٌ من القوم: اللهم العَنْه، ما أكثرَ ما يُؤتى به! فقال النبي ﷺ : "لا تلعنوه، فوالله! -ما علمتُ- أنه يحبُّ الله ورسوله" أخرجه البخاري في باب: ما يكره من لعن شارب الخمر، وأنه ليس بخارج عن الملة (٣). وأخرج عن أبي هريرة، قال: أُتي النبيُّ ﷺ بسكران، فأمر بضربه، فمنا

стр. 3454

من يضربه بيده، ومنا من يضربه بنعله، ومنا من يضربه بثوبه، فلما انصرف، قال رجل من القوم: ما له؟! أخزاه الله، فقال رسول الله ﷺ : "لا تكونوا أعوانَ الشيطان على أخيكم" (١). قال القاضي جلال الدين بن البلقيني في كتابه "الإفهام فيما في البخاري من الإبهام": الذي قال: اللهم العنه هو عمر بن الخطاب ﵁ (٢). (قد شرب الخمر، فجلده) ﷺ (بجريد) من جرائد النخل (نحوَ أربعين) جلدةً، (قال) أنس ﵁: (وفَعَلَه) يعني: كان يجلد الشاربَ بجريد النخل أربعين جلدة خليفةُ رسول الله ﷺ (أبو بكر) الصديق -رضوان الله عليه-، (فلما كان عمر) بن الخطاب؛ يعني: وَلِيَ الخلافة بعد الصديق -رضوان الله عليهما- (استشار) عمرُ ﵁ (الناسَ) من وجوه الصحابة المكرمين من أعيان الأنصار والمهاجرين -رضوان الله عليهم أجمعين-، (فقال عبد الرحمن) بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃: (أخفُّ الحدود ثمانون) جلدة؛ يعني: حد القذف، ولأن السكران قل أن يسلم من الفرية على المسلمين، فلما كان في مظنة ذلك، نقل إلى حده، (فأمر به) بأن يجلد الشاربُ للخمر ثمانين جلدة سيدُنا (عمر) بن الخطاب، وذلك لما تمادى الناسُ في شرب المسكر، فاستقر حدُّ المسكر على ثمانين جلدة. وبهذا قال الإمام أحمد في أصح الروايتين عنه، وهو مذهب مالك،

стр. 3455

والثوري، وأبي حنيفة، ومن تبعهم؛ لإجماع الصحابة، فإن عمر ﵁ لمّا استشار الصحابة، وقال له عبد الرحمن ما قال، ضرب عمر السكرانَ ثمانين، وكتب به إلى خالد بن الوليد، وأبي عبيدة بالشام. وروي أن عليًا ﵁ قال في المشورة: إنه إذا سكر، هذى، وإذا هذى، افترى، فحدوه حدَّ المفتري. وروى ذلك الجوزجاني، والدارقطني، وغيرهما (١). وفي رواية عن الإمام أحمد: أن حده أربعون، اختاره أبو بكر، وهو مذهب الشافعي؛ لأن عليًا ﵁ جلد الوليدَ بنَ عقبة أربعين، ثم قال: جلد النبيُّ ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة، وهذا أحبُّ إليّ، رواه مسلم، ولفظ "صحيح مسلم" عن حصين: أن المنذر بن المنذر قال: شهدتُ عثمان بن عفان أُتي بالوليد وقد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان -أحدهما حمران-: أنه شرب الخمر، وشهد آخر: أنه رآه يتقاياها، فقال عثمان: إنه لم يتقاياها حتى شربها. فقال: يا علي! قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسنُ فاجلدهُ، فقال الحسن: ولّ حارها من تولى قارها، فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبدَ الله بنَ جعفر قم فاجلده، فجلده، وعليٌّ يعدُّ حتى بلغ أربعين، ثم قال: أمسك، ثم قال: جلد النبيُّ ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة، وهذا أحبُّ إلي (٢).

стр. 3456

قال الحافظ عبد الحق: لم يخرج البخاري هذا الحديث، لكن ذكر أن عثمان جلد الوليدَ أربعين، وفي رواية: ثمانين، قال: والأول أصح، ذكره في هجرة الحبشة في مناقب عثمان، وقال: ثم دعا عليًا ﵁، فأمره أن يجلده، فجلده ثمانين (١). تنبيهات: الأول: لا يخفى أن صنيع الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- أن هذا الحديث من متفق الشيخين، وليس كذلك، بل خرجه الإمام أحمد (٢)، ومسلم في "صحيحه"، وأبو داود، والترمذي، وصححه (٣)، ولم يخرجه البخاري، بل وافق مسلمًا (٤) في إخراج حديث أنس: أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين. قال الحافظ عبد الحق في "جمعه بين الصحيحين": لم يذكر البخاري مشورةَ عمر، ولا فتوى عبد الرحمن بن عوف، وحديثه عن أنس، قال: جلد النبي ﷺ بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، ولم يقل عن النبي ﷺ : أربعين (٥). وأخرج الإمام أحمد، والبخاري عن عقبة بن الحارث: أن النبي ﷺ

стр. 3457

أُتي بالنعيمان، أو ابن النعيمان وهو سكران، فشق عليه، وأمر مَنْ في البيت أن يضربوه، فضربوه بالجريد والنعال، فكنت فيمن ضربه (١). وأخرج الإمام أحمد، والبخاري أيضًا، عن السائب بن زيد، قال: كنّا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله ﷺ ، وفي إمارة أبي بكر، وصدرٍ من إمارة عمر، فنقوم إليه فنضربه به بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان صدرًا من إمارة عمر، فجلد فيها أربعين، حتى إذا عتوا فيها، وفسقوا، جلد ثمانين (٢). الثاني: كلُّ شراب أسكرَ كثيرُ، فقليلُه حرام، من أي شيء كان، ويسمى: خمرًا، ولا يجوز شربه للذة، ولا لتداوٍ، ولا عطش؛ بخلاف ماءٍ نجس. والحاصل: أنه لا يجوز شرب المسكر بحال إلا لمكرَه، أو مضطر إليه لدفع لقمة غَصَّ بها، وليس عنده ما يُسغيها به، ويقدم عليه بول، ويقدم عليهما نجس (٣). وفي "المغني" (٤) وغيره: إن شربها لعطشٍ، فإن كانت ممزوجة بما يروي من العطش، أبيحت لدفعه عند الضرورة، وإن شربها صرفًا، أو ممزوجة بشيء يسير لا يروي، لم تبح، وعليه الحد، انتهى (٥).

стр. 3458

الثالث: متى شرب المسلمُ المكلف شيئًا من المسكرات مختارًا عالمًا أن كثيره يُسكر، سواء كان من عصير العنب أو غيره من المسكرات، قليلًا كان أو كثيرًا، ولو لم يسكر الشارب، فعليه الحد ثمانون جلدة إن كان حرًا، وعلى الرقيق أربعون، ولا حدَّ ولا إثمَ على مكرَه على شربها، سواء أُكره بالوعيد، أو بالضرب، أو ألجىء إلى شربها بأن يُفتح فوه ويُصبَّ فيه، وصبرُه على الأذى أولى من شربها (١). وقالت طائفة: لا يُحد إلا إن سكر، منهم: أبو وائل، والنخعي، وكثير من أهل الكوفة، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: من شربه معتقدًا تحريمه، حُدَّ، ومن شربه متأولًا، فلا حد عليه؛ لأنه مختلف فيه، فأشبه النكاح بلا ولي. ومعتمد المذهب: يُحد بكل حال؛ لقوله ﷺ : "من شرب الخمر، فاجلدوه" رواه أبو داود (٢)، وغيره، وقد ثبت أن كل مسكر خمر كما يأتي بيان ذلك في كتاب الأشربة مستوفى، فيتناول الحديث قليله وكثيره، ولأنه شراب فيه شدة مطرِبة، فوجب الحدُّ بقليله كالخمر، والاختلاف فيها لا يمنع وجوبَ الحد فيها؛ بدليل ما لو اعتقدَ تحريمها، وبهذا فارق النكاحَ بلا ولي وغيرَه من المختلَف فيه، وقد حَدَّ عمر ﵁ قدامة بن مظعون وأصحابه مع اعتقادهم حِلَّ ما شربوه، والفرقُ بين هذا وبين سائر المختلَف فيه من وجهين: أحدهما: إن فعلَ المختلَف فيه هنا داعية إلى فعل ما أُجمع على

стр. 3459

تحريمه، وفعل سائر المختلف فيه يصرف عن جنسه من المجمَع على تحريمه. الثاني: أن السنة عن النبي ﷺ قد استفاضت بتحريم المختلَف فيه، فلم يبق فيه لأحد عذر في اعتقاد إباحته، بخلاف غيره من المجتهدات. قال أحمد بن قاسم: سمعت أبا عبد الله؛ يعني: الإمام أحمد ﵁ يقول: في تحريم المسكر عشرون وجهًا عن النبي ﷺ ، في بعضها: "كل مسكر خمر"، وبعضها "كل مسكر حرام" (١)، والله تعالى الموفق.

стр. 3460

الحديث الثاني عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، هَانِىءِ بْنِ نِيَارٍ البَلَوِيِّ: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إلا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ" (١). * * * (عن أبي بُرْدَةَ هانِىء) -بنون بعدها همزة- (بن) عمرو بن (نِيَارٍ) -بنون مكسورة فمثناة من تحت مخففة بلا همز- والأشهر تقديم نيار على عمرو؛

стр. 3461

أي: هانىء بن نيار بن عمرو (البَلَوِيِّ)، نسبة إلى بَلِيّ -بفتح الباء الموحدة وكسر اللام وتشديد الباء-، وتقدمت ترجمته في الأضحية. (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يُجلد) الشخصُ المؤمن من ذكر أو أنثى (فوق عشرة أسواط) جمع سوط، وهو المِقْرَعة، سميت بذلك؛ لأنها تخلط اللحم بالدم، وأصل السوط: الخلط، وهو أن تخلط شيئين في إنائك، ثم تضربهما بيدك حتى يختلطا، ويجمع على سياط أيضًا (١). (إلا في حَدٍّ من حدود الله) تعالى المقدَّرة، وقد اختلف السلف في مدلول هذا الحديث، فأخذ بظاهره الإمام أحمد في المشهور عنه، والليث، وإسحاق، وبعض الشافعية. قال علماؤنا، منهم صاحبُ "الشرح" وغيره: لا يزاد في التعزير على عشر جلدات إلا في مواضع: منها: إذا وطىء أمة امرأته، فعليه الحد، إلا أن تكون أحلتها له، فيجلد مئة، ولا يرجم، ولا يغرب، وإن أولدَها، لم يلحقه نسبُه، ولا يسقط الحدُّ بالإباحة في غير هذا الموضع. ومنها: إذا وطىء جارية مشتركة بينه وبين غيره، فيعزر بمئة إلا سوطًا. وعن الإمام أحمد رواية مرجوحة: ما كان سببه الوطء؛ كوطء جاريته المزوجة، وجارية ولده، أو أحد أبويه، والمحرَّمة برضاع، ووطء ميتة ونحوه عالمًا بتحريمه، إذا قلنا: لا يُحدّ فيهن، يعزر بمئة، والعبد بخمسين إلا سوطًا، واختاره جماعة (٢).

стр. 3462

قال في "شرح المقنع": الرواية الثانية عن الإمام أحمد: يزاد على عشرة، ولا يبلغ الحد، وهو الذي ذكره الخرقي، فيحتمل أنه أراد: لا يبلغ به أدنى حد مشروع، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، فعلى هذا لا يبلغ به أربعين سوطًا؛ لأنها جلد العبد في الخمر والقذف، وهذا قول أبي حنيفة. وعلى القول بأن حدّ الخمر أربعون، لم يبلغ به عشرين سوطًا في حق العبد، وأربعين في حق الحر، وهذا مذهب الشافعي، فلا يزاد العبد على تسعة عشر سوطًا، ولا الحر على تسعة وثلاثين. وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف: أدنى الحدود ثمانون، فلا يزاد في التعزير على تسعة وسبعين. قال في "الشرح": ويحتمل كلام الإمام أحمد والخرقي أَلَّا يبلغ بكل جناية حدًا مشروعًا في جنسها، ويجوز أن تزيد على غير جنسها، وما كان سببه الوطء، لم يبلغ به أدنى الحدود (١). قلت: الذي استقر عليه مذهب الإمام أحمد ﵁: أَلَّا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، إلا في ثلاثة مواضع: الأول: فيما إذا وطىء أمةَ زوجته التي أحلتها له، فيجلد مئة سوط. الثاني: إذا وطىء أمة مشتركة، فيجلد مئة إلا سوطًا. الثالث: إذا شرب مسكرًا نهار رمضان، فيعزر بعشرين سوطًا مع الحد؛ اتباعًا للآثار، وما عدا هذه المواضع الثلاثة، فلا يزاد على عشر جلدات. ويجوز نقص التعزير عن العشر؛ إذ ليس أقله مقدرًا، فيرجع إلى اجتهاد

стр. 3463

الإمام أو الحاكم فيما يراه، وما يقتضيه حال الشخص (١). وقال الإمام مالك: يجوز أن يزاد التعزير على الحد إذا رآه الإمام (٢)؛ لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتمًا على نقش خاتم بيت المال، ثم جاء به صاحب بيت المال، فأخذ منه مالًا، فبلغ عمرَ بنَ عبد العزيز، فضربه مئة، وحبسه، فكلم فيه، فضربه مئة أخرى، فكلم فيه من بعد، فضربه مئة، ونفاه (٣). وروى الإمام أحمد بإسناده: أن عليًا ﵁ عندما أتي بالنجاشي وقد شرب خمرًا في رمضان، فجلده ثمانين الحد، وعشرين سوطًا لفطره في رمضان (٤). ولنا: ما رواه الشافعي بإسناده، مع حديث أبي بردة المذكور: أن النبي ﷺ قال: "من بلغ حدًا في غير حد، فهو من المعتدين" (٥)، ولأن العقوبة على قدر الجريمة، والمعاصي المنصوص على حدودها أعظمُ من غيرها، فلا يبلغ في أهونِ الأمرين عقوبة أعظمِهما، وقصةُ مَعْنٍ، فلعله كانت له ذنوب كثيرة، أو تكرر منه الأخذ، ولأن ذنبه قد اشتمل على عدة

стр. 3464

جنايات، منها: تزويره، ومنها: أخذه لمال بيت المال بغير حقه، ومنها: فتحه لباب هذه الحيلة. وأما حديث علي مع النجاشي، فالإمام أحمد يقول به، ويذهب إليه، فمذهبه: أن من شرب الخمر في نهار رمضان أن يُحد حدَّ الشرب، ثم يُعزر بعشرين سوطًا (١)، والله تعالى الموفق. تنبيهان: الأول: التعزير هو: التأديب، وهو كل معصية لا حدّ فيها؛ كمباشرة دونَ فرج، وامرأةٍ لامرأة، وسرقةٍ لا قطعَ فيها، وجنايةٍ لا قودَ فيها، وقذفِ غيرِ ولدِه بغيرِ زنا، ولعنه، وليس لمن لُعن ردُّها، وكدعاء عليه، وشتمِه بغير فرية، وكَسَبِّ صحابيّ، وغيرِ ذلك. وقال شيخ الإسلام: لا نزاع بين العلماء أن غير المكلف؛ كالصبيِّ المميز يعاقَب على الفاحشة تعزيرًا بليغًا، وكذا المجنون يُضرب على ما فعل؛ لينزجر. وفي "الرعاية" وغيرها: ما أوجب حدًا على مكلف، عُزِّرَ به المميزُ؛ كالقذف. وقال القاضي أبو يعلى: إذا تشاتم والد وولده، لم يعزر الوالدُ لحق ولده، ويعزر الولد لحقه بطلبه، ولا يحتاج التعزير إلى مطالبة في غير هذه الصورة (٢). الثاني: يكون التعزير بالضرب والحبس والصفع والتوبيخ والعزل من

стр. 3465

الولاية، وإن رأى الإمام العفو عنه، جاز، لا بقطع شيء منه، ولا بجرحه، ولا بأخذ شيء من ماله. قال شيخ الإسلام: وقد يكون التعزير بالنيل من عرضه؛ مثل يقال له: يا ظالم! يا معتدي! وبإقامته من المجلس. وقال أيضًا: التعزير بالمال سائغ إتلافًا وأخذًا. قال: وقول أبي محمد -يعني: الموفق-: لا يجوز أخذُ ماله؛ إشارة منه إلى ما يفعله الحكام الظلمة (١)، والله تعالى الموفق.

стр. 3466

كتاب الأيمان والنذور الأيمان: جمع يمين، وهو القسم، ويُجمع على أيمُن أيضًا، قيل: سمي بذلك؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا، ضرب كل امرىء منهم يمينه على يمين صاحبه. واليمينُ: توكيدُ الحكم بذكر معظَّم على وجه مخصوص، فاليمين وجوابها جملتان يرتبط إحداهما بالأخرى ارتباطَ جملتي الشرط والجزاء؛ كقولك: أقسمتُ بالله لأفعلنَّ، ولها حروف يُجَر بها القسم، وحروف يُجاب بها القسم، وأحكام غير ذلك (١). والنذور: جمع نَذْر، ويأتي الكلام عليه في الباب الآتي. وذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- في هذا الباب سبعة أحاديث:

стр. 3467

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ، وُكلْتَ إِلَيْها، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (١).

стр. 3468

(عن) أبي سعيد (عبدِ الرحمن بنِ سَمُرَةَ) -بضم الميم- بنِ حبيب بنِ عبد شمس بنِ عبد منافٍ القرشيِّ، أسلم يوم الفتح، صحب النبيَّ ﷺ ، وروى عنه، وكان اسمه عبدَ كلاب، وقيل: عبد كلوب، فسماه النبي ﷺ : عبدَ الرحمن، عدادُه في أهل البصرة، وهو الذي فتح سجستان، وكابل لعبد الله بن عامر بن كُرْزِ، ولم يزل بها إلى أن اضطرب أمرُ عثمانَ بنِ عفان، فخرج عنها، واستخلف رجلًا من بني يشكر، ومات بالبصرة سنة إحدى وخمسين، وهو أول من دفن بها من الصحابة ﵃ أجمعين-. روى عنه: ابن عباس، والحسن، وابن سيرين، وابن المسيب، وغيرهم. روي له عن رسول الله ﷺ أربعة عشر حديثًا، اتفقا على واحد، وهو هذا الحديث الآتي ذكره، وانفرد مسلم بحديثين (١). (قال) عبد الرحمن بن سمرة ﵁: (قال رسول الله ﷺ : يا عبد الرحمن!) ناداه بـ "يا" مع كونه حاضرًا، وهي لنداء البعيد؛ لأجل الاهتمام والاعتناء بذلك. (لا تسأل الإمارة) والإِمرة -بالكسر-، والأمير: الملك، وفلان أمير بين

стр. 3469

الإمارة، وتفتح الهمزة كما في "القاموس"، والجمع: أمراء (١). وفي "الصحيحين" عن النبي ﷺ : أن قومًا دخلوا عليه، فسألوه ولاية، فقال: "إنّا لا نولِّي أمرَنا هذا من طلبه" (٢). (فإنك إن أُعطيتها)، أي: الإمارة (عن مسألة) مقدمة منك لها (وُكلت إليها)، وقد قال ﵇: "من طلب القضاء، واستعان عليه، وُكِلَ إليه، ومن لم يطلب القضاء، ولم يستعن عليه -يعني: يستعين على طلبه بنحو شفاعة-، أنزل الله إليه مَلَكًا يسدِّده" رواه أهل "السنن" (٣)، وهو كقوله ﷺ : (وإن أُعطيتها)، أي: الإمارة (عن غير مسألة) منك لها (أُعِنْت) -بضم الهمزة وكسر العين المهملة مبنيًا لما لم يسمّ فاعله-؛ أي: أعانك الله (عليها) بتوفيق الله وتسديده، وإرشاده وتأييده. وفي "مستدرك الحاكم": أن رسول الله ﷺ قال: "من ولي من أمر المسلمين شيئًا، وهو يجد من هو أصلحُ للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" (٤). وفي رواية: "من قَلَّدَ رجلًا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة من

стр. 3470

هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" (١). وروى بعضهم أن من قول عمر لابن عمر ﵄: قال عمر بن الخطاب ﵁: من ولي من أمر المؤمنين شيئًا، فولى رجلًا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين (٢). وعن عوف بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي"، فناديت بأعلى صوتي: وما هي يا رسول الله؟ قال: "أولُها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثُها عذابٌ يوم القيامة، إلا من عدل، وكيف يعدلُ مع أقربيه؟! " رواه البزار، والطبراني في "الكبير"، ورواته رواة الصحيح (٣). ورواه الطبراني أيضًا بإسناد حسن من حديث أبي هريرة، ولفظه: "الإمارة أولُها ندامة، وأوسطها غرامة، وآخرها عذابٌ يوم القيامة" (٤). ورواه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة مرفوعًا، ولفظه: "ما من رجل يلي أمرَ عشرة فما فوقَ ذلك، إلا أتى اللهَ مغلولًا يوم القيامة يدُه إلى عنقه، فَكَّه بِرُّه، أو أوثقه إثْمُه، أولُها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة" (٥).
следующие страницы →