← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

كتاب الأيمان والنذور الأيمان: جمع يمين، وهو القسم، ويُجمع على أيمُن أيضًا، قيل: سمي بذلك؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا، ضرب كل امرىء منهم يمينه على يمين صاحبه. واليمينُ: توكيدُ الحكم بذكر معظَّم على وجه مخصوص، فاليمين وجوابها جملتان يرتبط إحداهما بالأخرى ارتباطَ جملتي الشرط والجزاء؛ كقولك: أقسمتُ بالله لأفعلنَّ، ولها حروف يُجَر بها القسم، وحروف يُجاب بها القسم، وأحكام غير ذلك (١). والنذور: جمع نَذْر، ويأتي الكلام عليه في الباب الآتي. وذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- في هذا الباب سبعة أحاديث:

стр. 3467

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ، وُكلْتَ إِلَيْها، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (١).

стр. 3468

(عن) أبي سعيد (عبدِ الرحمن بنِ سَمُرَةَ) -بضم الميم- بنِ حبيب بنِ عبد شمس بنِ عبد منافٍ القرشيِّ، أسلم يوم الفتح، صحب النبيَّ ﷺ ، وروى عنه، وكان اسمه عبدَ كلاب، وقيل: عبد كلوب، فسماه النبي ﷺ : عبدَ الرحمن، عدادُه في أهل البصرة، وهو الذي فتح سجستان، وكابل لعبد الله بن عامر بن كُرْزِ، ولم يزل بها إلى أن اضطرب أمرُ عثمانَ بنِ عفان، فخرج عنها، واستخلف رجلًا من بني يشكر، ومات بالبصرة سنة إحدى وخمسين، وهو أول من دفن بها من الصحابة ﵃ أجمعين-. روى عنه: ابن عباس، والحسن، وابن سيرين، وابن المسيب، وغيرهم. روي له عن رسول الله ﷺ أربعة عشر حديثًا، اتفقا على واحد، وهو هذا الحديث الآتي ذكره، وانفرد مسلم بحديثين (١). (قال) عبد الرحمن بن سمرة ﵁: (قال رسول الله ﷺ : يا عبد الرحمن!) ناداه بـ "يا" مع كونه حاضرًا، وهي لنداء البعيد؛ لأجل الاهتمام والاعتناء بذلك. (لا تسأل الإمارة) والإِمرة -بالكسر-، والأمير: الملك، وفلان أمير بين

стр. 3469

الإمارة، وتفتح الهمزة كما في "القاموس"، والجمع: أمراء (١). وفي "الصحيحين" عن النبي ﷺ : أن قومًا دخلوا عليه، فسألوه ولاية، فقال: "إنّا لا نولِّي أمرَنا هذا من طلبه" (٢). (فإنك إن أُعطيتها)، أي: الإمارة (عن مسألة) مقدمة منك لها (وُكلت إليها)، وقد قال ﵇: "من طلب القضاء، واستعان عليه، وُكِلَ إليه، ومن لم يطلب القضاء، ولم يستعن عليه -يعني: يستعين على طلبه بنحو شفاعة-، أنزل الله إليه مَلَكًا يسدِّده" رواه أهل "السنن" (٣)، وهو كقوله ﷺ : (وإن أُعطيتها)، أي: الإمارة (عن غير مسألة) منك لها (أُعِنْت) -بضم الهمزة وكسر العين المهملة مبنيًا لما لم يسمّ فاعله-؛ أي: أعانك الله (عليها) بتوفيق الله وتسديده، وإرشاده وتأييده. وفي "مستدرك الحاكم": أن رسول الله ﷺ قال: "من ولي من أمر المسلمين شيئًا، وهو يجد من هو أصلحُ للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" (٤). وفي رواية: "من قَلَّدَ رجلًا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة من

стр. 3470

هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" (١). وروى بعضهم أن من قول عمر لابن عمر ﵄: قال عمر بن الخطاب ﵁: من ولي من أمر المؤمنين شيئًا، فولى رجلًا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين (٢). وعن عوف بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي"، فناديت بأعلى صوتي: وما هي يا رسول الله؟ قال: "أولُها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثُها عذابٌ يوم القيامة، إلا من عدل، وكيف يعدلُ مع أقربيه؟! " رواه البزار، والطبراني في "الكبير"، ورواته رواة الصحيح (٣). ورواه الطبراني أيضًا بإسناد حسن من حديث أبي هريرة، ولفظه: "الإمارة أولُها ندامة، وأوسطها غرامة، وآخرها عذابٌ يوم القيامة" (٤). ورواه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة مرفوعًا، ولفظه: "ما من رجل يلي أمرَ عشرة فما فوقَ ذلك، إلا أتى اللهَ مغلولًا يوم القيامة يدُه إلى عنقه، فَكَّه بِرُّه، أو أوثقه إثْمُه، أولُها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة" (٥).

стр. 3471

وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذر ﵁، قال: قلت: يا رسول الله! ألا تستعملني؛ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذر! إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خِزْيٌ وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها" (١). وفي "البخاري"، و"سنن النسائي" من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إنكم ستحرِصون على الإمارة، وستكون ندامةً يوم القيامة، فنِعْمَتِ المُرضعةُ، وبِئْسَتِ الفاطِمَةُ" (٢). وفي "صحيح ابن حبان" عنه مرفوعًا: "ليوشكنَّ رجلٌ أن يتمنى أنه خَرَّ من الثريا، ولم يلِ من أمر الناس شيئًا" (٣). والأخبار والآثار في مثل هذا كثيرةٌ جدًا (٤). ثم قال رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة ﵁: (وإذا حلفت على يمين) منكرَةٍ, (فرأيت) من الرأي والعلم والاعتقاد؛ أي: علمت واعتقدت (غيرها)؛ أي: غيرَ إمضائها والتصميم على مقتضاها (خيرًا منها) بأن كان الحنث خيرًا من التمادي على اليمين، (فكفر عن

стр. 3472

يمينك) التي حلفت حيث حنثت، (وائتِ) الفعلَ (الذي هو خيرٌ) من الذي حلفت عليه. قال الإمام ابن القيم: لو حلف على ترك شيء، لم يجزله هتكُ حرمة المحلوف به بفعله إلا بالتزام الكفارة، فإذا التزمها، جاز له الإقدام على فعل المحلوف عليه، فلو عزم على ترك الكفارة، فإن الشارع لا يُبيح له الإقدامَ على فعل ما حلف عليه، ولم يأذن له فيه، وإنما يأذن فيه ويبيحه إذا التزم ما فرض عليه من الكفارة، فيكون إذنه له فيه، وإباحته بعد امتناعه منه بالحلف أو التحريم رخصةً من الله له، ونعمةً منه عليه بسبب التزامه لحكمه الذي فرض له من الكفارة، فإذا لم يلتزمه، بقي المنع الذي عقده على نفسه إصْرًا عليه، فإن الله إنما رفع الآصار عمن اتقاه والتزم حكمه. وقد كانت اليمين في شرع مَنْ قبلَنا يتحتَّم الوفاء بها، ولا يجوز الحنثُ فيها، فوسَّع الله على هذه الأمة، وجوَّزَ الحنثَ بشرط الكفارة، فإذا لم يُكَفِّرْ، لا قبلُ ولا بعدُ، لم يوسَّع له في الحنث. وقال ابن القيم أيضًا في أثناء كلام له: لم يتضمن الحكم في اليمين هتكَ حرمة الاسم؛ فإنه تعليل فاسد جدًا؛ فإن الحنث إما جائز، وإما واجب، أو مستحب، وما جوَّزَ الله لأحد ألْبَتَّةَ أن يهتك حرمة اسمه، وقد شرع لعباده الحنثَ مع الكفارة، وقد أخبر النبيُّ ﷺ أنه إذا حلف على يمين، ورأى غيرَها خيرًا منها، كَفَّرَ عن يمينه، وأتى المحلوفَ عليه، ومعلومٌ أن هتك حرمة اسمه ﵎ تَحِلَّةٌ، وهي تَفْعِلَةٌ من الحِلِّ، فهي تحل ما عقدته اليمينُ ليس إلا، انتهى (١). وهذا الحديث ونحوه ينظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً

стр. 3473

لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤] الآية، فإنها نزلت فيمن حلف أَلَّا يفعل شيئًا، وكان حنثُه أولى، والعُرْضَة أصلها الشدة والقوة، فمعنى الآية: لا تجعلوا الحلف بالله سببًا مانعًا من البر والتقوى، يُدعى أحدُكم إلى صلة رحم أو بر، فيقول: حلفت بالله أَلَّا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البر، وفي الآية التي في المائدة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، ثم بين الكفارة، ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وحنثتم، ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فلا تنكثوها إن لم تكن على ترك مندوب، أو فعلِ مكروه، فإن كانت على شيء من ذلك، فالأولى الحنثُ والتكفير، هذا معتمد المذهب، وعليه جماهير العلماء، وقطعَ به كثيرٌ من علمائنا وغيرهم. وقدم في "الترغيب" من علمائنا: أن بره وإقامته على يمينه أولى (١). قال في "شرح الكافي": وهذا ضعيف مصادم للأحاديث والآثار الواردة في ذلك. فائدة: يحرم الحِنْثُ إن كان معصية؛ بأن كانت اليمين على فعل واجب، أو ترك محرم، فحنثه حرام بلا نزاع، وإن حلف ليفعلن شيئًا حرامًا أو محرمًا، وجب أن يحنث، ويُكَفِّر، وإن فعله، أثم بلا كفارة كما قدمه في "الرعاية"، و"الحاوي"، وإن كان حلفه على فعل مندوب، أو ترك مكروه، فيحتسب بره، ويُكره حنثه، وحل اليمين في المباح مباح، وحفظها فيه أولى (٢)، والله أعلم.

стр. 3474

الحديث الثاني عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَها خَيْرًا مِنْهَا، إِلأَ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا" (١).

стр. 3475

(عن أبي موسى) عبدِ الله بن قيسِ بنِ عامرِ الأشعريِّ (﵁) -تقدمت ترجمته في السواك، (قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ : إني واللهِ إن شاء اللهُ) أتى بالاستثناءِ المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣]، فكان عليه ذلك واجبًا. (لا أحلف على يمين) مكفَّرَةٍ، (فأرى غيرَها)؛ أي: غيرَ ذلك الذي حلفتُ عليه (خيرًا منها)؛ أي: من إمضاء اليمين التي حلفتها؛ بأن كان الحلف على ترك مندوب أو واجب، أو فعل مكروه أو محرم، (إلا أتيت الذي هو خير) من فعلِ المطلوب، وتركِ المكروه (وتَحَلَّلْتُها) -بفتح المثناة فوق والحاء المهملة واللام الأولى مشددة، وسكون اللام الثانية، وضم التاء المثناة فوق ضمير المتكلم-؛ أي: إلا اكتسب حلها بالكفارة؛ من قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وقوله ﷺ : "تَحِلَّة القسم" (١)؛ أي: تحليلها، قيل: هو قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: ٦٨] إلى قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، وهو الجواز على الصراط، أو عليها وهي خامدة كالإهالة، وقيل: المراد: سرعة الجواز عليها، وقلةُ أَمَدِ الورود، يقال: ما فعلت ذلك إلا تحليلًا،

стр. 3476

أي: تغريرًا، يضرب مثلًا لمن يقصد تحليل يمينه بأقلِّ ما يمكن (١). وسبب هذا الحديث كما في "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: أتيت رسول الله ﷺ في رهط من الأشعريين نستحمله، وفي رواية: أسأله لهم الحملان -إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك-، فقال: "والله لا أحملُكم، ولا عندي ما أحملكم عليه"، قال: فلبثنا ما شاء الله، ثم أُتي بإبل، فأمر لنا بثلاثِ ذَوْدٍ غُرّ الذرا، وفي رواية: بستة أبعرة ابتاعهن من سعد، وفي لفظ: فأمر لنا بخمسة ذود غر الذرا، فلما انطلقت، قلنا، أو قال بعضنا لبعض: لا يباركُ اللهُ لنا، أتينا رسول الله ﷺ نستحمله، فحلف لا يحملُنا، ثم حملَنا، فأتوها فأخبروه، وفي رواية: فرجعنا إليه فقلنا: يا رسول الله! إنا أتيناك نستحملك، وإنك حلفت لا تحملنا، ثم حملتنا، أفنسيت يا رسول الله؟ فذكر الحديث، وفي رواية: فقال: "ما أنا حملتُكم، ولكن الله حملكم، وإني والله لا أحلف على يمين، ثم أرى خيرًا منها، إلا كَفَّرْتُ عن يميني، وأتيتُ الذي هو خير" (٢)، فذكر المصنف -رحمه الله تعالى- الحديثين، مع كون مدلولهما واحدًا؛ إشارة إلى كونه ﷺ شرع ذلك بقوله كما في الحديث الأول، وبفعله كما في الحديث الثاني. تنبيهات: * الأول: لا تصح اليمين ولا تنعقد إلا من مكلَّف مختار، قاصدٍ اليمين، وتصح من كافر، وتلزمه الكفارةُ بحنثه، سواء حَنِث في كفره، أو بعده.

стр. 3477

وقال أبو حنيفة، ومالك: لا تنعقد يمين الكافر، وسواء عندهما حنث حال كفره، أو بعد إسلامه. وقال أبو حنيفة وحده: تنعقد يمين المكرَه (١). * الثاني: الحلفُ تعتريه الأحكام الخمسة: فيجب: مثل: أن ينجِّي به إنسانًا معصومًا، ولو نفسَه؛ مثل: أن تتوجه أيمان القسامة في دعوى القتل عليه، وهو بريء. ويندب: مثل: أن يتعلق به مصلحة من إصلاح بين متخاصمين، أو إزالة حقد من قلب مسلم من الحالف أو غيره، أو دفع شر، فإن حلف على فعل طاعة، أو ترك معصية، فليس بمندوب: ويباح: كالحلف على فعل مباح أو تركه، أو على الخبر بشيء هو صادق فيه، أو يظن أنه فيه صادق. ويكره: كالحلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب، ومنه: الحلف في البيع والشراء. ويحرم: وهو أن يحلف كاذبًا عمدًا، أو على فعل معصية، أو ترك واجب (٢). واتفق الأئمة على أن من حلف على فعل طاعة، لزمه الوفاء بذلك، ثم اختلفوا هل له أن يعدل عن الوفاء بها إلى الكفارة مع القدرة على فعلها؟ فقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز. وقال الشافعي: الأولى أَلَّا يعدل، فإن عدل، جاز، ولزمته الكفارة.

стр. 3478

وعن مالك روايتان كالمذهبين. قال الإمام أبو المظفر عونُ الدين بنُ هبيرة: اتفقوا على أنه لا يجوز أن يجعل اسم الله عرضة للإيمان يمنع من بر وصلة، فإن حلف، فالأولى له أن يحنث إذا حلف على ترك البر، ويُكَفِّر (١). وهذا كما قدمنا من شرح الحديث. قال في "الفروع"، وفي "الإفصاح": يلزم الوفاء بالطاعة، وإنه عند الإمام أحمد لا يجوز عدول القادر إلى الكفارة. قال شيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-: لم يقل أحد: إنها توجب إيجابًا، أو تحرم تحريمًا لا ترفعه الكفارة (٢). * الثالث: اليمين التي توجب الكفارة إذا حنث: هي اليمين بالله تعالى، وبسائر أسمائه الحسنى ممَّا لا يُسمى به غيره تعالى، وبصفة من صفاته؛ كوجه الله، وعظمته، وعزته، وقدرته، وإرادته، وعلمه، وهذا باتفاق، إلا أن أبا حنيفة استثنى علم الله، فلم يره يمينًا (٣). وأما ما يُسمى به غيره، وإطلاقُه ينصرف إلى الله؛ كالعظيم، والرحيم، والرب، والمولى، والرازق، فإن نوى به، أو أطلق، كان يمينًا، وإن نوى غيره، فليس بيمين. وما لا يعد من أسمائه، ولا ينصرف إطلاقه إليه، ويحتمله؛ كالشيء، والموجود، والحي، والعالم، والمؤمن، والواحد، والكريم، والشاكر،

стр. 3479

فإن لم ينو به الله، أو نوى به غيره، لم يكن يمينًا، وإن نواه، كان يمينًا، فإذا قال: وعلمِ الله لأفعلنَّ كذا، أو لا فعلتُ كذا، فهذا يمينٌ عند الثلاثة (١). وقال أبو حنيفة: لا يكون يمينًا استحسانًا. قال الوزير ابنُ هبيرة: الذي أراه في هذا: أن أبا حنيفة لم يكن مرتابًا في علم الله؛ فإنَّ علم الله صفة من صفات ذاته، فإذا حلف بها حالف، وحنث، لزمته الكفارة، وإنما الذي أراه في مقصده لذلك: أن العلم يتناول المعلوماتِ كلَّها، فإذا قال القائل: وعلمِ الله، فيجوز أن يصرف أن الله قد علم منه أنه ما أراد إلا عزمه وقصده وتصحيحه، ويجوز أن يكون قد حلف بصفة الله التي هي العلم، فلما تردد الأمر في احتمال هذا النطق بين هذين المعنيين، لم ير انعقاد اليمين به. قال الوزير: ثم إنني بعد كلامي هذا، علمت أن المروزي، وأبا زيد ذَكَرا نحوًا منه (٢)، واختلفوا فيما إذا قال: وحقِّ الله، فقال الثلاثة: تنعقد يمينه. وقال أبو حنيفة: لا يكون يمينًا. واختلفوا فيما إذا حلف بالمصحف، فقال مالك وأحمد: تنعقد يمينه، فإن حنث، فعليه الكفارة، وهو مذهب الشافعي أيضًا. قال ابن هبيرة: وقد نقل في ذلك خلاف، لكن عَمَّن لا يُعتد بقوله. وكذا قال ابن عبد البر: إن المخالِف في هذا لا يُعتد بقوله، وبسط ابن عبد البر المقالة في ذلك في كتابه "التمهيد" (٣).

стр. 3480

وقد قيل: إنه إذا حلف بالمصحف، وحنث، يلزمه بكل آية منه كفارة. وقيل: يلزمه بكل حرف، وهو وجه في "فصول" ابن عقيل (١). * الرابع: يشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط: أحدها: انعقاد اليمين، وهي التي يمكن فيها البر والحنث؛ بأن يقصد عقدَها على مستقبل، فلا تنعقد يمينُ النائم والصغير والمجنون؛ لعدم قصدهم المعتبر، وكذا ما عُدَّ من لغو اليمين. وأما اليمين على الماضي، فيأتي الكلام عليها في الحديث الخامس -إن شاء الله تعالى-. ولغو اليمين: هو سبقها على اللسان من غير قصد؛ كقوله: لا والله، وبلى والله في عرض حديثه، ولو على مستقبل، فلا تنعقد، ولا كفارة في ذلك. ثانيها: أن يحلف مختارًا، فلا تنعقد يمين مكرَه؛ خلافًا لأبي حنيفة -كما تقدم-. ثالثها: الحنث في يمينه؛ بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله -ولو معصية- مختارًا ذاكرًا، فإن فعله مكرهًا أو ناسيًا، فلا كفارة (٢). وقال أبو حنيفة ومالك: يحنث مطلقًا، سواء كانت اليمين بالله تعالى، أو بالظهار، أو بالطلاق، أو بالعتاق.

стр. 3481

وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يحنث مطلقًا، وهذا معتمد مذهبه، واختار القفال من الشافعية: أن الطلاق يقع، والحنث لا يحصل (١). ومعتمد مذهب الإمام أحمد: يقع الطلاق والعتاق ناسيًا وجاهلًا (٢)، والله أعلم. * الخامس: كفارة اليمين تجمع تخييرًا وترتيبًا، فيخير من لزمته بين ثلاثة أشياء: إطعام عشرة مساكين مسلمين أحرار -ولو صغارًا- (٣)، وقال أبو حنيفة: يجوز دفعها لفقراء الكفار من أهل الذمة (٤)، وسواء كان المطعَم جنسًا، أو أكثر، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجده، فصيام ثلاثة أيام. والكسوة: ما يجزىء لِسَتْرِ صلاة الآخِذِ في الفرض. ويجوز أن يطعم بعضًا، ويكسوَ بعضًا. وأما إن أطعم المسكين بعض الطعام، وكساه بعض الكسوة، أو أعتق نصف عبد، وأطعم خمسة، أو كساهم، أو أطعم وصام، لم يجزئْه كبقية الكفارات، ولا ينتقل إلى الصوم إلا إذا عجز عن الثلاثة؛ كعجزه عن زكاة الفطر (٥). وقال مالك والشافعي -فيما إذا أطعم خمسة وكسا خمسة-: لا يجزئه. وكذا اختلافهم إذا أطعم من جنسين، فأطعم خمسة بُرًا، وخمسة شعيرًا، أو

стр. 3482

خمسة تمرًا، فأبو حنيفة وأحمد يجيزان ذلك؛ خلافًا لمالك والشافعي (١). وقدر ما يطعم كل مسكين: مُدُّ بُر أو نصفُ صاع من تمر أو زبيب أو أقط أو شعير، هذا مذهبنا، وعند مالك: مُدٌّ بالمدينة إذا أخرج الكفارة فيها، وفي بقية الأمصار وسط من الشبع، وهو رطلان بالبغدادي، وشيءٌ من الأُدم. وقال أبو حنيفة: إن أخرج برًا، فنصف صاع، وإن أخرج شعيرًا أو تمرًا، فصاع، ولم يعتبر بلدًا دون بلد. وقال الشافعي: لكل مسكين مد (٢). واتفق الثلاثة على اعتبار كون الرقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل، ولم يعتبر أبو حنيفة فيها الإيمان. وعند أبي حنيفة وحده: يجزىء إخراج قيمة الكفارة، وإذا كفّر بالصوم، فعليه التتابع، إلا من عذر؛ خلافًا لمالك. وعن الشافعي قولان: الذي استقر عليه مذهبه: عدم اعتبار التتابع (٣). * السادس: تجب كفارة اليمين على الفور كنذر إذا حنث، وإن شاء كَفَّرَ قبلَ الحنث، فتكون محللة لليمين، وإن شاء بعده فتكون مكفِّرة، فهما في الفضيلة سواء، صومًا كانت الكفارة أو غيره، ولو كان الحنث حرامًا، وهذا معتمد المذهب؛ لتقدم أحد سببيها، ولا يصح تقدمها على اليمين؛ لعدم تقدم أحدهما؛ فإن سببيها الحلف والحنث (٤).

стр. 3483

وقال أبو حنيفة: لا تكون الكفارة إلا بعد الحنث بكل حال. وقال الشافعي: يجوز تقديمها على الحنث إذا كان مباحًا. وعن مالك روايتان: إحداهما: يجوز تقديمها قبل الحنث كمذهبنا، والأخرى: لا يجوز (١). ومعتمد مذهب الشافعي: له تقديم الكفارة على أحد سَبَبَيْها ما لم تكن صوما، فلا يقدمه، ومعتمد مذهبه: جواز ذلك، ولو كان حرامًا؛ كالحنث بترك واجب، أو فعل حرام كما في "شرح المنهج" للقاضي زكريا (٢). السابع: اختلفوا فيما إذا كرر اليمين، وكان موجبها واحدًا على فعل واحد؛ كقوله: والله لا أكلتُ، والله لا أكلت، أو حلف أيمانًا كفارتُها واحدة؛ كقوله: واللهِ وعهدِ الله وميثاقِه وكلامِه، أو كررها على أفعال مختلفة قبل التكفير؛ كقوله: واللهِ لا أكلتُ، واللهِ لا شربتُ واللهِ لا لبستُ، فمذهب أحمد: عليه كفارة واحدة، ومثله الحلف بنذور مكررة. ولو حلف يمينًا واحدة على أجناس مختلفة؛ كقوله: واللهِ لا أكلتُ ولا شربتُ ولا لبستُ، فكفارة واحدة، حنث في الجميع، أو في واحدة، وتنحل البقية (٣). وعند أبي حنيفة، ومالك: عليه بكل يمين كفارة، سواء كانت على فعل واحد، أو على أفعال، إلا أن مالكًا اعتبر التأكيد، فقال: إن أراد التأكيد، فكفارة واحدة، وإن أراد الاستئناف، فلكل يمين كفارة (٤).

стр. 3484

وقال الشافعي: إن كانت على شيء واحد، ونوى الاستئناف، فهما يمينان، وفي الكفارة قولان: أحدهما: كفارة واحدة. والثاني: كفارتان. وإن كانت على أشياء مختلفة، فلكل شيء منها كفارة. وأما إن كانت الأيمان مختلفة الكفارة؛ كالظهار، واليمين بالله، فلكل يمين كفارة. تتمة: ليس للرقيق أن يكفر بغير صوم، ولو أذن له سيده في العتق والإطعام؛ لأنه لا يملك، وإن ملك، وليس لسيده منعُه من الصوم، ولو أضرَّ به، ولو كان الحلف والحنث بغير إذنه. ويكفِّرُ كافر ولو مرتدًا بغير صوم. والمبعَّضُ حكمه في الكفارة حكم الأحرار (١). وقال مالك والشافعي: إن كان سيد العبد الحالف الحانث أذن له في اليمين والحنث، لم يكن له منعه، وإن لم يأذن له فيهما، فله منعه. وقال أصحاب أبي حنيفة: للسيد منعه من ذلك، سواء كان أذن له أو لم يأذن، إلا أن في كفارة الظهار ليس له منعه. وقال مالك: إن أضرَّ به الصوم، كان لسيده منعُه، وإن لم يضرّ به، فلا، وأما الصوم في كفارة الظهار، فليس له منعه مطلقًا (٢)، والله تعالى الموفق.

стр. 3485

الحديث الثالث عَنْ عُمَر بْنِ الخَطَّاب ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بَآبَائِكُمْ" (١). وَلِمُسْلِمٍ: "فَمَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ! مَا حَلَفْتُ بهَا مُنْذْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا (٣).

стр. 3486

آثرًا يَعْنِي: حَاكِيًا عَنْ غَيْرِي أَنَّهُ حَلَفَ بِهَا. * * * (عن) أمير المؤمنين أبي حفصٍ (عمرَ بنِ الخطاب ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : إن الله ينهاكم) معشر الخلق (أن تحلفوا بآبائكم) إذا حلفتم؛ لأن الحلف بشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة إنما هي لله وحده. ولا يعارضه حديث: "أَفْلَحَ وأَبيه" (١)؛ لأنها كلمة جرت على لسانهم للتأكيد لا للقسم (٢). وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ : أنه أدرك عمر يحلف بأبيه، فناداه رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" (٣).

стр. 3487

(ولمسلم) في "صحيحه": (فمن كان) منكم (حالفًا) ولابد، (فليحلف بالله) تعالى، (أو ليصمت) عن الحلف، وأما أن يحلف بغير الله، فلا. قلت: بل هو في "الصحيحين"، وكذا رواه أهل "السنن" الأربع كذلك (١). وفي رواية لابن ماجه من حديث بريدة، قال: سمع رسولُ الله ﷺ رجلًا يحلف بأبيه، فقال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله، فَلْيَصْدُق، ومن حُلِفَ له بالله، فلْيَرْضَ، ومن لم يَرْضَ بالله، فليس من الله" (٢). (وفي رواية) من حديث ابن عمر في "الصحيحين": (قال عمر) بن الخطاب ﵁: (فوالله! ما حلفت بها) -يعني: اليمين بغير الله- (منذ سمعت رسول الله ﷺ نهى عنها) -يعني في قوله: "لا تحلفوا بآبائكم" (ذاكرًا) لها، (ولا آثرًا) -بفتح الهمزة ومدها وكسر المثلثة-، قال في تفسير قوله: (آثرًا؛ يعني: حاكيًا عن غيري أنه حلف بها)؛ أي: حلف يمينًا بغير الله؛ كآبائه؛ تحرزًا وحرصًا منه أن يجري على لسانه الحلف بغير الله تعالى: لنهيه ﵊ عن ذلك. وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمر ﵄ أيضًا: "من كان حالفًا، فلا يحلف إلا بالله"، وكانت قريش تحلف بآبائها، فقال ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم" (٣). وروى الترمذي وحَسَّنه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، وقال:

стр. 3488

صحيح على شرطهما، عن ابن عمر أيضًا: أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة! فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله، فقد كفر -أو: فقد أشرك-" (١). وفي رواية للحاكم: "كل يمين يحلف بها دون الله، فهو شرك" (٢). وروى أبو داود عن بريدة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بالأمانة، فليس منّا" (٣). وعنه أيضًا، قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف قال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا، فهو كما قال، وإن كان صادقًا، فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما (٤). وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "من حلف على يمين، فهو كما حلف، إن قال: هو يهودي، فهو يهودي، وإن قال:

стр. 3489

نصراني، فهو نصراني، وإن قال: هو بريء من الإسلام -يعني: فكذلك-، ومن ادعى دعاء الجاهلية، فهو من جثاء جهنم"، قالوا: يا رسول الله! وإن صام وصلى؟ قال: "وإن صام وصلى" رواه أبو يعلى، والحاكم، واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد (١). واعلم أن من قال: هو يهودي، أو كافر، أو مجوسي، أو يعبد الصليب، أو يعبد غير الله، أو بريء من الله سبحانه، أو من الإسلام، أو من القرآن، أو النبي ﷺ ، إن فعل ذلك، فقد فعل محرمًا بلا نزاع، وعليه كفارة يمين إن فعل -على معتمد المذهب (٢) -، ولا يكفر، ويحمل ما ورد على الزجر والردع والترهيب. واختار الإمام الموفق أنه لا كفارة على الحالف بذلك؛ لأنه لم يحلف باسم الله ، ولا صفته، ولا أتى بصيغة اليمين، وإنما علق الكفر على الفعل، فلم تجب الكفارة بذلك، كما لو علق عليه الطلاق، لكن معتمد المذهب: الأول. قال في "الإنصاف": هو المذهب، سواء كان منجَّزًا، أو معلَّقًا (٣). قال الزركشي: وهو أشهر الروايتين عن الإمام أحمد (٤)، واختيار جمهور الأصحاب: القاضي، والشريف، وأبي الخطاب، والشيرازي،

стр. 3490

وابن عقيل، وغيرهم، وجزم به في "الوجيز"، و"المنور" (١)، و"منتخب الأدمي"، و"تذكرة ابن عبدوس"، وغيرهم (٢)؛ لأن قوله هذه الأشياء توجب هتك الحرمة، فكان يمينًا؛ كالحلف بالله ، والله أعلم.

стр. 3491

الحديث الرابع عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ. فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ، فَطَافَ بِهِنَّ، فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ نِصْفَ إنْسَانٍ"، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ" (١). قولُه: "قِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ شاءَ اللهُ" يَعْنِي: قالَ لهُ المَلَكُ.

стр. 3492

(عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: قال سليمان بن داود ﵉) تقدم ذكر داود ﵇ في: أفضل الصيام، وأما سليمان -عليه أفضل الصلاة والسلام-، فلم يبلغ أحدٌ من الأنبياء ما بلغ ملكه، فإن الله سبحانه سخر له الإنس والجن والطير والوحش والريح، وآتاه ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وكان ملكه من الشام إلى إِصطخر، وقيل: ملك الأرض، وكان عسكره مئة فرسخ، وكان مع ذلك يجالس المساكين، ويقول: مسكين جالس مسكينًا. وقد روي عن ابن عباس -رضي لله عنهما-: ملكَ الأرضَ مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وذو القرنين، والكافران: نمرود، وبخت نصر (١). وكان عمرُ سليمان ﵇ يوم ملكَ ثلاثَ عشرة سنة، وابتدأ في عمارة بيت المقدس بعد ذلك بأربع سنين. وروى النسائي: أن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس، سأل الله حُكْمًا يوافق حكمه، فأوتيه، وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأوتيه، وسأله أَلَّا يأتي هذا المسجدَ أحدٌ لا يريدُ إلا الصلاةَ فيه، إلا خرج من ذنوبه كيومَ ولدته أمه (٢)، ولهذا كان عبد الله بن عمر ﵄ يأتي بيت

стр. 3493

المقدس، فيدخل فيصلي ركعتين، ثم يخرج، ولا يشرب منه، وكأنه يطلب دعوة سليمان. وقد قال نبينا ﷺ بعد هذا الحديث: "فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة" (١). فإن قيل: ما الحكمةُ من سؤال المُلك مع تنزُّه الأنبياء -صلوات الله عليهم- عن الدنيا؟ فالجواب: أن ذلك كان معجزة له، فليس الملك مقصودًا لذاته، بل لغيره، كما أن من الأنبياء من كانت آيتُه الناقةَ، ومنهم من آيتُه العصا والحية. وورث سليمانُ أباه داود في الملك والنبوة، وقام بشريعة موسى، وكل نبي جاء بعد موسى ممن بُعث أو من لم يبعث، فإنما كان يقوم بشريعة موسى إلى أن بعث الله المسيحَ عيسى بن مريم، فنسخ منها ما خالفها. وبينَ سليمانَ بنِ داودَ ﵇ وبين الهجرة النبوية -على صاحبها الصلاة والسلام- نحو ألف سنة وثمان مئة سنة، واليهود يقولون: ألف وثلاث مئة واثنتان وستون، وعاش داود نيفًا وخمسين سنة. وجرى البرماوي على أنه عاش ثلاثًا وخمسين سنة، وذكر كلَّ ما تقدم. قلتُ: والذي ذكره في "الأنس الجليل" للحنبلي ما نصُّه: لما كان في السنة الرابعة من ملكه -أي: سليمان-، في شهر أيار، وفي سنة تسع

стр. 3494

وثلاثين وخمس مئة لوفاة موسى ﵇، ابتدأ سليمان ﵇ في عمارة بيت المقدس حسبما أوصاه به أبوه داود ﵇، وفرغ منه في الحادية عشرة من ملكه، فيكون الفراغ من عمارة بيت المقدس في أواخر سنة ست وأربعين وخمس مئة لوفاة موسى ﵇، وكان من هبوط آدم إلى ابتداء سليمان ببناء بيت المقدس أربعة آلاف وأربع مئة وأربع عشرة سنة، وبين عمارة بيت المقدس والهجرة الشريفة النبوية المحمدية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- ألف سنة كاملة، هكذا في تاريخ الحنبلي المسمى بـ "الأنس الجليل" (١)، والله أعلم. (لأطوفن) هذا وما بعده مَقولُ سليمان ﵇، وفي رواية: "لأُطيفن" (٢)، وهما لغتان، طاف بالشيء، وأطاف به: إذا دار حوله، وتكرر عليه، وهو هنا كناية عن الجماع، واللام في "لأطوفن" جواب القسم المقدر (٣)، ولم أره إلا محذوف المقسم به في جميع الطرق. (الليلةَ على سبعين امرأةً)، وفي رواية: على مئة امرأة (٤)، وفي أخرى: تسعين (٥). قال في "الفتح": ومحصل الروايات: ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، والجمع بينها: أن الستين حرائر، وما زاد عليهن كُنَّ سراري، أو بالعكس، وأما السبعون، فللمبالغة، وأما التسعون والمئة،

стр. 3495

فكنّ دون المئة، وفوق التسعين، فمن قال: تسعون، ألغى الكسر، ومن قال: مئة، جبَرهُ. وقد حكي عن وهب بن منبه في "المبتدأ": أنه كان لسليمان ألف امرأة: ثلاث مئة مهرية، وسبع مئة سرية (١). ونحوه ما أخرجه الحاكم في "المستدرك" من طريق أبي معمر محمد بن كعب، قال: بلغنا أنه كان لسليمان ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاث مئة صريحة، وسبع مئة سرية (٢). (تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله) تعالى: هذا إنما قاله على سبيل التمني للخير، وإنما جزم به، لأنه غلب عليه الرجاء؛ لكونه قصد به الخير وأمر الآخرة، لا لغرض الدنيا. قال بعض السلف: نبّه ﷺ في هذا الحديث على آفة التمني والإعراض عن التفويض، قال: ولذلك نسي الاستثناء؛ ليمضي فيه القدر (٣). (فقيل)؛ أي: قال (له)، أي: لسليمان صاحبُه. وفي رواية معمر عن طاوس: "فقال له المَلَك" (٤). وفي رواية هشام بن حجير: "فقال له صاحبه"، قال سفيان بنُ عيينة:

стр. 3496

يعني: الملك (١)، وفي هذا إشعار بأن تفسير صاحبه بالملك ليس بمرفوع، لكن في "مسند الحميدي" عن سفيان: "فقال له صاحبه، أو الملك" -بالشك (٢) -، ومثلها لمسلم (٣)، وفيه رد على من فسر صاحبه بأنه الذي عنده علم من الكتاب، وهو آصِفُ -بالمد وكسر المهملة بعدها فاء- بنُ بَرخيَا -بفتح الموحدة وسكون الراء وكسر الخاء المعجمة بعدها تحتانية- (٤). وقال القرطبي في قوله: "فقال [له] صاحبه، أو الملك": إن كان صاحبه، فيعني به: وزيره من الإنس والجن، وإن كان الملك، فهو الذي يأتي بالوحي، قال: وقد أبعد من قال: المراد به: خاطره (٥). وقال النووي: قيل: المراد بصاحبه: المَلَك، وهو الظاهر من لفظه، وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدمي (٦). (قل: إن شاء الله، فلم يقل) قال عياض: وفي الرواية الأخرى: "فنسي" (٧)، يعني: لم يقل: إن شاء الله بلسانه، لا أنه أبى أن يفوض إلى الله تعالى، بل كان ذلك ثابتًا في قلبه يُكنه، فكأنه اكتفى بما أضمر عليه قلبه أولًا، ونسي أن يُجريه على لسانه لما قيل له: قل: إن شاء الله؛ لشيء

стр. 3497

عرض له، فأشغله عن إجرائه على لسانه (١). (فطاف بِهِنَّ) كلِّهن في تلك الليلة (فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة) من بينهن (نصفَ إنسان)، وفي رواية: "جاءت بشق إنسان" (٢)، وفي أخرى: "إلا واحدًا ساقطًا شِقُّه" (٣)، وفي أخرى: "جاءت بشقِّ رجل" (٤)، وقد حكى النقاش في "تفسيره": أن الشقَّ المذكور هو الجسدُ الذي أُلقي على كرسيه. وفي قول غير واحد من المفسرين: أن المراد بالجسد المذكور: شيطان، وهو المعتمد، والنقاش صاحب مناكير (٥). (قال) أبو هريرة ﵁: (فقال رسول الله ﷺ : لو قال) سليمانُ بنُ داود ﵇ بعدَ مقالته التي قالها: (إن شاء الله، لم يحنث) المراد: أنه لو كان، يحصل له ما طلب، ولا يلزم من إخباره ﵊ بذلك في حق سليمان في هذه القصة أن يقع ذلك لكل من استثنى في أمنيته، بل في الاستثناء رجوى الوقوع، وفي ترك الاستثناء خشية عدم الوقوع، وأما إخباره ﷺ أن سليمان ﵇ لو قال: إن شاء الله، لم يحنث (٦)، (وكان) ذلك (دَرَكًا) -بفتحتين-، من

стр. 3498

الإدراك (١) (لحاجته) وأمنيته التي تمناها، وهو كقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ [طه: ٧٧]؛ أي: لحاقًا، لعله أخبر بذلك من جهة الوحي. وفيه جواز الإخبار عن الشيء ووقوعه في المستقبل بناء على غلبة الظن؛ فإن سليمان ﵇ جزم بما قال، ولم يكن ذلك عن وحي، وإلا، لوقع، كذا قيل (٢). وقال القرطبي: لا يَظُنُّ بسليمان ﵇ أنه قطعَ بذلك على ربه إلا مَنْ جهل حالَ الأنبياء وأدبَهم مع الله تعالى (٣). وقال ابن الجوزي: فإن قيل: من أين لسليمان أن يخلق من مئة هذا العدد في ليلة؟ لا جائز أن يكون بوحي؛ لأنه ما وقع، ولا جائز أن يكون الأمر في ذلك إليه؛ لأن الإرادة لله! قال: والجواب: أنه من جنس التمني على الله تعالى، والسؤال له أن يفعل، والقسم عليه، كقول أنسِ بنِ مُعاذ: واللهِ لا تُكسر سِنُّها، ويحتمل أن يكون لما أجاب الله دعوته أن يهب له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، كان هذا عنده من جملة ذلك، فجزم به (٤). قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: و (قوله) في الحديث: (قيل له: قل: إن شاء الله) -تعالى (يعني: قال له الملك) -كما تقدم من ذكر الخلاف في ذلك-.

стр. 3499

وفي الحديث: قصدُ فعل الخير، وتعاطي أسبابه، وأن كثيرًا من المباح والملاذ يصير مستحبًا بالنية والقصد. وفيه: استحباب نية الاستثناء لمن قال: سأفعل كذا، وأنَّ إِتباعَ المشيئةِ اليمينَ يرفعُ حكمَها، وهو متفق عليه في الجملة (١). قال علماؤنا: يصح الاستثناء في كل يمين مكفَّرة؛ كاليمين بالله، والظِّهار، والنذر، فإذا حلف فقال: إن شاء الله، أو إن أراد الله، وقصد بها المشيئة، لا من أراد محبته وأمره، وأراد التحقيق لا التعليق، لم يحنث، فعل أو ترك، قدم الاستثناء أو أخره، إذا كان متصلًا لفظًا أو حكمًا؛ كانقطاعه بنَفس أو سُعال أو عُطاس أو قيء أو نحوه. ويعتبر نطقه به، فلا ينفعه بالقلب إلا من مظلوم خائف، ولابد من قصد الاستثناء قبل تمام المستثنى منه، فلو حلف غيرَ قاصد الاستثناء، ثم عرض له بعدَ فراغه من اليمين، فاستثنى، لم ينفعه، ولو أراد الجزم، فسبق لسانه إلى الاستثناء من غير قصد، أو كانت عادته جارية به، فجرى على لسانه من غير قصد، لم يصح (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ينفعه تعليقُه الطلاقَ بمشيئة الله تعالى، فإذا حلف: لا يسكن هذه الدار إن شاء الله، فلا حنثَ عليه إذا سكن فيها، سواء كانت يمينه بالطلاق، أو بالله تعالى. قال: وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، قال: وكذا أحمد في مشهور مذهبه، وقول في مذهب مالك (٣).

стр. 3500

وعند شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يعتبر له اتصال، ولا أن ينويه قبل تمام المستثنى منه، واحتج بعدة أحاديث، منها: الحديث المذكور الذي نحن بصدده، ومنها: قوله ﷺ : "والله لأغزونَّ قريشًا"، قاله ثلاثًا، ثم سكت، ثم قال: "إن شاء الله"، ثم لم يغزهم (١). وفي "الفروع": قال الإمام أحمد: قول ابن عباس ﵄: إذا استثنى بعد سنة، فله ثنياه، [و] (٢) ليس هو في الأيمان، إنما تأويله قول الله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] فهذا استثناء من الكذب؛ لأن الكذب ليس فيه كفارة، وهو أشد من اليمين؛ لأن اليمين تكفَّر، والكذب لا يكفَّر. وقال ابن الجوزي: فائدة الاستثناء خروجه من الكذب، قال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، ولم يصبر، فسلم منه بالاستثناء (٣). وقد استدل من قال بعدم اعتبار نية الاستثناء قبل فراغه من المستثنى منه بهذا الحديث، فقال: الاستثناء إذا عقبَ اليمين، ولو تخلل بينهما شيء [و (٤)] لا يضر؛ فإنه دل على أن سليمان ﵇ لو قال: إن شاء الله عقب قول الملك له: قل: إن شاء الله، لنفعه ذلك، مع أنه تخلل بين كلاميه كلامُ الملَك.

стр. 3501

وأجاب القرطبي باحتمال أن يكون الملَك قال ذلك في أثناء كلام سليمان (١)، وهو ممكن. وفي الحديث: دليل على اعتبار كون الاستثناء باللفظ دون النية، وهو متفق عليه إلا ما حكي عن بعض المالكية. وفيه: ما خُص به الأنبياء ﵈ من القوة على الجماع الدالِّ ذلك على صحة البنية وقوة الفحولية وكمال الرجولية، مع ما هم فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم، وقد وقع للنبي ﷺ من ذلك أبلغُ معجزة؛ لأنه مع اشتغاله بعبادة ربه وعلومه ومعالجة الخلق، مع كونه ﷺ متقلِّلًا من المآكل والمشارب المقتضية لضعف البدن وقلة الجماع، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في ليلة بغسل واحد، وهن إحدى عشرة امرأة، ويقال: إن كلَّ من كان أَتقى لله تكون شهوته أشدَّ؛ لأن الذي لا يتقي يتفرج بالنظر ونحوه. وأبعدَ من استدلَّ بالحديث على جواز الحلف مع غلبة الظن مع وجود القرينة المقوية لذلك. وفيه: جواز السهو على الأنبياء ﵈، وأن ذلك لا يقدح في مراتبهم العلية. وفيه: جواز إضمار المقسَم به في اليمين، لقوله: "لأطوفَنَّ"، مع قوله ﵇: "لم يحنث"، فدل على أن اسم الله فيه مقدَّر، فمن قال بجواز ذلك، فالحديث حجة له (٢).

стр. 3502

قلت: ذكره في "الفروع" تخريجًا حيث قال: "عليَّ يمينٌ لأفعلنَّ". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه لام القسم، فلا تُذكر إلَّا معه مظهَرًا أو مقدَّرًا (١). قال بعض علمائنا: ويؤيده قول سليمان بن داود ﵇: "لأطوفن الليلة على ستين امرأة"، وقال فيه النبي ﷺ : "لو استثنى، لم يحنث"، ونسب إليه الحنث، فدل أنه يمين، انتهى. وهذا على معتمد المذهب: أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد تقريرُه على لسان الشارع، ولم ينسخ. وفي الحديث: حجةٌ لنا وللحنفية من عدم اشتراط التصريح بمقسَم به، فمن قال: أحلف، أو حلفت، أو أشهد، أو شهدت، إلخ، فإنه يكون يمينًا عند الحنفية، وقيده علماؤنا والمالكية بالنية، وقال بعض الشافعية: ليس بيمين مطلقًا. وفيه: استعمال لو ولولا. وفيه: رعاية الأدب مع التكنية عما يستقبح ذكرُه؛ لقول سليمان ﵇: لأطوفنّ، بدل قوله: لأجامعن (٢)، والله الموفق.

стр. 3503

الحديث الخامس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطعُ بهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيَها فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ونَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية" (١).

стр. 3504

(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ حلف) من المكلفين (على يمينِ صَبْرٍ) (١) -بفتح الصاد المهملة وسكون الموحدة،- وفي رواية: "يمين مصبورة" (٢)، وهي التي يلزم بها، ويُحبس عليها، وكانت لازمةً لصاحبها من جهة الحكم، وقيل لها مصبورة، وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور؛ لأنه إنما صبر من أجلها؛ أي: حُبس، فوصفت بالصبر، وأضيفت إليه مجازًا (٣). (يقتطع): يفتعل من القطع، كأنه قطعه عن صاحبه (٤). (بها)؛ أي: اليمين المذكورة (مال امرىءٍ مسلم): فيأخذه من صاحبه،

стр. 3505

أو يأخذ قطعة من ماله باليمين التي (هو)؛ أي: الحالف (فيها)؛ أي: اليمين (فاجر)؛ أي: كاذب، ومنه حديثُ الصديقِ الأعظم: "إياكم والكذب؛ فإنه مع الفجور، وهما في النار" (١)، يريد: الميل عن الصدق وأعمال الخير، وحديثُ سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ لما استحمله أعرابي وقال: إن ناقتي قد نقبت، فقال له: كذبتَ، ولم يحمله، فقال: [من الرجز] أَقْسَمَ باللهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرْ ... مَا مَسَّهَا مِنْ نَقَبٍ وَلَا دَبَرْ فَاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فَجَرْ (٢) أي: كذب، ومال عن الصدق (٣). (لقي الله) ، (وهو) (عليه)؛ أي: الحالفِ الفاجرِ (غَضبانُ): جملة حالية. وفي حديث وائل بن حجر عند مسلم، وأبي داود، والترمذي: "وهو عنه معرض" (٤). وفي رواية الأشعث بن قيس عند أبي داود، وابن ماجه: "إلا لقي الله وهو أجذم" (٥).
следующие страницы →