← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

وأجاب القرطبي باحتمال أن يكون الملَك قال ذلك في أثناء كلام سليمان (١)، وهو ممكن. وفي الحديث: دليل على اعتبار كون الاستثناء باللفظ دون النية، وهو متفق عليه إلا ما حكي عن بعض المالكية. وفيه: ما خُص به الأنبياء ﵈ من القوة على الجماع الدالِّ ذلك على صحة البنية وقوة الفحولية وكمال الرجولية، مع ما هم فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم، وقد وقع للنبي ﷺ من ذلك أبلغُ معجزة؛ لأنه مع اشتغاله بعبادة ربه وعلومه ومعالجة الخلق، مع كونه ﷺ متقلِّلًا من المآكل والمشارب المقتضية لضعف البدن وقلة الجماع، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في ليلة بغسل واحد، وهن إحدى عشرة امرأة، ويقال: إن كلَّ من كان أَتقى لله تكون شهوته أشدَّ؛ لأن الذي لا يتقي يتفرج بالنظر ونحوه. وأبعدَ من استدلَّ بالحديث على جواز الحلف مع غلبة الظن مع وجود القرينة المقوية لذلك. وفيه: جواز السهو على الأنبياء ﵈، وأن ذلك لا يقدح في مراتبهم العلية. وفيه: جواز إضمار المقسَم به في اليمين، لقوله: "لأطوفَنَّ"، مع قوله ﵇: "لم يحنث"، فدل على أن اسم الله فيه مقدَّر، فمن قال بجواز ذلك، فالحديث حجة له (٢).

стр. 3502

قلت: ذكره في "الفروع" تخريجًا حيث قال: "عليَّ يمينٌ لأفعلنَّ". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه لام القسم، فلا تُذكر إلَّا معه مظهَرًا أو مقدَّرًا (١). قال بعض علمائنا: ويؤيده قول سليمان بن داود ﵇: "لأطوفن الليلة على ستين امرأة"، وقال فيه النبي ﷺ : "لو استثنى، لم يحنث"، ونسب إليه الحنث، فدل أنه يمين، انتهى. وهذا على معتمد المذهب: أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد تقريرُه على لسان الشارع، ولم ينسخ. وفي الحديث: حجةٌ لنا وللحنفية من عدم اشتراط التصريح بمقسَم به، فمن قال: أحلف، أو حلفت، أو أشهد، أو شهدت، إلخ، فإنه يكون يمينًا عند الحنفية، وقيده علماؤنا والمالكية بالنية، وقال بعض الشافعية: ليس بيمين مطلقًا. وفيه: استعمال لو ولولا. وفيه: رعاية الأدب مع التكنية عما يستقبح ذكرُه؛ لقول سليمان ﵇: لأطوفنّ، بدل قوله: لأجامعن (٢)، والله الموفق.

стр. 3503

الحديث الخامس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطعُ بهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيَها فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ونَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية" (١).

стр. 3504

(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ حلف) من المكلفين (على يمينِ صَبْرٍ) (١) -بفتح الصاد المهملة وسكون الموحدة،- وفي رواية: "يمين مصبورة" (٢)، وهي التي يلزم بها، ويُحبس عليها، وكانت لازمةً لصاحبها من جهة الحكم، وقيل لها مصبورة، وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور؛ لأنه إنما صبر من أجلها؛ أي: حُبس، فوصفت بالصبر، وأضيفت إليه مجازًا (٣). (يقتطع): يفتعل من القطع، كأنه قطعه عن صاحبه (٤). (بها)؛ أي: اليمين المذكورة (مال امرىءٍ مسلم): فيأخذه من صاحبه،

стр. 3505

أو يأخذ قطعة من ماله باليمين التي (هو)؛ أي: الحالف (فيها)؛ أي: اليمين (فاجر)؛ أي: كاذب، ومنه حديثُ الصديقِ الأعظم: "إياكم والكذب؛ فإنه مع الفجور، وهما في النار" (١)، يريد: الميل عن الصدق وأعمال الخير، وحديثُ سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ لما استحمله أعرابي وقال: إن ناقتي قد نقبت، فقال له: كذبتَ، ولم يحمله، فقال: [من الرجز] أَقْسَمَ باللهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرْ ... مَا مَسَّهَا مِنْ نَقَبٍ وَلَا دَبَرْ فَاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فَجَرْ (٢) أي: كذب، ومال عن الصدق (٣). (لقي الله) ، (وهو) (عليه)؛ أي: الحالفِ الفاجرِ (غَضبانُ): جملة حالية. وفي حديث وائل بن حجر عند مسلم، وأبي داود، والترمذي: "وهو عنه معرض" (٤). وفي رواية الأشعث بن قيس عند أبي داود، وابن ماجه: "إلا لقي الله وهو أجذم" (٥).

стр. 3506

قلت: أصل حديث ابن مسعود ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: "من حلف على مال امرىءٍ مسلم بغير حَقٍّ، لقيَ الله وهو عليه غضبان". قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقَه من كتاب الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية، زاد في رواية بمعناه: قال: فدخل الأشعثُ بنُ قيسٍ الكنديُّ، فقال: ما يُحدِّثكم أبو عبد الرحمن؟ فقلنا: كذا وكذا، قال: صدق أبو عبد الرحمن، كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فذكر الحديث الآتي. قال: (ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧])؛ أي: يستبدلون بما عاهدوا عليه الله من الإيمان بالرسول، والوفاء بالأمانات (﴿وأيمانهم﴾) [آل عمران: ٧٧] الكاذبة (﴿وثمنًا قليلًا﴾) [آل عمران: ٧٧] من حطام الدنيا ومتاعها (الآية) ويجوز نصب الآية على أنها مفعول لفعل محذوف؛ أي: قرأ الآية، أو تمم الآية، أو كمل الآية، ونحو ذلك، ويجوز رفعُها على أنها مبتدأ وخبر لمبتدأ محذوف. وبقية الآية: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، قيل: إنها نزلت في أحبار يهود حيث حرفوا التوراة، وبدلوا نُعوتَ محمد ﷺ ، وحكمَ الأمانة، وغيرها، وأخذوا على ذلك الرشوة، وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق، فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به (١).

стр. 3507

وظاهر سياق حديث ابن مسعود هذا: أنها كانت نازلة قبل ذلك كما لا يخفى، نعم في كتاب الشهادات من "صحيح البخاري" بعد قوله: "وهو عليه غضبان": ثم أنزل الله تعالى تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية، ثم ذكر قصة الأشعث (١)، والله أعلم.

стр. 3508

الحديث السادس عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ"، فَقُلْتُ: إذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ يَقْتَطعُ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" (١). * * * (عن) أبي محمدٍ (الأَشْعَثِ) -بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة

стр. 3509

فعين مهملة مفتوحة فمثلثة-، (بنِ قيس)، وهو الأشجُّ كما قاله الذهبي في حاشية بخطه على "تاريخ ابن عساكر"، كما في البرماوي، بنِ معدي كرب بنِ معاويةَ بنِ جبلةَ بن عديِّ بنِ ربيعةَ بنِ معاوية بنِ الحارثِ الأصغرِ بنِ الحارثِ الأَكبرِ بنِ معاويةَ بنِ ثورٍ الكنديِّ، نسبة إلى كِنْدَة -بكسر الكاف وسكون النون-؛ لأنه من ولده، وكندة هو: ثور بن عقبة بن مرة بن أدد بنِ يَشْجُب، وسمي كندةَ؛ لأنه كندَ أباه نعمتَه؛ أي: كفرها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]. واسمُ الأشعث بن قيس ﵁: معدي كرب باسم جده، والأشعثُ لقبٌ له؛ لشعثٍ في رأسه، قاله ابن قتيبة (١). قدم الأشعث على النبي ﷺ في وفد كندة سنة عشر، وكان رئيسهم؛ لأنه كان رئيسًا في الجاهلية مطاعًا في قومه. قال الحافظ ابن الجوزي وغيرُه: وهو أول من مشت معه الرجال وهو راكب. وقال أبو عمر بن عبد البر: كان من ملوك كندة، وكان أيضًا وجيهًا في الإسلام، وارتد لما مات النبي ﷺ ، ثم عاد إلى الإسلام في خلافة الصديق بعدما أَحضره من اليمن مأسورًا، فإنه قال للصديق لما أراد قتله: استَبْقِني لحربك، وزوِّجني أختَك، فزوَّجه أخته، وهي أم فَرْوة بنتُ أبي قحافة، لها صحبة ورواية، فولدت للأشعث محمدًا وغيرَه، واسمُها هند، ومنهم من يقول: فروة بإسقاط أم، وفي حاشية بخط الذهبي على "تاريخ ابن عساكر": أن الذي زوجه بها أبو قحافة، قال: ولعله وكّل ابنه أبا بكر في ذلك.

стр. 3510

وخرج الأشعث مع سعد بن أبي وقاص إلى العراق، وشهد اليرموك بالشام، وبها أصيبت عينه، ثم القادسية بالعراق، والمدائن، وجلولاء، ونهاوند، وسكن الكوفة، ومات بها سنة أربعين بعد مقتل سيدنا علي ﵁ بأربعين ليلة، وقيل: قبله بيسير، توفي سنة اثنتين وأربعين، وصلى عليه سيدُنا الحسنُ بنُ عليّ -رضوان الله عليهما-، نقله صاحب "أسد الغابة" عن ابن منده، وردّه بأن الحسن لم يكن بالكوفة سنة اثنتين وأربعين؛ لأنه قد كان سلم الأمر إلى معاوية، نعم من قال: كان ذلك سنة أربعين، لا يستشكل صلاةَ الحسن عليه. روي له عن رسول الله ﷺ تسعة أحاديث، اتفق الشيخان منها على حديث واحد (١)، وهو الذي نحن بصدد شرحه. (قال) الأشعث بن قيس ﵁: (كان بيني وبينَ رجلٍ). قال النووي: اسم هذا الرجل: الجَنْشيش (٢) -بالجيم-، وقيل: -بالحاء المهملة-، وقيل: -المعجمة-، وكنيته: أبو الخير (٣).

стр. 3511

قال الشيرازي في "الغاية": اسمه معدان بن النعمان، له صحبة (١). وقال الطبري: له صحبة، ولا رواية عنه. وفي رواية: رجل يقال له: الجَنْشيش بن حصين، وهو -بالشين المعجمة المكررة على كل حال- وأوله مفتوح على كل حال كما قاله النووي. لكن قال الذهبي في "تجريده" في باب الجيم: إنه مثلث الخاء بالحركات الثلاث (٢). وحكى ابن عبد البر أنه -بضم الجيم (٣) -، وحكى عن نسخ "العمدة" أنه ضبط فيها -بكسر الجيم-، وكل هذا دليل على أنه بالتثليث كما قاله الذهبي. قال الحافظ الذهبي في باب الجيم: الجنشيش، وبالحاء، والخاء، وهو الذي قال للنبي ﷺ : أنت مِنّا، فقال: "أنا من ولد النضر بنِ كنانة لا نَقْفو أُمَّنا، ولا ننتفي من أبينا" (٤). وقيل: اسمه جرير بن معدان، ويقال: إن اسمه معدان. (خصومةٌ) بالرفع -: اسم كان مؤخر (في بئر) متعلق بخصومة، وفي رواية عند البخاري، وأبي داود، والترمذي: أن الحكومة بين الأشعث وبين رجل من اليهود (٥)، ويمكن بأن يجاب بأنهما واقعتان للأشعث.

стр. 3512

قال الأشعث ﵁: (فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ )؛ أي: رفعنا أمر خصومتنا إلى رسول الله ﷺ ، (فقال ﷺ : شاهداك)؛ أي: ليحضُر شاهداك على مقتضى دعواك، فإذا شهدا لك بالأرض أو البئر التي تدعيها، فهي لك، رفع شاهداك على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: المثبتُ لدعواك شاهداك، أو الحجةُ أو البينةُ لك شاهداك، ويجوز أن يكون شاهداك مبتدأ خبرٍ محذوف (١). (أو) كان لا بينة لك تشهد بمقتضى دعواك، فعليه (يمينُه) على نفي ما تدعيه عليه. وفي كتاب: الخصومات من "صحيح البخاري": لما قال عبد الله بن مسعود ﵁، قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين. . . ." الحديث، فقال الأشعث: فيَّ واللهِ! كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ، فجحدني، فقدمته إلى النبي ﷺ ، فقال لي رسول الله ﷺ : "لك بينة؟ "، قلت: لا، فقال لليهودي: احلف (٢)، (فقلت): يا رسول الله! (إذًا يحلف)؛ أي: حيث جعلت أن حلفه يخلصه مني، يحلف يمينًا وهو فيها كاذب، (ولا يبالي)؛ أي: ولا يكترث بتلك اليمين، تقول: لم أبل بالأمر، ولا أباله؛ أي: لا ألقي له بالًا، فمن قال: لم أبل حذفَ على غير قياس؛ لأن اللام متحركة، وأدخله صاحب "العين" في باب المعتل بالواو. وقال سيبويه: في بالت كأنها بالية؛ كعافية، فحذفت الياء، ونُقلت حركتها إلى اللام.

стр. 3513

والبال: الاكتراث والاهتمام بالشيء، والبال أيضًا: الحال، ومنه: وما بال الناس؟ وفلان خليُّ البال، وناعمُ البال، كله راجع إلى الحال كما في "المطالع" (١). (فقال رسول الله ﷺ ) عند ذلك: (من حلف على يمين صَبْرٍ)، وهي الغموس (يقتطع بها)؛ أي: اليمينِ الغموسِ (مال امرىءٍ مسلم)، وكذا مال ذمي ومعاهد (هو)؛ أي: الحالف (فيها)؛ أي: اليمين (فاجر)؛ أي: كاذب (لقي الله) تعالى (وهو) -جل شأنه- (عليه)؛ أي: الحالفِ الكاذبِ (غضبانُ)، وهي جملة اسمية وقعت حالًا. وفي لفظ من حديث ابن مسعود في "الصحيحين": "من حلف على مال امرىء مسلم بغير حق" (٢). وعن الأشعث بن قيس ﵁: أن رجلًا من كندة، وآخر من حضرموت اختصما إلى رسول الله ﷺ في أرض من اليمن، فقال الحضرمي: يا رسولَ الله! إن أرضي اغتصبها أبوه، فتهيأ الكنديُّ لليمين، فقال رسول الله ﷺ : "لا يقتطعُ أحدٌ مالًا بيمينٍ، إلا لقيَ اللهَ وهو أجذَمُ"، فقال الكندي: هي أرضُه، رواه أبو داود، واللفظ له، وابن ماجه مختصرًا (٣). وأخرج الإمام أحمد بإسناد حسن، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في "الكبير" من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: اختصم رجلان إلى النبي ﷺ في أرض، أحدُهما من حضرموت، قال: فجعل يمينَ

стр. 3514

أحدِهما، فضج الآخر، وقال: إذًا يذهب بأرضي، فقال: "إن هو اقتطعها بيمينه ظلمًا، كان ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يزكيه، وله عذاب أليم"، قال: وورع الآخر، فردها (١). ورواه الإمام أحمد أيضًا بنحوه من حديث عدي بن عميرة، إلا أنه قال: خاصم رجل من كندة يقال له امرؤ القيس بن عباس رجلًا من حضرموت، فذكره، ورواته ثقات (٢). وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ قال: "الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس" (٣). وفي رواية: أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله"، قال: ثم قال: "اليمين الغموس"، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذي يقتطع مال امرىء مسلم"؛ يعني: بيمين "هو فيها كاذبٌ" رواه البخاري، والترمذي، والنسائي (٤). قال العلماء: سميت اليمين الكاذبة التي يحلفها الإنسان متعمدًا يقتطع بها مال امرىء مسلم عالمًا أن الأمر بخلاف ما يحلف: غَمُوسًا -بفتح الغين

стр. 3515

المعجمة-؛ لأنها تغمس الحالف في الإثم في الدنيا، وفي النار في الآخرة (١). وروى الترمذي وحسنه، والطبراني في "الأوسط"، وابن حبان في "صحيحه"، واللفظ له، والبيهقيُّ من حديث عبد الله بن أنيس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكبر الكبائر الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، واليمينُ الغموسُ، والذي نفسي بيده! لا يحلف رجلٌ على مثل جَناح بعوضة، إلا كانت نكتة في قلبه يوم القيامة". ولفظ البيهقي: "ما حلف حالف بالله يمينَ صبرٍ، فأدخل فيها مثلَ جناح البعوضة، إلا كانت نكتةً في قلبه يوم القيامة". ولفظ الترمذي: "وما حلف حالف بالله يمين صبر" كلفظ البيهقي (٢). تنبيهات: الأول: اختلف الفقهاء في اليمين الغموس هل لها الكفارة؟ فمعتمد مذهب الإمام أحمد، وكذا عند أبي حنفية، ومالك ﵃: لا كفارة لها؛ لأنها أعظمُ من أن تكفَّر. وقال الإمام الشافعي، وكذا الإمام أحمد في الرواية الثانية: تُكَفَّر (٣). احتج للأول بما رواه الحاكم في "صحيحه"، وقال: على شرطهما، عن ابن مسعود ﵃، قال: كنا نَعُدُّ من الذنب الذي ليس له

стр. 3516

كفارة: اليمينَ الغموسَ، قيل: وما اليمينُ الغموس؟ قال: الرجل يقتطع بيمينه مال الرجل (١). وروى الإمام أحمد، وأبو الشيخ بإسناد حسن من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "خمسٌ ليس فيهن كفارة: الشركُ بالله، وقتلُ النفس بغير حق، وبَهْتُ المؤمن، والفرارُ يومَ الزحف، ويمينٌ صابرة يقتطعُ بها مالًا بغير حق" (٢)، ولأنها لا يقصد بها الانعقاد، فلا تجب بها الكفارة؛ كاللغو، ولأن الكفارة شُرعت لرفع الإثم، وهذه لا يرتفع إثمها بالكفارة، فلا فائدة لإيجاب الكفارة، لأنه لا أثر لها (٣). وفي "الفروع" ما نصه: وعنه -يعني الإمام أحمد-: تُكَفَّر؛ يعني: اليمينَ الغموس التي حلفَ بالله على فعل ماضٍ وهو كاذبٌ يعلم كذبه (٤). وفي "شرح المحرر": والرواية الثانية عن الإمام أحمد: وتجب الكفارة مع الإثم؛ لأنه وجدت منه اليمينُ والمخالفةُ مع القصد، فلزمه موجبُها؛ كاليمين بالطلاق والعتاق والظهار والحرام والنذر؛ فإن هذه كلها يلزمه فيها موجبُها، كذلك اليمين بالله، انتهى. قال في "الفروع": واحتج غير واحد على عدم التكفير بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية، فكيف يقال: إن الجزاء غير هذا؟ وإن الكفارات تمحِّص هذا؟

стр. 3517

قال: وقال شيخنا؛ يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية -طيب الله ثراه-: من قال: تكفّر الغموس، قال: تكفّر الغموسُ في نحو طلاق وعتاق، وكذا كاذبٌ في لعانه. وأما من قال: لا كفارة في اليمين الغموس، وأن اليمين بالنذر والكفر وغيرهما يكفر، فلهم في اليمين الغموس بذلك قولان: أحدهما: يلزمه ما التزمه من نذر وكفر وغيرهما، قاله بعض الحنفية وبعض الحنبلية، وقاله محمد بن مقاتل -يعني: الحنفي- في الحلف بالكفر، وقاله جدنا أبو البركات في الحلف بالنذر ونحوه، وهؤلاء يحتجون بقوله ﷺ : "من حلف بملة غيرِ الإسلام كاذبًا، فهو كما قال" (١) -كما يأتي في الحديث الآتي-. وقول الأكثرين: إنه لا يلزمه ما التزمه في اليمين الغموس إلا إذا كان يلزمه ما التزمه في اليمين المستقبل؛ لأنه في جميع صور الأيمان لم يقصد أن يصير كافرًا ولا ناذرًا ولا مطلِّقًا ولا معتِقًا، وإنما قصدُه في الماضي التصديق أو التكذيب، وأكده باليمين؛ كما يقصد الحض والمنع في الأمر أو النهي، وأكده باليمين، ولهذا لم يَكْفُر الغموس إجماعًا؛ لأنه لم يقصد نفي حرمة الإيمان بالله، لكن فعل كبيرة مع اعتقاد أنها كبيرة (٢). والحاصل: أن معتمد المذهب: عدمُ وجوب الكفارة في اليمين على أمر ماض؛ لأنه إذا كان كاذبًا يعلم ذلك، فهي الغموس، وإن كان يظن

стр. 3518

صدقَ نفسه، فلم يكن، لم يحنث (١)، والله الموفق. الثاني: استدل بعض الكوفيين بقوله ﷺ : "شاهداك، أو يمينه" على رد القضاء باليمين لإفادة الحصر، وأجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر بأن المراد بقوله ﵇: "شاهداك"؛ أي: بينتك، سواء كانت رجلين، أو رجلًا وامرأتين، أو رجلًا ويمينَ الطالب (٢). واعترضه البدر العيني بأنه تأويل غير صحيح (٣). قلت: وهذه مسألة اشتهر فيها الخلاف بين الفقهاء، فمذهب ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وعطاء، والنخعي، والشعبي، والأوزاعي، والكوفيين، وغيرهم: عدمُ الالتفات للشاهد ويمين الطالب، ويقولون: نص الكتاب العزيز في باب الشهادة: رجلان، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان، قالوا: فالحكم بشاهد ويمين مخالفٌ للنص، فلا يجوز، والأخبار التي وردت بشاهد ويمين أخبار آحاد، فلا يُعمل بها عند مخالفتها للنص؛ لأنه لا يكون نسخًا، قالوا: ونسخُ الكتاب بخبر الواحد لا يجوز. وقال الحافظ ابن حجر في الرد عليهم: النسخ: رفعُ الحكم، ولا رفعَ هنا، وأيضًا: الناسخُ والمنسوخ لابد أن يتواردا على محل واحد، وهذا غير متحقق في الزيادة على النص (٤). واعترضه البدر العيني بما يطول ذكره من أقسام النسخ، وأن هذا من نسخ الوصف (٥)، انتهى.

стр. 3519

وقال الإمام ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية": الحكم بالشاهد واليمين مذهبُ أهل الحديث وفقهاء المحدِّثين، ومذهبُ فقهاء الأمصار في المال، وما يُقصد به المال؛ كالبيع والشراء والجعالة والمزارعة والشركة وتوابعها، والإجارة والمساقاة والجنايات التي موجبها المال، ونحو ذلك، ما خلا أبا حنيفة وأصحابه، وقد روى مسلم في "صحيحه" من حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قضى بشاهد ويمين. قال عمرو: في الأموال (١). قال الإمام الشافعي: حديث ابن عباس ثابت، ومعه ما يشدّه. قال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعيَّ يقول: قال لي محمدُ بن الحسن: لو علمت أن سيف بن سليمان يروي حديث اليمين مع الشاهد، لأفسدته، فقلت: يا أبا عبد الله! وإذا أفسدته، فسد (٢). وقال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن سيف بن سليمان، قال: هو عندنا صدوق ويحفظ، كان ثبتًا (٣). ورواه أبو داود من حديث عبد الرزاق، أخبرنا محمد بن مسلم عن عمرو (٤)، ورواه الشافعي (٥)، وغيره (٦).

стр. 3520

قال في "التمييز": حديث ابن عباس صحيح لا يرتاب في صحته، وقال ابن عبد البر: لا مطعن لأحد في صحته ولا إسناده (١)، ورواه الترمذي، وأبو داود، والشافعي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، قال الترمذي: حديث حسن غريب (٢). قال ابن القيم: وقد روي القضاء بالشاهد مع اليمين من رواية عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسعد بن عبادة، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وزيد بن ثعلبة، وجماعة من الصحابة ﵃. وقال أبو بكر الخطيب في مصنف أفرده لهذه المسألة: روي عن رسول الله ﷺ : أنه قضى بشاهد ويمين، وذكرَ الصحابةَ المتقدَم ذكرُهم، وزاد: عمارة بن حزم، وسرق، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو، وأبا سعيد الخدري، وعامر بن ربيعة، وسهلَ بن سعد، الساعدي، وعمرو بن حزم، وبلال بن الحارث، وتميمًا الداري، ومسلمةَ بن قيس، وأنس بن مالك ﵃، ثم ذكر أحاديثهم بأسانيده. وفي مراسيل مالك: عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد الواحد (٣).

стр. 3521

وقضى به عليٌّ بالعراق. وروى البيهقي من حديث جعفر الصادق بن محمد الباقر، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁: أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يقضون بالشاهد الواحد ويمين المدعي، قال جعفر ﵁: والقضاة يقضون بذلك عندنا اليوم (١). وذكر أبو الزناد عن عبد الله بن عامر، قال: حضرتُ أبا بكر، وعمرَ، وعثمان يقضون بشهادة الشاهد واليمين (٢). وقال الزنجي: حدثني جعفر بن محمد، قال: سمعت الحكمَ بنَ عيينة يسأل أبي -وقد وضع يده على جدار القبر ليقوم-: أقضى النبيُّ ﷺ باليمين مع الشاهد؟ قال: نعم، وقضى به عليٌّ بين أظهُرِكم (٣). وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالكوفة: اقضِ بالشاهد مع اليمين؛ فإنها السنة، رواه الشافعي (٤). قال الإمام الشافعي: واليمين مع الشاهد لا يخالف من ظاهر القرآن شيئًا؛ لأنا نحكم بشاهدين، وشاهد وامرأتين، فإذا كان شاهد، حكمنا بشاهد ويمين، وليس ذلك بمخالف للقرآن (٥)؛ لأنه لم يُحرِّمْ أنه يجوز أقلُّ

стр. 3522

مما نص عليه في كتابه، ورسولُ الله ﷺ أعلمُ بما أراد الله، وقد أمرنا الله تعالى أن نأخذ ما آتانا. قال الإمام ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية": وليس في القرآن ما يقتضي أنه لا يُحكم إلا بشاهدين، أو شاهد وامرأتين؛ فإن الله تعالى إنما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النصاب، ولم يأمر بذلك الحكامَ أن يحكموا به، فضلًا عن أن يكون قد أمرهم أَلَّا يقضوا إلا بذلك، ولهذا يحكم الحاكم بالنكول واليمين المردودة عند من يرى ذلك، والمرأة الواحدة، والنساء المنفردات لا رجلَ معهن، وبمعاقد القمط، ووجوه الأُجر عند الحنفية، ومن يرى ذلك، وغير ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن، فإن كان الحكم بالشاهد واليمين مخالفًا لكتاب الله، فهذا أشد مخالفة لكتاب الله تعالى منه، وإن لم تكن هذه الأشياء مخالفة للقرآن، فالحكمُ بالشاهد واليمين أولى ألا يكون مخالفًا للقرآن، وطرقُ الحكم شيء، وطرقُ حفظ الحقوق شيء، وليس بينها تلازم، فتُحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم مما يعلم صاحب الحق أنه يحفظ به، ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه، ولا خطر على باله؛ من نكولٍ، وردّ يمين، وغيرِ ذلك، والقضاءُ بالشاهد واليمين مما أراه الله تعالى لنبيه ﷺ ؛ فإنه سبحانه قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقد حكم بالشاهد واليمين، فهو مما أراه الله إيّاه قطعًا. ومن العجب ردّ الشاهد واليمين والحكم بمجرد النكول الذي هو سكوت، ولا ينسب إلى ساكت قول، والحكم لِمُدّعي الحائط إذا كانت إليه الدواخل والخوارج، وهو الصحاح من الآجر، أو إليه معاقد القمط في

стр. 3523

الخص، كما يقوله أبو يوسف، فأين هذا من الشاهد الواحد العدل المبرز في العدالة الذي يكاد يحصل العلم بشهادته إذا انضاف إليها يمين المدعي (١)؟ قال في "الطرق الحكمية": ومعلوم أن الشاهد العدل واليمين أقوى في الدلالة والبينة من ثلاثة جذوع على الحائط الذي ادعاه، فإذا أقام جاره شاهدًا، وحلف معه، كان ذلك أقوى من شهادة الجذوع، وقد نسب إلى البخاري إنكار الحكم بشاهد ويمين؛ لقوله في باب: يمين المدعى عليه، من كتاب: الشهادات من "صحيحه": قال لي قتيبة: حدثنا سفيان، عن ابن شبرمة، قال: كلمني أبو الزناد في شهادة الشاهد ويمين المدعي، فقلت: قال الله تعالى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ما كان يصنع بهذه الأخرى (٢)، فترجمة الباب بأن اليمين من جهة المدعى عليه، وذكر هذه المناظرة وعدم رواية حديث أو أثر في الشاهد، واليمين ظاهر في أنه لا يذهب إليه، وهذا ليس بصريح في أنه مذهبه. ولو صرَّح به، فالحجة فيما رواه، لا فيما رَآهُ، وذكر أبو بكر في "الشافي" من رواية حنبل: سمعت أبا عبد الله؛ يعني: الإمام أحمد ﵁ يقول في الشاهد واليمين: جاز الحكم به، فقيل لأبي عبد الله: أي شيء معنى اليمين؟ قال: قضى النبي ﷺ بشاهد ويمين؛ قال: وهم لعلهم يقضون في مواضع بغير شهادة شاهد في مثل رجل اكترى من

стр. 3524

رجل دارًا، فوجد صاحبُ الدار في الدار شيئًا، فقال: هذا لي، وقال الساكن: هي لي، ومثل رجل اكترى من رجل دارًا، فوجد بها دفونًا، فقال الساكن: هي لي، وقال صاحب الدار: هي لي، فقيل: لمن يكون؟ فقال: هذا كله لصاحب الدار. وقال في رواية طالب: هم -يعني: المانعين شهادة الرجل الواحد ويمينَ المدعي- يقولون: لا تجوز شهادة رجل واحد ويمين صاحب الحق، ويجيزون شهادة المرأة الو احدة، ويجيزون الحكم بغير شهادة، مثل الخص إذا ادّعاه رجلان، يعطونه للذي القمطُ مما يليه، فمن قضى في هذا، وفي الحائط إذا ادّعاه رجلان، نظروا إلى اللبنة للتي من هي، فقضوا به لأحدهما بلا بينة، والقابلة تُقبل شهادتها في استهلال الصبي، فهذا يدخل عليهم، والله أعلم. الثالث: إذا قضى بالشاهد واليمين، فالحكم بالشاهد وحده، واليمين تقوية وتأكيد، هذا منصوص الإمام أحمد ﵁، فلو رجع الشاهد، كان الضمان كله عليه، قال الخلال في "الجامع" من رواية ابن شيس: سئل الإمام أحمد عن الشاهد واليمين تقول به؟ قال: إي لعمري! قيل له: فإن رجع الشاهد؟ قال: تكون الألف على الشاهد وحده، قيل له: كيف لا يكون على الطالب؛ لأنه استحق بيمينه، ويكون بمنزلة الشاهد؟ قال: لا، إنما هو السنة -يعني: اليمين-. وقال في رواية الأثرم: ما تلف بالشهادة فعلى الشاهد، ليست اليمين من الشهادة في شيء. قال أبو الحارث: قلت لأحمد: فإن رجع الشاهد عن شهادته بعدُ؟ قال: يضمن المال كلَّه، بِهِ كان الحكم.

стр. 3525

وقال مالك والشافعي: إنما يضمن النصف بناء على أن اليمين قامت مقام الشاهد، فوقع الحكم بهما. والإمام أحمد أنكر ذلك لوجوه: منها: أن يمين صاحب الحق لو كانت كالشاهد، لجاز تقديمها على شهادته؛ كالشاهد الآخر. ومنها: أن اليمين قول الخصم، وقوله ليس بحجة على خصمه، وإنما هو شرط للحكم، واتباع للسنة، فجرى مجرى مطالبة الحاكم به (١)، والله تعالى الموفق.

стр. 3526

الحديث السابع عَنْ ثَابتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بشِيءِ، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَليْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُه" (١). وَفي رِوَايةٍ: "ولَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ" (٢).

стр. 3527

وَفِي رِوَايةٍ: "مَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّا قِلَّةً" (١). (عن ثابت بن الضحاك) بنِ خليفةَ بنِ ثعلبةَ بنِ عديِّ بنِ كعبِ بنِ عبدِ الأشهلِ الأشهليِّ الأوسيِّ (الأنصاري ﵁). روي له عن رسول الله ﷺ أربعة عشر حديثًا؛ اتفقا على هذا الحديث، وانفرد مسلم بحديث، وكان ممن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان، سكن بالشام، وانتقل إلى البصرة، ومات سنة خمس وأربعين، وقيل: إنه مات في فتنة ابن الزبير. قال ابن منده: توفي النبي ﷺ وهو ابن ثمان وستين سنة (٢). وقيل: إن راوي هذا الحديث ثابتُ بنُ الضحاكِ بنِ أميةَ بنِ ثعلبةَ بنِ

стр. 3528

جُشَمَ بنِ مالكِ بنِ سالمِ بنِ عمرِو بنِ عوفِ بنِ الخزرجِ الأنصاريُّ الخزرجيُّ، ورُدَّ بأن الخزرجيَّ له رواية، ولا رواية له، والخلاف في ذلك طويل، لكن الراجح ما ذكرناه ملخصًا. (أنه)؛ أي: ثابت بن الضحاك ﵁ (بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة)، وهي سَمُرَة -بفتح المهملة وضم الميم- من شجر الطلح، وهو نوع من العضاه (١). ولم تزل تلك الشجرة إلى مدة خلافة أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، فبلغه أن أناسًا يذهبون إليها، ويصلُّون تحتها، ويتبرَّكون بها، فأمر ﵁ بها، فقطعت، والحكمة في قطعِها، وإخفاءِ مكانها: خشية أن يحصل بها افتتان؛ لما وقع تحتها من الخير، وكانت تسمى: شجرةَ البيعة، وشجرةَ الرّضوان، فلو بقيت، لما أمن من تعظيم الجُهَّال لها، حتى ربما أفضى بهم الجهلُ إلى أنه بها قوةَ نفع وضرّ، كما هو شأن أبناء الزمان من فرط التعظيم والافتتان بما هو دونها من الشجر والبقاع، ونحوها لمجرد رؤية منام، أو كذبة كذّاب أنه رأى هناك شيخًا أو رجلًا صالحًا ممن يعتقدونه، حتى لقد بنيت المشاهد والصوامع لزعم زاعم: أنه رأى الخضر، أو إلياس، أو غيرهما بمكان كذا، والله أعلم. قال ثابت ﵁: (وأن رسول الله ﷺ قال)؛ أي: سمعه يقول، وقوله: إنه بايع تحت الشجرة توطئة وتمهيد لإثبات صحبته ﵁: (من حلف على يمين بملَّةٍ) جمعها مِلَل -بكسر الميم جمعًا وإفرادًا-، وهي الدين والشريعة، وهي نكرة في سياق النفي، فتعم جميع

стр. 3529

الملل من أهل الكتاب وغيرهم (١) (غيرِ) ملةِ (الإسلامِ) الذي بعث اللهُ به نبيَّه ﷺ رحمة للأنام، وعصمةً من الكفر والآثام، حالَ كونِ الحالف بتلك الملة، وأطلق الحلف عليه لمشابهته الحلف، إذ الحلف بالشيء حقيقة هو القسَمُ به، وإدخال البعض حروفَ القسم عليه كقوله: والله، والرحمن، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمين؛ كقوله: من حلف بالطلاق، والمراد: تعليق الطلاق؛ لأنه مثله في اقتضاء الحنث أو المنع، فالمراد هنا: المعنى الثاني؛ بدليل قوله: (كاذبًا) في حلفه (متعمدًا) لذلك (٢). وفي بعض طرق البخاري: "من حلف بغير ملة الإسلام (٣)، (فهو كما قال) "؛ يعني: أنه إن كان قال: هو يهودي، فهو يهودي، أو هو نصراني، فهو نصراني. وتقدم حديث أبي هريرة ﵁ عند الحاكم وغيره (٤). وحديث بريدة ﵁ مرفوعًا: "من قال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا، فهو كما قال، وإن كان صادقًا، فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا" رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، ورواه الإمام أحمد والنسائي بإسناد جيد (٥). واعلم أن معتمد المذهب فيمن حلف بملة اليهود أو النصارى بأن قال: هو يهودي إن فعل كذا، أو نصراني إن لم يفعل كذا، أو نحو ذلك: أنه أتى

стр. 3530

محرَّمًا، وعليه كفارة يمين إن خالف؛ بأن فعل ما حلف على تركه، أو تركَ ما حلف على فعله حيث يحنث (١)؛ لما في حديث زيد بن ثابت ﵁: أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي، أو بريء من الإسلام في اليمين يحلف بها، فيحنث في هذه الأشياء، فقال: "عليه كفارة يمين" رواه أبو بكر (٢)؛ كقوله: إن كنت فعلت كذا، فهو يهودي. وتعلق من لم ير فيه كفارة بعدم ذكر الكفارة فيه، بل جعل المرتب على كذبه قوله: "فهو كما قال". قال ابن دقيق العيد: ولا يكفر في صورة الماضي إلا إن قصد التعظيم، وفيه خلاف عند الحنفية؛ لكونه تنجيز معنى، فصار كما قال: هو يهودي. ومنهم من قال: إن كان يعلم أنه يمين، لم يكفر، وإن كان يعلم أنه يكفر بالحنث به، كفر؛ لكونه رضي الكفر حيث أقدم على الفعل. وقال بعض الشافعية: ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبًا. قال ابن دقيق العيد: والتحقيقُ التفصيل، فإن اعتقدَ تعظيمَ ما ذكر، كفر، وإن قصد حقيقة التعليق، فينظر، فإن كان أراد أن يكون متصفًا بذلك، كفر؛ لأن إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد: البعد عن ذلك، لم يكفر،

стр. 3531

ولكن هل يحرم عليه ذلك، أو يكره تنزيهًا؟ الثاني هو المشهور، انتهى (١). لأن قوله ذلك فيه هتك الحرمة، فكان يمينًا؛ كالحلف بالله سبحانه؛ بخلاف: هو فاسق إن فعل كذا؛ لإباحته في حال. وكذا لا كفارة في قوله: عصيت الله، أو أنا أعصي الله في كل ما أمرني، أو محوت المصحف، لكن اختار الإمام المجد في "المحرر": أنه إذا قال: عصيت الله في كل ما أمرني به: أنه يمين؛ لدخول التوحيد فيه (٢). وقال ابن عقيل في قوله: محوت المصحف: هو يمين؛ لأن الحالف لم يقصد بقوله: محوته إلا إسقاطَ حرمته، فصار كقوله: هو يهودي، لكن معتمد المذهب: لا كفارة (٣). قال ثابت بن الضحاك: ﵁: (و) قال ﷺ : (من)؛ أي: كل إنسان مكلَّف (قتلَ نفسه بشيء) زاد مسلم: "في الدنيا" (٤) من أنواع ما يقتل به من سلاح أو طعام أو شراب من أجناس السميات، قاصدًا بذلك هلاك نفسه (عُذِّبَ) بالبناء للمفعول؛ أي: عذبه الله سبحانه (به)؛ أي: بالشيء الذي قتل به نفسَه (يومَ القيامة) زاد مسلم: "في نار جهنم" (٥) جزاء وفاقًا. وفي "الصحيحين" وغيرِهما من حديث أبي هريرة ﵁،

стр. 3532

قال: قال رسول الله ﷺ : "من تَرَدَّى من جبلٍ، فقتلَ نفسَه، فهو في نار جهنم يتردَّى فيها خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سُمًّا، فقتلَ نفسَه، فسُمُّه في يده يتحَسَّاه في نار جهنم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدتُه في يده يتوجَّأُ بها في نار جهنم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا" (١). قوله في الحديث: "من تردى"؛ أي: رمى نفسه من الجبل أو غيره، فهلك، وقوله: "يتوجأ" -مهموزًا-؛ أي: يضرب بها نفسه (٢). وفي "البخاري" عن أبي هريرة أيضًا، قال: قال رسول الله ﷺ : "الذي يخنقُ نفسَه يخنقُها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار، والذي يقتحم يقتحم في النار" (٣). وفي "الصحيحين" من حديث جندب بن عبد الله ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: "كان رجلٌ به جراحٌ، فقتل نفسه، فقال الله: بَدَرني عبدي بنفسِه، فحرَّمت عليه الجنّة" (٤). وفي رواية: "كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جرح، فجزع، فأخذ سكينًا، فَحَزَّ بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله: بادرني عبدي بنفسه. . . ." الحديث (٥).

стр. 3533

ومجمل هذه الأحاديث عند الجمهور على الزجر والتخويف، أو على طول اللبث في نار جهنم، أو على المستحِلِّ، والله الموفق. (و) قال ﷺ : (ليس على رجل)؛ أي: شخص؛ إذ لا خصوص للرجل، بل مثله المرأة (نَذْرٌ) يعتبر شرعًا (فيما)؛ أي: في الشيء الذي (لا يملكه)؛ لعدم صحة تصرف الشخص في ملك غيره بغير إذنه من غير موجب شرعي؛ كما يأتي الكلام على النذر قريبًا. (وفي رواية) في "الصحيحين" من حديث ثابت ﵁: (ولعنُ) الشخصِ (المؤمنِ) من ذكر أو أنثى (كقتلِه)؛ أي: في التحريم، أو في الإبعاد؛ إذ اللعنةُ تبعيد من رحمة الله، والقتلُ تبعيد من الحياة الحسية (١). وقال في "الفتح": لأنه إذا لعنه، فكأنه دعا عليه بالهلاك (٢)، واللعنُ كما في "النهاية": الطرد والإبعاد من الله تعالى، ومن الخلق السب والدعاء (٣). وفي "القاموس": لعنه؛ كمنعه: طرده وأبعده، فهو لعين وملعون، والجمع ملاعين، والاسم اللَّعان واللَّعانية، [واللَّعنة - مفتوحاتٍ]، واللُّعْنة -بالضم-: مَنْ يلعنه الناس، وكهُمَزَة: الكثير اللعن لهم، وامرأة لَعينٌ، فإذا لم تذكر الموصوفة، فبالهاء (٤).

стр. 3534

وفي لغة الإقناع: لعنه لعنًا؛ من باب نفع: طرده وأبعده، أو سبه (١). وفي "الطبراني" بإسناد جيد من حديث سلمة بن الأكوع ﵁، قال: كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه، رأينا أنه قد أتى بابًا من الكبائر (٢). وأما لعنُ الكافر، فيجوز عامًا، وفي لعن المعيَّنِ روايتان عن الإمام أحمد ﵁. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولعنُ تاركِ الصلاة على وجه العموم جائزٌ، وأما لعنةُ المعيَّنِ، فالأولى تركُها؛ لأنه يمكن أن يتوب (٣). وقال في موضع آخر: في لعنِ المعيَّن من الكفار من أهل القبلة وغيرهم، ومن الفساق بالاعتقاد أو بالعمل، لأصحابنا فيها أقوال: أحدها: أنه لا يجوز بحال، وهو قول أبي بكر عبد العزيز. والثاني: يجوز في الكافر دون الفاسق. والثالث: يجوز مطلقًا (٤). قال الإمام الحافظ ابن الجوزي: وقد لعن الإمام أحمد ﵁ مَنْ يستحق اللعن، فقال في رواية مسدد: قالت الواقفية الملعونة، والمعتزلة الملعونة، وقال: على الجهمية لعنةُ الله. وكان الحسن البصري يلعن الحَجَّاج.

стр. 3535

والإمام أحمد يقول: الحَجَّاجُ رجل سوء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس في هذا عن الإمام أحمد لعنةُ معيَّن، لكن قول الحسن نعم. وقال في قول القاضي في كتابه "المعتمد": إن مَنْ حكمنا بكفرهم من المتأوِّلين وغيرِهم، فجائز لعنتُهم، نص عليه، وذكر أنه -يعني: الإمام أحمد- قال في اللفظية: على من جاء بهذا لعنة الله عليه، غضب الله، وذكر أنه قال عن قوم: هتك الله الخبيث، وعن قوم: أخزاهم الله، وقال في آخر: ملأ الله قبره نارًا: لم أره -يعني: القاضي- نقل عن الإمام أحمد لعنة معينة، إلا لعنة نوع، أو دعاء على معين بالعذاب، أو سَبًّا له. قال القاضي: فأما فساق الملة بالأفعال؛ كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وقتل النفس، ونحوهم، فهل يجوز لعنهم أو لا؟ توقف الإمام أحمد ﵁ عن ذلك. وفي رواية صالح: قلت لأبي: الرجلُ يُذْكَرُ عنده الحَجَّاجُ أو غيرُه، يلعنُه؟ فقال: لا يعجبني، لو عَمَّ، ألا لعنةُ الله على الظالمين. وقال أبو طالب: سألت أحمد ﵁ عَمَّنْ نال يزيدَ بنَ معاوية، فقال: لا تكلم في هذا، قال النبي ﷺ : "لعنُ المؤمنِ كقتله"، قال: فقد توقف عن لعنة الحجاج مع ما فعله، ومع قوله: الحجاجُ رجل سوء، وتوقف عن لعنة يزيدَ مع قوله عنه في رواية مهنا: هو الذي فعل بالمدينة ما فعل، قتلَ بالمدينة من أصحاب رسول الله ﷺ ، ونهبَها، لا ينبغي لأحد يكتب حديثه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المنصوص عن الإمام أحمد: اللعنُ

стр. 3536

المطلقُ العامُّ، لا المعيَّنُ؛ كما قلنا في نصوص الوعيد والوعد، وكما نقول في الشهادة بالجنة والنار لمن شهد له الكتاب والسنة، ولا نشهد بذلك لمعين إلا لمن شهد له النص، وشهدت له الاستفاضة على قول؛ فالشهادة في الخبر كاللعن في الطلب، والخبر والطلب نوعا الكلام (١). ولهذا قال النبي ﷺ : "إن الطعانين واللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة". وفي لفظ: "لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة" (٢). قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد": لأن اللعن إساءة، والشفاعة إحسان، فالمسيء في هذه الدار باللعن يسلبه الله الإحسانَ في الآخرة بالشفاعة، فإن الإنسان إنما يحصد ما يزرع، والإساءة مانعة من الشفاعة التي هي إحسان. وأما منع اللعن من الشهادة، فإن اللعن عداوة، وهي منافية للشهادة، ولهذا كان النبي ﷺ سيدَ الشفعاء، وشفيعَ الخلائق؛ لكمال إحسانه ورأفته ورحمته بهم ﷺ (٣). (وفي رواية) لمسلم: (من ادعى دعوى)؛ كحُبلى وذِفْرى، تقول: ادعيت على فلان كذا ادعاءً، والاسم: الدعوى، وهي طلب الشيء زاعمًا ملكَه (٤) (كاذبة) يشمل بعمومه سائر الدعاوى الباطلة؛ من المال والعلم

стр. 3537

والتعلم، والنسب والحال والصلاح، وغير ذلك، وكلما زاد [ت] المفسدة بتلك الدعوى، زاد التحريم، ولابدّ من قيد العلم؛ بأن يكون عالمًا بأن تلك الدعوى التي ادعاها كاذبة، وظاهر الحديث يشعر بذلك؛ (ليتكثَّرَ)؛ أي: يطلب الكثرة والرفعة والتعاظم (بها)؛ أي: بتلك الدعوى على غيره (لم يزدْه اللهُ) (إلا قلَّة) وحقارةً؛ جزاءً منه -سبحانه-، وعقوبة له بعكس ما قصد؛ لإجراء عادته -جل شأنه- أن كل من طلب الرفعة والعز بمعصيته، كان جزاؤه الاحتقارَ والذلَّ. وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أنه ﷺ قال: "من تواضعَ لله درجةً، يرفعْهُ الله درجةً حتى يجعلَه في أعلى عِلِّيِّينَ، ومن تكبَّرَ على الله درجةً، يضعْهُ الله درجةً حتى يجعله في أسفلِ سافلين. . . ." الحديث، رواه ابن ماجه، وابن حبان في [صحيحه] (١). وفي حديث أبي هريرة في "أوسط الطبراني" مرفوعًا: "من تواضعَ لأخيه المسلم، رفَعه الله، ومن ارتفع عليه، وضعَه اللهُ" (٢). وفي الطبراني من حديث ابن مسعود ﵁، قال: "من يُراءِ يُراءِ اللهُ به، ومن يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللهُ به، ومن تطاولَ تعظيمًا يخفضْه الله، ومن تواضعَ خشيةً يرفعْه الله" (٣). وفي حديث عقبة بنِ عامرٍ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 3538

"إن أنسابَكم هذه ليست نسباتٍ على أحد، وإنما أنتم ولدُ آدمَ طَفَّ الصاعِ لم تملؤوه، ليس لأحدٍ على أحد فضل إلا بدينٍ أو تقوى" (١). قوله: "طفَّ الصاعِ" بالإضافة؛ أي: قريب بعضكم من بعض (٢)، والأحاديث في مثل هذا كثيرة متظافرة. وفي "مسند الإمام أحمد"، و"الصحيحين" من حديث أبي ذر ﵁: "من ادعى ما ليس له، فليس منا، وليتبوَّأْ مقعدَه من النار" (٣)، والله تعالى الموفق.

стр. 3539

باب النذر وهو لغة: الإيجاب، وشرعًا: التزامُه لله شيئًا بقوله، لا بنية مجرَّدَةٍ (١). يقال: نَذَرْتُ أَنْذِرُ وأنذُر -بكسر الذال وضمها- نَذْرًا: إذا أوجبتَ على نفسك شيئًا تبرُّعًا من عبادةٍ أو صدقةٍ أو غيرِ ذلك (٢). وذكر المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب خمسة أحاديث:

стр. 3540

الحديث الأول عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً -وَفِي رِوَايةٍ: يَوْمًا- فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ" (١).
следующие страницы →