← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

المطلقُ العامُّ، لا المعيَّنُ؛ كما قلنا في نصوص الوعيد والوعد، وكما نقول في الشهادة بالجنة والنار لمن شهد له الكتاب والسنة، ولا نشهد بذلك لمعين إلا لمن شهد له النص، وشهدت له الاستفاضة على قول؛ فالشهادة في الخبر كاللعن في الطلب، والخبر والطلب نوعا الكلام (١). ولهذا قال النبي ﷺ : "إن الطعانين واللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة". وفي لفظ: "لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة" (٢). قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد": لأن اللعن إساءة، والشفاعة إحسان، فالمسيء في هذه الدار باللعن يسلبه الله الإحسانَ في الآخرة بالشفاعة، فإن الإنسان إنما يحصد ما يزرع، والإساءة مانعة من الشفاعة التي هي إحسان. وأما منع اللعن من الشهادة، فإن اللعن عداوة، وهي منافية للشهادة، ولهذا كان النبي ﷺ سيدَ الشفعاء، وشفيعَ الخلائق؛ لكمال إحسانه ورأفته ورحمته بهم ﷺ (٣). (وفي رواية) لمسلم: (من ادعى دعوى)؛ كحُبلى وذِفْرى، تقول: ادعيت على فلان كذا ادعاءً، والاسم: الدعوى، وهي طلب الشيء زاعمًا ملكَه (٤) (كاذبة) يشمل بعمومه سائر الدعاوى الباطلة؛ من المال والعلم

стр. 3537

والتعلم، والنسب والحال والصلاح، وغير ذلك، وكلما زاد [ت] المفسدة بتلك الدعوى، زاد التحريم، ولابدّ من قيد العلم؛ بأن يكون عالمًا بأن تلك الدعوى التي ادعاها كاذبة، وظاهر الحديث يشعر بذلك؛ (ليتكثَّرَ)؛ أي: يطلب الكثرة والرفعة والتعاظم (بها)؛ أي: بتلك الدعوى على غيره (لم يزدْه اللهُ) (إلا قلَّة) وحقارةً؛ جزاءً منه -سبحانه-، وعقوبة له بعكس ما قصد؛ لإجراء عادته -جل شأنه- أن كل من طلب الرفعة والعز بمعصيته، كان جزاؤه الاحتقارَ والذلَّ. وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أنه ﷺ قال: "من تواضعَ لله درجةً، يرفعْهُ الله درجةً حتى يجعلَه في أعلى عِلِّيِّينَ، ومن تكبَّرَ على الله درجةً، يضعْهُ الله درجةً حتى يجعله في أسفلِ سافلين. . . ." الحديث، رواه ابن ماجه، وابن حبان في [صحيحه] (١). وفي حديث أبي هريرة في "أوسط الطبراني" مرفوعًا: "من تواضعَ لأخيه المسلم، رفَعه الله، ومن ارتفع عليه، وضعَه اللهُ" (٢). وفي الطبراني من حديث ابن مسعود ﵁، قال: "من يُراءِ يُراءِ اللهُ به، ومن يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللهُ به، ومن تطاولَ تعظيمًا يخفضْه الله، ومن تواضعَ خشيةً يرفعْه الله" (٣). وفي حديث عقبة بنِ عامرٍ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 3538

"إن أنسابَكم هذه ليست نسباتٍ على أحد، وإنما أنتم ولدُ آدمَ طَفَّ الصاعِ لم تملؤوه، ليس لأحدٍ على أحد فضل إلا بدينٍ أو تقوى" (١). قوله: "طفَّ الصاعِ" بالإضافة؛ أي: قريب بعضكم من بعض (٢)، والأحاديث في مثل هذا كثيرة متظافرة. وفي "مسند الإمام أحمد"، و"الصحيحين" من حديث أبي ذر ﵁: "من ادعى ما ليس له، فليس منا، وليتبوَّأْ مقعدَه من النار" (٣)، والله تعالى الموفق.

стр. 3539

باب النذر وهو لغة: الإيجاب، وشرعًا: التزامُه لله شيئًا بقوله، لا بنية مجرَّدَةٍ (١). يقال: نَذَرْتُ أَنْذِرُ وأنذُر -بكسر الذال وضمها- نَذْرًا: إذا أوجبتَ على نفسك شيئًا تبرُّعًا من عبادةٍ أو صدقةٍ أو غيرِ ذلك (٢). وذكر المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب خمسة أحاديث:

стр. 3540

الحديث الأول عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً -وَفِي رِوَايةٍ: يَوْمًا- فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ" (١).

стр. 3541

(عن) أمير المؤمنين أبي حفص (عمرَ) بنِ الخطاب (﵁، قال: قلت: يا رسول الله! إني كنت نذرتُ في) أيام (الجاهلية) قبل أن أسلم (أن أعتكف ليلة، وفي رواية: يومًا في المسجد الحرام) المكي -زاده الله تشريفًا وتعظيمًا-، (قال) ﵊ مجيبًا لعمر ﵁: (فأوفِ بنذرك) الذي نذرته، ولو كان نذرُك له في أيام الجاهلية، وتقدم الحديث وشرحه في باب الاعتكاف، وإنما أعاده هنا؛ لأنه ذكره هناك مستدلًا به على عدم اعتبار الصوم في الاعتكاف، وهنا مستدلًا به على صحة النذر من الكافر كما جزم به علماؤنا. قال في "الفروع" في النذر: ولا يصح إلا من مكلف -ولو كافرًا- بعبادة، نص عليه (١)؛ يعني: الإمام أحمد ﵁. قال ابن دقيق العيد: يَستدل به من يرى صحةَ النذر من الكافر. قال: وهو قول، أو وجه في مذهب الشافعي. قال: والأشهر أنه لا يصح؛ لأن النذر قربة، والكافر ليس من أهل القُرَب، ومن يقول بهذا يحتاج إلى أن يؤول الحديث بأنه أمر بأن يأتي باعتكاف يوم شبيه بما نذر لِئَلا يخل بعبادة نوى فعلها، فأطلق عليه أنه منذور؛ لشبهه بالمنذور، وقيامِه مقامَه في فعل ما نواه من الطاعة، وعليه: إما أن يكون قوله: "فأوف بنذرك" من مجاز الحذف، أو مجاز التشبيه. وظاهر الحديث خلافه؛ لعدم الملجىء إلى مثل هذا التأويل، وارتكاب ما هو خلاف الأصل (٢).

стр. 3542

واعلم: أن معتمد المذهب: صحةُ النذر من الكافر، فإن كان المنذور يُعتبر له الإسلام؛ كالصوم والصلاة والحج والزكاة والاعتكاف وشبهها، فلا يصح فعلُه إلا بعد الإسلام، فينعقد من الكافر كالمسلم، ولا يُفعل إلا بسائر شروطه (١). وتقدم الكلام عليه في باب الاعتكاف، والله تعالى الموفق.

стр. 3543

الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عن النبي ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ" (١). * * * (عن) أبي عبد الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ) بن الخطاب ﵄، عَنِ النبي ﷺ : أنه) ﷺ (نهى عَنِ النذر).

стр. 3544

قال في "النهاية": وقد تكرر في أحاديثه ذكر النهي عنه، وهو تأكيد لأمره، وتحذير عن التهاون بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يُفعل، لكان في ذلك إبطالُ حكمه، وإسقاطُ لزوم الوفاء به؛ إذ كان بالنهي يصير معصية، فلا يلزم، وإنما وجه ذلك: أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجرُّ لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف عنهم ضرًا، ولا يردُّ قضاء (١)، (و) لذلك (قال: إنه)؛ أي: النذر (لا يأتي بخير)، ولا يرد من القدر شيئًا، (وإنما يُستخرج به)؛ أي: النذرِ (من البخيل)؛ فإن من عادة الناس تعليقَ المنذور على حصول المنافع ودفع المضار، فنهى ﷺ عنه؛ لأنه من فعل البخلاء، وأما الأسخياء إذا أرادوا أن يتقربوا إلى الله تعالى بشيء، استعجلوا به، وأتوا به في الحال، والبخيل لا تطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده إلا في مقابلة شيء (٢). وفي بعض ألفاظ البخاري: "إن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخره، وإنما يُستخرج بالنذر من البخيل" (٣). قال في "النهاية": كأنه قال: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدِّرْهُ الله لكم، أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاءُ عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا، فاخرجوا عنه بالوفاء؛ فإن الذي نذرتموه لازم لكم (٤). قال الإمام العلامة ابن مُفلح في "فروعه": النذر مكروه وفاقًا لأبي

стр. 3545

حنيفة، لا يأتـ[ـي] بخير، قال ابن حامد: لا يردُّ قضاء، ولا يملك به شيئًا محدثًا. قال: وتوقف شيخنا في تحريمه، ونقل عبد الله -يعني: ابن الإمام أحمد-: نَهَى عنه رسول الله ﷺ . وقال ابن حامد: المذهب: أنه مباح، وحرَّمه طائفةٌ من أهل الحديث (١)، انتهى. ومعتمد المذهب: أنه مكروه؛ كما جزم في "المغني" (٢)، و"الشرح" (٣)، ومشى عليه في "الإقناع" (٤)، و"المنتهى" (٥). قال الناظم: ليس هو سنة، ولا محرم. قال في "الفروع": وظاهر ما سبق: يصلي النفل كما هو، لا ينذره ثم يصليه؛ خلافًا للأرجح للحنفية (٦). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إيجابُ المؤمن على نفسه إيجابًا لم يحتج إليه بنذرٍ، وعهدٍ وطلبٍ وسؤالٍ جهلٌ منه، وظلمٌ (٧). وينعقد في واجب؛ كَـ: لِلَّهِ عليَّ صومُ أمسِ ونحوهِ من المُحال (٨).

стр. 3546

قال علماؤنا: وأنواع منعقِدِ النذرِ ستة: أحدها: المطلق؛ كـ: للَّهِ عليَّ نذرٌ، أو: إن فعلتُ كذا، فعليَّ نذرٌ. ولا نيةَ تخصيصٍ بمحل، ولا زمن، وفعلَه، فكفارة يمين؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك (١)؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارةُ النذر إذا لم يسمَّ كفارة يمين" رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: حسن صحيح غريب (٢)، وهذا نص في المسألة، فلا يعدل عنه. الثاني: نذرُ لِجاجٍ وغضبٍ، وهو تعليقُه بشرط بقصد المنع من شيء، أو الحملِ عليه؛ كـ: إن كلمتُك، أو: إن لم أخبرك، فعليَّ الحجُّ، أو العتقُ، أو صومُ سنة، أو مالي صدقةٌ، فيخير بين فعل ما التزمه، أو كفارة يمين (٣). وقال أبو حنيفة في إحدى روايتيه: يلزمه الوفاء بما قاله، ولا يلزمه كفارة، وفي الأخرى: يجزئه عن ذلك كفارة يمين. قال محمد بن الحسن: رجع أبو حنيفة عن القول الأول إلى القول بالكفارة. وقال مالك: يلزمه في الصّدقة أن يتصدق بثلث ماله، ولا يجزئه الكفارة عنه، وفي الحج والصوم يلزمه الوفاء لا غير. وعن الشافعي قولان: أحدهما: يلزمه الوفاء.

стр. 3547

والآخر: هو مخير بين الوفاء بما قال، وبين كفارة اليمين (١)؛ كمعتمد مذهبنا. قال القاضي زكريا في "شرح المنهج": فيه -أي: نذر اللجاج والغضب- عندَ وجود الصفة ما التزمَه؛ عملًا بالتزامه، أو كفارةُ يمين؛ لخبر مسلم: "كفارة النذر كفارة يمين" (٢)، وهي لا تكفي في نذر التبرر بالاتفاق، فتعين حملُه على نذر اللجاج (٣). وعن ابن حصين ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين" رواه سعيد في "سننه" (٤). الثالث: نذرٌ مباح؛ كـ: للَّه عليَّ أن ألبس ثوبي، وأركب دابتي، فيخير -أيضًا- على معتمد المذهب (٥). وقال الثلاثة: لا ينعقد (٦). الرابع: نذرٌ مكروه؛ كطلاق ونحوه، فيسن أن يكفِّرَ ولا يفعلَه. الخامس: نذرُ معصية؛ كشرب خمر، وصومُ يومِ عيدٍ وحيضٍ وأيامِ تشريق، فيحرم الوفاءُ به، ولا كفارة. ويكفِّر من لم يفعله، ويقضي صومَ

стр. 3548

ما نذر غير يوم حيض مع الكفارة (١)؛ لحديث: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث عائشة (٢)، والنسائي، من حديث عمران بن حصين (٣). وفي "المسند"، و"صحيح البخاري"، و"السنن الأربعة" من حديث عائشة ﵂: "من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله، فلا يَعْصِه" (٤). قال ابن هبيرة: اتفقوا على أن النذر منعقدٌ للناذر إذا كان في طاعة، فأما إذا نذر أن يعصي الله، فاتفقوا أنه لا يجوز أن يعصيه، ثم اختلفوا في وجوب الكفارة هل تنعقد؟ فقال الثلاثة: لا تنعقد.

стр. 3549

وقال الإمام أحمد: ينعقد النذر، ولا يحل له فعله، وموجبه كفارة، وعنه: لا ينعقد، ولا يلزمه كفارة (١). والمعتمد: عليه الكفارة، ومنه نذر ذبح ولده على المعتمد. وعنه: يلزمه أن يذبح شاة؛ وفاقًا لأبي حنيفة ومالك. وقال الشافعي: لا يلزمه شيء (٢). السادس: نذرُ تَبَرُّرَ؛ كصلاة وصوم واعتكاف وصدقة وحج وعمرة بقصد التقرُّب بلا شرط، أو علق بشرط نعمة، أو دفع نقمة؛ كـ: إن شفى الله مريضي، أو سلم مالي، أو حلف بقصد التقرب؛ كـ: والله، أو: لئن سلم مالي، لأتصدقن بكذا، فوجد شرطه، لزمه، ويجوز إخراجه قبله (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية في إن قدم فلان، أصوم كذا: هذا نذر يجب الوفاء به مع القدرة، لا أعلم فيه نزاعًا. ومن قال: ليس بنذر، فقد أخطأ. وقال: قول القائل: لئن ابتلاني، لأصبرنَّ، ولئن لقيتُ عدوًا، لأجاهدنَّ، ولو علمت أي العمل أحبّ إلى الله، لعملته: نذرٌ معلق بشرط (٤). ومن نذر فعل طاعة ومعصية، لزمه فعلُ الطاعة، وكَفَّر للمعصية (٥). وفروع النذر وتقاسيمه كثيرة مذكورة في كتب الفقه، والله أعلم.

стр. 3550

الحديث الثالث عَنْ عُقْبهَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ: "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" (١). * * * (عن) ابن عامر (عقبةَ بنِ عامر) بن عَبْسٍ الجهنيِّ، تقدمت ترجمته في

стр. 3551

كتاب: النكاح (﵁ قال: نذرت أختي)، قال ابن ماكولا: هي أم حِبّان بنتُ عامر الأنصاريةُ، أسلمت وبايعت. قاله محمد بن سعد (١). قال الذهبي: وهي -بكسر الحاء المهملة- من حِبَّان، بعدها موحدة (٢)، وكذا ذكر القسطلاني (٣) والبلقيني، وغيرهم (٤) (أن تمشي إلى بيت الله الحرام) حال كونها (حافيةً)؛ أي: بلا نعل ولا خف، (فأمرتني أن أستفتي لها) في نذرها الذي نذرته على الصفة المتقدم ذكرُها (رسولَ الله ﷺ )؛ أي: أَستخبرَ لها عن حكم ذلك، وأَطلبَ بيانه وإظهاره من النبي ﷺ ، (فاستفتيته) ﵊ في ذلك، (فقال) ﵊: (لتمشِ) أختك إن قدرت على المشي، (ولتركب) حيث عجزت عن المشي، وأرهقها التعب، وحيث عجزت عن المشي وركبت، فإنه تلزمها كفارة يمين. قال في شرح "الكافي" فإن تركَ المشيَ مَنْ نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام ماشيًا لعجز أو غيره، فعليه كفارة يمين، وهو المذهب. قال ابن منجا في "شرحه": هذا المذهب، وهو أصحّ، وجزم به في

стр. 3552

"الوجيز"، وقدمه في "المغني" (١)، و"المحرر" (٢)، و"الشرح"، و"الفروع" (٣)، و"الهداية"، و"المذهب"، و"المستوعب"، و"الخلاصة". وعنه: عليه دم. ووجوب كفارة يمين من مفردات المذهب، قال ناظمها: [من الرجز] لِمَكَّةٍ نَاذِرُ مَشْيٍ رَكِبَا ... مَعْ عَجْزِهِ التَّكْفِيرُ أَيْضًا وَجَبَا قال شارحها: يعني: إذا نذر المشيَ لمكة المشرفة، أو بيت الله الحرام، أو موضع من الحرم، لزمه المشي في حج أو عمرة؛ لأنه هو المشي إليه في الشرع، فإن عجز عن المشي، فركب، فعليه كفارة يمين. وقال أبو حنيفة: هدي، وأقله شاة، سواءً عجز عن المشي، أو قدر عليه. وقال الشافعي: يلزمه دم. وأفتى به عطاء؛ لما روى ابن عباس ﵄: أن أخت عقبةَ بنِ عامر نذرت المشيَ إلى بيت الله الحرام، فأمر النبي ﷺ أن تركب، وتهدي هَدْيًا. رواه أبو داود (٤)، وفيه ضعف. وقال مالك: يحجُّ مِن قابِل، ويركب ما مشى، ويمشي ما ركب، ويهدي.

стр. 3553

ولنا: قول النبي ﷺ : "كفارة النذر كفارة اليمين" (١)، ولأن المشي مما لا يوجبه الإحرام، فلم يجب الهدي بتركه؛ كما لو نذر صلاة ركعتين فتركهما (٢). وفي "الفروع": قال شيخنا: القادر على فعل المنذور يلزمه، وإلا، فله أن يكفر؛ لقوله ﷺ : "كفارة النذر كفارة اليمين"، ولأمره لأخت عقبة بن عامر أن تمشي وتكفِّر (٣)، انتهى. ولفظ هذا الحديث: أن أخت عقبةَ بن عامر نذرت أن تمشي حافيةً غير مختمرة، قال: فسألت النبي ﷺ فقال: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرها فلتختمرْ، ولتركبْ، ولتصم ثلاثة أيام" رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربع (٤). وفي رواية للإمام أحمد، ولأبي داود من حديث ابن عباس ﵄، قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، وذكره، وفيه: "لتخرج راكبة، ولتكفر يمينها" (٥). تنبيهات: الأول: يلزم مَنْ نذرَ أن يمشي إلى بيت الله، أو إلى الكعبة، أو مكة،

стр. 3554

وأطلق، أو قال: غيرَ حاجٍّ ولا معتمر، ألزمه، المشي في حج أو عمرة من مكان نذره، لا إحرام قبل ميقاته، ما لم ينو مكانًا بعينه، أو ينوي إتيانه، لا حقيقة المشي، فيلزمه الإتيان، ويخيّر بين المشي والركوب؛ لحصوله بكل منهما (١). وإن نذر المشي إلى موضع خارج الحرم؛ كعرفة، ومواقيتِ إحرام، لم يلزمه، ويخيّر بين فعله والكفارة (٢). الثاني: يلزم من نذر المشيَ إلى مسجد المدينة النبوية -على صاحبها الصلاة والسلام-، أو نذر المشي إلى المسجد الأقصى ذلك، ويلزمه أن يصلي فيه ركعتين (٣)؛ إذ القصد بالنذر القربة والطاعة، وإنما يحصل ذلك بالصلاة، فتضمن ذلك نذرها؛ كنذر المشي إلى بيت الله الحرام حيث وجب به أحد النسكين (٤)، وهذا مذهبنا؛ كالمالكية، وأحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك، ولا ينعقد نذره (٥). وكذا قال فيما إذا نذر أن يصلي في المسجد الحرام: إنه يجزئه أن يصلي حيث شاء من المساجد (٦). وقال الثلاثة: يلزمه أن يصلي فيه، ولا تجزئه الصلاة في غيره (٧).

стр. 3555

وإن عين بنذره مسجدًا في غير حرم؛ أي: وغير مسجد المدينة والأقصى، لم يتعين، فيخيّر بين فعله والتكفير، فإن جاءه، لزمه عند وصوله ركعتان (١). الثالث: ينتهي وجوبُ المشي فيما إذا نذر أن يحجَّ ماشيًا إذا رمى الجمرة. قال الإمام أحمد: إذا رمى الجمرة، فقد فرغ. وقال أيضًا: يركب في الحج إذا رمى، وفي العمرة إذا سعى. وقال في "الترغيب": لا يركب حتى يأتي بالتحللين، على الأصح؛ كما في "الفروع" (٢)، و"شرح الكافي" وغيرهما، وكذا قال الشافعية. ولو أفسد الحج المنذور ماشيًا، لزم القضاء ماشيًا (٣). الرابع: من نذر حجًا أو عمرة، لزمه ذلك، فإن لم يطقه، ولا شيئًا منه، حُجَّ عنه، وإلا أتى بما يُطيقه من الحجات المتعددة، وكفّر للباقي، ومع عجزه عن زاد وراحلة حالَ نذرِه، لا يلزمه، ثم إن وجدهما، لزمه بالنذر السابق، فينعقد النذر مع العجز (٤)، والله تعالى الموفق.

стр. 3556

الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَباسٍ ﵄: أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَاقْضِهِ عَنْهَا" (١).

стр. 3557

(عن) أبي العباس حبر الأمة (عبدِ الله بن عباس ﵄، قال: استفتى)؛ أي: طلب الفتوى، وهي الإخبار والكشف عن حكم المطلوب (سعدُ بن عبادة) سيدُ الخزرج ﵁، وهو بالرفع فاعل (رسولَ الله ﷺ ) بنصب رسول على المفعولية (في نذر كان) ذلك النذر (على أمه) عَمْرَةَ بنتِ مسعود بن قيسِ بنِ عمرو بنِ زيد مناة ﵄ (١) (توفيت) أمُّه (قبل أن تقضيه)، وتقدم في الصيام أنه قال: إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال ﵊: "لو كان على أمك دَيْن، أكنت قاضيَه عنها؟ "، قال: نعم. قال: "فدينُ الله أحقُ أن يُقضى" (٢). وفي رواية: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت، وعليها صومُ نذر، أفأصوم عنها؟ فقال ﷺ : "أرأيتِ لو كان على أمك دينٌ، فقضيتيه عنها، أكان ذلك يؤدّى عنها؟ "، قالت: نعم، قال: "فصومي عن أمك" (٣). (فقال رسول الله ﷺ ) لسعد بن عبادة ﵁: (فاقضِه)؛ أي: النذر الذي كان على أمك (عنها)؛ لتبرأ ذمتها من تبعته، فمعتمد مذهب الإمام أحمد: أن من مات وعليه صوم منذور في الذمة، ولم يصم منه شيئًا مع إمكانه، ففُعل عنه، أجزأ عنه، وبرئت ذمته منه، فإن لم يخلف تركة، لم

стр. 3558

يلزم الوليَّ شيء، لكن يُسن له فعلُه عنه بنفسه؛ لتفرغ ذمته؛ كقضاء دينه. وإن خلّف تركة، وجب، فيفعله الولي بنفسه استحبابًا، فإن لم يفعل، وجب أن يدفع من تركته إلى من يصوم عنه عن كل يوم طعام مسكين، ويجزىء فعل غيره عنه بإذنه، وبدونه، وإن مات وقد أمكنه صومُ بعض ما نذره، قُضي عنه ما أمكنه صومه فقط، ويجزىء صومُ جماعة عنه في يوم واحد عن عدتهم من الأيام. وأما لو نذر صومَ شهر بعينه، فمات قبل دخوله، لم يصم، ولم يقض عنه. قال الإمام مجد الدين: وهذا مذهب سائر الأئمة، لا أعلم فيه خلافًا، وإن مات في أثنائه، سقط باقيه (١). هذا تحرير مذهب الإمام أحمد ومن وافقه؛ كالليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد. وقال ابن عباس ﵄: إن نذر، قضى عنه وليُّه، والراوي أعلمُ بما روى (٢). ولم يقل أحد من الأئمة الثلاثة بوجوب قضاء النذر على الولي، بل جعلوه كقضاء رمضان. ولنا: الأحاديث والأخبار الواردة في ذلك، وتقدم الكلام عليه في كتاب الصيام، والله تعالى أعلم.

стр. 3559

الحديث الخامس عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ مِنْ تَوْبَتي أَنْ أَنْخَلعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإلى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" (١).

стр. 3560

(عن) أبي عبدِ الله، ويكنى بأبي عبد الرحمن، وبأبي بشير (كعبِ بنِ مالكٍ) الخزرجيِّ الأنصاريِّ السَّلَمِيِّ -بفتح السين واللام- نسبة إلى سَلِمة -بكسر اللام- بن سعد من بني جُشَم. شهد كعب (﵁) العقبة الثانية، واختُلف في شهوده بدرًا، وشهد المشاهد كلَّها غيرَ تبوك، وكان أحدَ شعراء النبي ﷺ ، وأحدَ الثلاثة الذين تاب الله عليهم، إذ تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال تعالى في حقهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] الآية. وهم: كعبُ بن مالك، وهلالُ بن أمية، ومرارةُ بن الربيع. وضبطوا بأن يجمع أول أسمائهم: مكة، وآخر آبائهم: عكة. روى عن كعب بن مالك هذا من أولاده: عبدُ الله، وعبد الرحمن. مات سنة خمسين، وقيل: ثلاث وخمسين، وقيل: مات قبل الأربعين. رُوي له عن النبي ﷺ ثمانون حديثًا، اتفقا منها على ثلاثين، وللبخاري حديث، ولمسلم حديثان (١). (قال) كعب ﵁: (قلت: يا رسول الله! إن من) شكر (توبتي) التي تاب الله عليّ بعد أن ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، وضاقت

стр. 3561

عليّ نفسي، وعلمت أن لا ملجأ من الله إلا إليه (أن أنخلع)؛ أي: أنتزع (من مالي). قال في "القاموس": الخَلْع كالنزع، إلا أن في الخلع مهلة (١)، حال كون انخلاعي منه (صدقةً إلى الله) ، وهو الغني الحميد (وإلى رسوله) محمد ﷺ يصرفه حيث شاء من أوجه البر والخير، (فقال) له (رسول الله ﷺ : أمسك عليك بعض مالك)، فلا تجعله صدقة، بل أبقه في ملكك، (فهو خير لك) من الصَّدقة بجميعه. قال كعب: فقلت: فإني سأمسك سهمي الذي بخيبر. وفي رواية: قلت: نصفه؛ أي: أجعله صدقة، قال: "لا"، قلت: فثلثه، قال: "نعم"، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر (٢). وقد اختلف العلماء فيما إذا قال المكلَّف: إذا شفى الله مريضي، فمالي صدقة. فقال أصحاب أبي حنيفة: يتصدق بجميع أمواله الزكوية استحسانًا، قالوا: وهو القياس. ولهم قول آخر: يتصدق بجميع ما يملكه، وهذا قول الشافعي. ولم يحفظ عن أبي حنيفة نفسه فيها نص. وقال مالك: يتصدق بثلث جميع أمواله الزكوية وغيرها. وعن الإمام أحمد في ذلك روايتان: إحداهما: يتصدق بثلث جميع أمواله الزكوية وغيرها.

стр. 3562

والأخرى: يرجع في ذلك إلى ما نواه من مال دون مال (١). قلت: الذي استقر عليه مذهبه لو نذر الإنسان الصَّدقة بكل ماله، أو بألف ونحوه، وهو كل ماله بقصد القربة، أجزأه ثلثه يوم نذره يتصدق به ولا كفارة. نص على ذلك الإمام أحمد. قال في "الروضة": ليس لنا في نذر الطاعة ما يفي ببعضه إلا هذا الموضع (٢). وفي قصة توبة أبي لبابةَ ﵁: إن من توبتي أن أهجر دار قومي، وأساكنك، وأن أنخلع من مالي صدقةً لله ولرسوله. رواه الإمام أحمد، فقال ﷺ لأبي لبابة بن المنذر: "يجزىء عنك الثلث" (٣). فظاهر قوله ﵇: "يجزىء عنك الثلث" أن أبا لبابة أتى بما يقتضي إيجاب الصَّدقة على نفسه؛ إذ الإجزاءُ إنما يستعمل غالبًا في الواجبات، ولو كان مخيّرًا بإرادة الصَّدقة، لما لزمه شيء يجزىء عنه بعضه (٤). وإذا نذر الصَّدقة ببعض مسمًّى من ماله، لزمه، ولو أكثر من نصف ماله، وإن نوى ثمينًا، أو مالًا دون مال، أخذ بنيته (٥)، والله تعالى الموفق.

стр. 3563

باب القضاء وهو لغة: إحكامُ الشيء والفراغُ منه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، وبمعنى: أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وبمعنى: أمضى الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]؛ أي: أمضينا وأنهينا، وغير ذلك. وسمي الحاكم قاضيًا؛ لأنه يُمضي الأحكامَ ويُحكمها، أو لإيجابه الحكمَ على من يجب عليه (١). واصطلاحًا: تبيينُ الحكم الشرعي، والإلزامُ به، وفصلُ الخصومات. والأصلُ فيه قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، وقوله ﵇: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر" متفق عليه من حديث عمرو بن العاص ﵁ (٢).

стр. 3564

وقد أجمع المسلمون على نصب القُضاة للفصل بين الناس، وهو فرض كفاية كالإمامة، فعلى الإمام أن ينصّب بكل إقليم قاضيًا، وعليه أن يختار لذلك أفضل من يجد علمًا وورعًا، ويأمره بالتقوى وتحري العدل، ويأمره أن يستخلف في كل صُقْع أفضل من يجد. ويجب على من يصلح للقضاء -إذا طلب ولم يوجد غيره ممن يوثق به- أن يدخل فيه إن لم يشغله عما هو أهمُّ منه، ومع وجود غيره ممن يصلح الأفضلُ أَلَّا يجيب، وكره له طلبه إذًا، ويحرم بذلُ مال فيه، وأخذُه، وتصح توليةُ مفضول مع وجود أفضل منه، وتوليةُ حريصٍ عليها. وولايته رتبة دينية، ونصبة شرعية، وفيه فضل لمن قوي على القيام به. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والواجب اتخاذُها دينًا وقربة؛ فإنها من أفضل القُربات، وإنما فسد حال الأكثر لطلب الرئاسة والمال بها، انتهى (١). وفيه خطر عظيم ووزرٌ كبير لمن لم يؤدِّ الحقَّ به، فمن عرف الحقَّ ولم يقض به، أو قضى على جهل، ففي النار، ومن عرف الحق وقضى به، ففي الجنّة. وكان من طريقة السلف الامتناع من الدخول فيه. وإذا لم يمكنه القيامُ بالواجب؛ لظلم السلطان أو غيره، حرم، وتأكد الامتناع (٢).

стр. 3565

وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من ولي القضاء، أو جُعل قاضيًا بين الناس، فقد ذُبح بغير سكين" رواه أبو داود، والترمذي، واللفظ له، وقال: حسن غريب، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد (١). قال الحافظ المنذري: ومعنى قوله: "ذُبح بغير سكين": أن الذبح بالسكين يحصل به إراحةُ الذبيحة بتعجيل إزهاق روحها، فإذا ذُبحت بغير سكين، كان فيه تعذيب لها. وقال الخطابي: لما كان في ظاهر العرف وغالب العادة الذبحُ بالسكين، عدلَ ﷺ عن ظاهر العرف والعادة إلى غير ذلك؛ ليعلم أن مراده ﵊ بهذا القول ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه (٢). وفي "مسند الإمام أحمد"، و"صحيح ابن حبان" من حديث عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليأتينَّ على القاضي العدلِ يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقضِ بين اثنين في تمرة قط"، ولفظ ابن حبان: "في عمره" بدل "تمرة" (٣)، والله تعالى أعلم. وذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- في هذا الباب ستة أحاديث:

стр. 3566

الحديث الأول عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ منه، فَهُوَ رَدٌّ" (١). وَفِي لَفْظٍ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (٢).

стр. 3567

(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصدّيقة (﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : من أحدث)؛ أي: اخترع (في أمرنا هذا)؛ أي: ديننا وشرعنا الذي شرعه الله -تعالى- (ما ليس منه)؛ أي: من جاء في هذا الدين بما لا يشهد له أصل من أصوله، فلا يلتفت إليه. وفي لفظ: "من أحدث في ديننا ما ليس فيه" (١)، فكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس هو من الدين في شيء (فهو)؛ أي: ذلك المحدَث (ردّ)؛ أي: مردود على صاحبه، من إطلاق المصدر على اسم المفعول؛ مثل الخلق بمعنى المخلوق، فكأنه قال: فهو باطل، وغير معتد به. (وفي لفظ) لمسلم: (من عمل عملًا) سواء كان ذلك العمل من العبادات أو المعاملات (ليس عليه)؛ أي: على ذلك العمل (أمرُنا) فيه إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة، وتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها. فمن كان عمله جاريًا تحت أحكام الشرع، موافقًا له، فهو مقبول، ومن كان خارجًا عن ذلك، (فهو رد) أي: مردود على عامله. قال الحافظ ابن رجب: هذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أن حديث: "إنما الأعمال

стр. 3568

بالنيات" (١) ميزان الأعمال في باطنها، وكما أن كل عمل لا يراد به وجهُ الله فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله. فكل فعلة -وإن صغرت- ينشر [الله] لها يوم القيامة ديوانًا لِمَ؟ وكيف؟ فالسؤال الأول: عن الإخلاص والنية، والثاني: عن التأسي والمتابعة لصاحب الشرع، فكل عمل لا يجمعهما فهو مردود على عامله. قال ابن رجب: وهذا الحديث يدل بمنطوقه على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود، ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود؛ أي: سواءٌ كان من العبادات، أو المعاملات. فأما العبادات، فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية، فهو مردود على عامله، وعاملُه يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله اللهُ ورسوله قربةً إلى الله، فعملُه باطل مردود عليه؛ كمن تقرب إلى الله بسماع الملاهي، أو بالرقص، أو بكشف الرأس في غير الإحرام، أو ما أشبه ذلك من المحدَثات التي لم يشرع الله ورسوله التقربَ بها بالكلية، وليس كل ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا. فقد رأى النبي ﷺ رجلًا قائمًا في الشمس، فسأل عنه، فقيل: إنه نذرَ أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل، وأن يصوم، فأمره ﷺ أن يقعد ويستظل، وأن يتم صومه (٢). فلم يجعل قيامه وبروزه للشمس قربة يوفي بنذرهما. وقد روي أن ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي ﷺ وهو على

стр. 3569

المنبر، فنذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل مادام النبي ﷺ يخطُب إعظامًا لسماع خطبة النبي ﷺ ، فلم يجعل النبي ﷺ ذلك قربة يوفي بنذره، مع أن القيام عبادة في مواضع أخر؛ كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرِم، فدل على أنه ليس ما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن، وإنما يتبع في ذلك ما وردت به الشريعة في مواضعها، وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها؛ كمن صام يوم العيد، أو صلى في وقت نهي. وأما من عمل عملًا أصلُه مشروع وقربة، ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع، فهو أيضا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخلَّ به، أو إدخاله ما أدخل فيه. وهل يكون عمله من أصله مردودًا عليه أم لا؟ فهذا ينبغي فيه التفصيل: فإن كان ما أخلَّ به من أجزاء العمل أو شروطه، كان موجبًا لبطلانه؛ كمن أخلَّ بالطهارة للصلاة مع القدرة، وكمن أخلَّ بالركوع أو السجود، أو بالطمأنينة فيهما، فهذا عمله مردود، وعليه إعادته إن كان فرضًا. وإن كان ما أخلَّ به لا يوجب بطلانَ العمل، كمن أخلَّ بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها، ولا يجعلها شرطًا، فهذا لا يقال: إن عمله مردود من أصله، بل هو ناقص. وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع، فزيادته مردودة عليه، بمعنى: أنَّها لا تكون قربة، ولا يثاب عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله فيكون مردودًا، كمن زاد في صلاته ركعة عمدًا، أو تارة لا تبطله من أصله؛ كمن توضأ أربعًا أربعًا، أو صام مع النَّهار اللَّيلَ، وواصل في صيامه.

стр. 3570

وقد يبدل بعض ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه؛ كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرم، أو توضأ للصلاة بماء مغصوب، أو صلى في بقعة غصب، فهذا مما اختلف العلماء فيه، هل عمله مردود من أصله، أو أنه غير مردود، وتبرأ به الذمة من عهدة الواجب؟ قال الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين": أكثرُ الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله. وقد حكى عبد الرحمن بن مهدي عن قوم من أصحاب الكلام يقال لهم: الشمريّة أصحاب أبي شمر: أنهم يقولون: إن من صلى في ثوب كان في ثمنه درهمٌ حرام: أن عليه إعادة الصلاة. قال: وما سمعت قولًا أخبثَ من قولهم، نسأل الله العافية. وعبدُ الرحمن بن مهدي من أكابر فقهاء أهل الحديث المطّلعين على مقالات السلف، وقد استنكر هذا القول، وجعله بدعة، فدل على أنه لم يعلم عن أحد من السلف القول بإعادة الصلاة في مثل هذا، ويشبه هذا الحجُّ بمال حرام، وقد ورد في حديث أنه مردود على صاحبه، ولكنه حديث لا يثبت، وقد اختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا؟ وقريبٌ من ذلك الذبحُ بآلة محرمة، أو ذبحُ ما لا يجوز له ذبحُه؛ كالسارق، فأكثرُ العلماء قالوا: إنه تباح الذبيحة بذلك، ومنهم من قال: هي محرمة، وكذا الخلافُ في ذبح المحرِم للصيد، لكن القول بالتحريم فيه أشهر وأظهر؛ لأنه منهي عنه لعينه. ولهذا فرق من فرق من العلماء بين أن يكون النهي لمعنى يختص بالعبادة فيبطلها، وبين أَلَّا يكون مختصًا فلا يبطلها. فالصلاة بالنجاسة وبغير طهارة أو ستارة أو إلى غير القبلة يبطلها؛

стр. 3571

لاختصاص النهي بالصلاة؛ بخلاف الصلاة في الغصب، ويشهد لهذا أن الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ما نهي عنه فيه بخصوصه، وهو جِنْسٌ الأكل والشرب والجماع؛ بخلاف ما نهي عنه الصائم، لا بخصوص الصيام؛ كالكذب والغيبة عند الجمهور، والله أعلم. وأما المعاملات؛ كالعقود والفسوخ ونحوهما، فما كان منها تغييرًا للأوضاع الشرعية؛ كجعل حدّ الزنا عقوبة مالية، وما أشبه ذلك، فمردود من أصله، لا ينتقل به الملك؛ لأنه غير معهود في أحكام الإسلام، ويدل على ذلك: أن النبي ﷺ قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته، فافتديته منه بمئة شاة وخادم، فقال له ﵊: "المئة شاة والخادم رَدٌّ عليك، وعلى ابنك جلدُ مئة وتغريبُ عام"، وتقدم (١). وما كان منها عقدًا منهيًا عنه في الشرع، إما لكون المعقود عليه ليس محلًا للعقد، أو لفوات شرط فيه، أو لظلم يجعل به للمعقود معه أو عليه، أو لكون العقد يشغل عن ذكرِ الله الواجبِ عند تضايق وقته، أو غير ذلك، فهذا العقد هل هو مردود بالكلية، لا ينتقل به الملك، أم لا؟ فيه اضطراب بين العلماء. والأقرب في مثل هذا: أنه إن كان النهي لحق الله ، فإنه لا يفيد الملك بالكلية، ونعني بكون الحق لله: أنه لا يسقط برضا المتعاقدين عليه، وإن كان لحق آدمي معين بحيث يسقط برضاه به، فإنه يقف على رضاه، فإن رضي، لزم العقد، واستمر الملك، وإلا، فله الفسخ.

стр. 3572

وهذه القاعدة غير مطردة (١). والمقصود من إيراد هذا الحديث في هذا الباب: أن حكم الحاكم يزول به الشيء عن حقيقته في الباطن، فلو حكم لمن يعلم أنه لا حقَّ له فيما حكم له به، لم يجز له تناولُه، ولا شيء منه، ولو حكم له بنكاح من يعلم أنَّها ليست بزوجة له، لم يبح له وطؤها، وهلمَّ جَرًّا. فحكم الحاكم ظاهرًا لا يغير ما في الباطن مما هو عليه من إباحة وحظر، وهذا مذهب الثلاثة. قال الإمام أبو المظفر بن هبيرة: قال مالك، والشافعي، وأحمد: الحاكم لا ينفذ حكمه إذا حكم في الشيء مما هو الباطن على خلاف ما حكم في الباطن، ولا يحل حكمه في الشيء المحكوم فيه عما هو عليه، سواء كان ذلك في مال أو نكاح أو طلاق، أو مما يملك الحاكم ابتداءه وإنشاءه، أو مما لا يملكه على الإطلاق. وقال أبو حنيفة: إن كان المحكوم فيه مما يتيقن الحكم [فيه]، ينفذ فيه ظاهرًا وباطنًا (٢)، انتهى. وفي "الفروع": حكم الحاكم لا يُحيل الشيء عن صفته باطنًا، وعنه: بلى في مختلف فيه قبل الحكم، قطعَ به في "الواضح" وغيره (٣). وقال في موضع آخر: مَنْ حكم له ببينة زور بزوجيّة امرأة، حلت له حكمًا، فإن وطىء مع العلم، فكزِنًا، وإن حكم بطلاقها بزور، فزوجته

стр. 3573

باطنًا، ويكره له اجتماعه بها ظاهرًا خوفًا من مكروه يناله، ولا يصح نكاحها غيرَه ممن يعلم الحال. قال في "الفروع" أيضًا: وإن ردّ حاكم شهادة واحد برمضان، لم يؤثر؛ كملك مطلق وأولى؛ لأنه لا مدخل لحكمه في عبادة ووقت، وإنما هو فتوى، فلا يقال: حكم بكذبه، أو بأنه لم يره، ولو سلم أن له مدخلًا، فهو محكوم به في حقه من رمضان، فلم يغيره حكم؛ لأنه يعتقد خطأه؛ كمنكرة نكاح مدعٍ يتيقنه، فشهد له فاسقان، فردا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: أمور الدين والعبادات المشتركة بين المسلمين لا يحكم فيها إلا اللهُ ورسوله إجماعًا. وذكره غيره. قال في "الفروع": فدل أن إثبات سبب الحكم؛ كرؤية الهلال والزوال ليس بحكم (١). والحاصل: أن حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن حقيقته باطنًا، كما يأتي في الحديث الثالث، والله أعلم.

стр. 3574

الحديث الثاني عَنْها ﵂، قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِن أَبَا سفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِيني مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِيني وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلأَ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ" (١).

стр. 3575

(عنها)؛ أي: عن أم المؤمنين عائشة الصدّيقة بنت الصدّيق (-﵂)، وعن أبيها-، (قالت: دخلت هند بنت عتبة) بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ (امرأةُ أبي سفيان) صَخْرِ بنِ حرب بنِ أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، أُمُّ معاوية بن أبي سفيان ﵃ أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها، فأقرها النبي ﷺ على نكاحها، وكان لها فصاحة وعقل، ولما بايعت النبي ﷺ مع النِّساء، وقال لهن: "ولا تشركن بالله شيئًا"، قالت: قد علمت لو كان مع الله [إله] (١) غيره، لأغنى عنا، فلما قال: "ولا تسرقن"، قالت: وهل تسرق الحرة؟! وكذا قالت لمّا قال: "ولا تزنين"، فلما قال: "ولا تقتلن أولادكن"، قالت: قد والله ربيناهم صغارًا، وقتلتَهم أنت وأصحابُك كبارًا، فضحك عمرُ من قولها حتى مال. وهي التي مثلت بسيد الشهداء حمزة -أسدِ الله، وعمِّ رسوله-رضوان الله عليه-؛ لأنه قد قتل أباها يوم بدر. توفيت هند في خلافة عمر ﵁ في اليوم الذي مات فيه
следующие страницы →