← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

لاختصاص النهي بالصلاة؛ بخلاف الصلاة في الغصب، ويشهد لهذا أن الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ما نهي عنه فيه بخصوصه، وهو جِنْسٌ الأكل والشرب والجماع؛ بخلاف ما نهي عنه الصائم، لا بخصوص الصيام؛ كالكذب والغيبة عند الجمهور، والله أعلم. وأما المعاملات؛ كالعقود والفسوخ ونحوهما، فما كان منها تغييرًا للأوضاع الشرعية؛ كجعل حدّ الزنا عقوبة مالية، وما أشبه ذلك، فمردود من أصله، لا ينتقل به الملك؛ لأنه غير معهود في أحكام الإسلام، ويدل على ذلك: أن النبي ﷺ قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته، فافتديته منه بمئة شاة وخادم، فقال له ﵊: "المئة شاة والخادم رَدٌّ عليك، وعلى ابنك جلدُ مئة وتغريبُ عام"، وتقدم (١). وما كان منها عقدًا منهيًا عنه في الشرع، إما لكون المعقود عليه ليس محلًا للعقد، أو لفوات شرط فيه، أو لظلم يجعل به للمعقود معه أو عليه، أو لكون العقد يشغل عن ذكرِ الله الواجبِ عند تضايق وقته، أو غير ذلك، فهذا العقد هل هو مردود بالكلية، لا ينتقل به الملك، أم لا؟ فيه اضطراب بين العلماء. والأقرب في مثل هذا: أنه إن كان النهي لحق الله ، فإنه لا يفيد الملك بالكلية، ونعني بكون الحق لله: أنه لا يسقط برضا المتعاقدين عليه، وإن كان لحق آدمي معين بحيث يسقط برضاه به، فإنه يقف على رضاه، فإن رضي، لزم العقد، واستمر الملك، وإلا، فله الفسخ.

стр. 3572

وهذه القاعدة غير مطردة (١). والمقصود من إيراد هذا الحديث في هذا الباب: أن حكم الحاكم يزول به الشيء عن حقيقته في الباطن، فلو حكم لمن يعلم أنه لا حقَّ له فيما حكم له به، لم يجز له تناولُه، ولا شيء منه، ولو حكم له بنكاح من يعلم أنَّها ليست بزوجة له، لم يبح له وطؤها، وهلمَّ جَرًّا. فحكم الحاكم ظاهرًا لا يغير ما في الباطن مما هو عليه من إباحة وحظر، وهذا مذهب الثلاثة. قال الإمام أبو المظفر بن هبيرة: قال مالك، والشافعي، وأحمد: الحاكم لا ينفذ حكمه إذا حكم في الشيء مما هو الباطن على خلاف ما حكم في الباطن، ولا يحل حكمه في الشيء المحكوم فيه عما هو عليه، سواء كان ذلك في مال أو نكاح أو طلاق، أو مما يملك الحاكم ابتداءه وإنشاءه، أو مما لا يملكه على الإطلاق. وقال أبو حنيفة: إن كان المحكوم فيه مما يتيقن الحكم [فيه]، ينفذ فيه ظاهرًا وباطنًا (٢)، انتهى. وفي "الفروع": حكم الحاكم لا يُحيل الشيء عن صفته باطنًا، وعنه: بلى في مختلف فيه قبل الحكم، قطعَ به في "الواضح" وغيره (٣). وقال في موضع آخر: مَنْ حكم له ببينة زور بزوجيّة امرأة، حلت له حكمًا، فإن وطىء مع العلم، فكزِنًا، وإن حكم بطلاقها بزور، فزوجته

стр. 3573

باطنًا، ويكره له اجتماعه بها ظاهرًا خوفًا من مكروه يناله، ولا يصح نكاحها غيرَه ممن يعلم الحال. قال في "الفروع" أيضًا: وإن ردّ حاكم شهادة واحد برمضان، لم يؤثر؛ كملك مطلق وأولى؛ لأنه لا مدخل لحكمه في عبادة ووقت، وإنما هو فتوى، فلا يقال: حكم بكذبه، أو بأنه لم يره، ولو سلم أن له مدخلًا، فهو محكوم به في حقه من رمضان، فلم يغيره حكم؛ لأنه يعتقد خطأه؛ كمنكرة نكاح مدعٍ يتيقنه، فشهد له فاسقان، فردا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: أمور الدين والعبادات المشتركة بين المسلمين لا يحكم فيها إلا اللهُ ورسوله إجماعًا. وذكره غيره. قال في "الفروع": فدل أن إثبات سبب الحكم؛ كرؤية الهلال والزوال ليس بحكم (١). والحاصل: أن حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن حقيقته باطنًا، كما يأتي في الحديث الثالث، والله أعلم.

стр. 3574

الحديث الثاني عَنْها ﵂، قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِن أَبَا سفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِيني مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِيني وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلأَ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ" (١).

стр. 3575

(عنها)؛ أي: عن أم المؤمنين عائشة الصدّيقة بنت الصدّيق (-﵂)، وعن أبيها-، (قالت: دخلت هند بنت عتبة) بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ (امرأةُ أبي سفيان) صَخْرِ بنِ حرب بنِ أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، أُمُّ معاوية بن أبي سفيان ﵃ أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها، فأقرها النبي ﷺ على نكاحها، وكان لها فصاحة وعقل، ولما بايعت النبي ﷺ مع النِّساء، وقال لهن: "ولا تشركن بالله شيئًا"، قالت: قد علمت لو كان مع الله [إله] (١) غيره، لأغنى عنا، فلما قال: "ولا تسرقن"، قالت: وهل تسرق الحرة؟! وكذا قالت لمّا قال: "ولا تزنين"، فلما قال: "ولا تقتلن أولادكن"، قالت: قد والله ربيناهم صغارًا، وقتلتَهم أنت وأصحابُك كبارًا، فضحك عمرُ من قولها حتى مال. وهي التي مثلت بسيد الشهداء حمزة -أسدِ الله، وعمِّ رسوله-رضوان الله عليه-؛ لأنه قد قتل أباها يوم بدر. توفيت هند في خلافة عمر ﵁ في اليوم الذي مات فيه

стр. 3576

أبو قحافة والد الصديق الأعظم -رضوان الله عليهم- في المحرم سنة أربع عشرة من الهجرة وله سبع وتسعون سنة. روى عن هند: ابنُها معاويةُ، وعائشةُ بنت الصديق ﵃ (١). روى الأزرقي وغيره: أن هندًا هذه لما أسلمت، جعلت تضرب صنمًا في بيتها بالقدوم فلذة فلذة، وتقول: كنا منك في غرور (٢). قالت عائشة ﵂: دخلت هند (على رسول الله ﷺ ، فقالت) له: (يا رسول الله! إن أبا سفيان) بن حرب زوجي (رجل شحيح)، وفي رواية: لما قال لهن في المبايعة "ولا تسرقن"، قالت: يا رسول الله! أبو سفيان رجلٌ مِسِّيك (٣) (لا يعطيني من النفقة ما يكفيني) -بفتح التحتية- من كفى (ويكفي بنيَّ): جمع ابن مضاف لياء المتكلم. وفي لفظ: وليس يعطيني ما يكفيني وولدي (٤): مفرد مضاف، فيشمل جميع ولدها من الذكور والإناث، والشحّ: البخل مع شدة حرص،

стр. 3577

والمِسِّيك: رواه الأكثر -بكسر الميم وتشديد السين المهملة على المبالغة-، وقيل: بوزن شحيح (١). قال في "النهاية": مسيك: بخيل يمسك ما في يده، ولا يعطيه أحدًا، وهو مثل البخيل وزنًا ومعنى. وقال أبو موسى: إنه مِسِّيك -بالكسر والتشديد- بوزن الخِمِّير والسِّكِّير؛ أي: شديد الإمساك لماله، وهو من أبنية المبالغة. قال: وقيل: المسيك: البخيل، إلا أن المحفوظ الأول (٢) (إلا ما أخذتُ من ماله) الذي له عندي في بيتي وتحت يدي (بغير علمه)؛ أي: علم أبي سفيان. وفي لفظ: إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم (٣). زاد الإمام الشافعي في روايته: سرًا (٤). فبإنضمام ما تأخذه بلا علمه إلى ما يعطيها إياه تحصل الكفاية لها ولولدها، (فهل عليَّ في ذلك)؛ أي: في أخذ تمام كفايتي وكفاية بنيّ من غير علم أبي سفيان (من جناح؟)؛ أي: من إثم وضيق. وفي رواية الزهري: فهل عليَّ حرجٌ أن أطعم من الذي له عيالنا (٥)؟ (فقال رسول الله ﷺ ) لها: (خذي). وفي رواية: "لا حرج عليك أن

стр. 3578

تطعميهم (من ماله") (١)؛ أي: من مال زوجك أبي سفيان (بالمعروف ما)؛ أي: شيئًا (يكفيك ويكفي بنيك). قال القرطبي: أمرُ إباحة؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: "ولا حرج". والمراد بالمعروف: القدر الذي عُرف بالعادة أنه الكفاية. قال: وهذه الإباحة، وإن كانت مطلقة لفظًا، لكنها مقيدة معنى، كأنه قال: إن صحّ ما ذكرت (٢). وقال غيره: يحتمل أن يكون ﷺ صدّقها فيما ذكرت، فاستغنى عن التقييد. واستدل بهذا الحديث على جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والشكاية ونحو ذلك، وهو أحد المواضع التي تباح فيها الغيبة. وفيه: جواز ذكر الإنسان بالتعظيم، كاللقب والكنية، وفيه نظر؛ لأن أبا سفيان إنما كان مشهورًا بكنيته. قالوا: وفيه جواز استماع كلام أحد الخصمين في غيبة الآخر. وفيه: جواز سماع كلام الأجنبية عند الحكم والإفتاء عند من يقول: إن صوتها عورة، وجاز هنا للضرورة. وأن القول قول الزوجة في قبض النفقة، وإلا لكُلِّفت هندٌ البينةَ على إثبات عدم الكفاية.

стр. 3579

وأجاب المازري عن ذلك بأنه من باب تعليق الفتيا [لا القضاء] (١). تنبيهات: الأول: القصد من إيراد هذا الحديث في هذا الباب صحةُ الحكم على الغائب. قال علماؤنا: من ادَّعى على غائب عن البلد مسافةَ قصر بغير عَمَلِه، أو ادعى على مستتر إما بالبلد، أو بدون مسافةَ قصر، أو على ميت، أو غير مكلف، وله بينة، ولو شاهدًا ويمينًا فيما يقبل فيه، سُمعت دعواه، وحكم له بذلك (٢)، واحتجوا بقصة هند هذه، وأنه ﷺ قضى لها على أبي سفيان ولم يكن حاضرًا. قال أبو المظفر عون الدين بن هبيرة -رضوان الله عليه-: اتفقوا؛ أي: الأئمةُ الأربعة على أن الحاكم يسمع دعوى الحاضر وبينته على الغائب. ثم اختلفوا هل يحكم بها على الغائب؟ فقال أبو حنيفة: لا يحكم له عليه، ولا على من هرب قبل الحكم، وبعد إقامة البينة، فلا يحكم على الغائب بحال، إلا أن يتعلق الحكم للحاضر؛ مثل أن يكون للغائب وكيل أو وصيٌّ، أو يكون جماعة شركاء في شيء، فيدّعي على أحدهم وهو حاضر، فيحكم عليه وعلى الغائب. وقال مالك: يحكم للغائب على الحاضر إذا أقام البينة وسأل الحاكم. واستحسن مالك التوقف عن الرباع في رواية. وفي رواية أخرى قال:

стр. 3580

يحكم فيها أيضًا، قال أصحابه: وهو النظر. وقال الشافعي: يحكم على الغائب إذا قامت البينة للمدعي على الإطلاق. قال: وعن الإمام أحمد روايتان: أظهرهما: جواز ذلك على الإطلاق؛ كمذهب الشافعي. والأخرى: لا يجوز ذلك؛ كمذهب أبي حنيفة، انتهى (١). ومعتمد المذهب: جواز ذلك إلا في حقوق الله تعالى، فلا تُسمع بينة ولا يُحكم بها على غائب ونحوه. فيقضى في سرقة ثبتت على غائب بغرم مال مسروق دون قطع؛ لحديث: "ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" (٢). وهل يجب على المحكوم له على غائب ونحوه يمينٌ على بقاء حقه في ذمة الغائب أو الميت، أو لا؟ اختار المنقح وجوبها، قال: والعمل عليه في هذه الأزمنة (٣)؛ لفساد أحوال غالب الناس؛ لاحتمال أن يكون استوفى ما شهدت له به البينة، أو ملكه العين التي شهدت له بها البينة (٤). الثاني: إذا حضر الغائب، أو كُلِّف غيرُ المكلَّف، أو رشد غيرُ الرشيد، أو ظهر المستتر، فهو على حجته إن كانت له حجة؛ لزوال المانع، والحكم بثبوت أصل الحق لا يبطل دعوى القضاء أو الإبراء ونحوه مما يسقط الحق،

стр. 3581

وإن حضر قبل الحكم، وقف الحكم على حضوره، ولا تجب إعادةُ البينة، بل يخبره الحاكم بالحال، ويُمكِّنه من الجرح. فإنْ جرحَ البينةَ بأمر بعد أداء الشهادة؛ بأن يقول مثلًا: فلان قد شرب الخمر اليوم بعدما شهد، أو جرحها مطلقًا، لم يقبل جرحه لها؛ لأنه لابدّ من قبول جرحه لها بارتكاب أمر يرد الشهادة قبل أدائها (١). الثالث: احتجاجُ من احتجّ من العلماء بقصة هند لما اشتكت أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ ، فأذن لها أن تأخذ من ماله كفايتها وكفايةَ بنيها بالمعروف، فيه نظر بيّنٌ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا تلميذه ابن القيم: هذا الاستدلال ضعيف جدًا، فإن هذا إنما هو فُتيا من رسول الله ﷺ لا حكم؛ لأن زوجها أبا سفيان لم يكن غائبًا عن البلد، قال: والحكم على الغائب عن مجلس الحاكم الحاضرِ في البلد غيرُ ممتنع من الحضور، وهو يقدر عليه، ولم يوكل وكيلًا، لا يجوز اتفاقًا. وأيضًا: هند لم تسأله ﷺ الحكم، وإنما سألته: هل يجوز لها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي ولدها؟ وهذا استفتاء محض، فالاستدلال به على الحكم سهو. وكذا استدلال من استدل بالقصة المذكورة على أن للحاكم أن يحكم بعلمه (٢)؛ كما ذكرنا أنَّها من باب الفتيا لا من باب الحكم، والله أعلم.

стр. 3582

الحديث الثالث عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ ببَابِ حُجْرَتهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقَالَ: "أَلَا إِنما أَنا بَشَرٌ، وَإنَّما يَأْتِيني الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنّهُ صَادِقٌ، فَأقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإنَّما هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ، فَلْيَحْمِلَها أَوْ يَذَرْها" (١).

стр. 3583

(عن) أم المؤمنين (أم سلمةَ) هندٍ بنتِ أميةَ (﵂: أن رسول الله ﷺ سمع جلبةَ خصم) بإضافة جلبة إلى خصم؛ أي: أصواتهم ولَغَطَهُم (بباب حجرته) ﵊، والجمع: حُجَر وهي البيوت، وكلُّ موضع حجر عليه حجارة، فهو حجرة، والحجار: الحائط (١)، (فخرج) النبي ﷺ (إليهم)؛ أي: المتخاصمين بباب حجرته، (فقال) لهم: (ألا) أداة استفتاح (إنما) أداة حصر (أنا بشرٌ)؛ أي: لا أعلم الغيب وبواطن الأمور، كما هو مقتضى الحالة البشرية، وأنه إنما يحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، ولو شاء الله، لأطلعه على بواطن الأمور حتى يحكم باليقين. لكن لما أمر الله أمته بالاقتداء به، أجرى أحكامه على الظاهر؛ لتطيب نفوسهم للانقياد (٢)، (وإنما يأتيني الخصمُ) منكم، (فلعل بعضَكم أن يكون أبلغَ)؛ أي: أفصح ببيان حجته (من بعض). قال الزَّجَّاج: معنى البلاغة: بَلَّغَ المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ. وقيل: الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير إضمار. وقال بعضهم: البليغ: أسهلُهم لفظًا، وأحسنهم بديهة.

стр. 3584

وقيل: هي أن يدل أولُ الكلام على آخره، وآخرُه على أوله (١). وفي حديث أبي هريرة عند ابن أبي شيبة: "ولعل بعضَكم أن يكون أَلحنَ بحُجَّته من بعض" (٢)، (فأحسبَ) -بالنصب- عطف على قوله: "أن يكون أبلغ" وأدخل "أن" تشبيهًا للعلَّ بِعسى (أنه صادق) لبلاغة ألفاظه، وحسن احتجاجه ولحنه بدعواه. قال الخطابي: واللَّحَن -بالتحريك-: الفطنة، ولَحِن -بالكسر- يلحَن لَحْنًا -بسكون الحاء- في الإعراب (٣). (فأقضي له) بما ادعاه (فمن)؛ أي: أَيُّ إنسان وكلُّ شخص (قضيتُ)؛ أي: حكمت (له بحق مسلم)؛ أي: أو ذمي، أو معاهد، وإنما خصّ المسلم تغليبًا أو اهتمامًا بحاله، أو نظر إلى لفظ "بعضكم"؛ فإنه خطاب للمؤمنين، (فإنما هي)؛ أي: القضية المحكومُ له بها من مال المسلم ونحوه. (قطعة من النار) المعهودةِ التي هي نارُ جهنم؛ أي: هو حرام، مآلهُ إلى النار. (فليحملها)؛ أي: تلك القطعة التي هي من نار جهنم، وتؤول بحاملها إلى النار. وفي لفظ: "فليأخذها" (٤) أمر تهديد لا تخيير (٥) (أو يذرْها) أي: يتركْها؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ

стр. 3585

فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. فيستفاد من الحديث: الحكمُ بالظاهر تشريعًا للأمة، وهو كقوله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلا الله" (١)، وقوله في حديث المتلاعنين: "لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن" (٢). وقال القرطبي: قد روي في هذا: "إنما أحكم بما أسمع"، و"إنما" للحصر، فكأنه قال: لا أحكم إلا بما أسمع (٣). وقد اختلف في هذا، فمعتمد مذهب الإمام أحمد: أن الحاكم لا يسوغ له أن يحكم بإذنه إلا بما إذا أقر إنسان في مجلس حكمه، وإن لم يسمعه غيره على المعتمد. فأما حكمه بعلمه في غير ذلك مما رآه بعينه أو سمعه بأذنه، قبل الولاية أو بعدها، فلا يجوز إلا في الجرح والتعديل، فيعمل الحاكم بعلمه في عدالةِ بينةٍ وجرحِها. قال في "شرح المنتهى" للمصنف: بغير خلاف (٤). وقال الإمام مالك في المشهور عنه: الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء، وبه قال إسحاق، وأبو عبيد، والشعبي، وروي عن شريح (٥). قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية": مذهب الإمام مالك أن الحاكم لا يقضي بعلمه في المدعى به بحال، سواء علمه قبل

стр. 3586

التولية، أو بعدها، في مجلس قضائه، أو غيره، قبلَ الشروع في المحاكمة، أو بعدَ الشروع، فهو أشد المذاهب في ذلك. وقال عبد الملك، وسحنون: يحكم بعلمه فيما علمه بعد الشروع في المحاكمة. قالوا: فإن حكم بعلمه حيث قلنا: لا يحكم، فقال أبو الحسن اللخمي: لا يُنقض عند بعض أصحابنا، وعندي: أنه ينقض. قالوا: ولا خلاف أن ما رآه القاضي أو سمعه في غير مجلس قضائه أنه لا يحكم به، وأنه ينتقض إن حكم به، وينقضه هو وغيره، وإنما الخلاف فيما يتقارر به الخصمان في مجلسه، فإن حكم به، نقضه هو، ولا ينقضه غيره. قال اللخمي: وقد اختلف إذا أقر بعد أن جلسا للخصومة، ثم أنكر، فقال الإمام مالك، وابن القاسم: لا يحكم بعلمه. وقال عبد الملك، وسحنون: يحكم؛ لأن الخصمين إذا جلسا للحاكم، فقد رضيا أن يحكم بينهما بما يقولانه، ولذلك قصداهُ. هذا محصل مذهب الإمام مالك (١). وأما مذهب أبي حنيفة على ما في "الطرق الحكمية" لابن القيم، فقالوا: إذا علم الحاكم بشيء من حقوق العباد في زمن ولايته ومحلها، جاز له أن يقضي به؛ لأن علمه كشهادة الشاهدين، بل أولى؛ لأن اليقين حاصل بما علمه بالمعاينة أو السماع، والحاصل بالشهادة غلبة الظن، وأما ما علمه قبل ولايته، أو في غير محل ولايته، فلا يقضي به عند أبي حنيفة. وقال محمد، وأبو يوسف: يقضي به كما في حال ولايته ومحلها.

стр. 3587

قال المنتصرون لقول أبي حنيفة: هو في غير مصره وغير ولايته شاهدٌ لا حاكم، وشهادة الفرد لا تقبل، وصار كما لو علم ذلك بالبينة العادلة، ثم ولي القضاء، فإنه لا يعمل بها. قالوا: وأما الحدود، فلا يقضي بعلمه فيها؛ لأنه خصم فيها؛ لأنها حق لله تعالى، وهو نائبه، إلا في حدّ القذف، فإنه يعمل بعلمه؛ لما فيه من حق العبد، وإلا في السكر إذا وَجَدَ سكرانًا، أو رأى به أماراتِ السُّكر، فإنه يعزِّره. هذا محصل مذهب أبي حنيفة (١). وأما مذهب الشافعي، فيحكم الحاكم بعلمه في غير عقوبة لله تعالى من حَدٍّ أو تعزير. قالوا: وشروط الحكم به كما في "شرح المنهج" للقاضي زكريا: أن يصرح الحاكم بمستنده فيقول: علمت أَنَّ له عليكَ ما ادعاه، وحكمتُ عليك بعلمي، قاله الماوردي، والروياني، انتهى (٢). قال ابن القيم: وأما أهلُ الظاهر، فقال أبو محمد بن حزم: وفرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في الدماء والأموال والقصاص والفروج والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته، أو بعدها. قال: وأقوى ما حكم: بعلمه، ثم بالإقرار، ثم بالبينة، واحتجوا لذلك بما لا يجدي (٣). وهذا الحديث قاصم لظهورهم، ومبطلٌ لدعواهم.

стр. 3588

ومما احتجوا به: قوله ﷺ لهند في الحديث المتقدم: "خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف"، وقد قررنا أن الاستدلال به سهو؛ لأنه من باب الفتيا لا القضاء، وبقوله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه" (١). وإذا رأى وحدَه عدوانَ رجل على رجل، وغصبه ماله، وسمع طلاقه لامرأته، وعتقه لعبده، ثم رأى الرجل مستمرًا على إمساك الزوجة، أو بَيْعِ من صرح بعتقه، فقد أقرَّ على المنكر الذي أمر بتغييره. والجواب عن هذا: أنه مأمور بتغيير ما يعلم الناس أنه منكر بحيث لا تتطرق إليه تهمة في تغييره، وأما إذا عمد إلى رجل مع زوجته وأَمَته، لم يشهد أحد أنه طلقها، ولا أعتقها أَلبتةَ، ولا سمع بذلك أحد قط، ففرق بينهما، وزعم أنه طلق وأعتق، فإنه ينسب ظاهرًا إلى تغيير المعروف بالمنكر، ويتطرق الناس إلى اتهامه والوقوع في عرضه. وهل يسوغ للحاكم أن يأتي إلى رجل مستور بين الناس غيرِ مشهورٍ بفاحشة، ولم يشهد عليه شاهد واحد بها، فيرجمه، ويقول: رأيته يزني، أو يقتله ويقول: سمعته يسبُّ، أو يفرق بين الزوجين ويقول: سمعته يطلق؟! وهل هذا إلا محض التهمة؟! ولو فتح هذا الباب، ولاسيما لقضاة الزمان، لوجد كلُّ قاض له عدوٌّ السبيلَ إلى قتل عدوه ورجمه وتفسيقه، والتفريق بينه وبين امرأته، ولاسيما إذا كانت العداوة خفية لا يمكن عدوه إثباتها حتى لو كان الحق هو حكم الحاكم بعلمه، لوجب منعُ قضاة الزمان من ذلك، وهذا إذا قيل في شريحٍ، وكعبِ بنِ سوار، وإياسِ بنِ معاوية،

стр. 3589

وحفص بن غياث، وأضرابهم، كان فيه ما فيه (١). هذا كلام ابن القيم في "الطرق الحكمية" وتنكيته على قضاة زمانه مع كون الملة الإسلامية محميةً بالدولة القرشية، والأئمةُ في تلك الأعصار موجودون، والحفاظ متظافرون، ورايةُ العلم منشورة، وسيوفه مشهورة، والدروس والمدارس عامرة متكاثرة. فكيف بزماننا هذا الذي لم يبق فيه من الدين إلا اسمُه، ومن العلم إلا رَسْمُه، ومن العدل إلا ما جرى على ظلم من تقدمه، ومن الفضل إلا ما تابع به من حاضره وقدمه، ومن الحزم إلا ما وافق رأي مخدومه، ومن العزم إلا ما جرى على قانونه ومرسومه، فغوثًا بك اللهم من زمان كَلَحَ في وجه أهل العِرْض والديانة، ورمى بِكَلْكَلِه على ذوي المروَّات والصيانة، واستعانةً بك اللهم من عصور دولتُها الذئابُ الضارية، وحكامها القرودُ العاتية، وسلاطينها الأُسود الجائعة، وتجارُها الفئران الجامعة، وعلماؤها الثعالبُ المختلسة، وعُبَّادها الشياطين المتلبسة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. قال الإمام ابن القيم: وقد ثبت عن أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، ومعاوية ﵃ المنعُ من ذلك؛ أي: من حكم الحاكم بعلمه. قال: ولا يُعرف لهم مخالف في الصحابة، فذكر البيهقي وغيرُه عن أبي بكر الصديق ﵁: أنه قال: لو وجدت رجلًا على حدّ من حدود الله، لم أَحُدَّه حتى يكون معي غيري (٢).

стр. 3590

وعن عمران: أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أرأيت لو رأيت رجلًا يقتل أو يسرق أو يزني؟ قال: أرى شهادتك شهادةَ رجل من المسلمين، قال: أصبت (١). وعن علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه- نحوه (٢). وهذا من كمال فقه الصحابة الكرام ﵃؛ فإنهم أفقهُ الأمة، وأعلمُهم بمقاصد الشرع وحكمِه (٣). وأطال في الرد على المخالف في الكتاب المذكور، والله ولي الأمور. وفي الحديث: دليل على حكمه ﷺ بالاجتهاد. قال القاضي عياض: وهو قول المحققين. قال الخطابي: وفيه: دليل على أنه ليس كل مجتهد مصيبًا، وأن إثم الخطأ مرفوعٌ عنه إذا اجتهد. وفيه: العملُ بالظن؛ لقوله ﷺ : "فأحسب أنه صدق"، وهو أمر لم يختلف فيه في حق الحاكم. وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن كل ما يقضي به الحاكم؛ من تمليك مال، وإزالة ملك، أو إثبات نكاح أو طلاق، وما أشبه ذلك على ما حكم، وإن كان في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان، وعلى خلاف ما حكم بشهادتهما على الحكم الظاهر، ولو لم يكن قضاء القاضي موجبًا، لما

стр. 3591

حصل به فائدة تمليك ولا تحليل ولا تحريم. وممن قال ذلك: أبو يوسف. وخالفهم آخرون، فقالوا: ما كان من ذلك من تمليك مال، فهو على حكم الباطن، وما كان من ذلك من قضاء بطلاق أو نكاح بشهودٍ ظاهرُهم العدالة، وباطنُهم خلافها، فحكم الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم، فإنه ينفذ ظاهرًا وباطنًا (١). وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد (٢). وتقدم أن المعتمد عند الجمهور: أن حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن حقيقته باطنًا، والله أعلم.

стр. 3592

الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كَتَبَ أَبي، وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى ابنِهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ بسِجِسْتَانَ، أَنْ لَا تَحْكُم بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؛ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" (١). وَفي رواية: "لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" (٢).

стр. 3593

(عن) أبي بَحْرٍ -بالموحدة والحاء المهملة والراء-، وكناه النووي في "التهذيب" بأبي عمرو (عبدِ الرحمن بنِ أبي بكرةَ)، واسمه نُفَيع بنُ الحارث -كما تقدم في ترجمته-. ولد عبد الرحمن هذا بالبصرة سنة أربع عشرة حيث نزلها المسلمون، وهو أول مولود بها من المسلمين، وهو من أَجِلَّاء التابعين، كثيرُ الحديث، سمع أباه، وعليًا، وابنَ عمر، وغيرَهم. وروى عنه: محمدُ بن سيرين، وعبدُ الملك بن عُمير، وعليُّ بن زيد، وغيرُهم. توفي سنة ست وتسعين، وهي السنة التي توفي فيها إبراهيم النخعي على قول. أخرج له الجماعة (١). (قال) عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵁: (كتب أبي) أبو بكرة نفيع بن الحارث؛ أي: أمرني أن أكتب له، ولهذا قال: (وكتبت له)؛ أي: أملى علي، فكتبت ما أملاه علي (إلى ابنه عبيد الله بن أبي بكرة، وهو)؛ أي: والحال أنه (قاضٍ) يكنى عبيدُ الله: أبا حاتم، وهو أحد الكرام المذكورين، والسمحاء المشهورين.

стр. 3594

روى عن: علي بن أبي طالب، وعن أبيه، وغيرهما. روى عنه: ابنه زياد بن عبيد الله، ومحمد بن سيرين، وغيرهما. ولي قضاء البصرة، وكان قليل الحديث، وكان عبد الرحمن المتقدم ذكرُه أكبرَ، ولكن عبيد الله هذا أجود وأشهر. مات سنة سبع وتسعين (١). ولما كتب له أبوه أبو بكرة كان قاضيًا (بسجستان)، وهي ناحية كبيرة واسعة عمرها سجستان بن فارس، أرضُها كلُّها سبخةٌ رملة، والرياح فيها لا تسكن أبدًا، حتى بنوا عليها أَرْحِيَتَهم، وكلُّ طحينهم من تلك الرياح، وهي -مع كونها شديدة الريح- بلادٌ حارة، وقلَّ أن يُرى فيها بيت إلا وفيه قُنفذ، وأهلها من خيار الناس، وأصح معاملة، وهم يسارعون إلى إغاثة الملهوف، ومواساةِ الضعيف، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، وامتنعوا على بني أمية أن يشتموا سيدنا عليًا -رضوان الله عليه- على منابرهم (٢). والذي كتب به أبو بكرة ﵁ لابنه عبيد الله: (أَنْ لا تحكمْ بين اثنين) من الخصماء (وأنت غضبان)؛ أي: في حال غضبك، ثم علل ذلك بقوله: (فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يحكم أحدٌ بين)

стр. 3595

خصمين (اثنين وهو غضبان)؛ أي: في حال غضبه. (وفي رواية) في "الصحيحين": (لا يقضينَّ) نهي مؤكد بالنون الثقيلة (حكم بين اثنين) من الخصماء (وهو غضبان) غضبًا كثيرًا. قال علماؤنا: يحرم على الحاكم القضاء وهو غضبان كثيرًا؛ لأن الغضب الكثير يمنع فهم الحكم، وكذا في شدة جوع أو عطش، أو هم أو ملل أو كسل، أو نعاس أو برد مؤلم، أو حر مزعج؛ لأن ذلك كله يشغل الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب، ويمنع حضور القلب (١). وفي "منهج" القاضي زكريا و"شرحه" له من الشافعية: وكُره قضاءٌ عند تغير خلقه بنحو غضب؛ كجوع وشبع مفرطين، ومرض مؤلم، وخوف مزعج، وفرح شديد. نعم إن غضب لله، ففي الكراهة [وجهان] (٢): قال البلقيني: المعتمد: عدمها، انتهى (٣). لكن معتمد مذهب الشافعية: الكراهة، ولو كان الغضب لله، وإن خالفَ وحكمَ في حالة لا يحل له الحكمُ فيها؛ كما لو حكم وهو غضبان ونحوه، فأصاب الحقَّ، نفذ حكمه في الأصح عندنا كالشافعية (٤)، ومحل الحرمة عندنا، والكراهة عند الشافعية في غير حق النبي ﷺ ؛ للعصمة المانعة من الغلط ونحوه. قال الإمام الناصر لدين الله أميرُ المؤمنين أبو العباس أحمدُ أحدُ خلفاء

стр. 3596

بني العباس في كتابه "تَرك الغضب وكَظْم الغيظ": اعلم أن الله -تعالى- لما خلق الحيوان معرضًا للفساد والموتان بأسباب في داخل بدنه، وأسباب خارجة عنه، أنعمَ عليه بما يحميه الفساد، ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم، سماه في كتابه. . . . إلى أن قال: والأسباب الخارجة التي يتعرض لها الإنسان كالسيف والسنان وسائر المهلكات التي يُقصد بها، فافتقر إلى قوة وحمية تثور من باطنه، فتدفع المهلكات عنه، فخلق الغضب من النار، وغرزه في الإنسان، وعجنه بطينته، فمهما قصد في غرض من أغراضه، ومقصود من مقاصده، اشتعلت نار الغضب، وثارت ثورانًا يغلي به دم القلب، وتنتشر في العروق، وترتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار، وكما يرتفع الماء الذي يغلي في القدور، فلذلك ينصب إلى الوجه، فيحمر الوجه والعين والبشرة لصفائها، فيحكي لون ما وراءها من حمرة الدّم، كما تحكي الزجاجة لونَ ما فيها، وإنما ينبسط الدم إذا غضب على مَنْ دونه، واستشعر القدرةَ عليه، فإن صدر الغضب عَمَّنْ فوقه، وكان مأيوسًا من القدرة على الانتقام، تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب، وصار حزنًا، ولذلك يصفر اللون، وإن كان على نظير يشكُّ فيه، تولد منه تردُّدُ الدم بين انقباض وانبساط، فيحمرُّ ويصفر ويضطرب. وبالجملة: فقوة الغضب محلُّها القلب، ومعناها غليانُ دم القلب لطلب الانتقام، وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها، والانتقام قوةُ هذه القوة وثمرتُها، وفيه لذتها، ولا تسكن إلا به. ثم إن الناس في هذه القوة على ثلاث درجات من أول الفطرة؛ من التفريط، والإفراط، والاعتدال.

стр. 3597

فأما التفريط، فيفقد هذه القوة من أصلها، وذلك مذموم، وهو الذي يقال فيه: إنه لا حمية له، وقد وصف الله تعالى الصحابة الكرام بالشدة والحمية، فقال: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]. وأما الإفراط، فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين، ولا يبقى للعقل مع الغضب بصيرة ونظر وفكر ولا اختيار، بل يصير في صورة المضطر، وسببه غلبة أمور غريزية وأمور اعتيادية، فرب إنسان مستعد لسرعة الغضب بالفطرة، حتى كأن صورته في الفطرة صورة غضبان، ويعين على ذلك حرارةُ مزاج القلب؛ لأن الغضب من النار؛ كما قاله رسول الله ﷺ ، فبرودة المزاج تطفئه، وتكسر سَوْرَته. وأمّا الأسباب الاعتيادية، فبمخالطة من يتبجَّح بتشفي الغيظ وطاعة الغضب، ويسمون ذلك شجاعةً ورجولية، حتى يقول قائلهم: أنا الذي لا أصبر على الضيم، ولا أحتمله من أحد، ومعناه: لا عقلَ لي ولا حلم، فيذكر ذلك في معرض الفخر بجهله، فربما رسخ في نفس من يسمعه حسّ الغضب، وكلما اشتدت نار الغضب، وقوي اضطرابها، أعمت صاحبه، أو أصمته عن كل موعظة؛ لأن نور عقله قد انطفأ وانمحى بدخان الغضب؛ فإن معدن الفكر الدماغ، ويتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخانٌ إلى الدماغ مظلمٌ يستولي على معادن الفكر، ويتعدى إلى معادن الحس، فتظلم عينه، وتسود عليه الدُّنيا بأسرها، فدماغه بمثابة كهف أُضرمت فيه نار، فاسود جَوُّه، وحمي مستقره، وامتلأ بالدخان جوانبه، وكان فيه سراج ضعيف، فانطفأ وانمحى نوره، فلا يثبت فيه قدم، ولا يسمع فيه كلمة، ولا يقدر على إطفائه، بل ينبغي أن يصبر إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق.

стр. 3598

وكذلك يفعل الغضب بالقلب والدماغ، وربما تقوى نار الغضب، فتفني الرطوبة التي بها حياةُ القلوب، فيموت صاحبه غيظًا، كما تقوى النار في الكهف، فيتشقق وتنهدّ أعاليه على أسافله. وبالحقيقة، فالسفينة في ملتطم الأمواج عند اضطراب الرياح في لجة البحر أحسنُ حالًا وأرجى سلامةً من النفس المضطربة غيظًا. ومن آثار هذا الغضب في الظاهر: تغير اللون، وشدَّةُ الرعدة في الأطراف، وخروجُ الأفعال عن الترتيب والنظام، واضطرابُ الحركة والكلام، حتى يظهر الزبد على الأشداق، وتحمر الأحداق، وتنقلب المناخر، وتستحيل الخلقة. ولو رأى الغضبان في حال غضبه قبحَ صورته، لسكن غضبه [حياء (١)] من قبح ظاهره؛ فإن الظاهر عنوان الباطن، فهذا أثره في الجسد. وأما أثره في اللسان، فانطلاقه بالشتم والفحش وقبائح الكلام الذي يستحيي منه عند زوال غضبه، ولكل عضو من أعضاء البدن عند إثارة الغضب وشدته نصيبٌ من عدم الانتظام والتغير عن الفطرة. وثمرةُ تركِ الغضبِ بالكلية فقدُ الأنفة والحمية، والغيرةِ المحمودة المرضية. والمحمودُ من الغضب ما كان لله، فهو غضب ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعث حين تجب الحمية، وينطفىء حيث يحسن الحلم، فيحفظ صاحبه، ويوقفه على حدِّ الاعتدال، وخيرُ الأمور أوساطها، انتهى ملخصًا (٢).

стр. 3599

وفي "مسند الإمام أحمد"، و"سنن الترمذي" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال في خطبة: "ألا إن الغضبَ جمرةٌ في قلب ابن آدم، أَفما رأيتم إلى حُمرة عينيه، وانتفاخ أَوْداجِهِ؟ فمن أحسَّ من ذلك شيئًا، فليلزقْ بالأرض" (١). وفي ذلك أخبار كثيرة وآثار شهيرة، والله الموفق. تنبيه: اشترط علماؤنا كون القاضي مجتهدًا. قال ابن حزم: إجماعًا، ولو في مذهب إمامه؛ للضرورة. واختار جمع: أو مقلدًا (٢). وفي "الإنصاف": وعليه العمل من مدة طويلة، وإلا لتعطلت أحكام الناس، وعليه فيراعي [القاضي (٣)] ألفاظ إمامه، ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ويحكم به -ولو اعتقد خلافه-؛ لأنه مقلد (٤). وفي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: يُولى لعدمٍ أنفعُ فاسِقَينِ، وأقلُّهُمَا شرًا، وأعدلُ المقلِّدينِ، وأعرفُهُما بالتقليدِ (٥).

стр. 3600

وفي "الإفصاح": إن الإجماع انعقد على تقليد كلٍّ من المذاهب الأربعة، وإن الحق لا يخرج عنهم (١). قال الإمام الموفق: النسبة إلى إمام في الفروع كالأئمة الأربعة ليست بمذمومة؛ فإن اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة قاطعة. ونظر فيه بعض العلماء بأن الإجماع ليس عبارة عن الأربعة وأصحابهم. ورد هذا في "الفروع" بأنه ليس في كلام الموفق ما فهمه المعترض (٢). قال علماؤنا: فلو حكم القاضي ولم يجتهد، لم يصح، ولو أصاب الحق (٣)، وهذا تفريع على اشتراط كونه مجتهدًا. وفي "الإفصاح" لابن هبيرة: واتفقوا على أنه لا يجوز أن يولَّى القضاء مَنْ ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة، فإنه قال: يجوز ذلك. قال أبو المظفر الوزير ابنُ هبيرة -قدّس الله روحه-: الصحيح في هذه المسألة أن قول من قال: بأنه لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد، فإنه إنما عنى به ما كانت الحال عليه قبل استقرار ما استقر من هذه المذاهب التي اجتمعت هذه الأمّة على أن كلًا منها يجوز العملُ به؛ لأنه مستند إلى أمر رسول الله ﷺ ، وأطال في ذلك. وقال: إذا قصد؛ أي: الحاكم في مواطن الخلاف تَوَخِّيَ ما عليه الأكثرُ منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد، فإنه قد أخذ بالحزم والأحسن والأولى، مع جواز أن يعمل بقول الواحد (٤)، والله الموفق.

стр. 3601

الحديث الخامس عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ " ثَلَاثًا، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "الإشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ"، وَكانَ مُتَّكئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ"، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا؛ حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سكَتَ (١).

стр. 3602

(عن أبي بكرة)، نُفَيع -بضم النون- الثقفي (﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ألا) -بفتح الهمزة وتخفيف اللام- للتنبيه هنا لتدل على تحقيق ما بعدها (أنبئكم)؛ أي: أخبركم كما في لفظ (١) (بأكبر الكبائر) ليس هو على ظاهره من الحصر، بل "من" فيه مقدرة، فقد ثبت في أشياء أخر -غير المذكورة هنا- أنَّها من أكبر الكبائر؛ كقتل النفس، والزنا بحليلة الجار، واليمين الغموس، واستطالة المرء في عِرْض رجل مسلم، ومنعِ فضل الماء، ومنعِ الفحل، وسوءِ الظن بالله، إلى غير ذلك مما أطلق الشارع عليه أنه من أكبر الكبائر (٢). قال ابن دقيق العيد: يستفاد من قوله: "أكبر الكبائر" انقسام الذنوب إلى كبير وأكبر، ويستنبط منه: أن في الذنوب صغائر وكبائر، لكن فيه نظر؛ لأن من قال: كل ذنبٍ كبيرة، فالكبائر والذنوب عنده متواردان على شيء واحد، فكأنه قيل: ألا أنبئكم بأكبر الذنوب؟ قال: ولا يلزم من كون الذي ذُكر أنه أكبرُ الكبائر استواؤها؛ فإن الشرك بالله أعظمُ من جميع ما ذكر معه (٣) (ثلاثًا)؛ أي: قالها ثلاث مرات على عادته ﷺ في تكرير الشيء ثلاث مرات تأكيدًا؛ لينبه السامعَ على إحضار قلبه وفهمه للخبر الذي يذكره.

стр. 3603

وفهم بعضهم منه أن المراد بقوله: ثلاثًا، عددُ الكبائر، وهو بعيد، ويؤيده رواية: "أكبرُ الكبائر الإشراكُ، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور" ثَلاثًا. وقد اختلف السلف، فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب كبائر، ومنها صغائر، وشذّت طائفة منهم: أبو إسحاق الإسفراييني، فقالوا: ليس في الذنوب صغيرة، بل كل ما نهى الله عنه كبيرة، ونقل ذلك عن ابن عباس ﵄ (١)، وحكاه القاضي عياض عن المحققين (٢)، واحتجوا بأن كل مخالفة لله، فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرةٌ، انتهى (٣). ونسبه ابن بطال إلى الأشعرية، فقال: انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامة الفقهاء، وخالفهم الأشعرية؛ أبو بكر بنُ الطيب وأصحابه، فقالوا: المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال: بعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها؛ كما يقال: القُبلة معصية صغيرة بإضافتها إلى الزنا، وكلها كبائر. قالوا: ولا ذنبَ عندنا يغفر واجبًا باجتناب ذنب آخر، بل كل ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة، غير الكفر؛ لقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وأجابوا عن الآية التي احتج بها الجمهور، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] الآية: أن المراد: الشرك.

стр. 3604

وقد قال الفراء: من قرأ: كبائر، فالمراد بها: كبير، وكبير الإثم هو الشرك. وقد يأتي لفظ الجمع والمراد به الواحد؛ كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ولم يرسل إليهم غير نوح. قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة، انتهى (١). قال النووي: وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على القول الأول (٢). وقال الغزالي في "البسيط": إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه. قال القرطبي: ما أظنه يصحّ عن ابن عباس: أن كلَّ ما نهى الله عنه كبيرة؛ لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] , وقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، فجعل في المنهيات صغائر وكبائر، وفرق بينهما في الحكم؛ إذ جعل تكفير السيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن (٣)؟. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": ويؤيده من روى عنه في تفسيره اللممَ بصغائر الذنوب؛ كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا، رواه عنه طاوس.

стр. 3605

والنقل المذكور عنه أولًا. أخرجه إسماعيل القاضي، والطبري بسند صحيح على شرط الشيخين إلى ابن عباس ﵄ (١) -، فأولى أن يكون المراد بقوله: نهى الله عنه محمولًا على نهي خاص، وهو الذي قرن به وعيد؛ كما قيل في الرواية الأخرى عن ابن عباس، فيحمل مطلقه على مقيده جمعًا بين كلاميه. قال الطيبي: الصغيرة والكبيرة أمران نسبيان، فلابد من أمر يضافان إليه، وهو أحد ثلاثة أشياء: الطاعة، أو المعصية، أو الثواب. فأما الطاعة، فكل ما تكفره الصلاة مثلًا، فهو من الصغائر، وكل ما يكفره الإسلام أو الهجرة، فهو من الكبائر. وأما المعصية: فكل معصية يستحق فاعلها وعيدًا وعقابًا أزيدَ من الوعيد أو العقاب لسبب معصية أخرى، فهي كبيرة. وأمّا الثواب، ففاعل المعصية إن كان من المقربين، فالصغيرة بالنسبة إليه كبيرة؛ فقد وقعت المعاتبة في حق بعض الأنبياء على أمور لم تعد من غيرهم معصية، انتهى (٢). قال النووي: اختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافًا كثيرًا منتشرًا. فروي عن ابن عباس: أنها كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب (٣).

стр. 3606

قال: وجاء نحو هذا عن الحسن البصري. وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنار في الآخرة، أو أوجب فيه حدًا في الدُّنيا (١). قلت: قد نصَّ الإمام أحمد ﵁ على هذا، وهو معتمد ما استقر عليه المذهب. وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية: أو ورد فيه وعيد بنفي الإيمان، أو لعن فاعله. وإلى هذا أشار ناظم الكبائر بقوله: [من الطويل] فَمَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنَا أَوْ تَوَعُّدٌ ... بِأُخْرَى فَسَمْ كُبْرَى عَلَى نَصِّ أَحْمَدِ وَزَادَ حَفِيدُ الْمَجْدِ أَوْجَا وَعِيدُهُ ... بِنَفْيٍ لإِيمَانٍ وَلَعْنٍ مُبَعِّدِ (٢) وقال مثلما قال الإمامُ أحمد الماورديُّ من الشافعية، ولفظه: الكبيرةُ ما وجبت فيه الحدود، أو توجّه إليها الوعيد. وضبطها إمامُ الحرمين من الشافعية بضابط آخر، فقال: هي كل جريمة تؤذن بقلةِ اكتراثِ مرتكبها بالدين ورقَّةِ الديانة (٣). والحاصل: أن الصحيح المعتمد: انقسامُ الذنوب إلى صغيرة وكبيرة، وانقسامُ الكبائر إلى موبقات، وهي الأكبر، وإلى كبيرة.

стр. 3607

وقد روي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: لا صغيرةَ مع إصرار، ولا كبيرةَ مع استغفار (١). وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة (٢). والتوبة واجبة من الكبائر، وكذا من الصغائر عند علمائنا وغيرهم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم. وحكي عن طائفة من المعتزلة عدمُ وجوب التوبة من الصغائر؛ لوقوعها مكفَّرة، ومن المتأخرين من قال بوجوب أحد أمرين: إما التوبة، أو الإتيان ببعض المكفِّرات للذنوب من الحسنات (٣). (قلنا: بلى) أنبئنا بذلك (يا رسول الله) ﷺ ، (قال: الإشراك بالله). وفي حديث أنس بن مالك ﵁: سُئل النبيُّ ﷺ عن الكبائر، فقال: "الإشراك بالله" (٤). قال ابن دقيق العيد: ويحتمل أن يراد به مطلقُ الكفر، ويكون تخصيصه بالذكر؛ لغلبته في الوجود، ولاسيما في بلاد العرب، فذكر تنبيهًا على غيره من أصناف الكفر، ويحتمل أن يراد به خصوصُه، إلا أنه يرد على هذا الاحتمال: أنه قد يظهر أن بعض الكفر أعظم من الشرك، وهو التعطيل، فيترجح الاحتمال الأول (٥).

стр. 3608

(وعقوق الوالدين) -بضم العين المهملة- مشتق من العَقِّ، وهو القطعُ، والمراد به: صدور ما يتأذى به الوالدُ من ولده من قول أو فعل، إلا في شرك أو معصية، ما لم يتعنت الوالد (١). وتقدم الكلام عليه في حديث المغيرة بن شعبة في باب: الذكر عقب الصلاة. (وكان) ﷺ (متكئًا)؛ أي: مضطجعًا. قال الخطابي: كل معتمد على شيء متمكِّنٍ منه، فهو متكىء عليه (٢)، (فجلس)، وفي لفظ: وجلس وكان متكئًا (٣). والجملة حالية؛ أي: للاهتمام بهذا الأمر، وهو يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه، وسبب اهتمامه ﷺ بذلك كونُ قول الزور أو شهادة الزور أسهلَ وقوعًا على الناس من غيرها، والتهاونُ بها أكثر؛ لأن الحوامل عليها كثيرة؛ كالعداوة والحقد والحسد وغير ذلك، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيم ذلك (٤). (وقال) ﷺ بعد جلوسه: (ألا وقول الزور، وشهادة الزور)، ألا وقول الزور وشهادة الزور، (فما زال) ﷺ (يكررها حتى قلنا: ليته سكت)؛ أي: تمنينا أنه يسكت إشفاقًا عليه لما رأوا من انزعاجه في ذلك. وفي لفظ: فما زال يقولها حتى قلتُ: لا يسكت (٥).

стр. 3609

قال ابن دقيق العيد: اهتمامه ﵊ بشهادة الزور يحتمل أن يكون لأنها أسهلُ وقوعًا على الناس، والتهاونُ بها أكبرُ، ومفسدتها أيسرُ وقوعًا؛ لأن الشرك ينبو عنه المسلم، والعقوقُ ينبو عنه الطبع، وأمّا قول الزور، فالحوامل عليه كثيرة، فحسُنَ الاهتمامُ بها، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها. قال: وأما عطفُ الشهادة على القول، فينبغي أن يكون تأكيدًا للشهادة؛ لأنا لو حملناه على الإطلاق، لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة، وليس كذلك. وإن كان بعض الذنوب منصوصًا على عِظَمه؛ كقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢]. وبالجملة: فمراتب الكذب متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده. قال: وقد نصّ الحديث الصحيح على أن الغيبة والنميمة كبيرة، والغيبة تختلف بحسب القول المغتاب به. فالغيبة بالقذف كبيرة، ولا يساويها الغيبة بقبح الخلقة والهيئة مثلًا (١). وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاص على العام؛ لأن كل شهادة زور قولُ زور، بغير عكس، ويحمل قول الزور على نوع خاص منه. قال في "الفتح": والأولى ما قاله الشيخ ابنُ دقيق العيد، ويؤيدُه وقوع شكٍّ في ذلك في حديث النبي، فدل على أن المراد شيء واحد. قال القرطبي: شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصَّل بها إلى

стр. 3610

الباطل؛ من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال، فلا شيء من الكبائر أعظمُ ضررًا منها، ولا أكثرُ فسادًا بعد الشرك بالله منها (١). وزعم بعضهم أن المراد بشهادة الزور في هذا الحديث: الكفر؛ فإن الكافر شاهد بالزور، وهو ضعيف. وقيل: المراد: من يستحل شهادة الزور، وهو بعيد (٢). ويدل على أن المراد بقول الزور: شهادة الزور: حديث خُرَيم -بضم الخاء المعجمة- بنِ فاتك -بالفاء والتاء المثناة فوق بينهما ألف ثم كاف- ﵁، قال: صلى رسول الله ﷺ صلاةَ الصبح، فلما انصرف، قام قائمًا، فقال: "عدلَتْ شهادةُ الزورِ الإشراكَ بالله" ثلاث مرات، ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١]، رواه أبو داود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه (٣). وقد روى ابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، من حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لن تزولَ قدمُ شاهدِ الزور حتى يوجبَ اللهُ له النارَ" (٤).
следующие страницы →