← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقد قال له ﷺ في ذلك: "لا يحبُّك إلا مؤمنٌ، ولا يُبغضك إلا منافقٌ" (١). ومناقبه ﵁ لا تنحصر، وقد أُفْرِدَت بالتأليف. بويع له بالخلافة بعد عثمان، فوليها أربعَ سنين، وسبعةَ أشهر، وأياماً، وقيل: خمسة، وقيل: تسعة، وقيل: ثلاثة، أو غير ذلك. ثم قتله عبدُ الرحمن بن مُلْجِم ليلةَ الجمعة، فتُوفي ليلة الأحد، التاسع عشر من شهر رمضان، سنة أربعين، عام الجماعة، وله ثلاث وستون سنة على المشهور ﵁ (٢). (قال) علي ﵁: (كنت رجلاً مذاءً)؛ أي: كثير خروج المذي من ذَكَري. قال في "النهاية" مَذَّاء: فَعَّال للمبالغة في كَثْرَة المَذْي، وقد مذى الرجل يَمْذي وإمذاءً، والمذاء المماذاة: فَغَال منه (٣).

стр. 387

قال علي ﵁: (فاستَحييت) هي اللغة الفصحى، وقد يقال: استَحَيْتُ؛ من الحياء، وهو لغةً: تغيرُ وانكسارٌ يعتري الإنسانَ من خوف ما يُعاب به، وشرعاَّ: خُلُق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق (١) (أن أسأل رسول الله ﷺ ) عن حكم ذلك؛ المكان ابنته) ﷺ ، وهي فاطمة الزهراء ﵍ (مِنِّي) (٢). وفي روايةٍ لمسلم من طريق ابن الحنفية، عن علي: من أجل فاطمة ﵍. وفيه: استعمالُ الأدب ومحاسن العادات في ترك المواجهة مما يُستحيا منه عرفاً. (فأمرت المقداد بنَ الأسود) وليس الأسود - الذي اشتُهر به - أباه، وإنما هو المقدادُ بنُ عمرِو بنِ ثعلبةَ الكِنْديُّ، وقيل: القضاعيُّ، وذلك أن أباه حالفَ كندةَ، فنُسب إليها، وحالف المقدادُ الأسودَ بنَ عبدِ يغوثَ بنِ وهب بن مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة الزهريَّ، فقيل للمقداد: الزهري، ومن هنا عُلم سبب اشتهاره بابن الأسود، للحلف المذكور. أسلم ﵁ قديماً، شهد بدراً، ولم يثبت أنه شهدها مع النبي ﷺ فارسٌ غيرُه، وقد قيل: بل الزبير أيضاً كان فارساً، وشهد المقداد أحُداً، والمشاهدَ كلَّها، وكان من الفضلاء النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 388

روى عنه: عليٌّ، وغيره من الصحابة. رُوي له اثنان وأربعون حديثاً، اتفقا على واحد، ولمسلمٍ ثلاثة، مات بالجُرُف -بضم الجيم والراء - على ثلاثة أميال من المدينة، وقيل: عشرة أميال، فحمل على رقاب الناس، ودُفن بالبقيع، سنة ثلاثٍ وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان ﵁ (١). (فسأله)؛ أي: سأل المقدادُ النبيَّ ﷺ عن حكم المذي. ووقع في رواية لأبي داود، والنسائي، وابن خزيمة ذكرُ سبب سؤاله، من طريق حصين بن قَبيصة، عن علي ﵁، قال: كنت رجلاً مذاءً، فجعلتُ أغتسل منه في الشتاء، حتى تشقَّق ظهري، فقال النبي ﷺ : "لا تفعل" (٢). ووقع في رواية النسائي: أن علياً قال: أمرتُ عماراً أن يسأل (٣)، وفي

стр. 389

رواية لابن حبان والإسماعيلي: أن علياً قال: سألتُ (١)، وجمع ابنُ حِبَّانَ بين هذا الاختلاف أن علياً أمر عماراً أن يسأل، ثم أمر المقدادَ بذلك، ثم سأل بنفسه، وهو جمع جيد لولا آخره؛ لأنه ينافي قوله: إنه استحى من السؤال بنفسه لأجل فاطمة، فيتعين حملُه بأن بعض الرواة أطلق أنه سأله؛ لكونه الآمرَ بذلك (٢)، وبه جزم الإسماعيلي، ثم النووي (٣)، ويؤيده أنه أمر كلاً من المقداد وعمارٍ بالسؤال عن ذلك ما رواه عبد الرزاق، من طريق عائش بن أنس، قال: تذاكر عليٌّ والمقدادُ وعمارٌ المذيَ، فقال علي: إنني رجلٌ مذاءٌ، فاسألا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فسأله أحد الرجلين (٤). وصحح ابن بشكوال أن الذي تولى السؤال عن ذلك المقدادُ (٥). وعلى هذا، فنسبة عمار إلى أنه سألَ عن ذلك محمولةٌ على المجاز؛ لكونه قصده، لكن تولى المقداد الخطابَ دونه (٦) (فقال) ﷺ مجيباً لسؤال المقداد: (يغسل ذَكَرَه)؛ أي: عليٌّ، إن كان أفصحَ بذكره. والأظهر: ما في رواية لمسلم من طريق ابن عباس ﵄، عن علي ﵁: فسأله عن المذي يخرج من الإنسان (٧)، وفي

стр. 390

"الموطأ" نحوه (١)، (ويتوضأ)؛ لأنه نجاسةٌ خارجةٌ من أحد السبيلين ناقضةٌ للطهارة الصغرى. وفيه دليل على عدم وجوب الغسل منه، وأنه نجسٌ؛ للأمر بغسل الذَّكَر منه. قال الحافظ - رحمه الله تعالى -: (ولـ) ـلإمام (البخاري): أنه ﷺ قال للمقداد بن الأسود ﵁ بصيغة الخطاب، والمراد: ما يعمم كلَّ من خرج منه المذي: (اغسلْ ذَكَرَكَ)، وظاهره: ولو لم يصبه من الخارج شيء، وأنه لكل الذكر، (وتوضَّأْ)، والذي في نسخ البخاري: "توضأ، واغسلْ ذكرك" بتقديم الأمر بالوضوء على غَسل الذكر، وفي "شرح البخاري": وقع في "العمدة": تقديمُ غسل الذكر على الوضوء، ونسبه للبخاري، لكن الواو لا تفيد الترتيب، فالمعنى واحد، وهي رواية الإسماعيلي، فيجوز تقديمُ الوضوء على غسله، لكن من يقول: إن مس الذكر ينقض الوضوء، يشترط أن يكون ذلك بحائل (٢). (ولـ) لإمام (مسلم) بلفظ: (توضأ، وانضَحْ فَرْجَك). قال الحافظ عبد الحق في "الجمع بين الصحيحين": لم يذكر البخاري النضحَ (٣). قال في "النهاية": الانتضاح بالماء: هو أن يأخذ قليلاً من الماء، فيبرش به مذاكيره، وهذا قاله في الانتضاح المندوب بعد الاستنجاء لدفع

стр. 391

الوسوسة، وقد نضح عليه الماءَ، ونضحه به: إذا رَشَّه عليه، وقد يرد النضحُ بمعنى الغسل والإزالة، ومنه حديث الحيض: "ثم لتنضحْه" (١)؛ أي: تغسله، وحديث: ونضحَ الدمَ عن جبينه (٢). والمراد بالفرج هنا: الذكر. والصيغة لها وضعان؛ لغوي وعرفي: فاللغوي: مأخوذٌ من الانفراج، فيدخل فيه الدبر، ويلزم منه انتقاضُ الطهارة بمسِّه، لدخوله تحت قوله ﷺ : "من مَسَّ فرجَهُ فليتوضأ" (٣). والعرفي: استعمالُه في القبل غالباً من الرجل والمرأة، والمراد: الثاني، والله أعلم. تنبيهات: أحدها: ظاهر الحديث: وجوبُ غسل الذكر كله، ولهذا أوجبنا ذلك على أصح الروايات، كالمالكية، وزدنا عليهم: بغسل الأنثيين أيضاً. وخالف في ذلك الحنفيةُ والشافعيةُ، فلم يوجبوا استيعابَ الذكَر؛ نظراً

стр. 392

منهم إلى أن الموجب لغسله إنما هو خروجُ الخارج، فلا يجب المجاوزةُ إلى غير محله. ولنا: أن الأصل في الأشياء الحقيقةُ، وحقيقةُ الذكَر استيعابه بالغسل؛ كما هو صريح الحديث. واختلف القائلون بذلك؛ هل هو معقول المعنى، أو للتقييد؟ وعلى الثاني، هل تجب فيه النية أو لا؟. عندنا: لا نية له. وقال الطحاوي من الحنفية: لم يكن الأمر بغسله لوجوب غسله كلِّه، بل ليتقلص فيبطل خروجه؛ كما في الضرع إذا غسل بالماء البارد، فينقبض اللبن إلى داخل الضرع، فينقطع خروجه (١). ولنا: أن هذه مكلَّفات جدليةٌ، وتخيلاتٌ وهميةٌ، لا يدل عليها منطوقُ الحديث، ولا مفهومُه. وقد قلنا: إن اسم الذكَر حقيقةٌ في العضو كله. وفي حديث علي ﵁: كنت رجلاً مذاءً، فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ ، فأمرت المقدادَ بنَ الأسود، فسأله، قال: "يغسل ذكره وأُنثييه، ويتوضأ" رواه أبو داود (٢). فهذا دليلٌ على المذهب. وفي "الفروع": المذيُ نجسٌ وفاقاً، ولا يطهر بنضحِه وِفاقاً، ولا يُعفى

стр. 393

عن يسيره، خلافاً لأبي حنيفة (١)؛ أي: ولشيخ الإسلام. وصوبه في "الإنصاف"، قال: وخصوصاً في حق الشباب (٢). قال: وهل يغسل ما أصابه وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي؟ أو ذكره كله وفاقاً لمالك؟ أو أنثييه؟ فيه رواياتٌ. قال: وأجيب عن أمره بغسلهما بمنع صحته، ثم لتبريدهما وتلويثهما غالباً؛ لنزوله مُتَسبْسِباً، انتهى (٣). والذي استقر عليه المذهب: وجوبُ غسل الذكر والأنثيين مرةً واحدةً إن لم يصبهما. ثانيها: قوله ﷺ : "وانضحْ فرجك" إن أريدَ المحلُّ الذي أصابه المذي، فلا يجزىء إلا الغسل؛ كسائر النجاسات، فيكون النضحُ هنا بمعنى الغسل، وقد أشرنا إلى أنه يستعمل بمعنى ذلك، وإن أُريد نضحُ الذكَر والأنثيين على ما أسلفنا، فيجزىء النضح الذي هو دون الغسل؛ كنضح بول الغلام، على ما اختاره الشيخ وجمع (٤). والمذهب: لابد من الغسل، ولكن يكتفي بمرةٍ واحدةٍ. ثالئها: استدل به أيضاً على وجوب الوضوء على مَنْ به سلسُ المذي؛ للأمر بالوضوء مع الوصف بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة. وتعقبه ابنُ دقيق العيد؛ بأن الكثرة هنا ناشئةٌ عن غلبة الشهوة، بخلاف

стр. 394

صاحب السَّلَسِ؛ فإنه ينشأ عن علة في الجسد (١). لكن من الممكن أن يقال: أمرُ الشارعِ بالوضوء، ولم يستفصل، يدلُّ على عموم الحكم (٢). رابعها: استدل بالحديث على قبول خبر الواحد، وعلى جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع. وفيهما نظرٌ؛ لأن السؤال كان بحضرة علي، ثم لو صح كون السؤال كان في غيبته، لم يكن دليلاً على المدَّعى؛ لاحتمال وجود القرائن التي تحف الخبر، فترقِّيه عن الظن إلى القطع، قاله القاضي عياض (٣). وقال ابن دقيق العيد: المرادُ به: الاستدلالُ به على قبول خبر الواحد، مع كونه خبر واحد: أنه صورة من الصور التي تدل، وهي كثيرةٌ تقوم الحجةُ بجملتها، لا بفردٍ معينٍ منها، وإلا لكان ذلك إثباتاً للشيء بنفسه، وهو محالٌ، وإنما ذكر صورةً مخصوصةً؛ للتنبيه على أمثالها، لا للاكتفاء بها، فليعلم ذلك، فإنه مما انتقد على بعض العلماء؛ حيث استدل بالمسألة بأخبارٍ آحادٍ، وقيل: قد أثبت خبر الواحد بخبر الواحد، وجوابه: ما ذكر، والله الموفق (٤). خامسها: هل يجوز في المذي الاقتصارُ على الأحجار، أو لابدَّ من الاستنجاء بالماء؟.

стр. 395

المعتمد في المذهب: جوازُ الاقتصار على الأحجار في الخارج دون الذكر والأنثيين. وصحح ابن دقيق العيد عدمَ الجواز (١)؛ كالنووي في "شرح مسلم" (٢)، وصحح في بقية كتبه الجوازَ؛ إلحاقاً له بالبول، وحمل الأمرَ بغسله على الاستحباب، أو أنه خرج مخرج الغالب. قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": وهذا هو المعروف في المذهب، يعني: مذهب الشافعي، والله أعلم (٣). * * *

стр. 396

الحديث الثاني عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ المازِنيِّ، قَالَ: شُكِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيءَ فِي الصَّلاةِ، قالَ: "لا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً، أو يَجِدَ رِيحاً" (١). * * *

стр. 397

(عن عَبَّاد) -بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة- (ابنِ تميمِ) بن زيد بن عاصمٍ المازنى؛ من مشاهير التابعين وثقاتهم، روى عن عمه عبدِ الله بن زيدٍ وغيرِه. وقد وقع اضطراب في كونه صحابياً أو تابعياً، وذكره الذهبيُّ في "التجريد في الصحابة"؛ فإنه قال: لقي يوم الخندق في السنة الخامسة وكان في الخامسة (١). واضطرب في نسبه أيضاً، وفي كون عبد الله بن زيد عمَّه من قِبَل أبيه، أو من قِبَلِ أمه، وفي صحبة أبيه (٢)، (عن عبد الله بن زيد بن عاصمٍ) الأنصاريِّ (المازنيِّ)، وتقدمت ترجمته. (قال: شُكي) -بالبناء للمجهول-. وفي بعض طرق البخاري: أن عبد الله بن زيدٍ هو الشاكي، كما نبه عليه الحافظ عبد الحق في "الجمع بين الصحيحين" (٣). قال البخاري في كتاب الوضوء: عن عبد الله بن زيد: أنه شكا (٤). قال الحافظ ابن حجر: كذا في روايتنا: شكا -بألف-، ومقتضاه: أن الراوي هو الشاكي.

стр. 398

وصرح بذلك ابن خزيمة، عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان، ولفظه: عن عباد بن [تميم، عن] (١) عمه عبد الله بن زيدٍ، قال: سألت رسول الله ﷺ (٢). (إلى النبي ﷺ ) متعلقٌ بشكي (الرجلُ) -بالضم- على الحكاية، وهو وما بعده في موضع نصبٍ (٣) (يُخَيَّل) -بضم أوله وفتح المعجمة وتشديد الياء مفتوحةً-، وأصله من الخيال، والمعنى: يظن، والظن هنا أعمُّ من تساوي الطرفين، أو ترجيح أحدهما على أصل اللغة من أن الظن خلاف اليقين (إليه) متعلقٌ بيخيل ([أنَّه] يجد الشيء)؛ أي: الحدث خارجاً منه، وصرح به الإسماعيلي، ولفظه: يخيل إليه في صلاته أنه خرج منه شيء (٤). وفيه: من مراعاة الأدب: العدولُ عن ذكر الشيء المستقذَر بخاصِّ اسمه إلا لضروةٍ. (في الصلاة) متعلقٌ بيجد، تمسك بظاهره بعض المالكية، فحصوا الحكمَ بمن كان داخل الصلاة، وأوجبوا الوضوءَ على مَنْ كان خارجها، وفرقوا بالنهي عن إبطال العبادة، والنهيُ عن إبطال العبادة متوقفٌ على صحتها، فلا معنى للتفريق بذلك؛ لأن هذا التخيل إن كان ناقضاً خارجَ الصلاة، فينبغي أن يكون كذلك فيها كبقية النواقض.

стр. 399

(قال) ﷺ مجيباً للسائل: (لا ينصرفْ) - بالجزم - على النهي، ويجوز - الرفعُ - على أن "لا" نافية (١). وفي رواية للبخاريْ: "لا ينفتلْ، أو لا ينصرفْ" بالشكِّ من الراوي (٢). قال الحافظ ابن حجر: وكأنه من علي؛ يعني: ابنَ عبد الله المدينيَّ العَلَمَ المشهور -، قال: لأن الرواة غيره رووه عن سفيان بلفظ: "لا ينصرف" من غير شكٍ (٣)، يعني: بل يمضي في صلاته، ولا يلتفت إلى ما تخيل إليه. (حتى)؛ أي: إلى أن (يسمعَ صوتاً)؛ أي: من مخرجه، (أو يجدَ ريحاً) "أو": للتنويع، وعبر بالوجدان دون الشم؛ ليشمل كما لو لمس المحل، ثم شم يده، ولا حجة فيه لمن استدل به على أن لمس الدبر لا ينقض؛ لحمل الصورة على لمسِ ما قاربَ حلقةَ الدبر، لا عينَها، والذي ينقض الطهارة لمسُ حلقة الدبر دونَ ما قاربها. ودل هذا الحديث على صحة الصلاة ما لم يتيقن الحدث، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين - أعني: سماعَ الصوتِ، ووِجْدانَ الريحِ باليقين -؛ لأن المعنى إذا كان أوسع من اللفظ، كان الحكم للمعنى، قاله الخطابي (٤). وقال النووي: هذا الحديث أصلٌ في حكم بقاء الأشياء على أصولها

стр. 400

حتى يُتيقن خلافُ ذلك، ولا يضر الشكُّ الطارىء عليها، وأخذَ بظاهره جمهورُ العلماء (١). وروي عن الإمام مالك: النقضُ مطلقاً، وروي عنه: النقضُ خارج الصلاة دون داخلها (٢). قلت: وهذا مقتضى ما ذكره عنه الإمام ابن مفلح في "فروعه" حيث قال: ومن شكَّ في طهارةٍ أو حدثٍ، بنى على أصله، ولو في غير صلاة؛ خلافاً لمالك، كمن به وَسْواسٌ، وفاقاً (٣). فخصَّ النقض عنده بما إذا كان في غير صلاةٍ ما لم يكن به وسوسةٌ، فلا ينتقض الوضوء بالشك، وفاقاً لبقية الأئمة. قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": ورُوي هذا التفصيل عن الحسن البصري. قال البهاء البغدادي في "شرح الوجيز": إذا تيقن أنه توضأ، وشك هل أحدثَ أولا؟ بنى على أنه متطهر. وبهذا قال عامة أهل العلم. وقال الحسن: إن شك وهو في الصلاة، مضى فيها، وإن كان قبل الدخول فيها، توضأ. وقال مالك: إذا شك في الحدث إن كان يلحقه كثيراً، فهو على وضوئه، وإن كان لا يلحقه كثيرأ، توضأ؛ لأنه لا يدخل في الصلاة مع الشك، انتهى.

стр. 401

قال ابن دقيق العيد: على القول بطرح الشك إذا طرأ في داخل الصلاة خاصةً، هذا له وجهٌ حسنٌ، وهو أن القاعدة: أن مورد النص إذا وجد فيه معنى يمكن أن يكون معتبراً في الحكم، فالأصل يقتضي اعتباره وعدم اطراحه. قال: وهذا الحديث دليل على اطراح الشك إذا وجد في الصلاة، وكونه موجوداً في الصلاة معنًى يمكن أن يكون معتبراً، فإن الدخول في الصلاة مانعٌ (١) من إبطالها على [ما اقتضاه] (٢) استدلالهم في مثل هذا بقوله - تعالى -: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فصارت صحة الصلاة أصلاً سابقاً على حالة الشك مانعاً من الإبطال، ولا يلزم من إلغاء الشك مع وجود المانع من اعتباره إلغاؤه مع عدم المانع وصحة العمل ظاهراً معنى يناسب عدم الالتفات بالشك يمكن اعتباره، فلا يمكن إلغاؤه. قال: ومن أصحاب مالكٍ من قيد هذا الحكم -أعني: اطراح هذا الشك بقيدٍ آخر-، وهو أن يكون الشك في سبب حاضرٍ؛ كما في الحديث، حتى لو شك في تقدم الحدث على وقته الحاضر، لم تبح له الصلاة (٣). وأطال في تقرير ذلك، مع أنه لا طائل تحته. وقد روى عن الإمام مالك ابنُ نافعٍ: لا وضوء عليه مطلقاً؛ كقول الجمهور. وروى ابن وهب عنه: أَحَبُّ إلي أن يتوضأ.

стр. 402

قال الحافظ ابن حجر: ورواية التفصيل لم تثبت عنه، وإنما هي لأصحابه (١). قلت: هذا التفصيل لو لم ترد السنة باطراحه، كان يمكن التعلق به، فكيف وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وجدَ أحدُكم في بطنه شيئاً، فأشكلَ عليه أخرجَ منه شيءٌ أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمعَ صوتاً، أو يجدَ ريحاً" (٢). قوله: "فلا يخرجن من المسجد"؛ أي: من الصلاة. وصرح بذلك أبو داود في روايته. قال الحافظ ابن حجر: قال [العراقي] (٣): وما ذهب إليه مالكٌ راجحٌ؛ لأنه احتياطٌ للصلاة، وهي مقصِدٌ، وألغى الشك في السبب المبرىء، وغيرُه احتاط للطهارة، وهي وسيلةٌ، وألغى الشكَّ في الحدث الناقض لها، والاحتياط في المقاصد أولى من الاحتياط للوسائل. وجوابه: أن ذلك من حيث النظر قوي، ولكنه مغايرٌ لمدلول الحديث؛ لأنه أَمَرَ بعدم الانصراف إلى أن يتحقق (٤). وفي "شرح الوجيز" عن علمائنا: الشيء إذا كان على حال، فانتقالُه عنها يفتقر إلى زوالها وحدوثِ غيرها، وبقائها، وبقاءُ الأولى

стр. 403

لا يفتقر إلا إلى مجرد بقائها، فيكون أولى (١). وقد ورد في حديثٍ: "إنَّ الشيطان ينفخُ بين أليتي الرجل (٢) "، يدل على إلغاء الشك، والله أعلم. * * *

стр. 404

الحديث الثالث عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ الأَسَدِيَّةِ: أَنَّهَا أَتَتْ بابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ؛ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في حِجْرِهِ، فَبَالَ على ثَوْبِه، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ (١). * * *

стр. 405

(عن أم قيس): اسمها اَمنةُ كما قاله السهيلي في "الروض" (١)، وأبو القاسم الجوهري في "مسند الموطأ"، وقال ابن عبد البر: اسمها جذامة (٢) (بنتِ مِحْصَن) -بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين ثم نون- (الأسدية) نسبة إلى أسدِ بنِ خُزيمة، أختِ عُكَّاشةَ -بضم العين المهملة وتشديد الكاف وبالشين المعجمة - بنِ مِحْصَن بنِ حُرْثان -بضم الحاء المهملة وسكون الراء وبالثاء المثلثة-. أسلمت أم قيسٍ قديماً بمكة، وبايعت رسول الله ﷺ ، وهاجرت إلى المدينةِ. رُوي لها عن رسول الله ﷺ أربعة وعشرون حديثاً، اتفقا على حديثين منها (٣). (أنها) ﵂ (أتتْ بابنٍ لها صغيرٍ) صفة لابنٍ (لم يأكل الطعام)؛ أي: بشهوةٍ. وفي لفظٍ: أتت بابنٍ لها لم يبلغ أن يأكل الطعام (٤) (إلى رسول الله ﷺ ). قال البرماوي: لم نر مَنْ سَمَّاه.

стр. 406

(فأجلسه) لفظة: "فأجلسه" للبخاري وحده. وفي لفظٍ لمسلم: فوضعه؛ أي: أجلس ابنَها الصغير (رسولُ الله ﷺ في حِجْره) -بفتح الحاء المهملة وكسرها وسكون الجيم -: هو الثوب، والحِضْن، وإذا أريد به المصدر، فالفتحُ لا غير، وإن أريد الاسم، فالكسرُ لا غير (١)، والمراد هنا: الحضن. (فبال)؛ أي: الصبيُّ (على ثوبه)؛ أي: النبيِّ ﷺ ، (فدعا) ﷺ (بماء)؛ أي: فجيء به. (فنضحه)؛ أي: نضحَ رسولُ الله ﷺ البولَ الذي وقعَ من الصبي على ثوبه. والنضحُ: الرشُّ، وهو أن يغمره بالماء (٢)، (ولم يغسله) ﷺ الغسلَ المعهود، بل اكتفى برشِّ الماء عليه، بحيثُ غمرَ الماءُ المحلَّ الذي أصابه بولُ الغلام. وفي روايةٍ: فدعا رسول الله ﷺ بماءٍ، فنضحه على ثوبه، ولم يغسِلْه غسلاً (٣). وفي لفظٍ: فلم يزد على أن نضح الماء (٤).

стр. 407

وفي آخر: فدعا بماءٍ فَرَشَّه (١). وكل هذه الألفاظ في "الصحيحين" (٢)، إلا أن البخاري لم يقل: غَسْلاً، وكلُّها تدل على الاكتفاء بالنضح والرش، ولم تحوج إلى الغسل، ومثله سواءٌ: * * *

стр. 408

الحديث الرابع عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂، قالت: "أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصبِيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ" (١). وَلِمُسْلِمٍ: "فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْه" (٢).

стр. 409

(عن أم المؤمنين عائشةَ) الصديقة (﵂، قالت: أُتي) بالبناء للمجهول (رسولُ الله ﷺ بصبي). قال البرماوي: يحتمل أن يكون المراد به: ابنَ أم قيس المذكورَ آنفاً، ويحتمل أن يكون المرادُ به في حديث عائشة هذا: عبدَ الله بنَ الزبير ﵁ "لحديثها في "البخاري"، وغيره: أنه أُتي بابن الزبير إلى النبي ﷺ بقباء ليُحَنِّكَهُ بتمرٍ وماء، فكان أولَ شيءٍ دخل جوفه ريقُ النبيِّ ﷺ (١). وفي رواية الدارقطني: بال ابنُ الزبير على النبيِّ ﷺ ، فأخذته أخذاً عنيفاً، فقال: "إنه لم يأكل الطعام، فلا [يضرُّ بوله] (٢) ". وفي رواية: " [لم] يطعم الطعام، فلا يُقذر بوله" (٣). ويحتمل أن يكون الحسنَ؛ لحديث أم الفضل في "الطبراني": أنها أتت النبيَّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! رأيتُ في المنام كأنَّ بَضْعَةً من جسدك قُطعت، فوُضعت في حِجْري، فقال رسول الله ﷺ : "خيراً رأيت، تلدُ فاطمةُ - إن شاء الله - غلاماً، فيكون في حجرك"، فولدت حسناً، فكان في حجرها، فدخلت به إلى النبي ﷺ ، فبال عليه، فذهبتُ أتناوله، فقال: "دعي ابني؛ إنه ليس بنجس"، ثم دعا بماء، فصب عليه (٤).

стр. 410

قال: وقد ذكر الاحتمالين الأخيرين الحافظ قطب الدين عبد الكريم الحلبي، انتهى. قلت: الذي رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم، وصححه من حديث أم الفضل لُبابةَ بنتِ الحارث، قالت: بال الحسينُ بنُ عليٍّ في حِجْر النبيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! أعطني ثوبك والبسْ ثوباً غيرَه حتى أغسلَه، فقال: "إنما يُنْضَحُ من بولِ الذَّكَر، ويُغْسَلُ من بولِ الأنثى" (١). وفي "صحيح الحاكم" عن أبي السَّمْح، قال: كنت جالساً عند النبيِّ ﷺ ، فجيء بالحسن، أو الحسين، فبال على صدره، فأرادوا أن يغسلوه، فقال: "رُشُّوه رَشّاً؛ فإنه يُغْسَلُ بولُ الجاريةِ، ويُرَشُّ بولُ الغلام"، قال الحاكم: صحيحٌ. ورواه أهل السنن (٢). (فبال). . . (٣) يختلفان في حكم طهارة البول. كذا قال.

стр. 411

واقتصر ابن دقيق العيد على ما قيل: إن النفوس أعلقُ بالذكور منها بالإناث، فيكثر حملُ الذكور، فيناسب التخفيف بالاكتفاء بالنضح؛ دفعاً للعسر والحرج؛ بخلاف الإناث؛ فإن هذا المعنى قليلٌ فيهن، فيجري على القياس في غسل النجاسة. قال: وقد ذكروا في التفرقة بينهما وجوهاً، منها ما هو ركيكٌ جداً لا يستحق أن يذكر (١)، انتهى. قلت: من تلك الوجوه الركيكة: قول بعضهم: إن الغلام أصلُه من الماء والتراب، والجارية من اللحم والدم. مع أنه أفاده ابن ماجه في "سننه" (٢)، وهو غريبٌ. والمعنى في ذلك: أن آدم خلق من الماء والتراب، وحواء خلقت من اللحم والدم. ورضي الله عن الإمام الشافعي حيث قال: لم يتبين لي فرقٌ من السنة بينهما (٣)،انتهى. الثاني: حكم قيء الغلام الذي لم يأكل الطعام بشهوةٍ حكمُ بوله في الاكتفاء بنضحه، وهو غمرُه بالماء مرةً، وإن لم ينفصل الماء عن المحلِّ؛ لأن قيئه أخف من بوله، فيكتفى بنضحه بطريق الأولى، كما جزم به فقهاؤنا - رحمهم الله تعالى -.

стр. 412

الثالث: قال في "تحفة المودود": لا يبطل حكمُ النضح بتلفيق الغسل والشراب والتحنيك ونحوه إلا بتعطلِ الرخصة؛ فإنه لا يخلو من ذلك مولودٌ غالباً، ولأن النبي ﷺ كان من عادته تحنيك الأطفال بالتمر عند ولادتهم، وإنما يزول حكم النضح إذا أكل الطعام وأراده واشتهاه تغذياً به (١)، وهو معنى قول علمائنا: لم يأكل الطعام بشهوة. الرابع: تقدم أن معنى النضح: أن يغمره بالماء؛ كما قال في "الهداية": معنى النضح: أن تغرقه بالماء، وإن لم ينزل عنه. وفي "شرح العمدة" لخاتمة محققي المذهب العلامة الشيخ عثمان النجدي: غمرُ البول: سترُه بالماء، وإن لم ينفصل الماء عن محله. قال: والمراد: أنه يطهر بغسلة واحدة، ولا يحتاج إلى مَرْسٍ ولا عَصْرٍ (٢)، انتهى. وهكذا قال سائر محققي المذهب. قال ابن القيم: قال الأصحاب وغيرهم: النضح: أن يغرقه بالماء وإن لم يزل عنه. قال: وليس هذا بشرط، بل النضحُ: الرشُّ؛ كما صرح به في اللفظ الآخر، بحيث يُكاثَرُ البول بالماء (٣). قلت: وهو في التحقيق يرجع إلى ما قالوا.

стр. 413

وفسر بعض الشافعية النضحَ والرشَّ المذكور في الحديث: أن يغلب عليه من الماء ما يغلبه؛ بحيث لو كان بدل البول في الثوب نجاسة أخرى، وعصر الثوب، كان يحكم بطهارته، وهو بمعنى ما قال علماؤنا. والله أعلم.

стр. 414

الحديث الخامس عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلمَّا قَضَى بَوْلَهُ، أَمَرَ النَّبِى ﷺ بِذَنُوبٍ مِنَ مَاءٍ؛ فأُهْرِيقَ عَلَيْه (١).

стр. 415

(عن) خادمِ رسول الله ﷺ (أنسِ بنِ مالك) الأنصاريِّ (﵁ قال: جاء أعرابي) منسوب إلى الأعراب، وهم سكان البوادي، ووقعت النسبة إلى الجمع دون الواحد، قيل: لأنه أُجري مجرى القبيلة، كأنمار. وقيل: لأنه لو نسب إلى الواحد، وهو عرب، لقيل: عَرَبي، فيشتبه المعنى، فإن العربيَّ كلُّ من هو من ولد إسماعيل ﵇، سواءٌ كان ساكناً بالبادية أو القرى. قاله ابن دقيق العيد (١). واعترض عليه: بأن ظاهر كلام الجوهري (٢) وغيره: أن الأعراب ليس بجمع عرب، وأن أعراب لا واحد له من لفظه، كما في "البرماوي". وفي "القاموس": العُرب -بالضم-، و-بالتحريك-: خلاف العجم، وهم سكان الأمصار، أو عامّ، والأعراب منهم سكانُ البادية لا واحد له، ويجمع على أعاريب، انتهى (٣). وفي لفظٍ في "الصحيحين": أن أعرابياً. وفي آخر: بينا نحن في المسجد، إذ جاء أعرابي، (فبال في طائفة المسجد)؛ أي: ناحيةٍ منه، وطائفةُ الشيء: القطعةُ منه. وفي لفظٍ لهما: أن أعرابياً بال في المسجد. وفي لفظٍ آخر: أن أعرابياً قام إلى ناحية في المسجد فبال فيها (٤). (فزجره)؛ أي: نهاه (الناس).

стр. 416

قال في "المطالع": الزجر: النهيُ حيث وقع (١). وفي رواية لهما: فصاح به الناس. وفي أخرى: فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مَهْ مَهْ. أي: اكفُفْ اكفُفْ. وفي لفظ للبخاري: فتناوله الناس (٢)، (فنهاهم النبي ﷺ ) عن زجره والصياح به. وفي حديث أنس كما هو عندهما في رواية: فقام إليه بعض القوم، فقال رسول ﷺ : "دعوه، لا تُزْرِمُوه" (٣)، أي: لا تقطعوا عليه بوله. وفيه: المبادرة إلى إنكار المنكر عند من يعتقده منكراً، وتنزيهُ المسجد عن النجاسات وسائر القاذورات. وإنما نهى النبي ﷺ عن زجره؛ لأنه إذا قطع عليه البول، أدى إلى ضرر جسده، والمفسدة التي حصلت ببوله قد وقعت، فلا يُضم إليها مفسدةٌ أخرى، وهي ضررُ بنيته، وربما إذا زُجر مع ما ظهر منه من الجهل، يتنجس ببوله مكانٌ آخر، بل أمكنةٌ من المسجد بترشيش البول؛ لقلة فقهه ومبالاته بما يصدر منه من الجفاء، وعدم اكتراثه بآداب الشرع وحرمة المسجد، فكان الصواب ما شرعه ﷺ ، وأرشد إليه من عدم زجره،؛ بأن يُترك حتى يفرغ من بوله؛ فإن الرشاش لا ينتشر، مع ما في هذا من الإبانة عن جميل أخلاق رسول الله ﷺ ، وعظيم رحمته، ولطفه، ورفقة بالجاهل الجافي. فلما نهاهم ﷺ عن زجره، انكفُّوا وانتهَوْا عن ذلك؛ امتثالاً له ﷺ ، واستمر الأعرابي على حاله.

стр. 417

(فلما قضى) الأعرابي (بولَه) وفرغ منه، (أمر النبيُّ ﷺ )؛ أي: أمر بعضَ من حضر من القوم. فأُتي (بذنوب) -بفتح الذال المعجمة-: الدلو الكبيرة إذا كانت ملأى، أو قريباً من ذلك، ولا يسمى ذنوباً إلا إذا كان فيها ماء (١)، فلذا قال: (من ماء). وفي رواية: فلما فرغ، دعا بدلو من ماء. (فأُهريق) بالبناء للمجهول؛ أي: صُبَّ (عليه). وفي لفظٍ: "فصبه عليه". وفي آخر: "فصب على بوله". وفي رواية: "فأمر رجلاً من القوم، فجاء بدلوٍ من ماءٍ فشَنَّهُ" (٢)؛ أي: صبه وفَرَّقه عليه. وأصل "أهريق": أُريق، فأبدلت الهمزة هاءً. يقال: هَراقَ يهريقُ وأَهْرقتُ الماءَ فأنا أُهْريقُه -بسكون الهاء فيهما- بمعنى: صبه وأفرغه، كما في "المطالع" (٣). وفي "القاموس": هَراقَ الماء يهَريقه -بفتح الهاء- هِرَاقةً -بالكسر-، وأَهْرَقَه يُهْرِيقه إِهْراقاً، وأَهْراقه يُهْريقه اهرِياقاً، فهو مُهَرِيقٌ، وذاك مُهَراقٌ ومُهْراقٌ: صَبَّه، وأصله: أراقه يريقه إراقةً، وأصل أراق: أَرْيَقَ، انتهى مختصراً (٤). وفي الحديث دليل على تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة بالماء، وهو المسوق له.

стр. 418

قال علماؤنا: إذا تنجست الأرض، فعُمَّت بالماء مرةً، ولم يبق للنجاسة عينٌ، أو لا أثر من لون أو ريحٍ إن لم يعجز عن إزالتهما أو إزالة أحدهما، فإن عجز، أو كان مما لم يُزل إلا بمشقة، ألغي كما في "المبدع"، وطهر، ولو لم ينفصل الماء الذي غسلت به عين النجاسة؛ لظاهر الخبر؛ فإنه لم يأمر بإزالة الماء عنها. نعم، يضرُّ بقاء الطعم؛ لدلالته على بقاء العين، ولسهولة إزالته، فلا يحكم بطهارة المحل مع بقاء أجزاء النجاسة (١). قال في "شرح الوجيز"؛ كغيره: إذا تنجست الأرض، لا يعتبر فيها العدد، روايةً واحدةً، كما في "شرح الهداية" (٢)، وُلوغاً كانَ أو غيرَه، نص عليه، وكذلك الأحواض المبنية، والأجرنة، نصَّ عليه، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي في إيجابهما التسبيعَ من نجاسة الكلب والخنزير، وعند أبي حنيفة: ثلاثاً من الكل. وهذا الذي ذكرناه عن علمائنا هو المذهب؛ لهذا الحديث؛ ولأن الأرض مَصَبُّ الأنجاس، ومطارحُ الأقذار، فتعظُم المشقُّة فيها بالعدد، ولاسيما الأحواض والأجرنة، وما لا مصرف للغسالة النجسة بقربه؛ لأنا لو اعتبرنا العدد، فما قبل الأخيرة يكون نجساً، فتتفاقم المشقة بانتشار النجاسة، ولا جرم قلنا: تطهر بالمرة الواحدة، ويكون المنفصلُ طاهراً؛ بخلاف المنقولات، فإن نقلها وغسلَها عند الحفائر ومصارف الغسالات ممكنٌ، فلا تعظُم المشقةُ فيها بالعدد، انتهى ملخصاً.

стр. 419

تنبيهان: الأول: اختلفوا في الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: فقيل: إنه عُيينة بن حِصْن الفزاريُّ، وكان من الجُفاةِ المؤلَّفَةِ قلوبُهم، واسمُه حذيفة، وعُيينة لقبٌ له، ومنهم من أنكر هذا التفسير، وقال: لم يأت ذلك في طريق، وقد جزم بكونه ابنَ عيينة ابنُ فارس (١). وقال بعضهم: يُحتمل أن يكون هذا الأعرابي ذَا الخُوَيْصِرة، فقد روى أبو موسى [المديني في "الصحابة"] (٢)، من حديث سليمان بن يسار، قال: اطلع ذو الخُويصرة اليماني - وكان رجلاً جافياً - على رسول الله ﷺ ، وساق الحديث، وفي آخره: أنه بال في المسجد، وأن النبي ﷺ أمر بسَجْلٍ من ماء، فصبه على مَباله، وهو حديث مرسلٌ؛ لأن سليمان بن يسار تابعي (٣). قال الحافظ الذهبي في "تجريده" في ترجمة ذي الخويصرة اليماني: فروي في حديثٍ مرسلٍ أنه هو الذي بال في المسجد (٤). الثاني: فإن قلت: لِمَ لَمْ يرشدِ النبيُّ ﷺ الأعرابي عن العود لمثل فعله؟ فالجواب: أنه لما رأى من إنكار الصحابة عليه ما رأى، علم أنه قد تعدَّى وأخطأ، ثم إنه قد روى مسلم من حديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ دعاه، فقال: "إن هذه المساجدَ لا تصلُح لشيءٍ من هذا البول

стр. 420

ولا القذر، وإنما هي لذكرِ الله والصلاةِ وقراءةِ القرآن" (١)، أو كما قال رسول الله ﷺ . وروى أصله البخاري أيضاً، إلا أنه لم يخرج قوله ﷺ : في المساجد، كما نبه عليه الحافظ عبد الحق (٢)، والله أعلم. * * *

стр. 421

الحديث السادس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ" (١).

стр. 422

(عن أبي هريرة) عبدِ الرحمن بنِ صخر (﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة). قال في "النهاية": الفَطْرُ: الابتداء والاختراع، والفِطْرَة منه: الحالةُ، كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ (١). والمراد بالفطرة هنا: السُّنَّةُ، ومنه: فطرةُ محمدٍ ﷺ ؛ أي: دينُ الإسلام الذي هو منسوب إليه. والمعنى: أنها من سنن الأنبياء والمرسلين الذين أُمرنا أن نقتدي بهم فيها. قال أبو عبد الله محمدُ بنُ جعفر القزاز في "تفسير غريب صحيح البخاري": الفطرة في كلام العرب تنصرف على وجوه، منها: الخلق، والإنشاء، ومنها: الجِبِلَّة التي خلقَ اللهُ الناسَ عليها، وجبلهم على فعلها. وفي الحديث: "كلُّ مولودٍ يولَد على الفطرة" (٢)؛ يعني: على الإقرار بالعبودية لله وتوحيده الذي كانوا أقروا به لما أخرجهم من ظهر آدم. والفطرة: زكاة الفطر. قال: وأولى الوجوه: أن تكون الفطرة في هذا الحديث: ما جبل اللهُ الخلقَ عليها، وجبلَ طباعَهم على فعله، وهي كراهةُ ما في جسده مما ليس من الزينة، انتهى ملخصاً (٣).

стр. 423

وقال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": قال الخطابي: ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالفطرة هنا: السنة (١). وكذا قاله غيره، قالوا: والمعنى أنها من سنن الأنبياء. وقالت طائفةٌ: المعنيُّ بالفطرة: الدين، وبه جزم أبو نعيم في "المستخرج" (٢)، واستشكل ابن الصلاح ما ذكره الخطابي، فقال: معنى الفطرة بعيدٌ من معنى السُّنة، لكن لعل المراد أنه على حذف مضافٍ، أي: سنة الفطرة. وتعقبه النووي: بأن الذي ذكره الخطابي هو الصواب؛ فإن في "صحيح البخاري" عن ابن عمر عن النبي، قال: "من السُّنة قَصُّ الشارب، ونتفُ الإبط، وتقليمُ الأظفار" (٣)، وأصح ما فُسر الحديث بما في رواية أخرى، لا سيما في البخاري، انتهى. وتبعه ابنُ الملقن على هذا. قال الحافظ ابن حجر: ولم أر الذي قاله في شيءٍ من نسخ البخاري، بل الذي فيه من حديث ابن عمر بلفظ: الفطرة، وكذا من حديث أبي هريرة. نعم، وقع التعبير بالسنة موضعَ الفطرة في حديث عائشة عند أبي عَوانة في روايةٍ، وفي أخرى بلفظ: الفطرة (٤)؛ كما في رواية مسلمٍ والنسائيِّ وغيرِهما (٥).

стр. 424

وقال الراغب: أصلُ الفَطر -بفتح الفاء-: الشَّقُّ طولاً، ويُطلق على الوهي، وعلى الاختراع، وعلى الإيجاد، والفطرة: الإيجاد على غير مثال (١). وقال أبو شامة: أصلُ الفطرة: الخلقة المبتدأة، ومنه: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، أي: المبتدىء خلقَهُنَّ، وقوله ﷺ : "كل مولودٍ يولد على الفطرة" (٢)، أي: على ما ابتدأ الله خلقَه عليه. وفيه: إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. والمعنى: أن كل واحدٍ لو تُرك من وقت ولادته وما يُؤديه إليه نظره، لأدَّاه إلى الدين الحق، وهو التوحيدُ لله، وقوله تعالى قبلها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وإليه يشير في الحديث: "فأَبَواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه". قال الحافظ ابن حجر: والمرادُ بالفطرة في حديث الباب: أن هذه الأشياء إذا فُعلت، اتصف فاعلُها بالفطرة التي فطر الله العبادَ عليها، وحثَّهم على فعلها، واستحَبَّها لهم، ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفِها صورةً، انتهى (٣).

стр. 425

وقال الإمام المحقق ابن القيم في "تحفة المودود": إنما كانت هذه الخصال من الفطرة؛ لأن الفطرة هي الحنيفية ملةُ إبراهيم، وهذه الخصال أُمر بها إبراهيمُ، وهي من الكلمات التي ابتلاه ربُّه بهن؛ كما ذكر عبد الرزاق عن ابن عباس في هذه الآية، قال: ابتلاه بالطهارة، الحديث (١). ثم قال ابن القيم: والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب، وهي معرفةُ الله ومحبته وإيثاره على ما سواه، وفطرةٌ تتعلق بالجسد وعليه وهي هذه الخصال، فالأولى: تزكي الروح وتطهر القلب، والثانية: تطهر البدن، وكل منهما تمد الأخرى وتقويها، انتهى (٢). وحاصل هذا كله أن المراد بالفطرة في هذا الحديث: السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جِبِلِّيّ فُطِروا عليها. (خمسٌ)، أو "خمسٌ من الفطرة" بالشك لهما، ولأبي داود، وهو من سفيان بن عُيينة (٣). ووقع في رواية الإمام أحمد: "خمسٌ من الفطرة"، ولم يشك (٤)، وكذا في رواية معمر عن الزهري عند الترمذي، والنسائي (٥).
следующие страницы →