← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

قال: وجاء نحو هذا عن الحسن البصري. وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنار في الآخرة، أو أوجب فيه حدًا في الدُّنيا (١). قلت: قد نصَّ الإمام أحمد ﵁ على هذا، وهو معتمد ما استقر عليه المذهب. وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية: أو ورد فيه وعيد بنفي الإيمان، أو لعن فاعله. وإلى هذا أشار ناظم الكبائر بقوله: [من الطويل] فَمَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنَا أَوْ تَوَعُّدٌ ... بِأُخْرَى فَسَمْ كُبْرَى عَلَى نَصِّ أَحْمَدِ وَزَادَ حَفِيدُ الْمَجْدِ أَوْجَا وَعِيدُهُ ... بِنَفْيٍ لإِيمَانٍ وَلَعْنٍ مُبَعِّدِ (٢) وقال مثلما قال الإمامُ أحمد الماورديُّ من الشافعية، ولفظه: الكبيرةُ ما وجبت فيه الحدود، أو توجّه إليها الوعيد. وضبطها إمامُ الحرمين من الشافعية بضابط آخر، فقال: هي كل جريمة تؤذن بقلةِ اكتراثِ مرتكبها بالدين ورقَّةِ الديانة (٣). والحاصل: أن الصحيح المعتمد: انقسامُ الذنوب إلى صغيرة وكبيرة، وانقسامُ الكبائر إلى موبقات، وهي الأكبر، وإلى كبيرة.

стр. 3607

وقد روي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: لا صغيرةَ مع إصرار، ولا كبيرةَ مع استغفار (١). وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة (٢). والتوبة واجبة من الكبائر، وكذا من الصغائر عند علمائنا وغيرهم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم. وحكي عن طائفة من المعتزلة عدمُ وجوب التوبة من الصغائر؛ لوقوعها مكفَّرة، ومن المتأخرين من قال بوجوب أحد أمرين: إما التوبة، أو الإتيان ببعض المكفِّرات للذنوب من الحسنات (٣). (قلنا: بلى) أنبئنا بذلك (يا رسول الله) ﷺ ، (قال: الإشراك بالله). وفي حديث أنس بن مالك ﵁: سُئل النبيُّ ﷺ عن الكبائر، فقال: "الإشراك بالله" (٤). قال ابن دقيق العيد: ويحتمل أن يراد به مطلقُ الكفر، ويكون تخصيصه بالذكر؛ لغلبته في الوجود، ولاسيما في بلاد العرب، فذكر تنبيهًا على غيره من أصناف الكفر، ويحتمل أن يراد به خصوصُه، إلا أنه يرد على هذا الاحتمال: أنه قد يظهر أن بعض الكفر أعظم من الشرك، وهو التعطيل، فيترجح الاحتمال الأول (٥).

стр. 3608

(وعقوق الوالدين) -بضم العين المهملة- مشتق من العَقِّ، وهو القطعُ، والمراد به: صدور ما يتأذى به الوالدُ من ولده من قول أو فعل، إلا في شرك أو معصية، ما لم يتعنت الوالد (١). وتقدم الكلام عليه في حديث المغيرة بن شعبة في باب: الذكر عقب الصلاة. (وكان) ﷺ (متكئًا)؛ أي: مضطجعًا. قال الخطابي: كل معتمد على شيء متمكِّنٍ منه، فهو متكىء عليه (٢)، (فجلس)، وفي لفظ: وجلس وكان متكئًا (٣). والجملة حالية؛ أي: للاهتمام بهذا الأمر، وهو يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه، وسبب اهتمامه ﷺ بذلك كونُ قول الزور أو شهادة الزور أسهلَ وقوعًا على الناس من غيرها، والتهاونُ بها أكثر؛ لأن الحوامل عليها كثيرة؛ كالعداوة والحقد والحسد وغير ذلك، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيم ذلك (٤). (وقال) ﷺ بعد جلوسه: (ألا وقول الزور، وشهادة الزور)، ألا وقول الزور وشهادة الزور، (فما زال) ﷺ (يكررها حتى قلنا: ليته سكت)؛ أي: تمنينا أنه يسكت إشفاقًا عليه لما رأوا من انزعاجه في ذلك. وفي لفظ: فما زال يقولها حتى قلتُ: لا يسكت (٥).

стр. 3609

قال ابن دقيق العيد: اهتمامه ﵊ بشهادة الزور يحتمل أن يكون لأنها أسهلُ وقوعًا على الناس، والتهاونُ بها أكبرُ، ومفسدتها أيسرُ وقوعًا؛ لأن الشرك ينبو عنه المسلم، والعقوقُ ينبو عنه الطبع، وأمّا قول الزور، فالحوامل عليه كثيرة، فحسُنَ الاهتمامُ بها، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها. قال: وأما عطفُ الشهادة على القول، فينبغي أن يكون تأكيدًا للشهادة؛ لأنا لو حملناه على الإطلاق، لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة، وليس كذلك. وإن كان بعض الذنوب منصوصًا على عِظَمه؛ كقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢]. وبالجملة: فمراتب الكذب متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده. قال: وقد نصّ الحديث الصحيح على أن الغيبة والنميمة كبيرة، والغيبة تختلف بحسب القول المغتاب به. فالغيبة بالقذف كبيرة، ولا يساويها الغيبة بقبح الخلقة والهيئة مثلًا (١). وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاص على العام؛ لأن كل شهادة زور قولُ زور، بغير عكس، ويحمل قول الزور على نوع خاص منه. قال في "الفتح": والأولى ما قاله الشيخ ابنُ دقيق العيد، ويؤيدُه وقوع شكٍّ في ذلك في حديث النبي، فدل على أن المراد شيء واحد. قال القرطبي: شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصَّل بها إلى

стр. 3610

الباطل؛ من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال، فلا شيء من الكبائر أعظمُ ضررًا منها، ولا أكثرُ فسادًا بعد الشرك بالله منها (١). وزعم بعضهم أن المراد بشهادة الزور في هذا الحديث: الكفر؛ فإن الكافر شاهد بالزور، وهو ضعيف. وقيل: المراد: من يستحل شهادة الزور، وهو بعيد (٢). ويدل على أن المراد بقول الزور: شهادة الزور: حديث خُرَيم -بضم الخاء المعجمة- بنِ فاتك -بالفاء والتاء المثناة فوق بينهما ألف ثم كاف- ﵁، قال: صلى رسول الله ﷺ صلاةَ الصبح، فلما انصرف، قام قائمًا، فقال: "عدلَتْ شهادةُ الزورِ الإشراكَ بالله" ثلاث مرات، ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١]، رواه أبو داود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه (٣). وقد روى ابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، من حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لن تزولَ قدمُ شاهدِ الزور حتى يوجبَ اللهُ له النارَ" (٤).

стр. 3611

ورواه الطبراني في "الأوسط" ولفظه: قال: عن رسول الله ﷺ : "إن الطير لتضربُ بمناقيرها، وتحرِّكَ أذنابَها من هولِ يومِ القيامة، وما يتكلم به شاهدُ الزور، ولا تفارق قدماهُ الأرضَ حتى يُقذفَ به في النار" (١). وفي الحديث من الفوائد: استحباب إعادة الموعظة ثلاثًا؛ لتفهم، وانزعاج الواعظ في وعظه؛ ليكون أبلغ في الوعي والزجر عن فعل ما ينهى عنه. وفيه: غلظُ أمر شهادة الزور؛ لما يترتب عليها من المفاسد، وإن كانت مراتبُها متفاوتة. وضابط الزور: وصفُ الشيء على خلاف ما هو به، وقد يضاف إلى القول، فيشمل الكذبَ والباطلَ، وقد يضاف إلى الشهادة، فيختص بها، وقد يضاف إلى الفعل، ومنه تسمية لابس ثوبي زور، ومنه الشعر الموصول زورًا. وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]؛ أي: لا يحضرون الباطل. وفيه: إشفاق التلميذ على شيخه إذا رآه منزعجًا، وتمنى عدمِ غضبه؛ لما يترتب على الغضبان من تغير المزاج (٢). فائدة: قسم ابنُ العربي الكذبَ على أربعة أقسام:

стр. 3612

أحدها -وهو أشدها-: الكذبُ على الله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٢]. الثاني: الكذبُ على رسول الله ﷺ ، قال: وهو هو أو نحوه. الثالث: الكذبُ على الناس، وهي شهادة الزور؛ من إثبات ما ليس بثابت، أو إسقاط ما هو ثابت. الرابع: الكذبُ للناس، قال: ومن أشد الكذب الكذبُ في المعاملات، وهو أحد أركان المفاسد الثلاثة فيها، وهي الكذب، والعيب، والغش. والكذب وإن كان محرمًا، سواء قلنا: كبيرة أو صغيرة، فقد يباح عند الحاجة، وقد يجب في مواضع ذكرها العلماء -رحمهم الله تعالى (١) -، والله الموفق.

стр. 3613

الحديث السادس عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى علَيْهِ" (١).

стр. 3614

(عن) أبي العباس حبرِ الأمة عبدِ الله (بنِ عباس ﵄: أن النبيَّ ﷺ قال: لو يُعطى) -بضم أوله مبنيًا لما لم يسم فاعله- (الناسُ) -بالرفع- نائب الفاعل (بدعواهم) ما يدعونه، (لادَّعى ناسٌ) أنهم يستحقون (دماءَ رجال) بأن يقولوا: قتلوا أبانا ونحو ذلك، (و) أنهم يستحقون (أموالَهم) التي في أيديهم بسبب من أسباب انتقال الملك، أو نحو ذلك، (ولكن) لا يعطون شيئًا من ذلك بمجرد دعاويهم، بل حيث فقد المدعي البينة الشرعية تكون (اليمين) المانعة من استحقاق ما ادعاه المدعي (على المدَّعى عليه) وهو المطلوب. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، وهو لفظ "الصحيحين"، وقد أخرجه البيهقي بلفظ: "لو يُعطى الناس بدعواهم، لادعى رجالٌ أموالَ قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" (١) حديث حسن. ورواه الإسماعيلي في "صحيحه" من حديث ابن عباس أيضًا، ولفظه: "لو يُعطى الناس بدعواهم، لادَّعَى رجال دماء رجال وأموالَهم، ولكن البينة على الطالب، واليمين على المطلوب" (٢). وروى نحوه الإمام الشافعي (٣). وقال قتادة: فصلُ الخطاب الذي أُوتيه داود ﵇ هو أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه (٤).

стр. 3615

قال الحافظ ابن رجب: وقد استدل الإمام أحمد، وأبو عُبيد بأن النبيَّ ﷺ قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، وهذا يدل على أن هذا اللفظ عندهما صحيح محتج به. وفي المعنى أحاديث كثيرة. قال ابن المنذر: ومعنى "البينة على المدعي" يعني: يستحق بها ما ادعى، لا أنَّها واجبة يؤخذ بها، ومعنى قوله: "اليمين على المدعى عليه"؛ أي: يبرأ بها، لا أنها واجبة عليه يُؤْخَذُ بها على كل حال، انتهى (١). قال الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين النووية": قد اختلف الفقهاء من أصحابنا، والشافعية في تفسير المدعي، والمدَّعى عليه، فمنهم من قال: المدَّعي: هو الذي يخلَّى بسكوته من الخصمين، والمدَّعى عليه: من لا يخلَّى بسكوته منهما. ومنهم من قال: المدعي: من يطلب أمرًا خفيًا على خلاف الظاهر والأصل، والمدَّعى عليه بخلافه، وبنوا على ذلك مسألة، وهي: إذا أسلم الزوجان الكافران قبلَ الدخول، ثم اختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معًا، فنكاحُنا باقٍ، وقالت الزوجة: بل سبقَ أحدُنا إلى الإسلام، فالنكاح منفسخ. فإن قلنا: المدعي من يخلَّى بسكوته، فالمرأة هي المدَّعي، فيكون القولُ قولَ الزوج؛ لأنه مدَّعى عليه؛ إذ لا يخلى بسكوته، وإن قلنا: المدَّعي من يدَّعي أمرًا خفيًا، فالمدَّعي هنا الزوج؛ إذ التقارب في الإسلام خلافُ الظاهر، فَالْقَوْلُ قولُ المرأة؛ لأن الظاهر معها.

стр. 3616

وأما الأمين إذا ادَّعى التلف؛ كالمودع إذا ادَّعى تلفَ الوديعة، فقد قيل: إنه مدع؛ لأن الأصل يخالف ما ادعاه، وإنما لم يحتج إلى بينة؛ لأن المودع ائتمنه، والائتمان يقتضي قبول قوله. وقيل: إن المدعي الذي يحتاج إلى بينة هو المدعي ليُعطى بدعواه مالَ قوم أو دماءهم؛ كما ذكر ذلك في الحديث. وأما الأمين، فلا يدَّعي ليُعطَى شيئًا. وقيل: بل هو مدَّعًى عليه؛ لأنه إذا سكت، لم يترك، بل لابدّ له من رد الجواب. والمودعُ مدَّعٍ؛ لأنه إذا سكت، تُرك، ولو ادعى الأمينُ ردَّ الأمانة إلى من ائتمنه، فالأكثرون على قبول قوله؛ كدعوى التلف. وقال الأوزاعي: لا يقبل قوله؛ لأنه مدع. وقال مالك: إن ثبت قبضُه للأمانة ببينة، لم يقبل قولُه في الرد بدون بينة. وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين: أحدهما: أن البينة على المدعي أبدًا، واليمين على المدَّعى عليه أبدًا، وهو قول أبي حنيفة، ووافقه طائفة من الفقهاء والمحدثين؛ كالبخاري، وطردوا في كل دعوى، حتى القَسامة، وقال: لا يحلف إلا المدَّعى عليه، ورأوا أَلَّا يقضى بشاهد ويمين؛ لأن اليمين لا تكون على المدَّعي، بل لا تكون إلا في جانب المنكرِ المدَّعى عليه، وتقدم الكلام على ذلك بما لعله يكفي ويشفي، واستدلالُ من استدلَّ بظاهر هذا الحديث على عدم قبول الشاهد واليمين مدخول؛ فإن قوله ﷺ : "ولكن اليمين على المدعى عليه" إنما أريد بها اليمين المجردة عن الشهادة، وأولُ الحديث يدل على

стр. 3617

ذلك، وهو قوله: "لو يُعطى الناس بدعواهم، لادَّعى رجالٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهم"، فدل على أن قوله: "اليمين على المدعى عليه" إنما هي اليمين، القاطعة للمنازعة مع عدمِ البينة، وأما اليمينُ المثبِتة للحقِّ مع وجود الشهادة، فهذا نوع آخر، وقد ثبت بسنَّة أخرى. واختلف أيضًا في ردِّ اليمين على المدعي، والمشهور عند الإمام أحمد موافقةُ أبي حنيفة، واستدل الإمام أحمد بهذا الحديث، وقال في رواية أبي طالب عنه: ما هو ببعيد أن يقال له: يحلف ويستحق، وأجاز ذلك طائفة من متأخري علمائنا، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد، وروي عن طائفة من الصحابة، وقد ورد فيه حديث مرفوع خرجه الدارقطني، ونظر الحافظ ابن حجر في إسناده. قال أبو عبيد: ليس هذا إزالة لليمين عن موضعها؛ فإن الإزالة أَلَّا يُقضى باليمين على المطلوب، فأما ما قضي بها عليه، فرضي بيمين صاحبه، كان هو الحاكم على نفسه بذلك؛ لأنه لو شاء، لحلف وبرىء، وبطلت عنه الدعوى. والقول الثاني في المسألة: أنه يرجَّح جانبُ أقوى المتداعيين، ويُجعل اليمين في جانبه. هذا مذهب الإمام مالك، وكذا ذكر القاضي أبو يعلى في "خلافه": أنه مذهب الإمام أحمد، وعلى هذا تتوجه مسألة القَسامة، والشاهدِ واليمين؛ فإنَّ جانب المدَّعي في القسامة لما قوي باللوث جُعلت اليمينُ في جانبه، وحُكم له بها، وكذلك المدَّعي إذا أقام شاهدًا، فإنه قوي جانبه، فحلف معه، وقضى له. ولهؤلاء في الجواب عن قوله: "البينة على المدعي" طرق:

стр. 3618

أحدها: أن هذا خُصَّ من العموم بدليل آخر. الثاني: أن قوله: "البينة على المدعي" ليس بعام؛ لأن المراد: المدعي المعهود، وهو من لا حجة له سوى الدعوى، وأما المدعي الذي معه حجة تقوي دعواه، فليس داخلًا في هذا الحديث. الثالث: أن المراد بالبينة: كلُّ ما بين صحةَ دعوى المدعي، وشهدَ بصدقه، فاللوث مع القسامة بينة، والشاهد مع اليمين بينة. الرابع: ما سلكه بعضهم، وهو الطعن في صحة هذه اللفظة؛ أعني قوله: "البينة على المدعي"، وقالوا: إنما الثابت قوله: "اليمين على المدعى عليه"، وقوله ﷺ : "لو يُعطى الناس بدعواهم. . . ." إلخ يدل على أن مدَّعي الدم والمال لابدَّ له من بينة تدلُّ على ما ادَّعاه، ولا يدخل في عموم ذلك أنَّ من ادعى على رجل أنه قتل مُوَرِّثه، وليس معه إلا قولُ المقتول عند موته: جرحني فلان، لا يكتفى بذلك، ولا يكون بمجرده لوثًا في قول الجمهور؛ خلافًا للمالكية؛ فإنهم جعلوه لوثًا يُقْسِمُ معه الأولياء، ويستحقون الدم. ولو ادعت امرأة على رجل أنه استكرهها على الزنا، فالجمهور أنه لا يثبت بمجرد دعواها عليه شيء. وقال أشهب من المالكية: لها الصداقُ بيمينها. وقال غيره منهم: لها الصداقُ بغير يمين، هذا إذا كانت ذاتَ قَدْر، وادعت على رجل مُتَّهم تليق به الدعوى، فإن كان المرميُّ بذلك من أهل الصلاح، ففي حدها للقذف عن مالك رِوايتان، وقد كان شريحٌ، وإياسُ بنُ معاويةَ يحكمان في الأموال المتنازعِ فيها بمجرد القرائن الدالة على صدق أحد المتداعيين، قاله الحافظ ابن رجب.

стр. 3619

قال: وقضى شريحٌ في أولاد هرة تداعاها امرأتان كلٌّ منهما تقول: هي ولد هرتي. قال شريح: ألقها مع هذه، فإن هي قَرَّتْ ودَرَّتْ واسْبَطَرَّتْ، فهي لها، وإن هي فَرَّتْ وهَرَّتْ وازْبَأَرَّتْ، فليس لها (١). قال ابن قتيبة: قولُه: اسبطرت، يريد: امتدت للإرضاع، وازبأرت: اقشعرَّتْ وتنفَّشَت (٢). قال: وكان يقضي بنحو ذلك أبو بكر الشامي من الشافعية، ورجح قولَه ابنُ عقيل من أصحابنا، انتهى (٣). قلت: وقد صنّف الإمام المحقق ابن القيم كتابه "الطرق الحكمية"، وذكر من ذلك أشياء كثيرة جدًا، ورجح الاعتماد على القرائن مع الفراسة، والله أعلم. واستدل بقوله ﷺ : "اليمين على المدعى عليه" على أن المدعي لا يمين عليه، إنما عليه البينة، وهو قول الأكثرين. وروي عن علي -رضوان الله عليه-: أنه أحلف المدَّعي مع بينته: أن شهوده شهدوا بحق، وفعله شريح، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وابن أبي ليلى، وسوار العنبري، وروي عن النخعي. وقال إسحاق: إذا استراب الحاكم، وجب ذلك. وسأل مهنا الإمامَ أحمد عن هذه المسألة، فقال الإمام أحمد: قد فعله عليٌّ، فقال له: أيستقيم هذا؟ فقال: قد فعله علي ﵁، فأثبت

стр. 3620

القاضي أبو يعلى هذه الرواية عن الإمام أحمد، لكنه حملها على الدعوى على الغائب، والصبي، وهذا الحمل لا يصحّ؛ لأن عليًا إنما حلّف المدَّعيَ مع بينته على الحاضر معه، وهؤلاء يقولون: هذه اليمينُ لتقوية الدعوى إذا ضعفت باسترابة الشهود؛ كاليمين مع الشاهد الواحد. وقد قال ابن عباس ﵄ في المرأة الشاهدة على الرضاع: إنَّها تُستحلف، وأخذ به الإمام أحمد كما في رواية عنه (١). تنبيه: ظاهر الحديث: أن اليمين تتوجَّه على كلِّ من ادُّعي عليه بحق، وهذا قول جمهور الأئمة وسلف الأمة، ولا فرق بين أن يكون بين المدعي والمدعى عليه اختلاط أو لا. وقال الإمام مالك، وجمهور أصحابه، والفقهاءُ السبعة فقهاءُ المدينة: إن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه وبينه خلطة؛ لئلا يَبتذِل السفهاءُ أهلَ الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد، فاشترطت الخلطةُ دفعًا لهذه المفسدة. واختلفوا في تفسير الخلطة، فقيل: هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو شاهدين، وقيل: تكفي الشهرة، وقيل: هي أن تليق به الدعوى بمثلها على مثله، وقيل: أن يليق به أن يعامله بمثلها، ذكره العلقمي في "شرح الجامع الصغير" (٢)، وذكره -أيضًا- الحافظُ ابنُ رجب في "شرح الأربعين"، وعبارته: قال مالك: إنما تجب اليمين على المنكِر إذا كان بين

стр. 3621

المتداعيين نوعٌ من مخالطة؛ خوفًا من أن يبتذل السفهاء الرُّؤَساء بطلب أيمانهم. وعنده: لو ادعى على رجل أنه غصبه، أو سرق منه، ولم يكن المدَّعى عليه متهمًا بذلك، لم يُستحلف. وحكي أيضًا عن القاسم بن محمد، وحُميد بن عبد الرحمن، وحكاه بعضهم عن فقهاء المدينة السبعة فإن كان من أهل الفضل، وممن لا يُشار إليه بذلك، أُدِّبَ المدَّعي عند مالك (١)، والله الموفق.

стр. 3622

كتاب الأطعمة جمع طعام، وهو عامٌّ في كل ما يُقتات من الحنطة والشعير والتمر وغير ذلك (١)، وربَّما خُصَّ به البُرُّ (٢). وقال في "المطلع": والأطعمةُ جمعُ قلة، لكنه بتعريفه بالألف واللام أفادَ العموم (٣). وفي "القاموس": الطعام: البُرُّ، وكلُّ ما يؤكل، والجمع أطعمة، وجمع الجمع أَطْعِمات (٤). وذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب عشرة أحاديث:

стр. 3623

الحديث الأول عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بإصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيهِ-: "إِنَّ الحَلَالَ بيَّنٌ، وَإِنَّ الحَرَامَ بيَّن، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَع فِيهِ، أَلَا وَإِن لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ القَلْبُ" (١).

стр. 3624

(عن) أبي عبد الله (النعمانِ بنِ بشير -رضي الله عن هـ) ـما-، (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول -وأهوى النعمان) بن بشير (بإصبعيه) السبابتين؛ أي: مدهما مشيرًا بهما (إلى أذنيه-): أنه سمعه ﷺ بأذنيه هاتين يقول. قال الحافظ ابن رجب: وقد روي هذا الحديث عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر، وعمار بن ياسر، وجابر، وابن مسعود، وابن عباس ﵃. قال: وحديث النعمان أصحّ أحاديث هذا الباب (١). (إن الحلال) المحض (بَيَّنٌ)، لا اشتباه فيه ولا خفاء، (وإن الحرام) المحض (بَيَّنٌ) واضح، لا اشتباه فيه، (و) لكن (بينهما)؛ أي: الحلال المحض والحرام المحض أمورٌ (مشتبهاتٌ) بوزن مفتَعِلات -بتاء مفتوحة وعين مكسورة-؛ أي: اكتسبت الشبهةَ من وجهين متعارضين، وفي رواية: "مُشَبَّهات" (٢) بوزن مفعَّلات -بتشديد العين المهملة المفتوحة-؛ أي: شبهت بغيرها مما لا يتبين به حكمها على التعيين. وفي أخرى: "متشابهات" (٣)؛ أي: ليست بواضحة الحِلِّ والحُرمة؛ لتعارض الأدلة، واختلاف العلماء (٤)، (لا يعلمهنَّ)؛ أي: المشتبهات (كثيرٌ من الناس)،

стр. 3625

وإنما يعلمها العلماء بنص، أو قياس، أو غيرهما من الأدلة، وهم بالنسبة لمن لا يعلمها قليل، فأكثرُ الناس أو كثير منهم تشتبه عليه، هل هي من الحلال، أم من الحرام؟ وأما الراسخون في العلم، فلا يشتبه عليهم ذلك، ويعلمون بالأدلة من أيِّ القسمين هي. والحاصل: أنه ﵊ قسم الأشياء إلى ثلاثة أقسام: الأول: الحلال المحض، مثل: أكل الطيبات من الزروع والثمار وبهيمة الأنعام، ولباس ما يحتاج إليه من القطن والكتان والصوف والشعر، وكالنكاح والتسري، وغير ذلك، إذا كان اكتسابه بعقد صحيح؛ كالبيع، أو بميراث، أو هبة، أو غنيمة. الثاني: الحرام المحض؛ كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ومثل الأكساب المحرمة؛ كالربا والميسر، وثمن ما لا يحل، وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب، ونحو ذلك. الثالث: المُشْتَبه؛ كأكل ما اختُلف في حله وتحريمه، إما من الأعيان؛ كالخيل والبغال والحمير والضب، وشرب ما اختُلف في تحريمه من الأنبذة التي لا يُسكر قليلها، ولُبسِ ما اختُلف في لبسه من جلود السباع ونحوها، وكذا ما استُفيد من المكاسب المختلَف في تحريمها؛ كمسألتي العينة والتورق، ونحو ذلك. وبنحو هذا المعنى فسر المشتبهات سيدُنا الإمام أحمد، وإسحاقُ بن راهويه، وغيرُهما من الأئمة (١).

стр. 3626

وحاصل الأمر: أن الله تعالى أنزل على نبيه ﷺ الكتاب، وبين فيه للأمة ما يحتاج إليه من حلال وحرام، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. قال مجاهد وغيره: لكل شيء أُمروا به، أو نُهوا عنه (١). وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقال ﷺ : "تركتكم على بيضاءَ نقيةٍ ليلُها كنهارها لا يَزيغُ عنها إلا هالِكٌ" (٢). وقال عمُّه العباس ﵁ لما شكَّ الناسُ في موته ﷺ : واللهِ ما مات رسولُ الله ﷺ حتى تركَ السبيل نهجًا واضحًا، وأحلَّ الحلالَ، وحَرَّمَ الحرام، ونكح وطلَّق، وحاربَ وسالم، وما كان راعي غنم يتبع بها رؤوسَ الجبال يخبط عليها العضاه بخبطه، ويمدرُ حوضها بيده بأنصبَ ولا أدأبَ من رسولَ الله ﷺ كان فيكم (٣). وفي الجملة: فما ترك اللهُ ورسوله حلالًا إلا مُبَيَّنًا، ولا حرامًا إلا مبينًا، لكن بيان بعضه أظهرُ وأوضحُ من بعض. فما ظهر بيانُه واشتهر، وعُلم من الدين بالضرورة من ذلك، لم يبق فيه شك، ولا يُعذر أحدٌ بجهله في بلد يظهر فيه الإسلام. وما كان بيانه دون ذلك، فمنه ما اشتهر بين حملة الشريعة قاطبة،

стр. 3627

فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض مَنْ ليس منهم. ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة، فاختلفوا في تحليله وتحريمه، وذلك لأسباب: منها: كون النص عليه خفيًا لم ينقله إلا قليل من الناس، فلم يبلغ جميعَ حملة العلم. ومنها: أنه قد يُنقل فيه نصان، أحدُهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، فيبلغ كلَّ طائفة أحدُ النصين دون الآخر، فتمسَّكَ كلُّ طائفة بما بلغها، أو يبلغ النصان معًا من لا يبلغه التاريخ، فيقف؛ لعدم معرفته بالناسخ. ومنها: ما ليس فيه نصٌّ صريح، وإنما يؤخذ من عموم، أو مفهوم، أو قياس، فتختلف أفهامُ العلماء في هذا كثيرًا. ومنها: ما يكون فيه أمر أو نهي، فتختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب، أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم، أو التنزيه (١). وأسباب الاختلاف كثيرة جدًا، وقد ذكر جميعها أو مجموعها شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في كتابه: "رفع الملام عن أئمة الإسلام". قال الحافظ ابن رجب: ولابدّ من عالم في الأمة يوافقُ قولُه الحقَّ، فيكونُ هو العالمَ بهذا الحكم، وغيرُه يكون الأمر مشتبهًا عليه، فلا يكون عالمًا بهذا؛ فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهر أهلُ باطلها على أهل حقها، فلا يكون الحق مهجورًا غيرَ معمول به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال ﵇ في الشبهات: "لا يعلمهنَّ كثيرٌ من

стр. 3628

الناس"، فدل على أن من الناس مَنْ يعلمُها، وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في نفس الأمر، فدخل فيمن لم يعلمها نوعان: أحدهما: من يتوقف فيها؛ لاشتباهها عليه. الثاني: من يعتقدها على غير ما هي عليه. ودل على أن غير هؤلاء يعلمها، والمراد: أنه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر؛ من تحليل أو تحريم، وهذا من أظهر الأدلة على أن المصيب عند الله في مسائل الاجتهاد المختلف فيها بين الحِلِّ والحُرْمَة واحدٌ، وغيره ليس بعالم بها؛ بمعنى: أنه غير مصيب لحكم الله فيها في نفس الأمر، وإن كان يعتقد باستناده فيها إلى شُبَهٍ يظنها دليلًا، ويكون مأجورًا على اجتهاده، أو مغفورًا له خطؤه لعدم اعتماده. ثم إنه ﷺ قسم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين؛ وقدَّمَ القسمَ الأول لشرفه، فقال (فمن)؛ أي: أي شخص ممن اشتبهت عليه، وهو مَنْ لا يعلمها، بخلاف العالمِ بها، المتتبعِ ما دلَّه علمُه عليها؛ فإنه على هُدًى واستبصار، فهذا ليس ممن الكلام فيه (١) (اتقى الشبهات)؛ أي: حَذر منها، وهي -بالضم- جمع شبهة؛ أي: من اجتنبها فقد (استبرأ) -بالهمز- بوزن استفعل من البراءة؛ أي: طلب البراءة (لدينه) من الذم والنقص (و) صيانة (عرضه) من الشَّين وكلام الناس، والعِرْض -بكسر العين المهملة وسكون الراء فضاد معجمة-: موضع المدح والذم من الإنسان؛ أي: ما يحصل له بذكره الجميل مدح، وبذكره القبيح قدح، وقد يكون ذلك تارة في نفس الإنسان، وتارة في سلفه، أو في أهله ومن يلزمُه أمرُه.

стр. 3629

وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه، ويحامي عنه أن يُنتقص أو يُثلب. وقال ابن قتيبة: عرض الرجل: نفسه وبدنه، لا غير. قال في "النهاية": ومنه الحديث: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه"؛ أي: احتاط لنفسه، ولا يجوز فيه معنى الآباء والأسلاف، ومنه حديث أبي ضمضم: "اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك" (١)؛ أي: تصدقت على من ذكرني بما يرجع إلي عيبه. قال: ومنه شعر حسان بن ثابت ﵁: [من الوافر] فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَتِي وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ (٢) فهذا خاص بالنفس، ومنه حديث: "أقرضْ مِنْ عِرْضِكَ ليوِم عَرْضِكَ" (٣)؛ أي: مَنْ عابَكَ وذَمَّك، فلا تجازِهِ، واجعلْه قرضًا في ذمته؛ لتستوفيه منه يوم عَرْضِك على مولاك، واحتياجك إلى جدواك (٤). والحاصل: أنه يُراد به: المعنيان، والله الموفق. فمن اتقى الأمور المشتبهة، واجتنبها، فقد حَصَّنَ عرضَه من القدح والشَّين الداخلِ على من لم يجتنبْها. وفيه: دليل على أن من ارتكب الشبهات، فقد عَرَّضَ نفسَه للقدح

стр. 3630

والطعن فيه؛ كما قال بعض السلف: من عرض نفسه للتهم، فلا يلومن من أساء به الظن. وفي رواية للترمذي في هذا الحديث: "من تركها استبراءً لدينه وعرضه، فقد سلم" (١)، والمعنى: أنه تركها بهذا القصد، وهو براءة دينه وعرضه من النقص، لا لغرضٍ آخرَ فاسدٍ من رياءٍ ونحوه. وفيه: دليل على أن طلب البراءة للعرض ممدوح؛ كطلب البراءة للدين، ولهذا ورد: أن ما وقى به المرءُ عرضَه، فهو صَدَقَة. وفي رواية في "الصحيحين" في هذا الحديث: "فمن تركَ ما يشتبه عليه من الإثم، كان لِما استبانَ أتركَ" (٢)؛ يعني: أنّ من ترك الإثم مع اشتباهه عليه، وعدمِ تحقُّقه، فهو أولى بتركه إذا استبان له أنه إثم، وهذا إذا كان تركه تحرُّزًا من الإثم، فأما من يقصد التصنُّعَ للناس، فإنه لا يترك إلا ما يظن أنه ممدوح عندهم (٣). القسم الثاني: ما أشار إليه بقوله: (ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام) مع كونها مشتبهة عنده، فأما من أتى شيئًا مما يظنه الناس شبهة؛ لعلمه بحله في نفس الأمر، فلا حرج عليه من الله في ذلك. لكن إذا خشي من طعن الناس عليه بذلك، كان تركُها حينئذٍ استبراءً لعرضه، فيكون حسنًا، وهذا كما قال ﷺ لمن رآه واقفًا مع صفية: "إنها صفيةُ بنتُ حُيَيّ" (٤).

стр. 3631

وخرج أنس إلى الجمعة، فرأى الناس قد صلَّوا ورجعوا، فاستحيا، ودخل موضعًا لا يراه الناس فيه، وقال: من لا يستحي من الناس، لا يستحي من الله. وخرّجه الطبراني مرفوعًا (١)، ولا يصح رفعُه. وإن أتى ذلك لاعتقاده أنه حلال، إما باجتهاد سائغ، أو تقليد سائغ، وكان مخطئًا في اعتقاده، فلا حرج عليه. فإن كان الاجتهاد ضعيفًا، والتقليد غيرَ سائغ، وإنما حمل عليه مجردُ اتباع الهوى، فحكمُه حكم من أتاه مع اشتباهه عليه، وقد أخبر ﵊ عن الذي يأتي الشبهات: أنه قد وقع في الحرام. وهذا -يعني: كونَ مرتكب الشبهة قد وقع في الحرام- يفسر بمعنيين: أحدهما: أن ارتكابه الشبهةَ مع اعتقاده أنَّها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقده أنه حرام بالتدريج والتسامح. وفي رواية في "الصحيحين" لهذا الحديث: "ومن اجترأَ على ما يشكُّ فيه من الإثم، أَوْشَكَ أن يواقعَ ما استبانَ" (٢). وفي رواية: "ومن يخالطِ الريبةَ، يوشكْ أن يَجْسُر" (٣)؛ أي: يقرب أن يقدم على الحرام المحض، والجَسُور: المقدامُ الذي لا يهاب شيئًا، ولا يراقب أحدًا (٤).

стр. 3632

ثم ضرب ﷺ مثلًا، فقال: (كالراعي يرعى) ماشيته ودوابه (حول)؛ أي: جوانب (الحمى) وقربه الذي يحميه الملوك، ويمنعون غيرَهم من قربانه. وقد جعل ﷺ حول مدينته اثني عشر ميلًا حمًى محرَّمًا، لا يُقطع شجرُه، ولا يُصاد صيدُه، وحمى عمرُ، وعثمان ﵄ أماكنَ ينبت فيها الكلأ لأجل إبل الصَّدقة، والله حمى هذه المحرمات، ومنع عباده من قُربانها، وسماها: حدودَه، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وهذا فيه بيان أنه حَدَّ لهم ما أحل لهم وما حرم عليهم، فلا يقربوا الحرام، ولا يتعدوا الحلال، وكذا قال في الآية الأخرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) [البقرة: ٢٢٩] (يوشك)؛ أي: يقرب ويسرع (أن يرتع فيه)؛ أي: هو جدير بأن يدخل الحمى، ويرتع فيه. وفي بعض الروايات: أن النبي ﷺ قال: "وسأضرب لك مثلًا" (٢)، ثم ذكر هذا الكلام، فمن تعدى الحلال، ووقع في الشبهات، فإنه قد قارب الحرامَ غايةَ المقاربة، فما أخلقَه وأجدرَه بمواقعة الحرام المحض. وفي ذلك تنبيه: إلى أنه ينبغي التباعدُ عن المحرمات، وأن يجعل الإنسانُ بينه وبينها حاجزًا. وقد أخرج الترمذي، وابن ماجه من حديث عبد الله بن يزيد -رضي الله

стр. 3633

عنه-، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يبلغ العبدُ أن يكون من المتقين حتى يدعَ ما لا بأسَ به حذرًا مِمَّا به بأسٌ" (١). وقال أبو الدرداء: تمامُ التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يتركَ بعضَ ما يَرى أنه حلال خَشية أن يكون حرامًا؛ حجابًا بينه وبين الحرام (٢). وقال الحسن: مازالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام (٣). وقال الثوري: إنما سُمُّوا المتقين؛ لأنهم اتقوا ما لا يُتقى (٤). وروي عن ابن عمر ﵄، قال: إني لا أُحبُّ أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها. وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب حقيقةَ الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال، وحتى يدع الإثمَ وما تشابهَ منه (٥). واستدل بهذا الحديث مَنْ يذهب إلى سدِّ الذرائع إلى المحرمات، وتحريمِ الوسائل إليها (٦).

стр. 3634

(ألا وإنّ لكل ملك) من ملوك الدُّنيا من العرب وغيرهم (حِمًى) يحميه عن الناس، ويمنعهم من دخوله، فمن دخله، أوقع به العقوبة، ومن احتاط لنفسه، لا يقارب ذلك الحمى؛ خوفًا من الوقوع فيه (ألا وإن حمى الله) (محارمُه)؛ أي: المعاصي التي حرّمها؛ كالقتل والزنا والسرقة وشرب الخمر وأشباهها، فكلُّها حمى الله، من دخل شيئًا منها بارتكابه المعاصي، استحق العقوبة، ومن قارب شيئًا منها، يوشك أن يقع فيه، فمن احتاط لنفسه، لم يقاربها، فلا يتعلق بشيء يقربه من المعاصي، ولا يدخل في شيء من الشبهات (١). (ألا وإن في الجسد مضغة) هي القطعة من اللحم، سميت بذلك؛ لأنها تُمْضَغ في الفم؛ لصغرها، قالوا: والمراد: تصغيرُ القلب بالنسبة إلى سائر الجسد (٢) (إذا صلَحت) تلك المضغة، (صلَح الجسدُ كلُّه)، (وإذا فسَدَتْ) تلك المضغة، (فسدَ الجسدُ كلُّه). قال أهل اللغة: يقال: صلَح وفسَد -بفتح اللام والسين وضمهما- والفتح أفصح وأشهر (٣)، (ألا وهي)؛ أي: تلك المضغة التي يصلح الجسد كله بصلاحها، ويفسد سائره بفسادها (القلبُ)، وهو الشكل الصَّنَوْبَرِيُّ في الجوف، أدقُّه إلى أسفل، وأغلُظه إلى فوق، وسُمِّي القلبَ؛ لتقلُّبه في الأمور، أو لأنه أخلص ما في البدن، وخالصُ كلِّ شيء فيه، أو لأنه وُضع في الجسد مقلوبًا، فصلاح حركات العبد بجوارحِه واجتنابه المحرمات، واتقائه الشبهات بحسب صلاح قلبه، فإن كان قلبه سليمًا، ليس فيه إلا

стр. 3635

محبة الله، ومحبةُ ما يحبه، وخشيةُ الله، وخشية الوقوع فيما يكرهه، صَلَحت حركات الجوارح كلِّها، ونشأ عن ذلك اجتنابُ المحرمات كلِّها، وتوقّي الشبهاتِ حذرًا من الوقوع في المحرمات، وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتباعُ هواه، وطلبُ ما يحبه، ولو كرهه الله، فسدت حركاتُ الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والشبهات بحسب هوى القلب، ولهذا يقال: القلبُ ملك الأعضاء، وبقيةُ الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون، منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك، فإن كان الملِكُ صالحًا، كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا، كانت جنوده بهذه المثابة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلبُ السليم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، وكان من دعائه ﵇: "أسألك قلبًا سليمًا" (١)، فالقلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهاتِ كلِّها، وهو الذي ليس فيه سوى محبةِ الله، وما يحبُّه الله، وخشيةُ الله، وخشيةُ ما يباعد منه، والله الموفق (٢).

стр. 3636

الحديث الثاني عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى القَوْمُ فَلَغَبُوا، فأَدْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بهَا أَبَا طَلْحةَ، فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِوَرِكِهَا أوَ فَخِذَيْهَا، فَقَبِلَهُ (١). لَغَبُوا: أَعْيَوْا.

стр. 3637

(عن) أبي حمزة (أنسِ بنِ مالك) النَّجَّاريِّ (﵁ قال: أنفَجْنا) - بفاء مفتوحة وجيم ساكنة؛ أي: أثرنا (أرنبًا) هي دويبة معروفة تشبه العَناق، لكن في رجليها طول، بخلاف يديها، والأرنب: اسم جِنْسٌ للذكر والأنثى، ويقال للذكر أيضًا: الخُزَز بوزن عمر بمعجمات-، الأنثى عِكْرِشَة، وللصغير: الخِرْنَق -بكسر المعجمة وسكون الراء وفتح النون بعدها قاف-، هذا هو المشهور (١). وقال الجاحظ: لا يقال أرنب للأنثى (٢). ويقال: إن الأرنب شديدة الجبن، كثيرةُ السبق، وإنها تكون سنة أنثى، وسنة ذكرًا، وإنها تحيض، وتنام مفتوحة العين، كذا في "الفتح" (٣). قلت: وكونها تكون سنة ذكرًا، وسنة أنثى لا يظهر له أصل. وفي رواية مسلم: استنفجنا، وهو استفعال منه، يقال له: نفج الأرنب: إذا ثار وعدا، وانتفج كذلك، وأنفجته: إذا أثرته في موضعه، ويقال: إن الانتفاج: الاقشعرار، فكأَن المعنى: جعلناها بطلبنا لها تنتفج، والانتفاج أيضًا: ارتفاع الشعر وانتفاشُه (٤) (بمَرِّ الظهران) مَرّ -بفتح الميم وتشديد الراء-، والظهران -بفتح الظاء المعجمة- بلفظ تثنيه الظهر -: اسم موضع على مرحلة من مكة. وقد يسمى بأحد الكلمتين تخفيفًا، وهو المكان الذي تسميه عوام

стр. 3638

المصريين: بطن مرو، والصواب: مرّ -بتشديد الراء- كما في "الفتح" (١). (فسعى القوم)؛ أي: اشتدوا في الطلب متسابقين عليها؛ أي: الأرنب (فَلَغَبُوا) -بفتح الغين وكسرها-؛ أي: تعبوا كما وقع في رواية (٢)، والتعب: الإعياء، (فأدركتُها) أنا، (فأخذتُها)، وفي لفظ: فأخذتها، بإسقاط أدركتها (٣). وفي "مسلم": فسعيتُ حتى أدركتُها (٤)، ولأبي داود: قال أنس: وكنت غلامًا حَزَوَّرًا (٥)، وهو -بفتح المهملة والزاي والواو المشددة بعدها راء، ويجوز سكون الزاي وتخفيف الواو-: هو المراهق (٦)، (فأتيت بها)؛ أي: الأرنب، (أبا طلحةَ)، واسمه زيدُ بنُ سهلِ بنِ الأسود الأنصاريُّ النَّجَّاريُّ زوجُ أم أنس ﵃، (فذبحها) في رواية الطيالسي: بمَرْوةٍ (٧). قال في "النهاية": المَرْوَةُ: حجر أبيضُ بَرّاق، وقيل: هي التي يقدح منها النار (٨)، وزاد في رواية: فشويتها (٩)، (وبعث) أبو طلحة ﵁ (إلى رسول الله ﷺ بوَرِكها) -بفتح الواو وكسر الراء، وبكسر الواو وإسكان الراء-، وهو ما فوق الفخذ، (أو) قال: بعث إليه بـ (فخذيها).

стр. 3639

وفي رواية: بوركها وفخذيها (١)، تثنية فَخْذِ، وهو -بكسر الخاء المعجمة وسكونها (٢) -. قال في "المطلع": الفخذ مؤنثة، وهي -بفتح الفاء وكسر الخاء-، ويجوز فيها -كسر الفاء-، ويجوز -إسكان الخاء بفتح الفاء وكسرها-. قال ابن سيده وغيره من أهل اللغة: وهذه اللغات الأربع جارية في كل اسم أو فعل ثلاثي عينُه حرفُ حلق مكسور، انتهى (٣). ووقع في رواية: بعجزها (٤)، وقال شعبة: فخذيها، لا شك فيه (٥). قال العيني: يشير بهذا أنه لا شك في فخذيها، وإنما الشك بين الوركين والفخذين، انتهى (٦). (فقبله)، وفي رواية عند البخاري: وأكل منه (٧)، وعند الترمذي من طريق أبي داود الطيالسي فيه: فأكله، قلت: أكله؟ قال: قبله (٨). وأخرج الدارقطني من حديث عائشة ﵂: أُهدي إلى رسول الله ﷺ أرنب وأنا نائمة، فخبأ لي منها العجز، فلما قمت، أطعمني (٩). وهذا لو صح، لأشعر بأنه أكل منها، لكن سنده ضعيف (١٠).

стр. 3640

قال المصنف -رحمه الله تعالى ورضي عنه-: (لغبوا: أعيوا)، وتقدم شرحه. وفي الحديث: دليل على جواز أكل الأرنب، وهو قول كافة العلماء، إلا ما جاء عن عبد الله بن عمرو من الصحابة، وعن عكرمة من التابعين، وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء، واحتج بحديث خزيمة بن جزء: قلت: يا رسول الله! ما تقول في الأرنب؟ قال: "لا آكله، ولا أحَرِّمه"، قلت: فإني آكل ما لا تحرمه، ولم يا رسول الله؟ قال: "نبئت أنَّها تدمي" رواه ابن ماجه (١)، وسنده ضعيف، ولو صح، لم يكن فيه دليل على الكراهة، وله شاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ بلفظ: جيء بها إلى النبي ﷺ ، فلم يأكلها، ولم ينه عنها، زعم أنَّها تحيض، أخرجه أبو داود (٢)، وله شاهد عن عمر عند إسحاق بن راهويه في "مسنده". وحكى الرافعي عن أبي حنيفة: أنه حرَّمها، وغلَّطه النوويُّ في النقل عن أبي حنيفة كما في "الفتح" (٣). قلت: ذكر البدر العيني في "شرح البخاري" رواية عن أصحابهم بكراهة أكلها، ثم قال: والأصح قول العامة (٤)، انتهى. قلت: وممن ذكر الاتفاقَ على إباحة أكل الأرنب: عونُ الدين بن هبيرة في "اختلاف الأئمة" (٥).

стр. 3641

وفيه دليل أيضًا: على جواز استثارة الصيد والعَدْو في طلبه. وأما ما أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من اتبع الصيد، غَفَل" (١)، فمحمول على من واظب على ذلك حتى يشغلَه عن غيره من المصالح الدينية وغيرها. وفيه: أنه إذا طلب جماعة الصيد، فأدركه بعضُهم، وأخذَ، ملكه، ولا يشاركه فيه من أثاره. وفيه: هدية الصيد وقَبولُها من الصائد، وإهداء الشيء اليسير إلى الكبير القدر إذا علم من حاله الرضا بذلك (٢). وفيه -على ما في رواية الترمذي: فذبحها بمروة-: صحةُ الذبح بالمَرْوَة ونحوها إذا كان لها حدّ يذكَّى به الصيد ونحوه، فإن قتله بثقله، لم يحل (٣)، وغير ذلك، والله أعلم.

стр. 3642

الحديث الثالث عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بكْرٍ ﵄، قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ (١). وَفِي رِوَايَةٍ: وَنَحْنُ بِالمَدِينَةِ (٢). * * * (عن) أم عبد الله (أسماءَ بنتِ أبي بكر) الصدّيق (﵄)

стр. 3643

تُدعى أسماءُ: ذاتَ النطاقين؛ لأنها شقت نطاقها ليلة هجرة النبي ﷺ ، وجعلته نطاقين، شدّت بأحدهما سُفْرَتَهُ ﷺ ، وجعلت الثاني عِصامًا لقِرْبته؛ كما نقله ابنُ عبد البر عن ابن إسحاق وغيره، قالت: وقال الزبير ﵁: إن النبي ﷺ قال لها: "بدَّلكِ الله بنِطاقك هذا نِطاقين في الجنة" (١)، فسميت: ذاتَ النطاقين، وقيل: إنها جعلت الثاني نطاقًا لها. تزوجها الزبيرُ بن العوام بمكة، فولدت له عبد الله بن الزبير، وهو أول مولود في الإسلام بعد الهجرة، وولدت له أيضًا عُروةَ، والمنذرَ، والمهاجرَ، وعاصمًا، وخديجةَ، وأم حسن، وعائشة. وأسلمت أسماء ﵂ بمكة قديمًا. قال ابن إسحاق: بعد سبعة عشر إنسانًا، وبايعته ﷺ ، وكانت إذا مرضت تُعتق كلَّ مملوك لها، نقله ابن سعد في "طبقاته" عن فاطمةَ بنتِ المنذر بسند صحيح (٢). ونقل الواقدي: أن ابن المسيب كان من أعبر الناس للرؤيا، وأنه أخذ ذلك عن أسماء بنت الصديق، وهي أخذته عن أبيها الصديق الأعظم -رضوان الله عليهما-. ثم طلقها الزبير بالمدينة. قيل: إن عبد الله ﵁ منع أباه الزبير أن يدخل البيت حتى يطلق أمه، وقال: مثلي لا تكون له أم توطأ، أو كما قال، فطلقها، وبقيت عند ابنها إلى أن قُتل. وهي أكبر من أختها عائشة أم المؤمنين بعشر سنين، وكانت أختَها من أبيها؛ لأن أمَّ أسماء قَتْلَة -بفتح القاف وسكون المثناة فوق-، قاله ابن

стр. 3644

ماكولا وغيره. وقيل: قُتيلة -بالتصغير- ابنةُ عبد العزى بنِ عبد أسد (١)، وهي شقيقة عبد الله بن الصديق، وأمُّ عائشةَ أمُّ رومان بنةُ عامر بنِ عويمر بنِ عبد شمس من بني مالك بنِ كنانة. واختُلف في إسلام أم أسماء، والأرجح أنَّها لم تسلم. وماتت أسماء ﵂ بعد ابنها ﵁ بعشرة أيام، وقيل: بعشرين، وقيل: ببضعة وعشرين، بعد إنزال ابنها عن الخشبة التي صُلب عليها، وذلك سنة ثلاث وسبعين بمكة، وكان عمرها يومئذ مئة سنة، ولم يُنكر من عقلها شيء، ولم يسقط لها سن، غير أنَّها قد ذهب بصرها. روى عنها: ابناها: عبدُ الله، وعروةُ، وابنُ عباس، وغيرهم. روي لها عن رسول الله ﷺ ستة وخمسون حديثًا، اتفقا على أربعة عشر، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بأربعة (٢). (قالت) أسماء ﵂: (نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا)، وفي لفظ عند البخاري وغيره عنه: ذبحنا على عهد رسول الله ﷺ (٣)، (فأكلناه).

стр. 3645

(وفي رواية) عند البخاري: (ونحن) ساكنون (في المدينة)؛ أي: بعد الهجرة، والجملة حالية. وفي رواية الدارقطني: فأكلناه نحن وأهل بيت النبي ﷺ (١). واختلف شراح الحديث في توجيه قولها: نحرنا، وذبحنا، فقيل: يُحمل النحر على الذبح مجازًا، وقيل: وقع ذلك مرتين، وإليه جنح النووي (٢)، ونظر فيه في "الفتح" بأن الأصل فيه عدم التعدد، والمخرج متحد، والاختلاف فيه على هشام، فبعض الرواة قال عنه: نحرنا، وبعضهم قال: ذبحنا، والمستفاد من ذلك جوازُ الأمرين، وقيامُ أحدِهما في التذكية مقامَ الآخر، وإلا لما ساغ الإتيان بهذا موضع هذا (٣). قال في "الفتح" كغيره: النحر في الإبل خاصة، وأما غير الإبل، فيذبح. وقد جاءت أحاديث في ذبح الإبل، وفي نحر غيرها. قال ابن التين: الأصل في الإبل النحر، وفي الشاة ونحوها الذبح، وجاء في القرآن ذكر ذبحها (٤). قال علماؤنا: والسنة نحر إبل، وذبحُ غيرها (٥).
следующие страницы →