← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

وفيه دليل أيضًا: على جواز استثارة الصيد والعَدْو في طلبه. وأما ما أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من اتبع الصيد، غَفَل" (١)، فمحمول على من واظب على ذلك حتى يشغلَه عن غيره من المصالح الدينية وغيرها. وفيه: أنه إذا طلب جماعة الصيد، فأدركه بعضُهم، وأخذَ، ملكه، ولا يشاركه فيه من أثاره. وفيه: هدية الصيد وقَبولُها من الصائد، وإهداء الشيء اليسير إلى الكبير القدر إذا علم من حاله الرضا بذلك (٢). وفيه -على ما في رواية الترمذي: فذبحها بمروة-: صحةُ الذبح بالمَرْوَة ونحوها إذا كان لها حدّ يذكَّى به الصيد ونحوه، فإن قتله بثقله، لم يحل (٣)، وغير ذلك، والله أعلم.

стр. 3642

الحديث الثالث عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بكْرٍ ﵄، قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ (١). وَفِي رِوَايَةٍ: وَنَحْنُ بِالمَدِينَةِ (٢). * * * (عن) أم عبد الله (أسماءَ بنتِ أبي بكر) الصدّيق (﵄)

стр. 3643

تُدعى أسماءُ: ذاتَ النطاقين؛ لأنها شقت نطاقها ليلة هجرة النبي ﷺ ، وجعلته نطاقين، شدّت بأحدهما سُفْرَتَهُ ﷺ ، وجعلت الثاني عِصامًا لقِرْبته؛ كما نقله ابنُ عبد البر عن ابن إسحاق وغيره، قالت: وقال الزبير ﵁: إن النبي ﷺ قال لها: "بدَّلكِ الله بنِطاقك هذا نِطاقين في الجنة" (١)، فسميت: ذاتَ النطاقين، وقيل: إنها جعلت الثاني نطاقًا لها. تزوجها الزبيرُ بن العوام بمكة، فولدت له عبد الله بن الزبير، وهو أول مولود في الإسلام بعد الهجرة، وولدت له أيضًا عُروةَ، والمنذرَ، والمهاجرَ، وعاصمًا، وخديجةَ، وأم حسن، وعائشة. وأسلمت أسماء ﵂ بمكة قديمًا. قال ابن إسحاق: بعد سبعة عشر إنسانًا، وبايعته ﷺ ، وكانت إذا مرضت تُعتق كلَّ مملوك لها، نقله ابن سعد في "طبقاته" عن فاطمةَ بنتِ المنذر بسند صحيح (٢). ونقل الواقدي: أن ابن المسيب كان من أعبر الناس للرؤيا، وأنه أخذ ذلك عن أسماء بنت الصديق، وهي أخذته عن أبيها الصديق الأعظم -رضوان الله عليهما-. ثم طلقها الزبير بالمدينة. قيل: إن عبد الله ﵁ منع أباه الزبير أن يدخل البيت حتى يطلق أمه، وقال: مثلي لا تكون له أم توطأ، أو كما قال، فطلقها، وبقيت عند ابنها إلى أن قُتل. وهي أكبر من أختها عائشة أم المؤمنين بعشر سنين، وكانت أختَها من أبيها؛ لأن أمَّ أسماء قَتْلَة -بفتح القاف وسكون المثناة فوق-، قاله ابن

стр. 3644

ماكولا وغيره. وقيل: قُتيلة -بالتصغير- ابنةُ عبد العزى بنِ عبد أسد (١)، وهي شقيقة عبد الله بن الصديق، وأمُّ عائشةَ أمُّ رومان بنةُ عامر بنِ عويمر بنِ عبد شمس من بني مالك بنِ كنانة. واختُلف في إسلام أم أسماء، والأرجح أنَّها لم تسلم. وماتت أسماء ﵂ بعد ابنها ﵁ بعشرة أيام، وقيل: بعشرين، وقيل: ببضعة وعشرين، بعد إنزال ابنها عن الخشبة التي صُلب عليها، وذلك سنة ثلاث وسبعين بمكة، وكان عمرها يومئذ مئة سنة، ولم يُنكر من عقلها شيء، ولم يسقط لها سن، غير أنَّها قد ذهب بصرها. روى عنها: ابناها: عبدُ الله، وعروةُ، وابنُ عباس، وغيرهم. روي لها عن رسول الله ﷺ ستة وخمسون حديثًا، اتفقا على أربعة عشر، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بأربعة (٢). (قالت) أسماء ﵂: (نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا)، وفي لفظ عند البخاري وغيره عنه: ذبحنا على عهد رسول الله ﷺ (٣)، (فأكلناه).

стр. 3645

(وفي رواية) عند البخاري: (ونحن) ساكنون (في المدينة)؛ أي: بعد الهجرة، والجملة حالية. وفي رواية الدارقطني: فأكلناه نحن وأهل بيت النبي ﷺ (١). واختلف شراح الحديث في توجيه قولها: نحرنا، وذبحنا، فقيل: يُحمل النحر على الذبح مجازًا، وقيل: وقع ذلك مرتين، وإليه جنح النووي (٢)، ونظر فيه في "الفتح" بأن الأصل فيه عدم التعدد، والمخرج متحد، والاختلاف فيه على هشام، فبعض الرواة قال عنه: نحرنا، وبعضهم قال: ذبحنا، والمستفاد من ذلك جوازُ الأمرين، وقيامُ أحدِهما في التذكية مقامَ الآخر، وإلا لما ساغ الإتيان بهذا موضع هذا (٣). قال في "الفتح" كغيره: النحر في الإبل خاصة، وأما غير الإبل، فيذبح. وقد جاءت أحاديث في ذبح الإبل، وفي نحر غيرها. قال ابن التين: الأصل في الإبل النحر، وفي الشاة ونحوها الذبح، وجاء في القرآن ذكر ذبحها (٤). قال علماؤنا: والسنة نحر إبل، وذبحُ غيرها (٥).

стр. 3646

قال في "الفتح": واختلف في ذبح ما يُنحر، ونحر ما يُذبح، فأجازه الجمهور، ومنعه ابن القاسم (١). وقال ابن هبيرة في "اختلاف الأئمة": اتفقوا على نحر الإبل، وذبحِ ما عداها، فإن ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح، فقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: يُبَاح، إلا أن أبا حنيفة مع الإباحة كرهه. وقال مالك: إن نحر شاة، أو ذبح بعيرًا من غير ضرورة، لم يؤكل لحمها. وقد حمله بعضُ أصحابه على الكراهة، وهو عبد العزيز بن أبي سلمة (٢). وقد روي عن مالك: أنه قال: من نحر البقر، فبئس ما صنع، وتلا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. وفي "الفتح" عن أشهب: إن ذبح بعيرًا من غير ضرورة، لم يؤكل (٣). والنحر: طعنُ إبل ونحوها بمحدّد في لبتها، وهي الوَهْدة بين أصل الصدر والعنق (٤). قال في "الفتح": اللَّبَّةُ -بفتح اللام وتشديد الموحدة-: هي موضع القِلادة من الصدر، وهي المنحر (٥).

стр. 3647

ولابد من قطع حلقوم، وهو مجرى النفَس، وقطعُ مريء -بالمد-، وهو مجرى الطعام والشراب. ومعتمد مذهبنا: إباحة الذبيحة بذلك من غير فرق بين القطع فوق الغلصمة، وهي الموضع الناتىء، أو دونها، وأنه لا يعتبر قطع شيء غيرها؛ لأنه قطع في محل الذبح ما لا يعيش به الحيوان مع قطعه، أشبه قطعهما مع الوَدَجَين، وهما: العرقان المحيطان بالحلقوم، ولا يشترط -على معتمد المذهب- إبانةُ الحلقوم والمريء بالقطع، والأكملُ: إبانتهما، وقطع الودجين (١). وقال أبو حنيفة: يجب قطعُ الحلقوم والمريء وأحد الودجين لا بعينه، فمتى قطع هذه الثلاثة، حل أكله. وعنه رواية أخرى: إن قطع كل أوداجه إلا عرقًا من الأربعة، حل أكله، وإن قطع النصف فما دونه من الأربعة، لم يحل. وقال مالك: لابد من استيفاء قطع الحلقوم والودجين في قطع واحد. وقال الشافعي: إذا قطع الحلقوم والمريء، أجزأه، ويسن قطع الودجين (٢). تنبيه: ساق المصنف ﵀ ورضي عنه- الحديث دليلًا على إباحة أكل لحوم الخيل. ويستفاد من قول أسماء ﵂: ونحن بالمدينة بكون ذلك

стр. 3648

بعد فرض الجهاد، فيرد على من استند إلى منع أكلها بعلة أنها من آلات الجهاد. ومن قولها في الرواية التي عند الدارقطني: نحن وأهل بيت النبي ﷺ الردّ على من زعم أنه ليس فيه أن النبي ﷺ اطلع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يرد، لم يظن بآل أبي بكر أنهم قدموا على فعل شيء في زمن النبي ﷺ إلا وعندهم العلمُ بجوازه؛ لشدة اختلاطهم بالنبي ﷺ ، وعدم مفارقتهم له، هذا مع توفر داعية الصحابة إلى سؤاله عن الأحكام. ومن ثم كان الراجح أن قول الصحابي: كنا نفعل كذا على عهد النبي ﷺ في حكم المرفوع؛ لأن الظاهر اطلاعُه ﷺ على ذلك، وتقريرُه، وإذا كان ذلك في مطلق الصحابة، فكيف بالصديق الأعظم (١)؟! قال أبو المظفر بن هبيرة في "اختلاف الأئمة": اختلفوا في لحوم الخيل: فقال أبو حنيفة: يحرم أكلها. وقال مالك: هي مكروهة، إلا أن كراهتها عنده دون كراهة السباع. وقال الشافعي، وأحمد: هي مباحة، انتهى (٢). وفي "الفتح": ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل. قال أبو جعفر الطحاوي: وخالفه صاحباه وغيرهما، واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها، ولو كان ذلك مأخوذًا من طريق النظر، لما كان بين الخيل والحُمُر الأهلية فرق. ولكن الآثار إذا صحت عن رسول الله ﷺ أولى أن يقال بها مما يوجبه

стр. 3649

النظر، ولاسيّما وقد أخبر جابر: أنه ﷺ أباح لهم لحومَ الخيل في الوقت الذي منعهم فيه من لحوم الحمر كما يأتي، فدلّ ذلك على اختلاف الحكم. قال في "الفتح": وقد نقل الحلَّ بعضُ التابعين عن الصحابة من غير استثناء أحد. أخرج ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح على شرط الشيخين، عن عطاء، قال: لم يزل سلفك يأكلونه. قال ابن جريج: قلت له: أصحابُ رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم (١). وأما ما روي عن ابن عباس ﵄ من كراهتها، فأخرجه ابن أبي شيبة (٢)، وعبد الرزاق بسندين ضعيفين، والصحيح عنه خلافه. قال في "الفتح": وصحّ القول بالكراهة عن الحكم بن عتبة، وبعض الحنفية، وعن بعض المالكية والحنفية التحريم. قال الفاكهي: مشهورٌ عند المالكية الكراهةُ، والصحيح عند المحققين منهم التحريم. وقال أبو حنيفة في "الجامع الصغير" له: أكرهُ لحم الخيل، فحمله أبو بكر الرازي على التنزيه، وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم، وليس هو عنده كالحمار الأهلي. وصحح أصحاب "المحيط"، و"الهداية"، و"الذخيرة" عنه التحريمَ،

стр. 3650

وهو قول أكثرهم، وعن بعضهم: يأثم آكله، ولا يسمى حرامًا. وقال أبو محمد بن أبي حمزة: الدليل على الجواز مطلقًا واضح، لكن سبب كراهة مالك لأكلها؛ لكونها تُستعمل غالبًا في الجهاد، فلو انتفت الكراهة، لكثر استعماله، ولو كثر، لأدى إلى قتلها، فيفضي إلى فنائها، فيؤول إلى النقص من إرهاب العدو الذي وقع الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. قال في "الفتح": فعلى هذا، فالكراهة لسببٍ خارج، وليس البحث فيه؛ فإن الحيوان المتفق على إباحته، لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح، لأفضى إلى ارتكاب محذور، لامتنع، ولا يلزم من ذلك القولُ بتحريمه (١)، والله تعالى الموفق.

стр. 3651

الحديث الرابع عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لحُوُمِ الخَيْلِ (١). وَلِمُسْلِمٍ وَحْدَهُ: قَالَ: أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الخَيْلَ وَحُمُرَ الوَحْشِ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الحِمَارِ الأَهْلِيِّ (٢).

стр. 3652

(عن) أبي عبد الله (جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى) الناسَ (عن) أكل (لحوم) جمع لحم (الحُمُر) جمع حمار (الأهلية) دون الوحشية؛ فإنها مباحة إجماعًا، والأهلية -بفتح الهمزة- منسوبةٌ إلى الأهل، وهي الإنسية. وقد قال بتحريم أكل لحوم الحمر الأهلية أكثرُ العلماء من الصحابة فمن بعدهم. قال الإمام النووي: لم نجد في ذلك عن أحد من الصحابة ﵃ خلافًا، إلا عن ابن عباس ﵄، وعند المالكية ثلاث روايات، ثالثها: الكراهة (١). قال ابن هبيرة: اتفقوا على أن البغال والحمير الأهلية حرام، إلا مالكًا؛ فإنه اختلف عنه، فروي عنه: أنها مكروهة، إلا أنها مغلظة الكراهة جدًا فوق كراهية أكل ذي ناب من السباع، وقيل عنه: إنها محرمة بالسُّنَّة دون تحريم الخنزير، انتهى (٢). وقد اختلف عن ابن عباس ﵄، فروي عنه عدمُ تحريمها كما في "الصحيحين" وغيرهما محتجًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقد أخرج ابن مردويه، وصححه الحاكم، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس ﵄، قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذُّرًا، فبعث الله نبيّه، وأنزل كتابه، وأحلَّ حلاله، وحرَّم حرامه، فما

стр. 3653

أحلَّ فيه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو، وتلا هذه الآية (١). قال في "الفتح": والاستدلال لهذا إنما يتم فيما لم يأت فيه نصٌّ عن النبي ﷺ بتحريمه، وقد تواردت الأخبار بذلك، والتنصيص على التحريم مقدّم على عموم التحليل، وعلى القياس، وقد توقف ابن عباس في النهي عن الحمر الأهلية، هل كان لمعنى خاص، أو للتأبيد كما روى الشعبي عنه: أنه قال: لا أدري نهى عنه رسول الله ﷺ من أجل أنها كانت حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرّمها أَلبتة يوم خيبر؟ (٢) وقال بعضهم: إنما نهى عنها رسول الله ﷺ ؛ لأنها لم تكن تخمست. وقيل: لأنها كانت تأكل العَذِرَة (٣). قال في "الفتح": وقد أزال هذه الاحتمالات من كونها لم تُخَمَّس، أو كانت جَلَّالة، أو كانت انتُهبت حديثُ أنس في "الصحيحين" وغيرهما: "فإنها رجس" (٤)، وكذا الأمر بغسل الإناء كما في حديث سلمة بن الأكوع، متفق عليه (٥). قال القرطبي: قوله: "فإنها رجسٌ" ظاهر في عود الضمير على

стр. 3654

الحمر (١)؛ لأنها المتحدَّثُ عنها المأمورُ بإكفائها من القدور وغسلُها، وهذا حكم المتنجس، فيستفاد منه تحريم أكلها، وهو دال على تحريمها لعينها، لا لمعنى خارجي (٢). وقال ابن دقيق العيد: الأمر ظاهر أنه بسبب تحريم لحم الحمر (٣)، كما يأتي في الحديث الذي بعد هذا. (وأذن) رسول الله ﷺ للناس (في) أكل (لحوم الخيل). وفي حديث ابن عباس ﵄ عند الدارقطني: أمرَ (٤)، وفي لفظٍ للبخاري: ورَخَّص (٥)، (و) في رواية (لمسلم وحده)؛ أي: دون البخاري، من حديث جابر بن عبد الله ﵄ (قال: أكلنا) معشر الصحابة (زمنَ) فتحِ (خيبر)، وكانت في السابعة من الهجرة (الخيلَ)، ويشمل جميع أنواعها من عربي وهجين ومُقْرِف وبِرْذَوْن، فحكمُها واحد على ما قدّمنا بيانه، (و) أكلنا أيضًا في ذلك الزمن (حُمُرَ الوحش)، جمع حمار، ويسمى: الفرا، ويقال: حمارٌ وحشيٌّ، وحمارُ وحشٍ، بالإضافة، والنسبة، وهو العَيْر، وربما أُطلق العير عليه وعلى الأهلي أيضًا، والحمار الوحشيُّ موصوف بشدة الغَيْرة، ومن عجيب أمره: أنّ الأنثى إذا ولدت ذكرًا، كَدَمَ الفحلُ خصيتَه، لذلك تعمل الأنثى الحيلة في الهرب منه حتى يسلم، وربما كسرت رجل التَّوْلَبِ، وهو جحشها الذي

стр. 3655

ولدته، ويقال للأنثى: أم تَوْلَب؛ كيلا يسعى، ولا تزال ترضعه حتى يكبر، فيسلم من أبيه، ويُعَمَّر الحمار الوحشيُّ طويلًا. ذكر ابن خلكان في ترجمة ابن زياد: أن حمارًا وحشيًا عاش أكثر من ثمان مئَة سنة، كذا قال (١). (ونهى رسول الله ﷺ عن الحمار الأهلي)، أي: عن أكل لحمه، ولو توحش؛ كما أنّ أكل لحم الحمار الوحشي مباحٌ، ولو تأهل، من غير خلافٍ في ذلك، إلا ما روي عن مطَرِّف أنه قال: إذا أنس الحمارُ الوحشي، واعتلفَ، صار كالأهلي، وأهلُ العلم على خلاف قوله كما قاله الإمام الشافعي ﵁ (٢).

стр. 3656

الحديث الخامس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى، قَالَ: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، وَقَعْنَا فِي الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمَّا غَلَتْ بهَا القُدُورُ، نَادَى مُنَادي رَسُول اللهِ ﷺ : أَنْ أَكْفِئُوا القُدُورَ، وَلا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُوم الحُمُرِ شَيْئًا (١). * * * (عن) أبي إبراهيم، (عبدِ الله بنِ أبي أوفى)، واسمُه: علقمةُ بنُ

стр. 3657

قيس بنِ خالدٍ الأسلمي، من ولد هوازن بن أسلم، شهد الحديبية وخيبر وما بعد ذلك من المشاهد، ولم يزل بالمدينة حتى قُبض النبي ﷺ ، ثم تحول إلى الكوفة، وهو آخر مَنْ مات بها من الصحابة سنة سبع وثمانين كما رجحه ابن الأثير في "جامع الأصول"، ورجح النووي وجمعٌ أنه مات سنة ست، وقيل: سنة ثمان وثمانين، وكان قد كُفَّ بصره. روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وسبعون حديثًا، اتفقا على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث (١). (قال) عبد الله بن أبي أوفى ﵁: (أصابتنا) معشرَ أصحاب محمد ﷺ (مجاعةٌ)، وفي حديث سَلَمةَ بنِ الأكوع في "الصحيحين"، قال: أتينا خيبرَ، فحاصرناها حتى أصابتنا مَخْمَصَةٌ شديدة (٢)؛ يعني: الجوع الشديد (لياليَ) حصارِ (خيبرَ)، (فلما كان يوم) فتح (خيبرَ، وقعنا في) ذبح (الحمر الأهلية)؛ لشدة المخمصة التي أصابتنا، (فانتحرناها)؛ أي: الحمر الأهلية لنأكلها، (فلما غلت)، أي: بسبب طبخ لحمِها (بها القدور). وفي حديث سلمة: ثم إنّ الله فتحها، أي: خيبر عليهم؛ أي: أصحابِ النبي ﷺ ، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فُتحت عليهم، أوقدوا نيرانًا

стр. 3658

كثيرة، فقال رسول الله ﷺ : "ما هذه النيرانُ؟ على أي شيء توقدون؟ "، فقالوا: على لحم حمرٍ إنسية. فقال: "أهريقوها، واكسروا الدِّنان"، فقال رجلٌ: أو يهريقوها ويغسلوها؟ قال: "أو ذاك" (١). قال عبدُ الله بن أبي أوفى ﵁: لما علم ﷺ بذلك (نادى منادي رسول الله ﷺ ) وفي حديث أنس بن مالك ﵁: أن الرجل الذي أمره رسول الله ﷺ بالنداء هو: أبو طلحة (٢). ووقع عند مسلم أيضًا: أن بلالًا نادى بذلك. وعند النسائي: أن المنادي بذلك عبد الرحمن بن عوف (٣). قال في "الفتح": لعلَّ عبد الرحمن بن عوف نادى أولًا بالنهي مطلقًا، ثم نادى أبو طلحة، وبلال بزيادة على ذلك، وهو قوله: "فإنها رجس" (٤). وأما ما وقع في "الشرح الكبير" للرافعي أن المنادي بذلك خالد بن الوليد، فغلط؛ لأنه لم يشهد خيبر، وإنما أسلم بعد فتحها (٥). فإن قلت: روى أصحاب السنن من حديث خالد بن الوليد ﵁: أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الخيل (٦).

стр. 3659

قلت: هو حديث شاذ منكر، وفي سياقه أنه شهد خيبر، وهو خطأ، فإنه لم يُسلم إلا بعدَها على الصحيح، والذي جزم به الأكثرون أنّ إسلامه ﵁ كان في سنة الفتح، والعمدة في ذلك كما في "الفتح" ما قاله مصعب الزبيري، وهو أعلمُ الناس بقريش، قال: كتب الوليدُ بنُ الوليد إلى خالدٍ حين فرَّ من مكة في عمرة القضية، حتى لا يرى النبي ﷺ بمكة، فذكر القصة في سبب إسلام خالد ﵁، وكانت عمرة القضية بعد خيبر جزمًا (١). وكان النداء: (أن أكفئوا القدور) بما فيها، أمرَ ﷺ بإراقة القدور التي طُبخت فيها الحمر، مع ما كان بهم من الحاجة، ولهذا كان من جملة المنادى به قوله: (ولا تأكلوا من لحوم الحمر) الأهلية (شيئًا). وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: أصابتنا مجاعة يوم خيبر ونحن مع رسول الله ﷺ قد أصبنا للقوم حمرًا خارجة من المدينة، فنحرناها، فإن قدورَنا لتغلي؛ إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : أَنْ أَكفئوا القدور، ولا تَطْعَموا من لحوم الحمر شيئًا. قال سليمان بن فيروز -ويقال: أبو عمرو الشيباني مولى ابن عباس-: فقلت: حرّمها تحريمَ ماذا؟ قال: كنا تحدثنا بيننا، فقلنا: أحرّمها أَلبتة، أو حرّمها من أجل أنها لم تُخَمَّس (٢)؟ وفي رواية في "الصحيحين" في حديث ابن أبي أوفى: فقال أناس: إنما نهى عنها رسول الله ﷺ ؛ لأنها لم تخمس.

стр. 3660

وقال آخرون: نهى عنها ألبتةَ (١)، وهذا الراجح، ولهذا أمر بإكفاء القدور، ثم بيَّن بندائه بأن لحوم الحمر رجس، فظهر منه أنّ تحريمه لذاتها. قال أبو جعفر الطحاوي: لولا تواترُ الحديث عن رسول الله ﷺ بتحريم الحمر الأهلية، لكان النظر يقتضي حلَّها؛ لأن كلَّ ما حرّم من الأهليِّ أُجمع على تحريمه إذا كان وحشيًا؛ كالخنزير الوحشيِّ، وقد أجمع على حِلِّ الحمار الوحشي، فكان النظرُ يقتضي حِلَّ الحمار الأهلي (٢). قال في "الفتح": وما ادّعاه من الإجماع مردود؛ فإن كثيرًا من الحيوان الأهلي مختلَفٌ في نظيره من الحيوان الوحشي؛ كالهر (٣). وفي الحديث: أن الذكاة لا تُطهر ما لا يَحل أكلُه، وأن المتنجس بملاقاة النجاسة يكفي غسلُه. وربما استدل بأن إطلاقه يصدق ولو بغسلةٍ واحدة، وأن الأصل في الأشياء الإباحة؛ لكون الصحابة أقبلوا على ذبحها وطبخها كسائر الحيوان من قبل أن يستأمِروا، مع توفر دواعيهم على السؤال عمّا يُشكل. وأنه ينبغي لأمير الجيش تفقُّد أحوال رعيته، ومن رآه فعل ما لا يسوغ في الشرع، أشاع منعَه، إمّا بنفسه؛ بأن يخطبهم، وإما بغيره؛ بأن يأمر مناديًا فينادي؛ لئلا يغتر به من رآه، فيظنه جائزًا (٤).

стр. 3661

الحديث السادس عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ ﵁، قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّة (١). * * * (عن أبي ثعلبة) -بالمثلثة والعين المهملة. في اسمه واسم أبيه اختلافٌ كثير. قال الإمام أحمد، وابن معين: اسمُه جُرْهم -بضم الجيم وسكون الراء-، وقيل: جُرْثُوم -بضم الجيم والمثلثة وسكون الراء بينهما-، وقيل: جرثومة -بزيادة تاء التأنيث-، وقيل: عمرو، وقيل غير ذلك، واسم أبيه: ناشي -بالنون والشين المعجمة المكسورة-، وقيل: ناشر -بالراء-،

стр. 3662

وقيل: ناشب -بالموحدة آخره-، وقيل: ناشج -بالجيم- الخُشَنِيِّ -بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين فنون- نسبة إلى خُشينة -بضم الخاء- بوزن جُهَيْنَة، وهم بطن من قضاعة. وأبو ثعلبة مشهورٌ بكنيته، وهو ممن بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان تحت الشجرة، وضرِبَ له سهمٌ يوم خيبر، وأرسله إلى قومه فأسلموا. قال النووي: روى عن النبي ﷺ أحاديث. توفي في خلافة معاوية على الأرجح، وقيل: في خلافة عبد الملك بن مروان سنة خمس وسبعين، روى عنه: أبو إدريس الخولاني، وجُبير بن نُفير، ومكحول، وغيرهم (١). (قال) أبو ثعلبة - ﵁ -: (حَرَّم رسولُ الله ﷺ لحومَ الحُمُر الأهلية)، هذا تصريح بما أفهمه كلُّ واحد من حديث جابر، وعبد الله بن أبي أوفى ﵄؛ لأن النهي المطلق، وإن كان يفيد التحريمَ عند الأئمة الأربعة وغيرهم، إلا أن بعض العلماء زعم أنها تكون بين التحريم والكراهة، فتكون من المجمَل، وقيل: تكون للقدر المشترك بين التحريم والكراهة، فتكون حقيقةً في كلٍّ منهما.

стр. 3663

وقيل بالوقف؛ لتعارض الأدلة (١). وروى حديثَ أبي ثعلبة الخشنيِّ: الإمامُ أحمد أيضًا، وزاد عليه: ولحمَ كلِّ ذي ناب من السباع (٢). ورواه النسائي عن أبي ثعلبة، وفيه قصة، ولفظه: غزونا مع النبي ﷺ خيبر، والناسُ جياعٌ، فوجدوا حُمُرًا إنسية، فذبحوا منها، فأمر النبيُّ ﷺ عبدَ الرحمن بنَ عوف فنادى: ألا إن لحومَ الحمر الإنسية لا تَحِلّ (٣). فإن قلت: قد أخرج أبو داود عن غالب بن أبجر، قال: أصابتنا سَنَةٌ، فلم يكن في مالي ما أُطعم أهلي إلا سِمانُ حُمُر، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: إنك حرّمت لحومَ الحمر الأهلية، وقد أصابتنا سَنَةٌ، قال: "أطعم أهلك من سمين حُمُرك؛ فإنما حرمتها من أجل جوَّال القرية"؛ يعني: الجَلَّالة (٤). وأخرج الطبراني عن أم نصر المحاربية: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الحمر الأهلية، فقال: "أليس ترعى الكلأ وتأكلُ الشجر؟ "، قال: نعم، قال: "فأصب من لحومها" (٥). وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق رجل من بني مرّة، قال: سألتُ، فذكره نحوه (٦).

стр. 3664

قلت: أما حديث غالب عند أبي داود، فإسناده ضعيف، ومتنه شاذ، مخالف للأحاديث الصحيحة، فالاعتماد عليها، وحديث الطبراني وابن أبي شيبة، ففي سنديهما مقال، ولو ثبتا، احتمل أن يكونا قبل التحريم (١)، والله الموفق.

стр. 3665

الحديث السابع عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ بمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ"، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكْلُتُه، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ينْظُرُ (١).

стр. 3666

المَحْنُوذُ: المَشْوِيُّ بِالرَّضْفِ، وَهِيَ الحِجَارَةُ المُحَمَّاةُ. (عن ابن عباس ﵄، قال: دخلتُ أنا، و) ابن خالتي (خالدُ بن الوليد) بنِ المغيرة بن عبد الله بن عمرَ بنِ مخزوم بن يقظة بنِ مرة بنِ كعب بن لؤيِّ بنِ غالبٍ القرشيُّ المخزوميُّ، يكنى: أبا سليمان، وأمه لُبابةُ الصغرى -بضم اللام وتخفيف الموحدة بعدها ألف فموحدة-، وأما لُبابة الكبرى، فأمُّ الفضلِ امرأةُ العباس، أمُّ أولاده، [وكلتاهما] (١) بنت الحارث أختُ أم المؤمنين ميمونةَ بنتِ الحارث زوجِ رسول الله ﷺ ، وخالدٌ ﵁ أحد أشراف قريش، كانت له في الجاهلية القبة، وأعنةُ الخيل، وتقدمت ترجمته ﵁ في الزكاة. (مع رسول الله ﷺ ) متعلق بـ: دخل (بيتَ) خالتنا أمِّ المؤمنين (ميمونةَ) بنتِ الحارث ﵂. وفي رواية يونس الراوي عن ابن عباس: أن ابن عباس أخبره: أن خالد بن الوليد الذي يقال له: سيف الله، أخبره (٢)، فيكون من مسند خالد ﵁، لكن ما ذكره المصنف ﵀ صريحٌ في دخول ابن عباس وخالد، وهو لفظ مسلم في "صحيحه" (٣). وفي حديث أبي أمامةَ بنِ سهل عن ابن عباس ﵄، قال: أتي النبيُّ ﷺ وهو في بيت ميمونة عنده خالد بن الوليد بلحم ضَبّ، أخرجه مسلم أيضًا (٤)، (فأتي) -بضم الهمزة- مبنيًا لما لم يسم فاعله،

стр. 3667

ونائب الفاعل الضمير العائد على رسول الله ﷺ (بضَبٍّ) -بفتح الضاد المعجمة وتشديد الموحدة-: دويبة يشبه الحرذون، لكنه أكبر منه، ويكنى: أبا حِسْل -بمهملتين مكسورة ثم ساكنة-، ويقال للأنثى: ضبّة، وبه سميت القبيلة، وبالخيف من منى جبلٌ يقال له: ضب، والضبُّ داء في خف البعير. قال ابن خالويه: إن الضب يعيش سبع مئة سنة؛ فإنه لا يشرب الماء، ويبول في كل أربعين يومًا قطرة، ولا يسقط له سن، ويقال: بل أسنانه قطعة واحدة. وحكى غيره: أن أكل لحمه يذهب العطش. ومن الأمثال: لا أفعل كذا حتى يردَ الضبُّ، يقوله من أراد ألا يفعل الشيء؛ لأن الضب لا يرد، بل يكتفي بالنسيم وبرد الهواء، ولا يخرج من جحره في الشتاء (١). (مَحْنُوذٍ) -بحاء مهملة ساكنة بعد الميم فنون مضمومة وآخره ذال معجمة-؛ أي: مشوي بالحجارة المحماة. وفي رواية: بضبٍّ مشوي (٢)، والمحنوذُ أخص، والحَنيذ بمعناه (٣). زاد يونس في روايته: قدمت به أختها حُفَيْدَة (٤)، وهي -بمهملة وفاء مصغرة-.

стр. 3668

وفي رواية سعيد بن جبير: أن أم حفيد بنتَ الحارثِ بنِ حزنٍ خالةَ ابن عباس أهدت النبي ﷺ سمنًا، وأقطًا، و [أ] ضبًا (١). وقد قيل في اسمها: هُزيلة -بالتصغير-، وهي رواية "الموطأ" من مرسل عطاء بن يسار (٢)، فإن كان محفوظًا، فلعل لها اسمين، أو [اسمًا ولقبًا] (٣). وحكى بعض شراح هذا الكتاب الذي هو المعتمد في اسمها: حميدة -بالميم-، وفي كنيتها: أم حميد -بميم بغير هاء- وفي روايةٍ: -بهاء-، وفي رواية: عمير -بغير هاء-. قال في "الفتح": وكلها تصحيفات، انتهى (٤). وفي رواية: قدمت به أختها حفيدة من نجد (٥). قال البرماوي بعد ذكر نحو ما تقدّم: وقيل: إنها أم حصن، وقيل: أم عفين. (فأهوى إليه)؛ أي: إلى الضب ليأكل منه (رسولُ الله ﷺ بيده) الشريفة، زاد يونس: وكان ﷺ قلَّما يقدم يده لطعام حتى يُسَمَّى له (٦).

стр. 3669

وأخرج إسحاق بن راهويه، والبيهقي في "الشعب" من حديث عمر ﵁: أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ بأرنب يهديها إليه، وكان رسول الله ﷺ لا يأكل من الهدية حتى يأمر صاحبها فيأكلَ منها؛ من أجل الشاةِ التي أُهديت له بخيبر (١). (فقال بعض النسوة اللاتي) كُنَّ حينئذٍ (في بيت ميمونة) بنتِ الحارث ﵅: (أخبروا رسول الله ﷺ بما)؛ أي: بالذي (يريد أن يأكل) منه، وبما يريد أكله، فقالوا: هو الضب. وفي رواية يونس: فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرنَ رسول الله ﷺ بما قدمتنَّ له، هو الضب يا رسول الله (٢)، وكأن المرأة أرادت أن غيرها يخبره، فلما لم يخبروا، بادرت هي فأخبرت (٣). وفي "مسلم" من حديث ابن عباس ﵄: أنه بينما هو عند ميمونة، وعندها الفضل بن عباس، وخالد بن الوليد، وامرأة أخرى، إذ قُرِّبَ إليهم خِوانٌ عليه لحم، فلما أراد النبي ﷺ أن يأكل، قالت له ميمونة: إنه لحمُ ضَبّ، فكفَّ يده (٤). فعرف بهذه الرواية اسمُ التي أُبهمت في الرواية الأخرى. وعند الطبراني في "الأوسط" من وجهٍ آخر صحيح: فقالت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ ما هوَ (٥)، فأُخبر -بضم الهمزة- مبنيًا لما لم يسم

стр. 3670

فاعله ونائب الفاعل يعود للنبي ﷺ (فرفع رسول الله ﷺ يده) عن الضب كما في رواية يونس (١)، فيؤخذ منه أنه أكل من غير الضب مما كان قُدّم له مع الضب، وقد جاء صريحًا في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: فأكل الأقط، وشرب اللبن (٢). قال ابن عباس، أو قال خالد -على الاختلاف-، والأولُ أظهر: (فقلتُ: أحرامٌ هوَ)؛ أي: الضبُّ (يا رسول الله؟ قال: لا)، بل هو مباح، وليس بحرام، (ولكنه لم يكن) الضبُّ (بأرض قومي)، وفي رواية: "هذا اللحم لم آكله قط" (٣). قال ابن العربي: اعترض بعض الناس على هذه اللفظة -يعني: لم يكن بأرض قومي-، فالضباب كثيرة بأرض الحجاز. قال ابن العربي: فإن كان أراد تكذيبَ الخبر، فقد كذبَ هو، فإنه ليس بأرض الحجاز منها شيء، أو أنها ذكرت للنبي ﷺ بغير اسمها، أو حدثت بعد ذلك (٤). وكذا أنكر ابنُ عبد البر ومن تبعه أن يكون بأرض الحجاز شيء من الضباب (٥). قال في "الفتح": ولا يحتاج إلى شيء من هذا، بل المراد بقوله ﷺ :

стр. 3671

"بأرض قومي": قريشٌ فقط، فيختص النفي بمكة وما حولها، ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز، وقد روى مسلم: دعانا عروس بالمدينة، فقرّب إلينا ثلاثةَ عشرَ ضبًا، فآكلٌ وتاركٌ، الحديث (١)، فهذا يدل على كثرة وجدانها بتلك الديار (٢)، (فأجدني أعافه) -بعين مهملة وفاء خفيفة-؛ أي: أتكره أكله، يقال: عفتُ الشيء أعافه (٣). ووقع في رواية سعيد بن جبير: فتركهنَّ النبي ﷺ كالمتقذر لهنَّ، ولو كان حرامًا، لما أُكلن على مائدة النبي ﷺ ، ولما أمر بأكلهن (٤)، كذا أطلق الأمر، وكأنه تلقاه عن الإذن المستفاد من التقرير؛ فإنه لم يقع في شيء من طرق حديث ابن عباس بصيغة الأمر إلا في رواية يزيد بن الأصم عند مسلم؛ فإن فيها: فقال لهم: "كلوا"، فأكل الفضل، وخالد، والمرأة (٥). وكذا في رواية الشعبي عن ابن عمر: فقال النبي ﷺ : "كلوا، وأطعموا؛ فإنه حلال"، أو قال: "لا بأس به، ولكنه ليس طعامي" (٦)، وفي هذا كله بيان سبب ترك النبي ﷺ لأكله؛ لأنه غير معتاده. وقد ورد لذلك سبب آخر أخرجه مالك من مرسل سليمان بن يسار، فذكر معنى حديث ابن عباس، وفي آخره: فقال النبي ﷺ : "كُلا" -يعني:

стр. 3672

لخالد وابن عباس-؛ "فإنني يحضرني من الله حاضرة" (١). قال الماوردي: يعني: الملائكة، وكأن للحم الضبِّ ريحًا، فترك أكله لأجل ريحه كما ترك أكل الثوم مع كونه حلالًا. قال في "الفتح": وهذا -إن صح- يمكن ضمه إلى الأول، ويكون لتركه الأكلَ من الضب سببان (٢). (قال خالد) بن الوليد ﵁: (فاجتررته) -بجيم وراءين- هذا هو المعروف في كتب الحديث، وضبطه بعض شراح "المهذب" -بزاي قبل الراء-، وقد غلّطه النووي (٣)، (فأكلتُه ورسولُ الله ﷺ ينظر) إليّ؛ كما في رواية. قال الحافظ المصنف ﵀ ورضي عنه-: (المحنوذ: المشوي بالرضف، وهي الحجارة المحماة) -كما قدمنا في شرحه-. فدلّ هذا الحديث على حل أكل الضب، وهو المطلوب، وقد ذكر غير واحد الإجماع على ذلك، وحكى عياض عن قويمة تحريمَه، وعن الحنفية: كراهته. وأنكر ذلك النووي، وقال: لا أظنه يصح عن أحد، وإن صحّ، فهو محجوج بالنص، وبإجماع من قبله. قال في "الفتح": قد نقل تحريمَه ابنُ المنذر عن علي، فأيُّ إجماع يكون مع مخالفته؟! ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم. وقال الطحاوي في "معاني الآثار": كره قومٌ أكل الضبِّ، منهم:

стр. 3673

أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، قال: واحتجّ محمد بحديث عائشة: أن النبي ﷺ أُهدي له ضب، فلم يأكله، فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة أن تعطيه، فقال لها رسول الله ﷺ : "أتعطيـ[ـنـ]ـه ما لا تأكلين؟! " (١). قال الطحاوي: ما في هذا دليل على الكراهة؛ لاحتمال أن تكون عافته، فأراد النبي ﷺ أَلَّا يكون مما يتقرب به إلى الله تعالى إلا من خير الطعام؛ كما نهى أن يتصدق بالتمر الرديء، انتهى (٢). وقد جاء عن النبي ﷺ : أنه نهى عن الضب، أخرجه أبو داود (٣) بسندٍ حسن كما في "الفتح" (٤). ورد على الخطابي قوله: ليس إسناده بذاك (٥)، وعلى ابن حزم في قوله: فيه ضعفاء ومجهولون (٦)، وكذا على البيهقي في قوله: تفرد به إسماعيل بن عياش، وليس بحجّة (٧)، وقول ابن الجوزي: لا يصح (٨). قال: ففي كل ذلك تساهلٌ لا يخفى؛ فإن رواية إسماعيل عن الشاميين

стр. 3674

قوية عند البخاري، وقد صحح البخاري بعضها، وأخرج أبو داود من حديث عبد الرحمن بن حسنة: نزلنا أرضًا كثيرة الضباب، الحديث، وفيه: أنهم طبخوا منها، فقال النبي ﷺ : "إنّ أمّةً من بني إسرائيل مُسخت دَوابَّ في الأرض، فأخشى أن تكون هذه، فألقوها" أخرجه الإمام أحمد، وصححه ابن حبان، والطحاوي (١)، وسنده على شرط الشيخين، إلا الضحاك، فلم يخرجا له، وللطحاوي من وجه آخر: فقيل له ﷺ : إن الناس قدم اشتووها وأكلوها، فلم يأكلْ، ولم ينهَ عنه (٢). والأحاديث الماضية، وإن دلت على الحل تصريحًا وتلويحًا، نصًا [و] تقريرًا، فالجمع بينها وبين هذا حَمْلُ النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مُسخ، وحينئذ أمر بإكفاء القدور، ثم توقف، فلم يأمر به، ولم ينه عنه، وحمل الإذن فيه على ثاني الحال، لما علم أن الممسوخ لا نسلَ له، ثم بعد ذلك كان يستقذره، فلا يأكله، ولا يحرمه، وأُكِل على مائدته، فدل على الإباحة، وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره، وتحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذره، ولا يلزم من ذلك أنه يُكره مطلقًا. وفي "مسلم" عن يزيد بن الأصم، قال: دعانا عروس بالمدينة، فقرب إلينا ثلاثة عشر ضبًا، فآكلٌ وتاركٌ، فلقيت ابنَ عباس من الغد، فأخبرته، فأكثر القوم حوله، حتى قال بعضهم: قال رسول الله ﷺ : "لا آكلُه، ولا أنهى عنه، ولا أحرمه".

стр. 3675

فقال ابن عباس: بئس ما قلتم، ما بُعث نبي إلا محرِّمًا أو محللًا (١). وفي الحديث زيادة لفظة سقطت من رواية مسلم عند أبي بكر بن أبي شيبة، وهو شيخ مسلم، ولفظه في "مسنده" بالسند الذي ساقه مسلم: "لا آكله، ولا أنهى عنه، ولا أُحله، ولا أُحرمه" (٢)، وكأن مسلمًا حذفها عمدًا؛ لشذوذها؛ لأن ذلك لم يقع في شيء من الطرق، لا في حديث ابن عباس، ولا غيره، وأشهرُ من روى عن النبي ﷺ : "لا آكله ولا أحرمه" ابنُ عمر، وليس في حديثه: "ولا أحله"، بل جاء التصريح عنه بأنه حلال. وبعدما ساق الطحاوي الأحاديث المشعرة بكراهة أكله، قال: إنه لا بأس بأكل الضب، وبه أقول (٣). واختلف في الكراهة عند الحنفية لأكل الضب، هل هي للتنزيه، أو للتحريم؟ المعروفُ عند أكثرهم أنها للتنزيه، وجنح بعضهم إلى التحريم (٤). والحاصل: أن الصحيح المعتمد: طيبُ أكلِ الضب وحلُّه من غير كراهة، والله أعلم. وفي الحديث: دليلٌ على جواز الأكل من بيت القريب، والصهر، والصديق، وكأن خالدًا ومن وافقه في الأكل أرادوا جبر قلب التي أهدته، أو لتحقق حكم الحل، أو لامتثال قوله ﷺ : "كلوا"، ومن لم يأكل، فَهِمَ أن الأمر فيه للإباحة.

стр. 3676

وفيه: أنه ﷺ كان يؤاكل أصحابه، ويأكل اللحم حيث تيسر، وأنه كان لا يعلم من المُغَيبات إلا ما علمه الله تعالى. وفيه: وفورُ عقل ميمونة أمِّ المؤمنين، وعظيمُ نصيحتها للنبي ﷺ ؛ لأنها فهمت مَظِنَّة نفوره عن أكله بما استنفرت منه، فخشيَتْ أن يكون ذلك كذلك، فيتأذى بأكله؛ لاستقذاره له، فصدقت فراستُها. ويؤخذ منه: أنه من خشي أن يتقذر شيئًا، لا ينبغي له أن يدلس له؛ لئلا يتضرر به (١)، والله الموفق.

стр. 3677

الحديث الثامن عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، نَأْكُلُ الجَرَادَ" (١). * * * (عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات)، وفي "البخاري": سبع غزوات، أو ستًا، كذا للأكثر، وفي لفظ: أو ستَّ -بلا تنوين-.

стр. 3678

وفي توجيه ذلك وجهان (١): أجودهما: أن يكون حذف المضاف إليه، وأبقى المضاف على ما كان عليه قبل الحذف. الثاني: أن يكون المنصوب كُتب بغير ألف على لغة ربيعة. وهذا الشك في عدد الغزوات عن شعبة، وقد أخرجه مسلم من رواية شعبة بالشك أيضًا، والنسائي من روايته بلفظ: الستة، من غير شك (٢)، والترمذي من طريق شعبة، فقال: غزوات، ولم يذكر عددًا، ورواه الإمام أحمد عن ابن عُيينة جازمًا بالست (٣). وتقدم في ترجمة عبد الله بن أبي أوفى: أن أول مشاهده الحديبية، فشهدها وما بعدها، وكنا نأكل معه ﷺ كما في "البخاري"، فيحتمل أن يريد بالمعيّة مجردَ الغزو دون ما تبعه من قوله: (نأكل الجراد)، ويحتمل أن يريد: مع أكله. ويدل على الثاني ما وقع في رواية أبي نعيم في الطب: ويأكله معنا، وهذا إن صح، يرد قول من قال: إنه ﷺ عافه كما عاف الضب، ومستند هذا ما أخرجه أبو داود من حديث سلمان: سئل رسول الله ﷺ عن الجراد، فقال: "لا آكلُه، ولا أحرمه" (٤)، إلا أنه مرسل على الصواب. ولابن عدي في ترجمة ثابت بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر: أنه ﷺ

стр. 3679

سئل عن الضب، فقال: "لا آكله ولا أحرمه"، وستل عن الجراد، فقال مثل ذلك (١)، وهذا ليس بثابت. قال النسائي في ثابت: ليس بثقة. وقد نقل الإجماعَ على حل الجراد غيرُ واحد من العلماء؛ كالنووي (٢)، والدميري (٣)، وغيرهما، لكن فصَّلَ ابنُ العربي في "شرح الترمذي" بين جراد الحجاز، وجراد الأندلس، فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل؛ لأنه ضرر محض (٤). قال في "الفتح": إن ثبت أن أكله يضر؛ بأن يكون فيه سُمِّية تخصُّه دون غيره من جراد البلاد، تعين استثناؤه (٥). وقال أبو المظفر عونُ الدين بنُ هبيرة في "اختلاف الأئمة": اتفقوا على إباحة الجراد إذا صاده مسلم، واختلفوا فيه إذا مات بغير سبب. فقال أبو حنيفة، والشافعي: يحل أكله. وقال مالك: لا يؤكل الجراد إلا أن يتلف بسبب، قال عبدُ الوهاب في "التلقين" من أصحابنا -أي: المالكية- مَنْ لا يراعي فيه السبب. وعن الإمام أحمد روايتان: أظهرهما: حلُّه من غير اعتبار السبب.

стр. 3680

والثانية: السبب في حلِّه (١). قلت: معتمد المذهب الذي لا شك فيه: إباحة السمك والجراد بدون ذكاة؛ لحل ميتتهما؛ لما روى الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم، وغيرهم من حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُحِلَّ لنا مَيْتَتان ودَمان، فأما الميتتان، فالحوت والجراد، وأما الدمان، فالكبد والطحال" (٢). قال علماؤنا كغيرهم: وسواء مات بسبب، أو بغير سبب، على الأصح المعتمد. وقيل في الجراد: يؤكل إلا أن يموت بسبب، ككبسه، ولا فرق على المعتمد بين أن يصيده ما تُباح ذبيحتُه أو لا، وعنه: يحرم سمك وجراد صاده مجوسي ونحوه، وهذا ضعيف في المذهب جدًا، ولا فرق في السمك بين الطافي وغيره، على الأصح (٣). وقال الدميري: قال الأئمة الأربعة: يحل أكل الجراد، سواء مات حتف أنفه، أو بذكاة، أو باصطياد مجوسي، أو مسلم، قُطع منه شيء أم لا. قال: وملخص مذهب مالك: إن قطعت رأسه، حلّ، وإلا، فلا، والدليل: عمومُ حِلِّه (٤).
следующие страницы →