← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

وفيه: أنه ﷺ كان يؤاكل أصحابه، ويأكل اللحم حيث تيسر، وأنه كان لا يعلم من المُغَيبات إلا ما علمه الله تعالى. وفيه: وفورُ عقل ميمونة أمِّ المؤمنين، وعظيمُ نصيحتها للنبي ﷺ ؛ لأنها فهمت مَظِنَّة نفوره عن أكله بما استنفرت منه، فخشيَتْ أن يكون ذلك كذلك، فيتأذى بأكله؛ لاستقذاره له، فصدقت فراستُها. ويؤخذ منه: أنه من خشي أن يتقذر شيئًا، لا ينبغي له أن يدلس له؛ لئلا يتضرر به (١)، والله الموفق.

стр. 3677

الحديث الثامن عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، نَأْكُلُ الجَرَادَ" (١). * * * (عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات)، وفي "البخاري": سبع غزوات، أو ستًا، كذا للأكثر، وفي لفظ: أو ستَّ -بلا تنوين-.

стр. 3678

وفي توجيه ذلك وجهان (١): أجودهما: أن يكون حذف المضاف إليه، وأبقى المضاف على ما كان عليه قبل الحذف. الثاني: أن يكون المنصوب كُتب بغير ألف على لغة ربيعة. وهذا الشك في عدد الغزوات عن شعبة، وقد أخرجه مسلم من رواية شعبة بالشك أيضًا، والنسائي من روايته بلفظ: الستة، من غير شك (٢)، والترمذي من طريق شعبة، فقال: غزوات، ولم يذكر عددًا، ورواه الإمام أحمد عن ابن عُيينة جازمًا بالست (٣). وتقدم في ترجمة عبد الله بن أبي أوفى: أن أول مشاهده الحديبية، فشهدها وما بعدها، وكنا نأكل معه ﷺ كما في "البخاري"، فيحتمل أن يريد بالمعيّة مجردَ الغزو دون ما تبعه من قوله: (نأكل الجراد)، ويحتمل أن يريد: مع أكله. ويدل على الثاني ما وقع في رواية أبي نعيم في الطب: ويأكله معنا، وهذا إن صح، يرد قول من قال: إنه ﷺ عافه كما عاف الضب، ومستند هذا ما أخرجه أبو داود من حديث سلمان: سئل رسول الله ﷺ عن الجراد، فقال: "لا آكلُه، ولا أحرمه" (٤)، إلا أنه مرسل على الصواب. ولابن عدي في ترجمة ثابت بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر: أنه ﷺ

стр. 3679

سئل عن الضب، فقال: "لا آكله ولا أحرمه"، وستل عن الجراد، فقال مثل ذلك (١)، وهذا ليس بثابت. قال النسائي في ثابت: ليس بثقة. وقد نقل الإجماعَ على حل الجراد غيرُ واحد من العلماء؛ كالنووي (٢)، والدميري (٣)، وغيرهما، لكن فصَّلَ ابنُ العربي في "شرح الترمذي" بين جراد الحجاز، وجراد الأندلس، فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل؛ لأنه ضرر محض (٤). قال في "الفتح": إن ثبت أن أكله يضر؛ بأن يكون فيه سُمِّية تخصُّه دون غيره من جراد البلاد، تعين استثناؤه (٥). وقال أبو المظفر عونُ الدين بنُ هبيرة في "اختلاف الأئمة": اتفقوا على إباحة الجراد إذا صاده مسلم، واختلفوا فيه إذا مات بغير سبب. فقال أبو حنيفة، والشافعي: يحل أكله. وقال مالك: لا يؤكل الجراد إلا أن يتلف بسبب، قال عبدُ الوهاب في "التلقين" من أصحابنا -أي: المالكية- مَنْ لا يراعي فيه السبب. وعن الإمام أحمد روايتان: أظهرهما: حلُّه من غير اعتبار السبب.

стр. 3680

والثانية: السبب في حلِّه (١). قلت: معتمد المذهب الذي لا شك فيه: إباحة السمك والجراد بدون ذكاة؛ لحل ميتتهما؛ لما روى الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم، وغيرهم من حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُحِلَّ لنا مَيْتَتان ودَمان، فأما الميتتان، فالحوت والجراد، وأما الدمان، فالكبد والطحال" (٢). قال علماؤنا كغيرهم: وسواء مات بسبب، أو بغير سبب، على الأصح المعتمد. وقيل في الجراد: يؤكل إلا أن يموت بسبب، ككبسه، ولا فرق على المعتمد بين أن يصيده ما تُباح ذبيحتُه أو لا، وعنه: يحرم سمك وجراد صاده مجوسي ونحوه، وهذا ضعيف في المذهب جدًا، ولا فرق في السمك بين الطافي وغيره، على الأصح (٣). وقال الدميري: قال الأئمة الأربعة: يحل أكل الجراد، سواء مات حتف أنفه، أو بذكاة، أو باصطياد مجوسي، أو مسلم، قُطع منه شيء أم لا. قال: وملخص مذهب مالك: إن قطعت رأسه، حلّ، وإلا، فلا، والدليل: عمومُ حِلِّه (٤).

стр. 3681

وقد روى ابن ماجه عن أنس ﵁: أنه قال: كُنَّ أزواج النبي ﷺ يتهادَيْنَ الجراد على الأطباق (١). وفي "موطأ الإمام مالك" من حديث ابن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب سُئل عن الجراد، فقال: وددت أن عندي قُفَّةً آكل منها (٢). وروى البيهقي عن أبي أمامة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إن مريم بنة عمران ﵍ سألت ربها أن يُطعمها لحمًا لا دمَ فيه، فأطعمها الجراد، فقالت: اللهم أَعِشْهُ بغير رَضاع، وتابع بينه بغير شياع"، قلت: يا أبا الفضل! ما الشياع؟ قال: الصوت (٣). وكان يحيى بن زكريا يأكل الجراد وقلوبَ الشجر؛ يعني: الذي ينبتُ في وسطها غضًا طريًا قبل أن يقوى ويصلب، واحدها قُلْب -بالضم-، وكذلك قُلب النخلة (٤). تنبيه: الجراد -بفتح الجيم وتخفيف الراء- معروف، الواحدة جرادة، الذكر والأنثى سواء؛ كالحمامة، ويقال: إنه مشتق من الجرد؛ لأنه لا ينزل على شيء إلا جرده، وخلقته عجيبة فيها صفة عشرة من الحيوانات، ذكرها ابن الشهرزوري في قوله: [من الطويل] لَهَا فَخِذَا بَكْرٍ وَسَاقَا نَعَامةٍ ... وَقَادِمَتَا نَسْرٍ وجُؤْجُؤُ ضَيْغَمِ حَبَتْها أَفَاعِي الرَّمْلِ بَطْنًا وَأَنْعَمَتْ ... عَلَيْهَا جِيَادُ الْخَيْلِ بِالرَّأْسِ وَالْفَمِ

стр. 3682

قيل: وقد فاته عينُ الفيل، وعنق الثور، وقرن الإِيَّل، وذنب الحية. وهو صنفان، واختلف في أصله، فقيل: إنه نثرةُ حوت، فلذلك كان أكله بغير ذكاة، وهذا ورد في حديث أنس بن مالك، وجابر ﵄، رواه ابن ماجه (١)، إلا أنه حديث ضعيف. وأخرج أبو داود، والترمذي، وابن ماجه بسند ضعيف عن أبي هريرة ﵁، قال: خرجنا مع الرسول ﷺ في حج أو عمرة، فاستقبلَنا رِجْلٌ من جراد، فجعلنا نضربه بنعالنا وأسواطنا، فقال: "كلوه؛ فإنه من صيد البحر" (٢)، ولو صح، لكان فيه حجة لمن قال: إنه لا جزاء فيه إذا قتله المحرم، وجمهورُ العلماء على خلافه. قال ابن المنذر: لم يقل: لا جزاء فيه غيرُ أبي سعيد الخدري، وعروة بن الزبير، واختلف عن كعب الأحبار، وإذا ثبت فيه الجزاء، دلَّ على أنه بَرِّي. قال في "الفتح": وقد أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية، إلا أن المشهور عند المالكية اشتراطُ تذكيته، واختلفوا في صفتها، فقيل: بقطع رأسه -كما قدمنا-، وقيل: إن وقع في قِدْرٍ أو نارٍ، حَلَّ، وقال وَهْبٌ: أخذُه ذكاته، ووافق مطرفٌ منهم الجمهور في أنه لا يفتقر إلى ذكاة (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 3683

الحديث التاسع عَنْ زَهْدَمِ بْن مُضَرِّبٍ الجَرْمِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى ﵁، فَدَعَا بمَأَدُبَتِهِ، وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُل مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ، أَحْمَرُ، شَبِيهٌ بالمَوَالي، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ، فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ؛ فَإني قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنهُ (١).

стр. 3684

(عن) أبي مسلم (زَهْدَم) -بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة فميم- (بنِ مُضَرِّبٍ) -بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة وآخره موحدة- (الجَرْمِيِّ) -بفتح الجيم وسكون الراء- نسبه إلى جَرْمِ بنِ رَبّان -بفتح الراء وتشديد الموحدة- من ولد إسحق بن قضاعة، واسمُ جَرْمٍ: عِلافٌ -بكسر العين المهملة وتخفيف اللام وبالفاء-، ويقال لزهدم أيضًا: الأزدي، الإمام التابعي، هو من ثقات التابعين ومشاهيرهم. سمع ابنَ عباس، وأبا موسى الأشعري، وعمران بن حصين، وغيرَهم، ليس له في البخاري سوى حديثين: هذا عن أبي موسى، وآخر عن عمران بن حصين، وروى عنه: قتادةُ وغيرُه. خرّج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (١). (قال) زهدم: (كنا عند أبي موسى) الأشعري (﵁، فدعا بمأدُبته) -بفتح الدال المهملة وضمها-، وهي التي تصنع للقوم يدعون إليها (وعليها)؛ أي: المأدبة (لحمُ دجاج) اسم جنس مثلث الدال، ذكره المنذري في الحاشية، وابن مالك، وغيرهما، ولم يحك النووي الضمَّ، والواحدةُ دجاجة -مثلث أيضًا-. وقيل: إن الضم فيه ضعيف. قال الجوهري: دخلت الهاء للوحدة؛ مثل الحمامة (٢). وأفاد إبراهيم الحربي في "غريب الحديث": أن الدجاج -بالكسر- اسمٌ

стр. 3685

للذُّكْران دون الإناث، والواحد منها ديك، و-بالفتح-: الإناث دون الذكران، والواحدة دجاجة بالفتح -أيضًا-، قال: إنما سمي بذلك؛ لإسراعه في الإقبال والإدبار؛ من دجَّ يدجُّ: إذا أسرع (١). قال في "الفتح": دجاجة أيضًا اسمُ امرأة، وهو بالفتح فقط، ويسمى بها أيضًا الكُبَّةُ من الغزل (٢). (فدخل) مجلسَ أبي موسى الأشعري (رجلٌ من بني تيم الله)، وهم بطن من بني كلب، وبنو كلب قبيلة في قضاعة ينسبون إلى تَيْم الله بن رُفَيْدَة -بفاء مصغّر- بنِ ثور بنِ كلب بنِ وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، فحلوانُ المذكور في هذا النسب عَمُّ جَرْمٍ (٣)، وذلك الرجل (أحمر) اللون (شبيه بالموالي)؛ أي: العجم. قال في "الفتح": وهذا الرجل هو زَهْدَم الراوي، أبهم نفسَه؛ فقد أخرج الترمذي من طريق قتادةَ عن زهدم، قال: دخلتُ على أبي موسى وهو يأكل دجاجًا، فقال: ادنُ فكل؛ فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكله (٤)، وقد أشكل هذا؛ لكونه وصفَ الرجلَ في روايته بأنه من بني تيم الله، وزهدمٌ من بني جَرْم، فقال بعض الناس: الظاهر أنهما امتنعا معًا: زهدم، والرجلُ التيميُّ، قاله في "الفتح"، وحمله على دعوى التعداد استبعادُ أن يكون الشخص الواحد يُنسب إلى تيم الله، وإلى جرم. قال: ولا بُعد في ذلك، بل قد أخرج الإمام أحمدُ الحديث المذكورَ عن

стр. 3686

عبد الله بن الوليد العدني، عن سفيان الثوري، فقال في روايته: عن رجلٍ من بني تيم الله يقال له: زَهْدَم، قال: كنا عند أبي موسى، فأتي بلحم دجاج (١)، فلعل زهدمًا كان ينسب تارةً إلى بني جَرْم، وتارة إلى بني تيم الله. وقد قدمنا أن حلوانَ عمُّ جرمِ بن زبان بنِ عمرانَ بنِ الحاف بن قضاعة. قال في "الفتح": ربما أبهم الرجل نفسه، فلابد أن يكون زهدمٌ صاحبَ القصة، والأصل عدمُ التعدد، وقد أخرج البيهقي عن زهدم قال: رأيت أبا موسى يأكل الدجاج، فدعاني، فقلت: إني رأيته يأكل نتنًا، قال: ادنه فكلْ، فذكر الحديث (٢). قال في "الفتح" عن هذا؛ يعني: كونَ زهدم صاحب القصة: هو المعتمد، ولا يعكر عليه إلا ما وقع في "الصحيحين" بما ظاهره المغايرة بين زهدم والممتنعِ من أكل الدجاج (٣). (فقال) أبو موسى ﵁: (هلمَّ)؛ أي: تعال: وفيه لغتان: فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والجمعِ والاثنين، والمؤنث بلفظ واحد، مبني على الفتح، وبنو تميم تُثني وتجمع وتُؤنث، فتقول: هلمَّ وهلمِّي وهلمَّا وهلمُّوا (٤)، والكلُّ بمعنى: تعال فكلْ، (فتلكأ) الرجل؛ أي: توقف وتبطأ؛ من لكأ، مهموز.

стр. 3687

قال في القاموس: تلكأ عليه: اعتلَّ، وعنه: أبطأ (١). (فقال له) أبو موسى ﵁ ثانيًا: (هلم) فكل منه، ثم علل ذلك بقوله: (فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه)؛ أي: من الدجاج. وقد أورد الحديثَ البخاريُّ في "صحيحه" في محلات متعددة مطوَّلًا ومختصرًا، مشتملًا على قصة الرجل الذي امتنع من أكل الدجاج، وحلف على ذلك، وفتوى أبي موسى بأن يكفر عن يمينه، ويأكل، وقص له الحديث في ذلك. وأخرج الحديثَ مسلم أيضًا بعدة ألفاظ، وأبو عوانة في "صحيحه"، وقال فيه: عن زهدم، وفيه: فقال لي: ادن فكل، فقلت: إني لا أريده (٢). وأخرجه البيهقي، فقال: ادن فكل، فقلت: إني حلفت لا آكله (٣)، وكذا رواه مسلم وغيره. وفي رواية في "الصحيحين": إني رأيته يأكل شيئًا، فقذِرْتُه -بكسر الذال المعجمة- (٤). وفي رواية أبي عوانة: إني رأيتها تأكل قذرًا (٥)، وكأنه ظن أنها أكثرت من ذلك، فصارت جَلَّالة، فبين له أبو موسى أنها ليست كذلك، أو أنه لا يلزم من كون تلك الدجاجة التي رآها كذلك أن تكون كل الدجاج كذلك (٦).

стр. 3688

فدل الحديث على جواز أكل الدجاج إنسيِّه ووحشيِّه، وهو بالاتفاق، إلا عن بعض المتعمقين على سبيل الورع (١). تتمة: معتمد مذهب الإمام أحمد: تحريمُ لحم الجَلَّالة، وهي التي أكثرُ علفِها النجاسات، وكذا لبنها وبيضها، ويُكره ركوبها لأجل عرقها، حتى تحبس ثلاثًا، وتطعم الطاهر، وتُمنع من النجاسة، طائرًا كان أو بهيمة، ومثلُها خروفٌ ارتضعَ من كلبة، ثم تشرب لبنًا طاهرًا (٢). وعند الثلاثة: يباح أكل لحمها ولبنها وبيضها، وإن لم تحبس، مع استحبابهم حبسَهَا، وكراهتِهم لأكلها من غير حبسها (٣). ويجوز عندنا كغيرنا أن يعلف الحيوان النجاسةَ بشرط أَلَّا يذبح ولا يحلب قريبًا (٤). وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن ابن عباس ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ عن شرب لبنِ الجَلَّالة، وصححه الترمذي (٥). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث ابن عمر ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة

стр. 3689

وألبانها، وهو في رواية ابن إسحاق، وقد حسنه الترمذي، وذكر أنه روي مرسلًا (١)، وذلك لأن لحمها يتولد من النجاسة، فيكون نجسًا كرماد النجاسة، والله أعلم. وروى ابن أبي شيبة بسند حسن عن جابر ﵁: نهى رسولُ الله ﷺ عن الجلالة أن يؤكل لحمُها، أو يُشرب لبنُها (٢). والجلالةُ: عبارة عن الدابة التي تأكل الجِلَّة -بكسر الجيم والتشديد-، وهي البعر. وادعى ابن حزم اختصاصَ الجلالة بذوات الأربع، والمعروف التعميم. وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن عمر ﵄: أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا (٣). وقال مالك، والليث: لا بأس بأكل الجلالة من الدجاج وغيره (٤). قال في "الفتح": وأطلق الشافعية كراهةَ أكل الجلالة إذا تغير لحمُها بأكل النجاسة، وفي وجه: إذا أكثرت من ذلك، ورجح أكثرهم أنها كراهةُ تنزيه، وذهب جماعةٌ من الشافعية؛ كمعتمد مذهب الحنابلة: إلى أن النهي للتحريم، وبه جزم ابن دقيق العيد عَن الفقهاء، وهو الذي صححه

стр. 3690

أبو إسحاق المروزي، والقفال، وإمام الحرمين، والبغوي، والغزالي، وألحقوا بلبنها ولحمِها بيضَها. وقد أخرج البيهقي بسند فيه نظر عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: أنها لا تؤكل حتى تُعلف أربعين يومًا (١)، وهذا رواية عن الإمام أحمد في الإبل والبقر والغنم إذا كان أكثرُ علفها النجاسة، والأصح أنها كالطير إنما تُحبس ثلاثةَ أيام فقط (٢)، والله الموفق.

стр. 3691

الحديث العاشر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَها -أو يُلْعِقَهَا-" (١). * * * (عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: إذا أكل أحدكم) زاد مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وآخر عن سفيان (طعامًا) (٢).

стр. 3692

وفي رواية ابن جريج: "إذا أكل أحدكم من الطعام (فلا يمسح يده) " (١). في حديث كعب بن مالك عند مسلم: كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ، لعقها (٢)، فيحتمل أن يكون أطلق على الأصابع اليد، ويحتمل -وهو الأولى- أن يكون المراد باليد: الكف كلها، فيشمل الحكم من أكل بكفه، أو بأصابعه فقط، أو ببعضها (٣). وقال ابن العربي في "شرح الترمذي": يدل على الأكل بالكف كلِّها: أنه ﷺ كان يتعرق العظمَ، وينهشُ اللحمَ، ولا يمكن عادةً إلا بالكف كلها (٤). ونظر فيه في "الفتح"؛ لأنه يمكن بالثلاث، سلَّمنا، لكن هو ممسك بكفه كلها، لا آكلٌ بها، سلمنا، لكن محل الضرورة لا يدل على عموم الأحوال. ويؤخذ من حديث كعب بن مالك: أن السنة الأكلُ بثلاث أصابع، وإن كان الأكل بأكثر منها جائزًا (٥). وقد أخرج سعيد بن منصور عن سفيان، عن عبد الله بن أبي زيد: أنه رأى ابن عباس ﵄ إذا أكل، لعق أصابعه الثلاث. قال عياض: والأكلُ بأكثرَ منها من الشَّرَهِ وسوء الأدب، ويكبر اللقم؛

стр. 3693

لأنه غير مضطر إلى ذلك؛ لجمعه اللقمة وإمساكها من جهاتها الثلاث، فإن اضطر إلى ذلك؛ لخفة الطعام، وعدم تلفيقه بالثلاث، فيدعمه بالرابعة والخامسة (١). وقد أخرج سعيد بن منصور من مرسَل ابن شهاب: أن النبي ﷺ كان إذا أكل، أكل بخمس (٢)، فيجمع بينه وبين حديث كعب باختلاف الحال (٣). وقد صرح علماؤنا باستحباب الأكل بثلاث أصابع (٤)، والثلاث هي: الإبهامُ، والتي تليها، والوسطى؛ كما في حديث كعبِ بن عُجْرَةَ عند الطبراني وغيره، قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثلاث، فذكرها، وفيه: ثم رأيته يلعق الثلاث حين أراد أن يمسحها قبل أن يمسحها، ويلعق الوسطى، ثم التي تليها، ثم الإبهام (٥). قال في "الفتح": قال شيخنا في "شرح الترمذي": كأن السر فيه أن الوسطى أكثر تلويثًا؛ لأنها أطول، فيبقى فيها من الطعام أكثرُ من غيرها، ولأنها لطولها أولُ ما ينزل في الطعام، ويحتمل أن الذي يلعق يكون بطنُ كفه إلى جهة وجهه، فإذا ابتدأ بالوسطى، انتقل إلى السبابة على جهة يمينه، وكذلك الإبهام، انتهى (٦).

стр. 3694

قال في "الإقناع": ويكره بما دونها وبما فوقها ما لم تكن حاجة (١). وفي "الآداب الشرعية" للعلامة ابن مفلح: ويسن أن يأكل بثلاث أصابع، ويُكره أن يأكل بإصبع؛ لأنه مقت وبإصبعين؛ لأنه كِبْر، وبأربع وخمس؛ لأنه شَرَه. وكذا حكاه ابن البنا عن الشافعي، ولأن بإصبعين يطول حتى يشبع، ولا يفرح المعدة والأعضاء بذلك، لقلته؛ كمن يأخذ قليلًا قليلًا، فلا يستلذ به، ولا يمريه، وبأربع أصابع قد يغص به لكثرته. قال: ولعل المراد: ما لا يُتناول عادةً وعرفًا بإصبع أو بإصبعين؛ فإن العرف يقتضيه، ودليل الكراهة منتفٍ فيه (٢). (حتى يلعقها) بفتح أوله من الثلاثي، أي: يلعقها هو، (أو يُلعقها) -بضم أوله من الرباعي-؛ أي: يُلعقها غيرَه (٣). قال النووي: المراد: إلعاقُ غيره ممن لا يتقذَّر ذلك؛ من زوجة، وجارية، وخادم، وولد، وكذا مَنْ كان في معناهم، كتلميذ يعتقد البركة بلعقها، وكذا لو ألعقَها نحوَ شاة (٤). وقال البيهقي: إن قوله: "أو" شكٌّ من الراوي، ثم قال: فإن كانا جميعًا محفوظين، فإنما أراد أن يُلعقها صغيرًا، أو من يعلم أنه لا يتقذر بها، ويحتمل أن يكون أراد أن يُلعق إصبعه فمَه، فيكون بمعنى يَلْعقها؛ يعني: فتكون "أو" للشك (٥).

стр. 3695

قال ابن دقيق العيد: جاءت علة هذا مبيَّنة في بعض الروايات: "إنه لا يدري في أي طعامه البركة" (١)، وقد يعلل بأن مسحَها قبل ذلك فيه زيادةُ تلويث لما يمسح به، مع الاستغناء عنه بالريق، لكن إذا صح الحديث بالتعليل، لم يعدل عنه (٢). قال في "الفتح": الحديث صحيح، أخرجه مسلم في آخر حديث جابر، ولفظه من حديث جابر: "إذا سقطت لقمةُ أحدكِم، فليُمِطْ ما أصابها من أَذًى، وليأكُلْها، ولا يمسحْ يدَه حتى يَلْعقها أو يُلْعقها" (٣). وللإمام أحمد نحوُه بسند صحيح (٤). وللطبراني من حديث أبي سعيد نحوه بلفظ: "فإنه لا يدري في أي طعامه يبارك له فيه" (٥). ولمسلم نحوه من حديث أنس (٦)، ومن حديث أبي هريرة أيضًا (٧). وقد أبدى عياض علةً أخرى، فقال: إنما أمر بذلك لئلا يتهاون بقليل الطعام (٨). قال النووي: معنى قوله: "في أي طعامه البركة": أن الطعام الذي

стр. 3696

يحضر الإنسان فيه بركة لا يدري أن تلك البركة فيما أكل، أو فيما بقي على أصابعه، أو فيما بقي في أسفل القصعة، أو في اللقمة الساقطة، فينبغي أن يحافظ على هذا كله؛ لتحصل البركة، انتهى (١). وقد وقع لمسلم من حديث جابر: "إن الشيطان يحضرُ أحدَكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمةُ، فلْيُمِطْ ما كان بها من أذى، ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان" (٢). وله نحوه في حديث أنس، وزاد: وأمر بأن تُسْلَت القصعةُ (٣). قال الخطابي: السَّلْت: تَتَبُّعُ ما بقي فيها من الطعام (٤). قال النووي: والمراد بالبركة: ما يحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من الأذى، ويقوي على الطاعة، والعلم عند الله (٥). وفي الحديث: ردٌّ على من كره لعقَ الأصابع استقذارًا، نعم يحصل ذلك لو فعله في أثناء أكله؛ لأنه يعيد أصابعه في الطعام وعليها أثرُ ريقه (٦). قال الخطابي: عاب قومٌ أفسدَ عقلَهم الترفُّهُ، فزعموا أن لعق الأصابع مستقبَحٌ، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي لُعِق بالأصابع أو الصحفة جزءٌ من أجزاء ما أكلوه، وإذا لم يكن سائرُ أجزائه مستقذرًا، لم يكن الجزء

стр. 3697

اليسير منه مستقذَرًا، وليس في ذلك أكثرُ من مصِّه أصابعَه بباطن شفتيه، ولا يشكُّ عاقل في أنْ لا بأسَ في ذلك، فقد يمضمض الإنسان فيُدخل أصابعه في فيه، فيدلك أسنانه وباطنَ فمه، ثم لم يقل أحد: إن ذلك قذارة أو سوء أدب (١). وفي الحديث: دليل على استحباب مسح اليد بعد الطعام. قال عياض: محلُّه فيما لم يحتج فيه إلى الغسل مما ليس فيه غَمَرٌ ولُزوجة مما لا يُذهبه إلا الغَسْل؛ لما جاء في الحديث من الترغيب في غسله، والحذر من تركه، كذا قال (٢). والحديث يقتضي منع الغسل والمسح بغير لعق؛ لأنه صريح في الأمر باللعق دونَهما تحصيلًا للبركة، نعم قد يتبين الندبُ إلى الغسل بعد اللعق لإزالة الرائحة، وعليه يُحمل الحديث الذي أشار إليه عياض، وهو ما أخرجه أبو داود بسند صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة، رفعه: "من باتَ وفي يده غَمَر، ولم يغسله، [فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه" (٣)، وأخرجه الترمذي دون قوله: "لم يغسله"] (٤). تتمة: في "صحيح مسلم" من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "إذا وقعتْ لُقمةُ أحدكم، فَلْيُمِطْ ما كان بها من أَذًى، ولا يَدَعْها للشيطان،

стр. 3698

ولا يمسحْ يدَه بالمِنْديل حتى يَلْعَقَ أصابعَه، أو يُلْعِقَها؛ فإنه لا يدري في أيِّ طعامِه البركةُ" (١). المنديل -بكسر الميم- مأخوذ من الندل، وهو النقل؛ لأنه يُنقل، وقيل: لأن الوسخ يُندل به، يقال: تندَّلْت بالمنديل، ويقال أيضًا: تمندلت، وأنكرها الكسائي (٢)، وفي "القاموس": المِنديل -بكسر الميم وفتحها-، وكمنبر: الذي يُتمسح به، وتندَّل به، وتمندل: تمسَّح (٣). قال الإمام ابن القيم في كتابه "الهدي": كان ﷺ لا يَرُدُّ موجودًا، ولا يتكلف مفقودًا، وما قرِّبَ إليه شئٌ من الطعام إلا أكل منه، إلا أن تعافَه نفسُه الشريفة، فيتركه من غير تحريم، وما عابَ طعامًا قَطَّ، إن اشتهاه أكل منه، وإلا تركَه، وكان ﷺ إذا فرغ من طعامه، لعقَ أصابعه. قال: ولم تكن لهم مناديل يمسحون بها أيديهم، ولم تكن عادتهم غسلَ أيديهم كلما أكلوا، انتهى (٤). ودليل ما قاله -رحمه الله تعالى- في "صحيح البخاري" عن جابر بن عبد الله ﵄: أنه سأله سعيدُ بنُ الحارث عن الوضوء مما مَسَّتِ النارُ، فقال: لا، قد كنا زمان رسول الله ﷺ لا نجدُ مثلَ ذلك من الطعام إلا قليلًا، فإذا نحن وجدناه، لم تكن لنا مناديل إلا أكفُّنا وسواعدُنا وأقدامنا، ثم نصلي ولا نتوضأ (٥).

стр. 3699

قال في "الفتح": وهذا صريح بأنهم لم تكن لهم مناديل. ومفهومه يدل على أنه لو كانت لهم مناديل، لمسحوا بها، فيُحمل حديثُ النهي على من وجد، ولا مفهوم له، بل الحكمُ كذلك لو مسح بغير المنديل. وذكر القفال في "محاسن الشريعة": أن المراد بالمنديل هنا: المنديلُ المعدُّ لإزالة الزهومة، لا المنديلُ المعَدُّ للمسح بعد الغسل (١). تكملة في ذكر طرف من آداب الأكل: * يكره النفخ في الغِذاء من طعام وشراب، والتنفسُ في الإناء قبل إبانته عن الفم؛ لما روى الترمذي، وصححه عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ نهى أن يُتنفس في الإناء، أو يُنفخ فيه (٢). وروى عن أبي سعيد الخدري، وصححه: أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب (٣). وأخرج أبو داود، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي سعيد أيضًا، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من ثُلْمَةِ القَدَح، وأن يُنفخ في الشراب (٤).

стр. 3700

وفي "الصحيحين"، والترمذي، والنسائي: النهيُ عن التنفس في الإناء من حديث أبي قتادة (١). وقد علم أن الكراهة تزول للحاجة. قال الآمدي، ونقله ابن مفلح في "الآداب الكبرى" وغيره: لا بأس بنفخ الطعام إذا كان حارًا، ويكره أكله حارًا (٢). وفي "الإقناع": يكره نفخُ الطعام والشراب، والتنفُّس في إنائهما، وأكلُه حارًا، إن لم يكن حاجة، ويكره جولانُ اليد في الطعام إذا كان نوعًا واحدًا (٣). وعبارة "الآداب": ويكره أكلُه مما يلي غيره، والطعامُ نوعٌ واحد (٤). قال الآمدي: ولا بأس أن يأكل من غير ما يليه وهو وحده (٥). ودليلُ كراهة جولان اليد في الطعام: قول النبيِّ ﷺ لعمرَ بنِ أبي سلمة: "كُلْ مِمَّا يليك" متفق عليه (٦)، فإذا كان الطعام أنواعًا، فلا بأس. وفي حديث عِكْراشٍ عند ابن ماجه، والترمذي، وقال: غريب،

стр. 3701

وأبي بكر الشافعي في "الغيلانيات"، وفيه: ثم أُتينا بطبق فيه ألوانٌ من رطب أو تمر، قال عكراشٌ: فجعلتُ آكل من بين يديَّ، وجالت يدُ رسول الله ﷺ في الطبق، ثم قال: "يا عِكْراشُ! كُلْ من حيثُ شئتَ؛ فإنه من غير لونٍ واحدٍ" الحديث (١). * ويُكره الأكل من ذِروة الطعام، ومن وسطه، بل يأكل من أسفله، وكذلك الكيل؛ لما روى الترمذي، وقال: حسن صحيح، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: "البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافَتَيْه، ولا تأكلوا من وَسَطِه" رواه النسائي، وابن ماجه (٢)، ورواه أبو داود بلفظ: "إذا أكل أحدُكم طعامًا، فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكلْ من أسفلها؛ فإن البركةَ تنزل من أعلاها" (٣). وفي حديث عبد الله بن بسر ﵁ مرفوعًا: "كلوا من جوانبها، وذَروا ذُرْوتها، يبارَكْ فيها" رواه أبو داود، وابن ماجه (٤). * ويكره أكل وشرب، وكذا أخذٌ وإعطاءٌ باليد اليسرى؛ لقوله ﷺ : "لا

стр. 3702

يأكلن أحدُكم بشماله، ولا يشربن بها؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها" رواه مسلم، والترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا (١)، وكان نافع يزيد فيه: "ولا يأخذْ بها، ولا يُعطِ بها" رواه مالك، وأبو داود (٢). وفي حديث أبي سعيد الخدري عند ابن ماجه بإسنادٍ صحيح: أن النبي ﷺ قال: "ليأكلْ أحدُكم بيمينه، ويشربْ بيمينه، وليأخذْ بيمينه، ولْيعطِ بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، [ويأخذ بشماله] (٣) ". وأخرج الإمام أحمد: أن النبي ﷺ قال: "من أكل بشماله، أكلَ معه الشيطان، ومن شرب بشماله، شربَ معه الشيطان" (٤). قال في "الآداب": وحرمه ابن عبد البر، وابنُ حزم؛ لظاهر الأخبار (٥). وقال القاضي، وابن عقيل، وسيدنا الشيخُ عبدُ القادر -قدس الله روحه-: تناولُ الشيء من غيره باليد اليمنى مستحبٌّ، قالوا: وإذا أراد أن يُناول إنسانًا كتابًا أو توقيعًا، فليقصد بيمينه (٦).

стр. 3703

* ويكره الأكلُ والشربُ متكئًا؛ لقوله ﷺ : "أما أنا، فلا آكلُ متكئًا" رواه البخاري (١)، وغيره. قال الإمام أحمد: يكره الأكل متكئًا. وفي "الغنية" لسيدي عبد القادر: وعلى طريق (٢). وفي "الآداب" لابن مفلح: يكره الأكل متكئًا، أو مضطجعًا (٣). زاد في "الإقناع" كـ "الآداب": أو منبطحًا (٤). قال ابن هبيرة: أكلُ الرجل متكئًا يدل على استخفافه بنعمة الله فيما قدم بين يديه من رزقه فيما يراه الله على تناوله، ويخالف عوائدَ الناس عند أكلهم الطعام من الجلوس إلى أن يتكىء عنه، فهذا يجمع بين سوء الأدب، والجهل، واحتقار النعمة، وأيضًا: إذا كان متكئًا، لا يصل الغذاء إلى قعر المعدة الذي هو محل الهضم، فلذلك لم يفعله النبيُّ ﷺ ، ونبه على كراهته (٥). وفي "سنن أبي داود": عن أبي هريرة: نهى رسولُ الله ﷺ عن الجلوس على مائدةٍ شُرب عليها الخمرُ، وأن يأكل وهو منبطحٌ على بطنه (٦).

стр. 3704

وذكر بعض مشايخ الحنفية: أنه لا بأس بالأكل متكئًا، قال: لأن النبي ﷺ أكل يوم خيبر متكئًا، كذا قالوا (١)، والحديث الذي استدلوا به رواه الطبراني من طريق بقية، وهو ثقة، إلا أنه مدلس، وفي إسناده أيضًا عمر الشامي مجهول، ولفظه: عن واثلة بن الأسقع ﵄، قال: لما افتتح رسولُ الله ﷺ خيبر، جعلت له مائدة، فأكل متكئًا، وأصابته الشمس، فلبس الظلة (٢). قلت: وعلى فرض ثبوت هذا الحديث وصحته، فإنه منسوخ، يدل على ذلك ما روي عن واثلة نفسه ﵁، قال: أكل رسول الله ﷺ متكئًا وقتًا يسيرًا، ثم تركه. ذكره أصحاب السير، منهم الشيخ محمد الشامي في "سيرته". هذا مع ما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: ما رئي رسولُ الله ﷺ يأكل متكئًا (٣)، نعم، روى مسلم، وأبو داود عن أنس ﵁، قال: أُتي رسولُ الله ﷺ بتمر، فرأيته يأكل متكئًا (٤)، وكأن هذا كان أولًا، ثم نُسخ، يدل له -مع ما قدمنا- حديثُ ابن عباس ﵄: لما خُيِّرَ بين أن يكون عبدًا نبيًا، وبين أن يكون ملكًا، فأشار إليه جبريل: أن تواضَعْ، فاختار أن يكون عبدًا نبيًا، قال: فما أكل

стр. 3705

بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا، رواه النسائي (١). * ويُكره القِرانُ في التمرِ ونحوِه، وقيل: مع مشاركةٍ؛ لحديث "الصحيحين" عن ابن عمر: نهى رسول الله ﷺ عن القِران، إلا أن تستأذن أصحابَك (٢). * ويُسن الأكل جالسًا فوقَ اليسار من رجليه، ناصبًا الرجلَ اليمنى منهما؛ ليسندَ بطنه إلى فخذه اليمنى، فلا يحصل له الامتلاءُ المنهيُّ عنه لعدم افتراش البطن. وفي "الرعاية": أو يتربع (٣). وفي "الفتح" للحافظ ابن حجر في صفة الجلوس للأكل: المستحبُّ أن يكون جاثيًا على ركبتيه، وظهورِ قدميه، أو يجلس وينصب الرجل اليمنى، ويجلس على اليسرى (٤). وقال ابن القيم في "الهدي": ويُذكر عنه ﷺ : أنه كان يجلس مُتَوَرِّكًا على ركبتيه، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر اليمنى؛ تواضعًا لله، وأدبًا بين يديه. قال: وهذه الهيئة أنفعُ هيئات الأكل وأفضلُها؛ لأن الأعضاء كلَّها تكون

стр. 3706

على وضعها الطبيعي الذي خلقها الله تعالى عليه (١). * ويسمي اللهَ تعالى عند إرادة الأكل قبل أن يضع يده في الطعام، وفي الشراب قبل أن يضع الإناء على فيه، فيقول: باسم الله، وهي بركة الطعام، فيكفي القليل معها، ولا يكفي الكثير بدونها؛ لما روى أبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح، عن عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يأكل طعامه في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي، فأكله بلقمتين، فقال ﷺ : "أما إنه لو سَمَّى، كفاكم" رواه ابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، وزاد: "فإذا أكل أحدُكم طعامًا، فليذكرِ اسمَ الله عليه، فإن نسي في أوله، فليقل: باسم الله أوله وآخره"، وهذه الزيادة عند أبي داود وابن ماجه مفردة (٢). قال النووي: والتسميةُ هنا -يعني: في الأكل والشرب- مجمَعٌ على استحبابها، انتهى (٣). * وينبغي أن يجهر بالبسملة؛ لينبه غيره، وليسمع الشيطان ذكر الله، فيهرب. قال في "الآداب الكبرى": ولم يذكره الأصحاب، وله مناسبة، انتهى (٤).

стр. 3707

وأقل ذلك أن يُسمع نفسَه حيث لا مانع. قال ابن أبي داود في كتابه "تحفة العباد وأدلة الأوراد": اتفق العلماء على أنه لا يُحسب للذاكر شيء من الأذكار الواردة حتى يتلفظ به بحيث يُسمع نفسَه إذا كان صحيحَ السمع. * فإذا انتهى الآكل من أكله، فيسن له أن يحمد الله؛ لما في حديث معاذ بن أنس ﵁ مرفوعًا: "من أكل طعامًا، ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام، ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة، غُفر له ما تقدَّمَ من ذنبه" رواه أبو داود، والترمذي، وحسنه، وابن ماجه (١). وأخرج مسلم، والترمذي، والنسائي عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكلَ الأكلةَ فيحمده عليها، ويشربَ الشربة فيحمده عليها" (٢). والأكلة -بفتح الهمزة-: المرةُ الواحدة من الأكل، وقيل: -بضم الهمزة-، وهي اللقمة (٣). وكان ﷺ إذا أكل أو شرب، قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وجعلنا مسلمين" رواه الإمام أحمد، وغيره (٤).

стр. 3708

وفي "البخاري" عن أبي أمامة ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته، قال: "الحمدُ لله كثيرًا طيبًا مبارَكًا فيه غيرَ مَكْفِيٍّ ولا مُوَدَّع ولا مُسْتَغْنًى عنه" (١). وفي رواية: كان إذا فرغ من طعامه قال: "الحمدُ لله الذي كفانا وآوانا غيرَ مَكْفِيٍّ ولا مكفورٍ رَبّنا" (٢). ومكفي -بفتح الميم وتشديد الياء- هذه الرواية الصحيحة الفصيحة. ورواه أكثر الرواة بالهمز. وقال النووي: وهو فاسد من جهة العربية، سواء كان من الكفاية، أو كَفَأْتُ الإناءَ، كما لا يقال في مَرْميّ: مرميء -بالهمز-. قال في "المطالع": المرادُ بهذا المذكور كلِّه: الطعام، وإليه يعود الضمير، ومعنى غير مكفورٍ؛ أي: غير مجحودةٍ نعمُ الله تعالى، بل مشكورة غيرُ مستورٍ الاعترافُ بها، والحمدُ لله عليها (٣). وقال الخطابي: المرادُ بهذا الدعاء كلِّه: الباري ، والضمير يعود إليه، ومعنى قوله: "غير مكفي": أنه يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ، وقوله: "ولا مُوَدَّع": أي: غير متروكٍ الطلبُ منه والرغبةُ إليه (٤)، وينتصب

стр. 3709

"رَبَّنا" على هذا بالاختصاص والمدح، أو بالنداء؛ كأنه قال: يا رَبَّنا اسمع حمدنا ودعاءنا"، من رفعه، قطعه، وجعله خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: ذلك هو ربُّنا، أو أنت ربُّنا، ويصح جره على البدل من اسم الجلالة في قوله: "الحمد لله" (١). وفي "سنن النسائي"، و"كتاب ابن السني" بإسناد حسن، عن عبد الرحمن بن جبير التابعي: أنه حدثه رجل خدمَ النبيَّ ﷺ ثماني سنين: أنه كان يسمع النبي ﷺ إذا قُرِّبَ إليه طعام يقول: "باسم الله"، فإذا فرغ من طعامه، قال: "اللهم أَطعمتَ وسقيتَ وأَغنيتَ وأقنيتَ وهديتَ واجتبيتَ، فلك الحمدُ على ما أعطيت" (٢). * ويندب تصغيرُ اللقم، وإجادة المضغ (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ما لم يكن ثَمَّ ما هو أهم من الإطالة. قال ابن تيمية: هذه المسألة لم أجدها مأثورة، ولا عن أبي عبد الله الإمام أحمد ﵁ مذكورة، لكن فيها مناسبة. قال: ونظير هذا ما ذكره الإمام أحمد من استحباب تصغير الأرغفة، وذكر بعض أصحابنا استحباب تصغير الكبير، وذلك عند الخَبز، وعند الوضع، وعند الأكل (٤). قلت: ويُستدل لتصغير الأرغفة بما رواه البزار بسندٍ ضعيف، والطبراني

стр. 3710

عن أبي الدرداء ﵁: "قوتوا طعامكم يباركْ لكم فيه". قال إبراهيم بنُ عبد الله بنِ الجنيد أحدُ رواته: سمعت بعض أهل العلم يفسر هذا، قال: هذا تصغير الأرغفة (١). وفي "نهاية ابن الأثير": ويحكى عن الأوزاعي: أنه تصغيرٌ الأرغفة (٢). قال في "السيرة الشامية": قال شيخُنا أبو الفضل أحمدُ بنُ الخطيب ﵀: تتبعت هل كانت أقراص خبزه ﷺ صغارًا أم كبارًا، فلم أجد في ذلك شيئًا بعدَ الفحص، وأما حديث: "صَغِّروا الخبزَ، وَكثِّروا عَدَدَهُ يُبارَكْ لكم فيه"، فرواه الديلمي، وسنده واه (٣)، انتهى. قلت: ذكره الحافظ ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤)، وقال: تتبعت هل كان خبز النبي ﷺ صغيرًا أو كبيرًا، فلم أر فيه شيئًا. قال ابن الجوزي: ولا يمدُّ الآكلُ يدَه إلى اللقمة الأخرى حتى يبتلعَ ما قبلَها، ومثله في "الآداب" لابن مفلح (٥). * ويستحبُّ للآكل أكلُ فُتاتٍ ساقطٍ من الطعام على مَحَلٍّ طاهر أولا، وكانا جافَّين؛ لما روى ابن ماجه، والحكيم الترمذي عن عائشة ﵂، قالت: دخل عليّ رسولُ الله ﷺ البيتَ، فرأى كسرةً ملقاةً، فأخذها

стр. 3711

فمسحَها، ثم أكلها، وقال: "يا عائشة! أَحْسِني جِوارَ نِعَمِ الله؛ فإنها ما نَفَرَتْ عن قومٍ فعادَتْ إليهم" (١). وأما حديث أبي سكـ[ـيـ]ـنة، عند الطبراني (٢)، وحديثُ عبدِ الله بنِ أم حَرام عند الطبراني أيضًا، والبزارِ مرفوعًا (٣): "أكرموا الخبزَ"، زاد أبو سكـ[ـيـ]ـنة: "فإن الله تعالى أكرمَهُ، فمن أكرمَ الخبزَ، أكرمه اللهُ"، زاد عبد الله: "فإن الله أنزله من بركات السماء، وسخّر له بركاتِ الأرض، ومن تتبع ما يسقط من السفرة، غفر له"، فأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" من حديث أبي موسى، وبريدة، وعبد الله بن أم حرام، وأبي هريرة، وحكم عليه بالوضع (٤)، وتعقبه السيوطي بأن الحاكم أخرجه من حديث عائشة ﵂، وصححه، وأقره الذهبي، والبيهقي في "الشعب" (٥)، ومن حديث أبي سكـ[ـيـ]ـنة أخرجه الطبراني في "الكبير" (٦). وقال [ابن الديبع] (٧) تلميذُ الحافظ السخاوي في كتابه "التمييز": حديث: "أكرموا الخبز" له طرق كلها ضعيفة مضطربة، وبعضُها أشدُّ من بعض في الضعف، قال: وقال شيخنا: لا يتهيأ الحكمُ عليه بالوضع،

стр. 3712

ولاسيما في "المستدرك" للحاكم عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "أكرموا الخبز"، انتهى (١). * ويُستحَبُّ تخليلُ الأسنان من بقايا الطعام، فيتتبع ذلك بالخلال، ويلقيه. قال الإمام ابن القيم: الخلالُ نافعٌ لِلِّثَة والأسنان، حافظ لصحتها، نافع من تغيير النكهة. قال: وأجودُ [هُ]، ما اتخذ من عيدان الأخِلَّة، وخشب الزيتون، والخلات، انتهى (٢). قال الشيخ عبد القادر -قدّس الله روحه-: يكره التخلُّل على الطعام، ولا يخلل بقصبٍ، ولا رمانٍ، ولا ريحان، ولا طرفاء، ونحو ذلك؛ لأنه مضر. وفي "الآداب" لابن مفلح: ويخلل أسنانه بعد الأكل إن علقَ بها شيء (٣). روي عن ابن عمر ﵄: أنه قال: تركُ الخلال يوهِنُ الأسنان، ورفعه بعضهم (٤). وروى أبو نُعيمٍ الحافظُ وغيرُه من رواية واصلِ بنِ السائب، وهو ضعيف، عن أبي أيوب مرفوعًا: "حَبَّذا المتخلِّلون من الطعام، وتَخَلَّلوا من

стр. 3713

الطعام؛ فإنه ليس شيء أشدَّ على المَلَكِ الذي على العبد أن يجدَ من أحدِكم ريحَ الطعام" (١). وفي "الهدي" للإمام المحقق ابن القيم: ورد في الخلال حديثان لم يصحا، فذكر هذين الحديثين، انتهى (٢). قال علي القاري: حديث "حبذا المتخلِّلون من أمتي". قال الصغاني: وضعُه ظاهرٌ، وفسره بتخليل الأصابع في الوضوء، وبالتخليل بعد الطعام (٣). ويلقي ما يُخرجه الخلال من الخُلالة -كثمامة-. روى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أكل، فما تخلل، فليلفظْه، ومن لاك بلسانه، فليبتلعْ، من فعلَ، فقد أحسنَ، ومن لا، فلا حرجَ عليه" (٤). فيكره ابتلاع ما يُخرجه الخلال، لا ما يخرجه اللسان. * ويستحب غسلُ اليدين قبل الطعام وبعده؛ لما في آخر حديث سلمان الفارسي ﵁: أنه ﷺ قال: "بركةُ الطعام الوضوءُ قبله، والوضوءُ بعده" رواه أبو داود، والترمذي (٥).

стр. 3714

قال الإمام أحمد: ما حدّث بهذا الحديث إلا قيسُ بنُ الربيع، وهو منكَر الحديث، وقد ضعّف قيسًا هذا جماعةٌ، ووثقه آخرون. قال الحافظ المنذري: ولا يخرج عن حَدِّ الحَسن (١). وعن أنس بن مالك مرفوعًا: "من أحبَّ أن يكثر الله خيرَ بيته، فليتوضأ إذا حضر غذاؤه، وإذا رفع" رواه ابن ماجه، والبيهقي بإسناد ضعيف (٢)، والمراد بالوضوء: غسل اليدين (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدّس الله روحه-: لم نعلم أحدًا استحبَّ الوضوء للأكل إلا إذا كان جنبًا (٤). واعلم: أن غسل اليدين بعد الطعام مسنون، رواية واحدة، ومعتمد المذهب: وقبله، لكن يتقدّم ربُّ الطعام به قبل الطعام، ويتأخر به بعده (٥)، وقد ذكرنا في ذلك طرفًا صالحًا في كتابنا "غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب" (٦)، والله الموفق.

стр. 3715

باب الصيد وهو في الأصل مصدر صاد يصيد صَيْدًا، فهو صائد، ثم أُطلق الصيد على المَصيد؛ تسميةً للمفعول بالمصدر؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، والصيد: ما كان ممتنعًا حلالًا لا مالك له (١). وذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- في هذا الباب أربعة أحاديث:
следующие страницы →