← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

قال في "الفتح": يباح الاصطياد والانتفاع بالصيد للأكل والبيع، قال: وكذا اللهو بشرط قصد التذكية والانتفاع. وكرهه مالك، وخالفه الجمهور، وقال الليث: لا أعلم حقًا أشبه بباطل منه. ولو لم يقصد الانتفاع به، حَرُم؛ لأنه من الفساد بالأرض بإتلاف نفسٍ عبثًا. كذا قال في "الفتح"، ثم قال: وينقدح أن يقال: يباح، فإنْ لازمَهُ، وأكثرَ منه، كُره؛ لأنه قد يشغله عن بعض الواجبات، وكثيرٍ من المندوبات، وقد أخرج الترمذيّ من حديث ابن عباس ﵄، رفعه: "من سكن الباديةَ، جفا، ومن اتبع الصيدَ، غفل" (١)، وله شاهد عن أبي هريرة عند الترمذيّ أيضًا (٢)، وآخر عند الدارقطني في "الأفراد" من حديث البراء بن عازب، وقال: تفرد به شريك (٣)، والله تعالى الموفق.

стр. 3747

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام تأليف الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن سالم السفاريني النابلسي الحنبلي المولود سنة (١١١٤ هـ) - والمتوفى سنة (١١٨٨ هـ) - رحمه الله تعالى - [المجلد السابع] اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا نور الدين طالب

стр. 3748

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3749

كَشْفُ اللِّثَامِ شَرح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ

стр. 3750

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م رَقم الْإِيدَاع بمَكتَب الشؤون الفَنيَّة ٢٢/ ٢٠٠٧ م قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة الكويت - الرقعي - شَارِع مُحَمَّد بني الْقَاسِم بدالة: ٤٨٩٢٧٨٥ - داخلي: (٤٠٤) فاكس: ٥٣٧٨٤٤٧ موقعنا على الإنترنت www.islam.gov.kw قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والتصحيح العلمي والإخراج الفني والطباعة دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها الْعَام نور الدّين طَالب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ (٠٠٩٦٣١١) - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) www.daralnawader.com

стр. 3751

الحديث الثالث عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵃، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اقْتنَى كلْبًا إلَّا كلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، فَإنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ" (١). قَالَ سَالِمٌ: وَكانَ أَبُو هُرَيْرَةْ يَقُولُ: أَوْ كلْبَ حَرْثٍ، وَكانَ صَاحِبَ حَرْثٍ (٢).

стр. 3752

(عن) أبي عمرٍو، ويقال له: أبو عبد الله (سالمِ بنِ عبد الله بن) أمير المؤمنين (عمرَ ﵃). وسالمٌ أحدُ فقهاء المدينة السبعة، ومن سادات التابعين وعلمائهم، سمع أبا هريرة، وأبا أيوب الأنصاريَّ، ورافعَ بَن خَديجٍ، وعائشةَ، وأباه، وغيرَهم، ومن التابعين كثيرًا. روى عنه: عمرُو بنُ دينار، والزهري، [ونافع مولى أبيه، وموسى بنُ عقبة، وغيرهم، وكان أشبهَ ولدِ عبدِ الله به] (١)، وهو إمامٌ جليل، روي له الجماعة، توفي في آخر ذي الحجة سنة ست ومئة، وقيل: سنة ثمان ومئة (٢). (عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄، (قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: من اقتنى)؛ أي: اتخذ (كلبًا) للقُنية، يقال: اقتنى الشيء: إذا اتخذه للادخار (٣)، ويشمل سائر أنواع الكلاب (إلا كلبَ صيد)، وفي رواية: "إلَّا كلبًا ضاريًا لصيد" (٤)، (أو) كلب (ماشية)، وفي رواية: "ليس بكلب ماشية" (٥)؛ أي: من غنم ونحوها، لا اتخاذُه لها قبل

стр. 3753

أن يشتريها، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: "أو كلب زرع" (١)، وفي لفظ: "حرث" (٢)، وكذا وقعت الزيادة في حديث عبد الله بن مغفل عند الترمذيّ (٣). قال في "الآداب الكبرى": يجوز اقتناء كلبٍ كبيرٍ لصيدٍ يعيش به، أو لحفظ ماشية يروح معها إلى المرعى، ويتبعها، أو لحفظ زرعٍ، ولا يجوز اتخاذه لغير ذلك. وقيل: يجوز اقتناؤه لحفظ البيوت، وهو قول بعض الشّافعيّة. وفي "الرعاية": قيل: وبستان، فإن اقتنى كلبَ الصيد مَنْ لا يصيد، احتمل الجوازُ والمنع، وهكذا الاحتمالان فيمن اقتنى كلبًا يحفظ به ماشية، أو حرثًا إن حصلت، أو يصيد به إن احتاج، ويجوز تربيةُ الجَرْوِ الصغير لأجل الثلاثة في أقوى الوجهين، والثاني: لا يجوز. وفي "الرعاية": لا يكره -على الأصح- اقتناءُ جروٍ صغيرٍ حيث يقتنى الكبير (٤). وأما اقتناء الكلاب لغير ما ذكرنا، فلا يجوز. وحكى الدميري: أن أصحَّ الوجهين عند الشّافعيّة جوازُ اتخاذ الكلاب لحفظ الدرب، والدور (٥)، فإن اقتنى شيئًا من الكلاب غير ما ذكرنا، (فإنّه ينقص من أجره كلَّ يوم قيراطان)، وفي رواية: "قيراط"، وهي في

стр. 3754

"الصحيحين" أيضًا. وفي رواية البُخاريّ: "ينقص من عمله" (١)، وحُمل على نوعٍ من الكلاب كان بعضُها أشدَّ من بعض في الأذى، أو لمعنى فيها، أو يكون ذلك مختلفًا باختلاف المواضع، فتكون القيراطان في المدن ونحوها، والقيراط في البوادي، أو ذكر القيراط أولًا، ثم زاد في التغليظ، فذكر القيراطين. والمراد بالنقص: أن الإثم الحاصل باتخاذ الكلب يوازن قدرَ قيراط أو قيراطين من أجر متخذه، فينقص من ثواب عمل المتخذ قدر ما يترتب عليه من الإثم باتخاذه، وهو قيراطان. وقيل: سببُ النقصان: امتناعُ الملائكة؛ أي: ملائكة الرحمة والبركة من دخول بيته، أو ما يلحق المارين من الأذى. كما يروى أن المنصورَ ثانيَ خلفاء بني العباس سأل عمرَو بنَ عُبيد عن سبب هذا الحديث، فلم يعرفه، فقال المنصور: لأنَّه ينبحُ الضيف، ويروِّعُ السائل. أو سببُ النقصان؛ لأنَّ بعضها شياطين، أو عقوبة لمخالفة النهي، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها، فربما ينجس الطاهر منها، فإذا استعمل في العبادة، لم يقع موقعَ الطاهر. وقال ابن التين: المراد: أنه لو لم يتخذه، لكان عمله كاملًا، فإذا اقتناه، نقص من ذلك العمل. وقد اختلف العلماء في محل نقصان القيراطين، فقيل: من عمل النهار

стр. 3755

قيراط، ومن عمل الليل آخر، وقيل: قيراط من الفرض، وآخر من النفل (١). وفي "بدائع الفوائد": يحتمل أن يراد بهذا: نسبة القيراطين إلى عمل متخذ الكلب كلَّ يوم، ويكون صغرُ هذا القيراط وكِبَرُه بحسب قلة عمله وكثرته. قال: فإذا كانت له أربعة وعشرون ألف حسنة مثلًا، نقص منها كل يوم ألفا حسنة، وعلى هذا الحساب (٢). وتقدم ذلك [مستوفًى] (٣) في: الجنائز، فراجعه تظفرْ بما تريد. (قال سالم) بنُ عبد الله بن عمر ﵃: (وكان أبو هريرة) عبدُ الرحمن بن صخر أكثرُ المكثرين من الصحابة الكرام ﵃ أجمعين- (يقول: أو كلبَ حرث)؛ يعني: يزيد على جواز اقتناء الكلب [الصيد] والماشية: جواز اتخاذه للحرث والزراعة -كما قدمنا-. قال سالم: (وكان) أبو هريرة ﵁ (صاحبَ حرثٍ)، فكان قد جوّز اتخاذ الكلب لأجل الحرث (٤)، ويستدل بالنص الذي سمعه من رسول الله ﷺ ، وهو حافظ الأمة، فصار العلماء إلى جواز اتخاذه للزراعة والحرث؛ أي: لحفظ ذلك، اعتمادًا على حديث أبي هريرة. وقد ذكرنا أنه روي أيضًا من حديث عبد الله بن مغفل، وسفيان بن أبي زهير، والله أعلم.

стр. 3756

الحديث الرابع عَنْ رَافع بْنِ خَدِيجٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بذِي الحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا إبِلًا وَغَنَمًا، وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ في أخْرَيَاتِ القَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا القُدُور، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بالقُدور فَأكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ، فَعَدَلَ عَشْرَةً مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، وَكانَ فِي القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللهُ، فَقَالَ: "إن لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدَ كأَوَابدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُم مِنْهَا، فَاصْنَعُوا بهِ هَكَذَا"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّا لَاقُو العَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى، أفنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ قَالَ: "مَا أَنْهَر الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأحَدِّثُكمْ عَنْ ذَلِكَ: أَمَّا السِّنُّ، فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ، فَمُدَى الحَبَشَةِ" (١).

стр. 3757

(عن) أبي عبد الله (رافعِ بنِ خَدِيج) -بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبالجيم- الحارثيِّ الأنصاريِّ، الأوسيِّ (﵁ قال: كنا) معشرَ الصحابة (مع رسول الله ﷺ بذي الحُليفة)، زاد مسلم: (من تِهامةَ)، وهذه ليست بذي الحليفة الميقات المعروف، وإنما هي عند ذات عرق كما ذكره ياقوت وغيره. وذكر القابسي: أنها المُهَلُّ التي بقرب المدينة، وقاله أيضًا النووي. وفي "مسلم" ما يردُّ ذلك (١). وتِهامُة: كلُّ ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، سُمي بذلك لتغير

стр. 3758

هوائها، يقال: تهم الدهنُ: إذا تغير ريحُه، ومكةُ من تهامةَ معدودة كما في "المطالع" (١). وفي "القاموس": تهامة -بالكسر-: مكّة -شرّفها الله تعالى-، وبلاد معروفة (٢). (فأصاب النَّاسَ جوع) في تلك الغزاة. قال ابن التين: وكانت سنةَ ثمان من الهجرة في قضية حنين (٣). (فأصابوا)؛ أي: غَنِموا (إبلًا وغنمًا، وكان النَّبيُّ ﷺ في أُخْرَيات القوم)؛ أي: في أواخرهم وأعقابهم، وهي جمع أُخرى، وكان يفعل ذلك رفقًا بهم، وليحمل المنقطع منهم (٤)، (فعجِلوا) -بكسر الجيم-، (وذبحوا) من المواشي المغنومةِ قبل قسمتها، (ونصبوا القدور) على الأثافِيِّ ليطبخوا لحم ما ذبحوه من مواشي الغنم، والقدور: جمع قِدْر -بالكسر- مؤنث، أو يؤنث كما في "القاموس"، وهو ما يطبخ فيه (٥)، (فأمر النَّبيُّ ﷺ بالقدور فأكفئت)؛ أي: قلبت وأُميلت وأُريق ما فيها، وهو من الإكفاء. قال ثعلب: كفأتُ القدرَ: إذا كببته، وكذا قال الكسائي وغيره، فعلى هذا إنما يقال: كُفِئَتْ، وأُكْفِئَتْ إنما يقال على قول ابن السكيت في "الإصلاح"، لأنَّه نقل عن ابن الأعرابي وأبي عبيد وآخرين: أنه يقال: أُكفئَت.

стр. 3759

وقال ابن التين: صوابه كُفِئَت بغير ألف؛ من كَفَأْتُ الإناءَ، مهموزًا. واختلف في إمالة الإناء، فيقال فيها: كفأت وأكفأت، وكذا اختلف في أكفأت الشيء لوجهه (١). واختلف في سبب أمره بإكفاء القدور، فقيل: لأنهم فعلوا ذلك من غير قسمة بلا حاجة إلى أكلها، ويشهد له قوله: فانتهبناها (٢)؛ كما في بعض الروايات، لكن في قوله: بلا حاجة إلى أكلها نظر؛ لأنَّه يردُّه قوله في الحديث: فأصاب النَّاسَ جوع، وفي رواية: فأصابتنا مجاعة (٣)، فهو بيان لوجه الحاجة. وقيل: لاستعجالهم في ذلك من غير إذن ولا تربص ليقدَمَ ﷺ مع ما يعرض من مكيدة العدو، فأحرمهم الشارعُ ما استعجلوه عقوبةً لهم بنقيض قصدِهم؛ كما منع القاتلَ من الميراث. قال القرطبي: ويؤيده رواية أبي داود: وتقدَّمَ سرعانُ النَّاس، فتعجلوا، فأصابوا الغنائم، ورسولُ الله ﷺ في آخر النَّاس (٤). وقال النووي: إنما أمرهم بذلك؛ لأنهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإسلام، والمحل الذي لا يجوز الأكلُ فيه من مال الغنيمة المشتركة؛ فإن

стр. 3760

الأكلَ منها قبل القسمة إنما يُباح في دار الحرب، والمأمور به من الإراقة إنما هو إتلافُ المرق عقوبة لهم، وأما اللحم، فلم يتلفوه، بل يُحمل على أنه جُمِعَ ورُدَّ إلى المغنم، ولا يظن أنه أمر بإتلافه؛ لأنَّه مالُ الغانمين، ولأنه ﷺ نهى عن إضاعة المال. فإن قيل: لم يُنقل أنَّ اللحم حمل إلى الغنيمة، فالجواب: أنه لم يُنقل أيضًا أنهم حرقوه ولا أتلفوه، فوجب تأويله على وفَقْ القواعد الشرعية؛ بخلاف لحم الحمر الأهلية يومَ خيبر؛ لأنها صارت نجسة (١). (ثم قسم) ﷺ الغنيمةَ بين الغانمين، (فعدل عشرةً من الغنم ببعير). هذا محمول على أنه كان بحسب قيمتها يومئذٍ، ولا يود عليه كونُ السبع من الغنم يعدلُها واحد من الإبل في الأضحية (٢)؛ لأنَّ النظر في القسمة إلى القيمة، ولا نظر لها في الأضحية، (فندّ) -بفتح النون وتشديد الدال المهملة-؛ أي: نفرَ وذهبَ على وجهه شاردًا، يقال: نَدَّ يَندُّ نَدًّا [ونَديدًا] ونُدودًا (٣) (منها)؛ أي: من إبل الغنيمة (بعير، فطلبوه) ليردُّوه إلى الغنيمة، (فأعياهم)؛ أي: أعجزهم. يقال: أعيا: إذا عجز، وعيي بأمره: إذا لم يهتدِ لوجهه، ومنه حديث عليّ ﵁ فِعْلُهم الداءُ العياء، وهو الذي أعيا الأطباء، ولم ينجع فيه الدواء. وحديث الزُّهريّ أن بريدًا من بعض الملوك جاءه يسأله عن رجلٍ معَهُ

стр. 3761

ما معَ المرأة، كيف يورث؟ قال: من حيثُ يخرجُ الماءُ الدافق. قال في ذلك قائلهم: [من الكامل] وَمُهِمَّةٍ أَعْيَا القُضَاةَ عَيَاؤُهَا ... تَذَرُ الفَقِيهَ يَشُكُّ مِثْلَ الْجَاهِلِ عَجَّلْتَ قَبْلَ حَنِيذِهَا بِشِوَائِهَا ... وَقَطَعْتَ مَحْرَدَهَا بِحُكْمٍ فَاصِلِ أراد: أنك عجَّلت الفتوى فيها، ولم تستأنِ في الجواب، فشبهه برجل نزل به ضيفٌ، فعجَّل قِراه بما قطع له من عبد الذَّبيحة ولحمِها، ولم يحبسه على الحنيذ والشواء، وتعجيلُ القِرى عندهم محمود، وصاحبهُ ممدوح (١). (وكان في القوم)؛ أي: الغزاة؛ يعني: العسكرَ (خيلٌ يسيرة)؛ أي: قليلة، (فأهوى)؛ أي: قصد. قال الأصمعي: أهويتُ بالشيء إلى الشيء: إذا أومأت إليه (٢) (رجل منهم)؛ أي: القوم (بسهمٍ) متعلق بـ: أهوى، فأصابَ البعير، (فحبسَه اللهُ) تعالى عن شروده ونفوره بما أصابه من جراحة سهم الرامي، (فقال) رسول الله ﷺ عند ذلك: (إنَّ لهذه البهائمِ) من الإبل والغنم وغيرها، سميت بهيمة؛ لأنَّها لا تتكلم. وفي لفظ: "لهذه الإبل (أوابدَ) " (٣) جمع آبِدة -بالمدِّ وكسر الباء الموحدة المخففة-، يقال منه: أَبَدَتْ تَأْبُدُ -بضم الباء وكسرها-، وهي التي نفرت من الإنس وتوحَّشت.

стр. 3762

وقال القزاز: مأخوذة من الأبد، وهو الدهر؛ لطول مقامها. وقال أبو عُبيد: أُخذت من تأبدت الدار تأبدًا، وأبدَت تأبِدُ أُبودًا: إذ خلا منها أهلها (١). وفي "المطالع": قوله ﷺ : "أوابد"؛ أي: نوافر، يقال: أبدت تأبِد، أو تأبُد أُبودًا فهي آبدة: إذا توحشت (٢). ومن ثم قال: (كأوابد)؛ أي: نَفور (الوحش)، وهو ما لا يستأنس من دواب الأرض، والجمع وحوش. يقال: حمار وَحْش، وثور وَحْش (٣). (فما غلبكم منها)؛ أي: البهائم النافرة، إما بِعَدْوِه، وإما باستصعابه، والجامعُ لذلك كلِّه عدمُ القدرة على المقصود عنه. (فاصنعوا)؛ أي: افعلوا (به)؛ أي: بالنادِّ والمتوحِّش منها ونحوِه (هكذا)؛ أي: ارموه بالسهم، فإذا نفر من البهائم الإنسية شيء، فهو بمنزلة الوحش في جواز عقره على أي صفة اتفقت (٤)؛ كما أفاده قوله ﷺ : "فإذا غلبكم منها شيء، فافعلوا به هكذا" (٥) كما في لفظ من ألفاظ هذا الحديث. وأما لفظ: "إن لهذه الإبل أوابد" إلخ، فالظاهر: أن تقديم ذِكْرِها كالتمهيد لكونها تشارك المتوحش في الحكم. وأما قول ابن المنير: فإنها تنفر كما ينفر الوحش لأنها تُعطى حكمَها، فيردُّه آخرُ الحديث، وهو قوله: "فاصنعوا به" إلخ (٦)، فدل على أن ما نَدَّ

стр. 3763

من الحيوان الإنسي، ولم يُقدر عليه، جاز أن يذكَّى بما يذكَّى به الصيد، وبه قال الإمام أحمد. وهو مذهب أبي حنيفة، والشّافعيّ، وهو قول عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر ﵃، ومن التابعين: طاوس، وعطاء، والشعبي، والأسود بن يزيد، والنخعي. وذهب إليه الثوري، وداود، وغيرهم. قال النووي: ذهب الجمهور إلى حديث أبي العشراء عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! أما تكون الذكاة إلَّا في اللبة والحلق؟ قال: "لو طعنت في فخذها، لأجزأ عنك" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه (١)، وغيرهم، ورواته ثقات إلَّا أبا العشراء، فمختلَف فيه. قال التِّرمذيّ بعد أن رواه: قال أحمد بن منيع: قال يزيد بن هارون: هذا في الضرورة، وقال: لا يعرف هذا الحديث إلَّا من حديث حماد بن سلمة، قال: ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث. واخْتُلِف في اسم أبي العشراء، فقيل: أسامة بن قِهْطم، وقيل: يسار بن برز، ويقال: ابن بلز، ويقال: اسمه عطارد (٢).

стр. 3764

وقال عليّ بن المديني: المشهور أن اسمه: أسامة بن مالك بن قهطم، فنسب إلى جده. وقِهْطم -بكسر القاف وسكون الهاء وبالطاء المهملة-، وقيل: قحطم -بالحاء المهملة- (١). قلت: ذكره ابن الأثير في "جامع الأصول"، فقال: أسامة بن مالك بن قهطم الداري، تابعي، روى عن أبيه، وروى عنه حماد بن سلمة، يُعد في البصريين، وفي نسبه واسمه اختلاف كثير، قال: وهذا أشهر ما قيل فيه، انتهى (٢). وقال الإمام مالك، وربيعة، والليث بن سعد: لا يؤكل إلَّا بذكاة الإنسي بالنحر أو الذبح استصحابًا لمشروعية أصل ذكاته؛ لأنَّه، وإن كان قد أُلحق بالوحش في الامتناع، فلم يلتحق بها لا في النوع، ولا في الحكم، ألا ترى أن مُلْكَ مالكِه باقٍ عليه؟ وهذا قول سعيد بن المسيب أيضًا. قال مالك: ليس في حديث رافع بن خديج: أن السهم قتله، وإنما قال: حبسه، ثم بعد أن حبسه، صار مقدورًا عليه، فلا يؤكل إلَّا بالذبح أو النحر، ولا فرق بين كونه وحشيًا أو إنسيًا. وقال في قوله ﷺ : "فاصنعوا به هكذا": نحن نقول بموجبه أيضًا؛ أي: نرميه ونحبسه، فإن أدركناه حيًا، ذكيناه، وإن تلف بالرمي، فهل نأكله أو لا؟ ليس في الحديث تعيينُ أحدهما، فلحق بالمُجْمَلات، فلا تنهض به حجة.

стр. 3765

وقالوا في حديث أبي العشراء: ليس بصحيح، ولو سلمنا صحته، لاقتضى جواز الذكاة في أي عضوٍ كان مطلقًا، في المقدور على تذكيته وغيره، ولا قائل بذلك في المقدور عليه، فظاهره ليس بمراد قطعًا، وتخصيصُه بغير المقدور عليه تحكُّم. وحمل بعض العلماء أن الحديث خرج جوابًا لسؤال عن المتوحش أو المتردِّي الذي لا يقدر على ذبحه. وأما عمومُه، فلا عمل عليه، ولهذا نقل أبو الحسن الميموني: أنه سأل الإمامَ أحمدَ بنَ حنبل ﵁ عن هذا الحديث، فقال: هو عندي غلط، فقلت: فما تقول أنت؟ فقال: أما أنا، فلا يعجبني، ولا أذهب إليه إلَّا في وضع ضرورة كيفما أمكنتك الذكاة لا تكون إلَّا في الحلق أو اللبة، انتهى (١). وقد روى ابن أبي شيبة من طريق أبي راشد السـ[ـلـ]ـماني، قال: كنت أرعى منائح لأهلي بظهر الكوفة، فتردَّى منها بعير، فخشيت أن يسبقني بذكاته، فأخذت حديدة، فوجأت بها في جنبه أو سنامه، ثم قطعته أعضاء، وفرّقته على أهلي، فأبوا أن يأكلوه، فأتيت عليًا، فقمت على باب قصره، فقلت: يا أمير المؤمنين! يا أمير المؤمنين! فقال: يا لَبَّيْكاه! يا لَبيكاه! فأخبرتُه خبرَه، فقال: كل وأطعمني (٢). وروى عبد الرَّزاق في أثر حديث رافع بن خديج، عن عباية بن رفاعة بن رافع، عن ابن عمر ﵄: أن بعيرًا تردَّى في بئر

стр. 3766

بالمدينة، فلم يقدر على نحره، فوُجىء بسكين من قِبَلِ خاصرته حتَّى مات، فأخذ منه ابنُ عمر عشيرًا بدرهمين (١)، والعَشير: لغةٌ في العشر؛ كالنصف والنَّصيف (٢). وفي لفظ: أن ناضحًا تردَّى بالمدينة، فذُبح من قبل شاكلته، فأخذ منه ابنُ عمر عشيرًا بدرهمين. وأخرجه ابن أبي شيبة عن عباية بلفظ: تردَّى بعيرٌ في رَكِيَّة، فنزل رجلٌ لينحرَه، فقال: لا أقدر على نحره، فقال له ابن عمر: اذكرِ اسمَ الله، ثم اطعن في شاكلته، ففعل، وأُخرج مقطَّعًا، فأخذ منه ابنُ عمر عَشيرًا بدرهمين أو أربعة (٣). قال علماؤنا: إن عجز عن قطع الحلقوم والمريء مثل أن يندَّ البعير، أو يردى في بئر، فلا يُقدر على ذبحه، صار كالصيد، إذا جرحه في أي موضع أمكنه، فقتله، حلّ أكله، إلَّا أن يموت بغيره؛ مثل أن يكون رأسُه في الماء، فلا يباح، ولو كان الجرح موحيًا؛ كما لو جرحه مسلم ومجوسي (٤). قال في "الفروع": نص عليه، وقيل: يحل إن كان جرحه موحيًا (٥)، والله أعلم. ثم (قال) رافعُ بنُ خَديج ﵁: (قلت: يا رسول الله! إنا لاقو) من الملاقاة (العَدُوِّ) من أهل الشرك (غدًا، وليست معنا)؛ أي: مع

стр. 3767

كلنا، وإن كان بعضهم معه (مُدًى) -بضم الميم- جمع مدية، وهي السكين، والجملة حالية (أفنذبح بالقصب؟). وفي رواية لمسلم: فنذكِّي باللِّيط (١) -بكسر اللام وسكون الياء ثم طاء مهملة آخر الحروف-، وهي قطع القصب، قاله القرطبي (٢). وقال النووي: قشوره، الواحدة ليطة (٣). وفي "النهاية": اللِّيط: قشرُ القصب، والقناة، وكل شيء به صلابة ومتانة، والقطعة منه ليطة (٤). وفي "سنن أبي داود": تُذَكَّى بالمَرْوَة (٥)؟ وتقدم أنه الحجر. فإن قيل: ما معنى هذا السؤال عند ذكر لقاء العدو؟ فالجواب: لأنهم كانوا عازمين على قتال العدو، وصانوا سيوفهم وأسنتهم وغيرها عن استعمالها؛ لأنَّ ذلك يفسد الآلة، ولم يكن لهم سكاكين صغار معدَّة للذبح؛ كما أشار إليه العيني (٦) وغيره. (قال) ﵊: (ما أنهرَ)؛ أي: ما أسالَ وأجرى (الدمَ) وكلمة "ما" شرطية، أو موصولة، والحكمة في اشتراط الإنهار دلَّ على تحريم الميتة لبقاء دمها.

стр. 3768

يقال: أنهر الدم: أساله، وصَبَّه بكثرة، وهو مشبه بجري الماء [في النهر] (١). وفي لفظ: "ما أنهز" -بالزاي-، وهو الدفع، لكنه غريب (٢)، (وذكر اسمُ الله عليه)؛ بأن يقول: باسم الله عند حركة يده بالذبح، دل على اشتراط التسمية؛ لأنَّه قرنها بالذكاة، وعلق الإباحة عليها، فصار كل واحد منهما شرطًا، وهو حجة على من لم يشترطها؛ كالشافعيّ؛ فإن مذهبه حِلُّ متروكِ التسمية، ولو عمدًا. وعند الثلاثة: لا يحلُّ إن تركها عمدًا، وكذا عندنا لو تركها جهلًا، وأما إن نسيها، فلا تحرم على معتمد المذهب، وقد ذكره ابن جرير إجماعًا، ولا يعتبر كون البسملة بالعربية، ولو ممّن يحسنها. وقد ذكره بعض الحنفية إجماعًا، لأنَّه قد ذكر الله. ويُسن التَّكبيرُ معها، فيقول: باسم الله والله أكبر. ولا تُستحب الصلاة على النَّبيُّ ﷺ عليها، فإن كان أخرس، أومأ برأسه إلى السماء، ولو أشار إشارة تدل على التسمية، وعلم ذلك، كان كافيًا. وقال داود بن عليّ الظاهري: ويحرم متروكُ التسمية، ولو ناسيًا. قال الطبري: من قال: إن ما ذبحه المسلم، فنسي أن يذكر اسم الله عليه، لا يحل، فهو قولٌ بعيدٌ من الصواب؛ لشذوذه، وخروجِه عما عليه الجماعة.

стр. 3769

وقال صاحب "الهداية" من الحنفية عن قول الشّافعيّ: يحلُّ متروكُ التسمية، ولو عمدًا: هذا القول من الشّافعيّ مخالفٌ للإجماع؛ لأنَّه لا خلافَ فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامدًا، وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسيًا (١). وأما الحديث الذي رواه الدارقطني عن ابن عباس: أن النَّبيُّ ﷺ قال: "المسلمُ يكفيه اسمُه، فإن نسي أن يسمِّي حين يذبحُ، فليسمِّ، وليذكرِ اسمَ الله، ثم ليأكل" (٢)، فهو حديث ضعيف؛ لأنَّ في سنده محمدَ بنَ يزيدَ بنِ سنان، فهو وإن كان صدوقًا، لكنه شديد الغفلة. وفي سنده أيضًا مغفل بن عبد الله، وهو وإن كان من رجال مسلم، إلَّا أنه أخطأ في رفع هذا الحديث. وقد رواه سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزُّبير الحُميدي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، من قوله. وكذلك الحديث الذي رواه الدارقطني من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: سأل رجلٌ النبيَّ ﷺ : الرجلُ منا يذبح ثم ينسى أن يسمي الله، قال: "اسمُ الله على كل مسلم" (٣)، فهو ضعيف؛ لأنَّ في سنده مروانَ بن سالم، ضعَّفه الإمام أحمد، والدارقطني. وأما ما رواه أبو داود عن الصَّلْت، عن النَّبيُّ ﷺ ، قال: "ذبيحةُ المسلم

стр. 3770

حلالٌ، ذكرَ اسمَ الله، أو لم يذكرْ" (١)، فهو مرسل، وفيه مع الإرسال: أن الصَّلْتَ السدوسيَّ لا يُعرف له حال، ولا يعرف بغير هذا الحديث، ولا روى عنه غيرُ ثور بن يزيد (٢). وقد قال الغزالي في "الإحياء" في مراتب الشبهات: المرتبة الأولى: ما يتأكد الاستحبابُ في التورُّع عنه، وهو ما يقوى فيه دليلُ المخالِف، فمنه: التورعُ عن أكل متروك التسمية؛ فإن الآية ظاهرة في الإيجاب، والأخبار متواردة بالأمر بها. قال: ولكن لما صح قولُه ﷺ : "المؤمنُ يذبحُ على اسم الله، سمَّى أو لم يُسَمِّ"، احتمل أن يكون عامًا موجبًا لصرف الآية والإخبار عن ظاهر الأمر، واحتمل أن يخصَّصَ بالناسي، ويبقى من عداه على الظاهر، وهذا الاحتمال الثاني أولى (٣). قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": الحديثُ الذي اعتمد عليه، وحكم بصحته، بالغَ النوويُّ في "أذكاره"، فقال: هو مجمَعٌ على ضعفه، [قال] (٤): وقد أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة، وقال: منكر، لا يحتج به (٥)، والله الموفق. (فكلوه)؛ لإباحته، والفاء جواب الشرط، أو لتضمنه.

стр. 3771

وقال في "الفتح": "ما" موصولة في موضع رفع بالابتداء، وخبرها: "فكلوه"، والتقدير: ما أنهرَ الدمَ، فهو حلال، فكلوه، ويحتمل أن تكون شرطية. ووقع في رواية ابن إسحاق: "كل ما أنهر الدم ذكاة"، و"ما" في هذا موصولة (١)، (ليس السنَّ والظفر) بالنصب على الاستثناء بليس. قال في "الفتح": ويجوز الرفع؛ أي: ليس السنُّ والظفرُ مباحًا، أو مجزئًا. ووقع في رواية أبي الأحوص: "ما لم يكن سنٌّ أو ظفرٌ" (٢). وفي رواية عمر بن عبيد: "غير السن الظفر" (٣). وفي رواية داود بن عيسى: "إلَّا سنًا أو ظفرًا" (٤). (وسأحدثكم عن ذلك). وفي رواية: "سأخبركم" (٥)؛ أي: سأبين لكم العلة في ذلك، وليس السين هنا للاستقبال، بل للاستمرار، كما في قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ [النساء: ٩١]. وزعم الزمخشري أن السين إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه، أفادت أنه واقع لا محالة (٦).

стр. 3772

وهل هذه الجملة من جملة المرفوع، أو مدرجة؟ جزم النووي بأن ذلك من جملة المرفوع، وأنه من كلام النَّبيُّ ﷺ ، وهو الظاهر من السياق. وجزم أبو الحسن بن القطان في كتاب "بيان الوهم والإبهام": بأنه مُدْرج من قول رافع بن خَديج راوِي الخبر، وذكر ما حاصله: أن أكثر الرواة عن سعيد ومسروق أورده على ظاهر الرفع، وأن أبا الأحوص قال في روايته عنه بعد قوله: أو ظفر: قال رافع: وسأحدثكم عن ذلك، ونسب ذلك لرواية أبي داود، وهو عجيب؛ فإن أبا داود أخرجه عن مسدد، وليس في شيء من نسخ السنن قوله: قال رافع، وإنما فيه -كما عند البخاريّ وغيره- بدون قال رافع (١). والحاصل: أن المعتمد من ذلك أنه من جملة المرفوع. (أما السنُّ فعظمٌ)، قال البيضاوي: وهو قياس حُذفت منه المقدمةُ الثَّانية؛ لشهرتها عندهم، والتقدير: أما السنُّ، فعظم، وكلُّ عظم لا يحلُّ الذبحُ به، وطوى النتيجة؛ لدلالة الاستثناء عليها. وقال ابن الصلاح في "مشكل الوسيط": وهذا يدل على أنه ﵇ كان قد قرر كونَ الذكاة لا تحصل بالعظم، فلذلك اقتصر على قوله: "فعظم". قال: ولم أَرَ بعد البحث مَنْ نقلَ المنعَ من الذبح بالعظم حتَّى يتعقل (٢). وقال الحافظ ابن الجوزي في "المشكل": هذا يدل على أن الذبح بالعظم كان معهودًا عندهم أنه لا يجزىء، وقررهم الشارع على ذلك، وأشار إليه هنا.

стр. 3773

قال التَّيميُّ: العظم غالبًا لا يقطع، إنما يجرح ويُدمي، فتزهق النفس من غير أن يتيقن وقوع الذكاة، فلهذا نهى عنه. وقال النووي: لا يجوز بالعظم؛ لأنَّه يتنجس بالدم، وهو زادُ إخواننا في الجن، ولهذا نهى عن الاستنجاء به (١). وقال الكرماني: السنُّ عظم خاص، وكذلك الظفر، ولكنهما في العرف ليسا بعظمين، وكذا عند الأطباء (٢). (وأما الظُّفْر) -بضم الظاء المعجمة وسكون الفاء، وبضمها أيضًا-، وأما -كسر الظاء-، فشاذ، يكون للإنسان وغيره، كالأُظفور. والجمع أظفار، وأظافير (٣)، (فمُدَى) جمع مُدية، وهي بالتثليث: السكين (الحبشة)؛ أي: وهم وكفار، وقد نُهيتم عن التشبه بهم، قاله ابن الصلاح (٤)، وتبعه النووي (٥). وقيل: نهي عنهما؛ لأن الذبح بهما تعذيبٌ للحيوان، ولا يقع به غالبًا إلَّا الخنق الذي ليس هو على صورة الذبح. وقد قالوا: إن الحبشة تدمي مذابح الشاة بالظفر حتَّى تزهق نفسُها خنقًا. واعترض على التعليل الأول بأنه لو كان كذلك، لامتنع الذبح بالسكين، وسائر ما تذبح به الكفار.

стр. 3774

وأجيب: بأن الذبح بالسكين هو الأصل، وأما ما يلتحق بها، فهو الذي يعتبر فيه التشبيه؛ لضعفها، ومن ثم كانوا يسألون عن جواز الذبح بغير السكين وشبهها. وفي "المعرفة" للبيهقي من رواية حرملة عن الشّافعيّ: أنه حمل الظفر في هذا الحديث على النوع الذي يدخل في البخور، فقال: إن السنَّ إنما يذكَّى بها إذا كانت منتزعةً، فأما وهي ثابتة، فلو ذبح بها، لكانت منخنقة؛ يعني: فدل على أن المراد بالسن: السنُّ المنتزَعة. وهذا بخلاف ما نقل عن الحنفية من جواز التذكية بالسن المنفصلة. قال: وأما الظفر، فلو كان المراد به ظفر الإنسان، لقال فيه ما قال في السن، لكن الظاهر أنه أراد به الظفر الذي هو طِيبٌ من بلاد الحبشة، وهو لا يفري، فيكون في معنى الخنق. كذا قال (١)، ولا يخفى ما فيه من البعد (٢). تنبيهان: * الأول: اتفق الأئمة الأربعة على أن الذكاة بالسن أو الظفر المتصلين لا تجوز، واختلفوا فيما إذا كانا منفصلين. فقال مالك، والشّافعيّ، وأحمد: لا تجوز أيضًا. وقال أبو حنيفة: تجوز (٣). قال البدر العيني في "شرح البُخاري": ظاهر الحديث عدمُ جواز الذبح

стр. 3775

بالسن والظفر، ويدخل فيه ظفرُ الآدميِّ وغيرِه من كلِّ الحيوانات، وسواء المتصل والمنفصل، والطاهر والنجس. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين، ويجوز بالمنفصلين. وعن مالك روايات: أشهرها: جوازُ الذبح بالعظم دون السنِّ كيف كان. والثانية: كمذهب أبي حنيفة. والثالثة: يجوز بكل شيء يُصنع من عظم وغيره بحيث يَفْري الأوداجَ، وينهر الدم. وقال صاحب "الهداية" من الحنفية: يجوز الذبحُ بالظفر والقرنِ والسنِّ إذا كان منزوعًا، ويُنهر الدمَ، ويَفْري الأوداج (١). وذكر العيني عن محمد، عن يعقوب، عن أبي حنيفة: أنه قال: أكره هذا الذبحَ، وإن فعل، فلا بأس بأكله (٢). والمراد بمحمد: ابن الحسن، ويعقوب: أبو يوسف -رحمهما الله تعالى-. * الثاني: يجوز الذبح بكل محدود من حجر وقصب وخشبة وعظم، إلَّا السنَّ والظفر. وفي "الفروع": وفي عظمٍ غيرِ سِنٍّ روايتان (٣):

стр. 3776

قال في "تصحيح الفروع": أطلق الخلاف، وأطلقه أيضًا في "المحرر"، و"الرعايتين"، و"الحاويين"، وغيرهم. إحداهما: يحل، وهو الصحيح. قال في "المغني": مقتضى إطلاق الإمام أحمد إباحةُ الذبح به، قال: وهو أصح (١)، وصححه الشارح، والناظم، وهو ظاهر كلامه في "الوجيز". والرواية الثَّانية: لا يباح (٢). قال الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين" في الفائدة السادسة بعد ذكر الحديث: وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام، إما لنجاسة بعضها، وإما لتنجيسه على مؤمني الجن (٣)، واختاره ابن عبدوس في "تذكرته"، وقدمه ابن رزين في "شرحه" (٤)، وفي "شرح المنتهى" للمصنف (٥). وأما الذبح بالعظم غير السن، فمقتضى إطلاق قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور: إباحتُه، وهو قول عمرو بن دينار، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ العظم دخل في عموم اللفظ المبيح، ثم استثنى السن والظفر خاصة، فتبقى سائر العظام داخلةً فيما يباح الذبح به، والمطلَق مقدَّم على التعليل، ولهذا علل الظفرَ بكونه مُدَى الحبشة. وجزم ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" بحمل الحديث على السن

стр. 3777

والظفر المتصلين، ثم قال: واستدل به قومٌ على منع الذبح بالعظم مطلقًا، لقوله: "أما السن، فعظم"، فعلل منعَ الذبح به لكونه عظمًا، والحكم يعم بعموم علته (١). قال: وقد جاء عن مالك في ذلك أربع روايات: ثالثها: يجوز بالعظم دون السن مطلقًا. رابعها: يجوز بهما مطلقًا، حكاه ابن المنذر. وحكى الطحاوي: الجواز مطلقًا عن قومٍ (٢)، واحتجوا بقوله في حديث عدي بن حاتم: "أَمِرَّ الدم بما شئت" أخرجه أبو داود (٣). ولكن عمومه مخصوص بالنهي الوارد صحيحًا في حديث رافع عملًا بالحديثين (٤). ولفظ حديث عدي بن حاتم: قلت: يا رسول الله! أرأيت أحدنا أصاب صيدًا، وليس معه سكين: أيذبح بالمروة، وشقة العصا؟ فقال: "أَمْرِرِ الدمَ بما شئت، واذكر اسم الله" رواه أبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه (٥). ولفظ النَّسائي: "أنهرِ الدمَ" (٦)، وكذلك رواه الإمام أحمد في "المسند" (٧).

стр. 3778

وقال الخطابي: ويروى: " أَمِرَّ الدم"، قال: والصواب: أَمْرِرْ -بسكون الميم وتخفيف الراء- (١)، وبهذا اللفظ رواه ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط مسلم (٢). وقال السهيلي في "الروض الأنف": "أَمِر الدَّمَ" -بكسر الميم-؛ أي: أرسله، يقال: دم مائر: سائل، قال: وهكذا رواه النقاش، وفسره، ورواه أبو عبيد -بسكون الميم-، وجعله من مَرَيْتُ الضَّرْعَ، قال: والأول أشبه بالمعنى (٣). وعند النَّسائي في "سننه الكبرى" في رواية: "أهرق" (٤)، والله الموفق.

стр. 3779

باب الأضاحي جمع أُضحية -بضم الهمزة، ويجوز كسرُها، ويجوز حذفُ الهمزة، فتفتح الضاد، كسَرِيَّة-، والجمع ضحايا، وهي: أضحاة، والجمع أضحى، وبه سمي يوم الأضحى، وهو يذكر ويؤنث، وكأن تسميتها اشتُقت من اسم الوقت الذي تشرع فيه (١). وقد ترجم له في البُخاري كتاب: سنة الأضاحي. قال في "الفتح": وكأنه ترجم بالسنة إشارة إلى مخالفة من قال بوجوبها. قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة (٢)، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في أنها من شرائع الدين. وهي عندنا كالشافعية والجمهور سنّة مؤكدة لكل مسلم، ولو

стр. 3780

مكاتَبًا، بإذن سيده، وبغير إذن، فلا؛ لنقصان ملكه، ويكره تركُها لقادرٍ عليها. وعند الشّافعيّة سنّة على الكفاية، وفي وجه للشّافعيّة: أنها من فروض الكفاية (١). ومعتمد مذهبنا: أنها ليست بواجبة إلَّا أن ينذرها، وكانت واجبة على النَّبيُّ ﷺ . وذكر في "الفروع" رواية عن الإمام أحمد بوجوبها. قال: ذكرها جماعة، قال: وذكره الحلواني عن أبي بكر، وخرجها أبو الخطاب، وابن عقيل من التضحية عن اليتيم، وعنه: على حاضر (٢). وقال أبو حنيفة: تجب الأضحية على المقيم الموسر. وعن مالك مثله في رواية، لكن لم يقيد بالمقيم. ونُقل عن الأوزاعي، وربيعة، والليث مثلُه. وخالف أبو يوسف من الحنفية، وأشهب من المالكية، فوافقا الجمهور. وعن محمد بن الحسن: هي سنّة غير مرخص في تركها. قال الطحاوي: وبه نأخذ. وليس في الآثار ما يدل على وجوبها، انتهى (٣).

стр. 3781

وأقرب ما يتمسك به للوجوب حديثُ أبي هريرة [رفعه] (١): "من وجد سَعَةً، فلم يُضَحِّ، فلا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانا" أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه (٢)، ورجالُ الإمام أحمد ثقات، لكنه اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره. ومع ذلك، فليس صريحًا في الإيجاب (٣). وذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب حديثًا واحدًا، وهو: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بيَدِهِ، وَسَمَّى وَكبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صفَاحِهِمَا (٤).

стр. 3782

الأَمْلحُ: الأَغْبَرُ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ سوَادٌ وبياضٌ. * * * (عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ مالكٍ) النجَّارِيِّ (﵁، قال: ضَحَّى النبيُّ ﷺ بكبشين) تثنية كبش، وهو فحل الضَّأْن في أي سنٍّ كان. واختُلف في ابتدائه، فقيل: إذا أَثنى، وقيل: إذا أربع، والجمع كُبُش وكِباش (أملحين) الأملح -بالحاء المهملة- الأغبر؛ كما قاله المصنف -رحمه الله تعالى-، وهو الذي فيه سواد وبياض، والبياض أكثر. وزاد الخطابي: الأبيض هو الذي في خلل صوفه طبقات سود (١). ويقال: الأبيض الخالص، قاله ابن الأعرابي (٢)، وبه تمسك علماؤنا حيث قالوا: وأفضلُها لونًا: الأشهب، وهو الأملح، والأبيض، أو ما بياضُه أكثرُ من سواده، ثم أصفر، ثم أسود. قال: قال الإمام أحمد: يعجبني البياض، وقال: أكره السواد (٣). وقيل: المراد بالأملح: الذي يعلوه حمرة.

стр. 3783

وقيل: الذي ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي في سواد، ويبرك في سواد؛ أي: إن مواضع هذه منه سواد، وما عدا ذلك أبيض. وحكى ذلك الماوردي عن عائشة ﵂، وهو غريب، ولعله أراد الحديث الذي جاء عنها كذلك، لكن ليس فيه وصفه بالأملح (١). واختُلف في اختيار هذه الصفة، فقيل: لحُسْنِ منظره، وقيل: لشحمه وكثرة لحمه (٢) (أقرنين) تثنية أقرن، وهو خلاف الأجَمّ، فيستحب أن يضحي بالأقرن، وهو أفضل من الأجم، مع الاتفاق على جواز التضحية بالأجم، وهو الذي لا قرن له. واستدل بالحديث على استحسان الأضحية صفة ولونًا. قال الماوردي: إن اجتمع حسنُ المنظر مع طيبِ المَخْبَر في اللحم، فهو أفضل، وإن انفرد، فطيبُ المخبر أولى من حسن المنظر (٣). قال علماؤنا: وذكر وأنثى سواء (٤). وربما استدل بالحديث على أفضلية الذكر. قال في "الفتح": وهو قول الإمام أحمد، وعنه رواية: أن الأنثى أولى. وحكى الرافعي فيه قولين عن الشّافعيّ: أحدهما: عن نصه في "البويطي": الذكر؛ لأنَّ لحمه أطيب، وهذا هو الأصح.

стр. 3784

والثاني: أن الأنثى أولى. وقال ابن العربي: الأصحُّ أفضليةُ الذكر على الإناث في الضحايا (١)، وقيل: سواء هما (٢)، (ذَبحهما)، وفي لفظ: فذبحهما (٣) بزيادة الفاء؛ أي: ذبح الكبشين ﷺ (بيده) الشريفة، (وسمّى) ﷺ عند ذبحه لأضحيته، (وكبّر)؛ أي: قال على الذبح: باسم الله والله أكبر، (ووضع) ﷺ (رجله) الشريفه اليمنى (على صفاحهما). قال أنس ﵁ في رواية عنه عندهما: فرأيته؛ أي: النبيَّ ﷺ واضعًا قدمَه على صفاحهما (٤)؛ أي: على صِفاح كلِّ واحدٍ منهما عند ذبحه، والصِّفاح -بكسر الصاد المهملة وتخفيف الفاء وآخره حاء مهملة-: الجوانب. والمراد: الجانب الواحد من وجه الأضحية، وإنما ثُنِّي؛ إشارةً إلى أنه فعل ذلك في كلٍّ منهما، فهو من إضافة الجمع إلى المثني بإرادة التوزيع. ففي الحديث: استحبابُ التكبير مع التسمية، واستحبابُ وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن. واتفقوا على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر، فتوضع رجلُه على الجانب الأيمن، فيكون أسهلَ على الذابح في أخذ السكين، وإمساكِ رأس الأضحية بيده اليسار (٥).

стр. 3785

وفيه: استحباب ذبح المضحي أضحيته بيده، ولا خلاف في كون ذلك مشروعًا، وإنما الخلاف في وجوب ذلك. وقد اتفقوا على جواز التوكيل فيها، ولو للقادر، لكن عند المالكية رواية بعدم الإجزاء مع القدرة، وعند أكثرهم: يكره، لكن يستحب أن يشهدَها (١). ويجوز أن يوكِّل في ذبحها كتابيًا مع الكراهة عند الثلاثة. وقال مالك: لا يجوز أن يذبحها إلَّا مسلم (٢). وذكر في "الفتح": يُكره أن يستنيب خَصِيًّا، أو صبيًا، أو كتابيًا، وأولهم أولى، ثم ما يليه (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويستحب أن يقول إذا ذبح: "وَجَّهْتُ وجهي للذي" إلى قوله: "وأنا من المسلمين". قال الإمام أحمد: يُسمِّي، ويكبِّر حين يحرك يده بالذبح، ويقول: اللهمَّ هذا منكَ ولكَ، ولا بأس بقوله: اللهم تقبل من فلان، نص عليه. وذكر بعضهم: يقول: اللهم تَقَبَّلْ مِنِّي كما تقبلت من إبراهيمَ خليلِك (٤)؛ لما في حديث جابر عند ابن ماجه، قال: ضَحَّى رسول الله ﷺ يوم عيد بكبشين، فقال حين وَجَّهَهما: "وَجَّهْتُ وَجْهي للذي فَطَرَ السماواتِ والأرضَ حنيفًا وما أنا منَ المشركين، إنَّ صلاتي ونُسُكي ومَحْياي ومَمَاتي لله رَبِّ العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمِرْتُ، وأنا من
следующие страницы →