← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

وأقرب ما يتمسك به للوجوب حديثُ أبي هريرة [رفعه] (١): "من وجد سَعَةً، فلم يُضَحِّ، فلا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانا" أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه (٢)، ورجالُ الإمام أحمد ثقات، لكنه اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره. ومع ذلك، فليس صريحًا في الإيجاب (٣). وذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب حديثًا واحدًا، وهو: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بيَدِهِ، وَسَمَّى وَكبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صفَاحِهِمَا (٤).

стр. 3782

الأَمْلحُ: الأَغْبَرُ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ سوَادٌ وبياضٌ. * * * (عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ مالكٍ) النجَّارِيِّ (﵁، قال: ضَحَّى النبيُّ ﷺ بكبشين) تثنية كبش، وهو فحل الضَّأْن في أي سنٍّ كان. واختُلف في ابتدائه، فقيل: إذا أَثنى، وقيل: إذا أربع، والجمع كُبُش وكِباش (أملحين) الأملح -بالحاء المهملة- الأغبر؛ كما قاله المصنف -رحمه الله تعالى-، وهو الذي فيه سواد وبياض، والبياض أكثر. وزاد الخطابي: الأبيض هو الذي في خلل صوفه طبقات سود (١). ويقال: الأبيض الخالص، قاله ابن الأعرابي (٢)، وبه تمسك علماؤنا حيث قالوا: وأفضلُها لونًا: الأشهب، وهو الأملح، والأبيض، أو ما بياضُه أكثرُ من سواده، ثم أصفر، ثم أسود. قال: قال الإمام أحمد: يعجبني البياض، وقال: أكره السواد (٣). وقيل: المراد بالأملح: الذي يعلوه حمرة.

стр. 3783

وقيل: الذي ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي في سواد، ويبرك في سواد؛ أي: إن مواضع هذه منه سواد، وما عدا ذلك أبيض. وحكى ذلك الماوردي عن عائشة ﵂، وهو غريب، ولعله أراد الحديث الذي جاء عنها كذلك، لكن ليس فيه وصفه بالأملح (١). واختُلف في اختيار هذه الصفة، فقيل: لحُسْنِ منظره، وقيل: لشحمه وكثرة لحمه (٢) (أقرنين) تثنية أقرن، وهو خلاف الأجَمّ، فيستحب أن يضحي بالأقرن، وهو أفضل من الأجم، مع الاتفاق على جواز التضحية بالأجم، وهو الذي لا قرن له. واستدل بالحديث على استحسان الأضحية صفة ولونًا. قال الماوردي: إن اجتمع حسنُ المنظر مع طيبِ المَخْبَر في اللحم، فهو أفضل، وإن انفرد، فطيبُ المخبر أولى من حسن المنظر (٣). قال علماؤنا: وذكر وأنثى سواء (٤). وربما استدل بالحديث على أفضلية الذكر. قال في "الفتح": وهو قول الإمام أحمد، وعنه رواية: أن الأنثى أولى. وحكى الرافعي فيه قولين عن الشّافعيّ: أحدهما: عن نصه في "البويطي": الذكر؛ لأنَّ لحمه أطيب، وهذا هو الأصح.

стр. 3784

والثاني: أن الأنثى أولى. وقال ابن العربي: الأصحُّ أفضليةُ الذكر على الإناث في الضحايا (١)، وقيل: سواء هما (٢)، (ذَبحهما)، وفي لفظ: فذبحهما (٣) بزيادة الفاء؛ أي: ذبح الكبشين ﷺ (بيده) الشريفة، (وسمّى) ﷺ عند ذبحه لأضحيته، (وكبّر)؛ أي: قال على الذبح: باسم الله والله أكبر، (ووضع) ﷺ (رجله) الشريفه اليمنى (على صفاحهما). قال أنس ﵁ في رواية عنه عندهما: فرأيته؛ أي: النبيَّ ﷺ واضعًا قدمَه على صفاحهما (٤)؛ أي: على صِفاح كلِّ واحدٍ منهما عند ذبحه، والصِّفاح -بكسر الصاد المهملة وتخفيف الفاء وآخره حاء مهملة-: الجوانب. والمراد: الجانب الواحد من وجه الأضحية، وإنما ثُنِّي؛ إشارةً إلى أنه فعل ذلك في كلٍّ منهما، فهو من إضافة الجمع إلى المثني بإرادة التوزيع. ففي الحديث: استحبابُ التكبير مع التسمية، واستحبابُ وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن. واتفقوا على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر، فتوضع رجلُه على الجانب الأيمن، فيكون أسهلَ على الذابح في أخذ السكين، وإمساكِ رأس الأضحية بيده اليسار (٥).

стр. 3785

وفيه: استحباب ذبح المضحي أضحيته بيده، ولا خلاف في كون ذلك مشروعًا، وإنما الخلاف في وجوب ذلك. وقد اتفقوا على جواز التوكيل فيها، ولو للقادر، لكن عند المالكية رواية بعدم الإجزاء مع القدرة، وعند أكثرهم: يكره، لكن يستحب أن يشهدَها (١). ويجوز أن يوكِّل في ذبحها كتابيًا مع الكراهة عند الثلاثة. وقال مالك: لا يجوز أن يذبحها إلَّا مسلم (٢). وذكر في "الفتح": يُكره أن يستنيب خَصِيًّا، أو صبيًا، أو كتابيًا، وأولهم أولى، ثم ما يليه (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويستحب أن يقول إذا ذبح: "وَجَّهْتُ وجهي للذي" إلى قوله: "وأنا من المسلمين". قال الإمام أحمد: يُسمِّي، ويكبِّر حين يحرك يده بالذبح، ويقول: اللهمَّ هذا منكَ ولكَ، ولا بأس بقوله: اللهم تقبل من فلان، نص عليه. وذكر بعضهم: يقول: اللهم تَقَبَّلْ مِنِّي كما تقبلت من إبراهيمَ خليلِك (٤)؛ لما في حديث جابر عند ابن ماجه، قال: ضَحَّى رسول الله ﷺ يوم عيد بكبشين، فقال حين وَجَّهَهما: "وَجَّهْتُ وَجْهي للذي فَطَرَ السماواتِ والأرضَ حنيفًا وما أنا منَ المشركين، إنَّ صلاتي ونُسُكي ومَحْياي ومَمَاتي لله رَبِّ العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمِرْتُ، وأنا من

стр. 3786

المسلمين، اللهم مِنْكَ ولكَ عن محمد وأُمَّتِه" (١). وفي "مسند الإمام أحمد"، و"صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود" عن عائشة ﵂: أن النَّبي ﷺ أمر بكبشٍ أقرنَ يَطَأُ في سواد، ويَبْرُك في سَواد، وينظر في سواد، فأتي به، ليضحي به، وقال لها: "يا عائشة! هَلُمِّي المُدْيَةَ"، ثم قال: "اشْحذيها بِحَجَر"، ففعلت، ثم أخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: "باسم الله، اللهم تقبلْ من محمدٍ وآلِ محمدٍ، ومن أمةِ محمدٍ"، ثم ضحى (٢). وفي "مسند الإمام أحمد"، وأبي داود، والترمذي عن جابر ﵁، قال: صلّيت مع رسول الله ﷺ عيدَ الأضحى، فلما انصرف، أتي بكبشٍ، فذبحه، فقال: "باسم اللهِ واللهُ أكبر، اللهم هذا عَنِّي وعَمَّنْ لم يُضَحِّ من أمتي" (٣). وروى الإمام أحمد من حديث عليّ بن الحسين، عن أبي رافع: أن رسول الله ﷺ كان إذا ضحى، اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلّى، وخطب النَّاس، أُتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه، فذبحه بنفسه [بالمدية] (٤)، ثم يقول: "اللهمَّ هذا عن أُمَّتي جميعًا مَنْ شهدَ لكَ بالتوحيد،

стр. 3787

وشهدَ لي بالبلاغ"، ثم يؤتى بالآخر، فيذبحه بنفسه، ويقول: "هذا عن محمدٍ وآلِ محمدٍ"، فيعطيهما جميعًا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحي، قد كفاه الله المؤنةَ برسول الله ﷺ ، والغرمَ (١). قال الحافظ المصنف ﵀ ورضي عنه-: (الأملح)؛ أي: الواحد من قوله: أملحين: هو (الأغبر) -كما قدمنا- (وهو الذي فيه) أي: في لونه (سواد وبياض). وقال أكثر الشّافعيّة: أفضل الألوان البيضاء، ثم الصفراء، ثم الغبراء، ثم البلقاء، ثم السوداء (٢). تنبيهات: الأول: لا يجزىء في الأضحية إلَّا الجَذَعُ من الضَّأْن، وهو ما له ستةُ أشهر، والثَّنِيُّ مما سواه، فثنيُّ الإبل: ما كَمُلَ له خمسُ سنين، وثني البقر: ما له سنتان، وثني المَعز: ما له سنة، وجذعُ الضأن أفضلُ من ثني المعز، وكلٌّ منهما أفضلُ من سبع بَدَنةٍ أو بقرةٍ، وسَبع شِياهٍ أفضلُ من بدنةٍ أو بقرة، وزيادةُ عددٍ في جنسٍ أفضلُ من المغالاة مع عدمه، فبدنتان بتسعةٍ أفضلُ من بدنةٍ بعشرة. ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية البدنةَ، ورجَّح الموفَّق الكبشَ على سائر النَّعَم، والخصيُّ راجحٌ على النعجة، هذا تحرير مذهب أحمد (٣)، فعندنا:

стр. 3788

أن الجذعَ من الضأن ما تَمَّ له ستةُ أشهرٍ، وطعنَ في السابع، وهو قول الحنفية أيضًا. وحكى صاحب "الهداية" منهم عن الزعفراني: أنه ما تم له سبعة أشهر (١). وحكى التِّرمذيّ عن وكيع: أنه ما تم له ستة أو سبعة (٢). وعند الشافعية: أن جذع الضأن ما تم له سنة، ودخل في الثَّانية، هذا هو الأصح عندهم. وقال العبادي منهم: لو أجذعَ قبل السنة؛ أي: سقطت أسنانه، أجزأ؛ كما لو تَمَّتْ السنَةُ قبل أن يُجذع، ويكون ذلك كالبلوغ، إما بالسن، وإما بالاحتلام. وهكذا قال البغوي: الجذع من الضأن: ما استكملَ السنة، أو أجذع قبلها (٣). وعند الشّافعيّة: ثنيُّ المعز: ما تم له سنتان، وطعن في الثالثة؛ كالبقر والإبل: ما تم له خمس سنين، وطعن في السادسة (٤)، كمذهبنا، والله أعلم. الثاني: أول وقت [ذبح] (٥) الضحية يومَ العيد بعدَ الصلاة، ولو قبل الخطبة، والأفضل بعدها، فإن تعددت الصلاة في البلد، فبعد أول صلاة،

стр. 3789

ولو سبقت صلاةَ الإمام، وإذا لم يكن في البلد صلاة، فبعدَ قدرها بعد حلِّها، فإن فاتت الصلاة بالزوال، ضَحَّى إذن، وأجزأه، وآخره: آخر ثاني أيام التشريق، وأفضلُها أول يوم من وقته، ثم ما يليه، ويجزىء في ليلتهما مع الكراهة (١). وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأهل الأمصار الذبحُ حتَّى يصلِّي الإمامُ العيدَ. فأما أهل القرى، فيجوز لهم بعد طلوع الفجر. وقال مالك: وقتُه بعدَ الصلاةِ والخطبةِ وذبحِ الإمام. وقال الشّافعيّ: وقتُ الذبح إذا مضى من الوقت مقدارُ ما يصلِّي فيه ركعتين، ويخطب خطبتين بعدهما (٢)، ويمتد عند الشّافعىّ إلى انقضاء التكبير من ثالث أيام التشريق. ومذهب أبي حنيفة، ومالكٍ كمذهبنا في انتهاء وقت الذبح، إلَّا أن مالكًا لا يجيز ذبحَها ليلًا (٣)، ودليل مذهبنا: قولُه ﷺ في حديث جُنْدُبِ بنِ سُفيانَ البَجَلِيِّ في "الصحيحين": "من ذبحَ قبلَ أن يصليَ، فليذبَحْ مكانَها أُخرى، ومن لم يكنْ ذبحَ حتَّى صلينا، فليذبحْ باسم الله" (٤). وفي حديث أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ يوم

стр. 3790

النحر: "من كان ذبحَ قبلَ الصلاة، فَلْيُعِدْ" متفق عليه (١). وللبخاري: "من ذبحَ قبلَ الصلاة، فإنما يذبحُ لنفسه، ومن ذبحَ بعدَ الصلاة، فقد تَمَّ نسكُه، وأصاب سنّة المسلمين" (٢). وتقدم ذلك في باب العيدين. الثالث: يجوز الأكل من الأضحية، والادخار من لحمها فوقَ ثلاثة أيام، ونسخ تحريم الادخار فوق ثلاث كما في حديث جابر وغيره: كنا لا نأكل من لحوم بُدْننا فوق ثلاث بمنًى، فرخَّص رسول الله ﷺ ، وقال: "كلوا وتَزَوَّدوا وادَّخِروا" رواه مسلم، والنَّسائي (٣). وفي "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂، قالت: دَفَّ أهلُ أبياتٍ من البادية حضرةَ الأضحى زمانَ رسولِ الله ﷺ ، فقال: "ادَّخِروا ثلاثًا، ثم تصدَّقوا بما بقي"، فلما كان بعد ذلك، قالوا: يا رسول الله! إن النَّاس يتخذون الأسقيةَ من ضحاياهم، ويحملون فيها الوَدَك، فقال: "وما ذاك؟ "، قالوا: نهيتَ أن تؤكل لحومُ الضحايا بعد ثلاث، فقال: "إِنَّما نهيتُكم من أجلِ الدافَّةِ، فكلوا، وادَّخروا، وتصدَّقوا" (٤).

стр. 3791

قال في "المطالع": دَفَّ ناسٌ، ومن أجل الدافَّةِ، ودَفَّتْ دافَّةٌ، كله من الدَّفِّ، وهو سير ليس بالشديد في جماعة (١). وفي "القاموس": الدافة: الجيش يدفون نحو العدو (٢). وفي "الصحيحين" من حديث سلمة بن الأكوع، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "من ضَحَّى منكم، فلا يُصبحنَّ بعد ثالثةٍ في بيته منه شيءٌ"، فلما كان العام المقبل، قالوا: يا رسول الله! نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: "كلوا وأطعموا وادخروا؛ فإن ذلك العام كان بالناس جهدٌ، فأردت أن تُعينوا فيها" (٣). وفي "مسند الإمام أحمد"، و"صحيح مسلم"، و"سنن التِّرمذيُّ" عن بريدة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "كنتُ نهيتُكم عن لحوم الأضاحي فوقَ ثلاث ليتسعَ ذَوو الطَّوْلِ على مَنْ لا طَوْلَ له، فكلوا ما بدا لكم، وأطعموا وادَّخِروا" (٤).

стр. 3792

فمعتمد مذهب الإمام أحمد: إن أكل المضحي أكثرَها، أو أكلَها كلَّها، أو أهداها كلَّها إلَّا أوقيةً تصدقَ بها، جاز؛ لأنَّه تجب الصدقة ببعضها نِيئًا على فقيرٍ مسلم، فإن لم يتصدق بشيء، ضمنَ أقلَّ ما يقع عليه الاسمُ بمثله لحمًا، ويعتبر تمليك الفقير، فلا يكفي إطعامه. والسنّة أكلُ ثلثها، وإهداء ثلثها، ولو لغنيٍّ، ولا يجبان. ويجوز الإهداء منها لكافر إن كانت تطوعًا، والصدقة بثلثها، ولو كانت منذورة، أو معينة. ويُستحب أن يتصدق بأفضلها، ويهدي الوسط، ويأكل الأدون. وكان من شعائر الصالحين تناولُ لقمةٍ من الأضحية من كبدِها أو غيرِها تبركًا. وإن كانت الأضحية ليتيم، فلا يتصدق الوليُّ ولا يهدي منها شيئًا، بل يوفِّرها له (١). ومذهب أبي حنيفة: يأكل من أضحيته، ويطعم الأغنياء والفقراء، ويدَّخر، ويستحب له أَلَّا ينقص الصدقة عن الثلث. وقال مالك: يأكل منها، ويطعم غنيًا وفقيرًا، وحرًا وعبدًا، ونيئًا ومطبوخًا، ويكره أن يطعم منها يهوديًا أو نصرانيًا، وليس لِما يأكل منها ويطعم حَدٌّ، والاختيار أن يأكل الأقلَّ، ويقسم الأكثر، ولو قيل: يأكل الثلث، ويقسم الباقي، لكان حسنًا. وقال الشافعي في أحد قوليه: المستحب أن يأكل ثلثها، ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث.

стр. 3793

وقال في الآخر: يأكل النصف، ويتصدق بالنصف؛ كما في "الإفصاح" لابن هبيرة (١). قلت: معتمد مذهب الشّافعيّة: له أكلٌ من أضحيةِ تطوعٍ، وله إطعام أغنياء، ويجب تصدقٌ بلحم منها، وهو ما ينطلق عليه الاسم منه، والأفضل التصدقُ بكلها، إلَّا لقمًا يأكلها، وأما المنذورة، فلا يأكل منها شيئًا (٢)، والله أعلم. الرابع: لا يجزىء في الأضحية مَعيبٌ يُنقص عيبُه لحمَه؛ كالعمياء، والعوراء، والعرجاء البينِ عرجُها، والمريضةِ، والعجفاءِ، وتجزىء ما خلقت بلا أذن أو قرن أو ذنب، وما ذهب نصف قرنها أو أذنها فأقل، أو قطع ذنبها عندنا (٣). وعند الحنفية: إن كان الذاهب الأقل، جاز. وجوز الشّافعيّة فاقدة قرن ومكسورتَه كسرًا لم ينقص المأكول، لا مخلوقة بلا أذن، ولا مقطوعتها، ولو بعضها. وقال مالك في مكسورة القرن: إن كان يَدْمَى، فلا تجزىء (٤). ومنع الشّافعيّة التضحيةَ بالحامل، وصحح ابن الرفعة منهم الإجزاء (٥). وتصح الأضحية بالخَصِيِّ، وهو ما قطعت خصيتاه، أو سُلَّتا، أو

стр. 3794

رُضَّتا، فإن قُطع ذكره مع ذلك، وهو الخصي المجبوب، ويقال له: الممسوح، لم يجزىء (١). وقد أخرج أبو داود من حديث جابر ﵁: ذبح النَّبيُّ ﷺ كبشين أقرنين أملحين مَوْجوءَيْن (٢). قال الخطابي: الموجوء؛ يعني: -بضم الجيم وبالهمز-: منزوع الأُنثيين، والوجاء: الخصاء (٣). وفيه: جوازُ الخصيِّ في الضحية، وقد كرهه بعضُ أهل العلم لنقص العضو، لكن ليس هذا عيبًا؛ لأنَّ الخصي يُفيد اللحمَ طيبًا، وينفي عنه الزُّهومةَ وسوءَ الرائحة (٤). وفي حديث البراء بن عازب ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العوراءُ البيِّنُ عَوَرُها، والمريضةُ البيِّنُ مرضُها، والعرجاءُ البيِّنُ ضلعُها، والكبيرةُ التي لا تُنْقي" رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، وصححه التِّرمذيّ (٥).

стр. 3795

وعن عليّ -رضوان الله عليه-، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُضَحى بأَعضبِ القرنِ والأذنِ. قال قتادة: فذكرتُ ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: العضب: النصف فأقل من ذلك، رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، وصححه التِّرمذيّ. لكن ابن ماجه لم يذكر قول قتادة إلخ (١). ولا يجزىء في الأضحية الهَتْماءُ، وهي التي ذهبت ثناياها من أصلها (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الهتماء: التي سقط بعضُ أسنانها، تجزىء في أصح الوجهين (٣). واتفق العلماء على أنه لا يجوز بيعُ شيء من الأضاحي بعدَ ذبحها، ثم اختلفوا في جلودها، فقال أبو حنيفة: يجوز بآلة البيت؛ كالغربال، والمنخل، فإن باعها بدنانير ودراهم وفلوس، كره ذلك، وجاز، إلَّا أن يبيعها بذلك، ويتصدق به، فلا يكره إذًا. وقال الإمام أحمد، وكذا الإمام مالك، والشّافعيّ: لا يجوز ذلك (٤).

стр. 3796

فائدة: تجزىء الأضحية الواحدة عن الواحد. ونص الإمام أحمد: وعن أهل بيته وعياله مثل امرأته وأولاده ومماليكه. والبدنةُ والبقرةُ عن سبعة فأقل. قال الزركشي: يعتبر أن تشترى للجميع دفعة، فلو اشترك ثلاثة في بقرة أضحية، وقالوا: من جاء يريد أضحية، شاركناه، فجاء قوم فشاركوهم، لم تجزىء إلَّا عن الثلاثة، قاله الشيرازي، انتهى. والمراد: إذا أوجبها الثلاثةُ على أنفسهم، نصّ عليه الإمام أحمد ﵁ (١). ودليل إجزاء الأضحية عن الواحد وعن أهل بيته: ما رواه ابن ماجه، والتِّرمذيُّ، وصححه من حديث عطاء بن يسار، قال: سألت أبا أيوبَ الأنصاريَّ: كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: كان الرجل في عهد النَّبيُّ ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون حتَّى تناهى النَّاس، فصار كما ترى (٢)، والله تعالى الموفق.

стр. 3797

كتاب الأشربة جمع شَراب، والمراد: ما يَحْرُم منها؛ لكونه مسكرًا، وذكر الحافظ فيه ثلاثةَ أحاديث.

стр. 3798

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَمَّا بَعْدُ: أَيُّها النَّاسُ! إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ؛ مِنَ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ. ثَلاثٌ وَدِدْتُ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ: الْجَدُّ، وَالكَلَالَةُ، وَأَبْوابٌ مِنَ أَبْوابِ الرِّبَا (١).

стр. 3799

(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ عمرَ) بنِ الخطاب (﵄: أن) أباه أميرَ المؤمنين (عمرَ بن الخطاب ﵁ قال) وهو يخطب (على منبر رسول الله ﷺ )، فكان من جملة ما خطب به النَّاسَ أَنْ قال: (أما بعد: أيُّها النَّاس! إنه)؛ أي: الشأن والأمر قد (نزل)، وعند البيهقي: فحَمِدَ الله وأثنى عليه (١)، ثم قال: إنه قد نزل (تحريمُ الخمر) يومَ نزل، (وهي) تصنع (من خمسة) أشياءَ كما في لفظٍ لمسلم (٢)، والجملة حالية؛ أي: نزل تحريمُ الخمر في حال كونها تُصنع من خمسة، والمراد: أن الخمر تُصنع من هذه الأشياء؛ لأنَّ ذلك مختص بوقت نزولها، ثم بيّن الخمسةَ، وبدأ بأشهرها وأكثرها، فقال: (من العنب) المعروفِ. وقد أورد هذا الحديث أصحابُ المسانيد والأبواب في الأحاديث المرفوعة؛ لأنَّه له عندهم حكمُ الرفع، لأنَّه خبر صحابيٍّ شهدَ التنزيل، أخبر عن سبب نزول، وقد خطب به عمر ﵁ على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكارُه. وأراد عمر ﵁ بنزول تحريم الخمر: آيةَ المائدة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى آخرها، فنبه على أن المراد بالخمر في هذه الآية الكريمة ليس خاصًا بالمتخذ من العنب، بل تناول المتخذَ من غيرها. ويوافقه حديثُ أنس ﵁، قال: حُرِّمَتْ علينا الخمرُ حينما

стр. 3800

حُرمت، وما نجد -يعني: بالمدينة- خمرَ الأعناب إلَّا قليلًا، وعامة خمرنا البُسْرُ والتمر (١). وفي الحديث الآخر عنه: حرمت الخمر، فقالوا: أكفئها، فكفأنا، قال معتمر: قلت لأنس: ما شرابهم؟ قال: رُطَبٌ وبُسْرٌ، فقال أبو بكر بن أنس: وكانت خمرَهم، فلم ينكر أنسٌ، متفق عليهما (٢). فإن ذلك يدل على أن الصحابة فهموا من تحريم الخمر تحريمَ كلِّ مُسْكِر، سواء كان من العنب، أم من غيرها (٣). وقد جاء ما قاله عمر ﵁ عن النَّبيُّ ﷺ صريحًا، فأخرج أصحابُ السنن الأربعة، وصححه ابن حبان من وجهين عن الشعبي: أن النعمانَ بنَ بشير قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إن الخمرَ من العصيرِ والزبيبِ والتمرِ والحنطةِ والشعيرِ والدُّرَةِ، وإني أنهاكم عن كلِّ مُسْكِر" (٤). ولأبي داود من وجهٍ آخر عن الشعبي، عن نعمان، بلفظ: إن من العنب خمرًا، وإن من التمر خمرًا، وإن من العسل خمرًا (٥).

стр. 3801

وأخرج الإمام أحمد من حديث أنس بسندٍ صحيح عنه، قال: الخمرُ من العنبِ والتمرِ والعسلِ والحنطةِ والشعيرِ والذرة (١). وفي "صحيح البُخاريّ" عن ابن عمر ﵄، قال: نزل تحريمُ الخمر وإنَّ بالمدينة يومئذٍ لخمسةَ أشربةٍ ما فيها شرابُ العنب (٢). (و) من (التمر)، وسواء أكان منه وحده، أو خُلط بفضيخ زَهْو، والفضيخ -بفاء ومعجمتين، وزن عظيم-: اسمٌ للبسر إذا شُدِخَ ونُبذَ، والزهو -بفتح الزاي وسكون الهاء بعدها واو-: هو البسر الذي يحمر أو يصفر قبل أن يترطب، وقد يطلق الفضيخ على خليط البسر والرطب، كما يطلق على خليط البسر والتمر، وكما يطلق على البسر وحده، وعلي التمر وحده (٣). وعند الإمام أحمد عن أنس: وما خمرُهم يومئذٍ إلَّا البسرُ والتمرُ مخلوطَيْنِ (٤). وفي مسلم عن أنس: أَسقيهم من مَزَادَةٍ فيها خليط بُسر وتمر (٥). (و) من (العسل)، وهو البِتْعُ -بكسر الموحدة وسكون المثناة، وقد تفتح-، وهي لغة يمانية، وكان أهل اليمن يشربونه (٦).

стр. 3802

وفى "البُخاريّ" عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى الأشعري: أن النَّبي ﷺ بعثه إلى اليمن، فسأله عن أشربةٍ تُصنع بها، فقال: وما هي؟ قال: البِتْع والمِزْرُ، فقيل لأبي بردة: ما البِتْعُ؟ قال: نبيذُ العسل، والمِزْرُ نبيذُ الشعير (١). وفي "مسلم" عنه، قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا ومعاذ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله! إن شرابًا يُصنع بأرضنا يقال له: المزر من الشعير، وشرابًا يقال له: البتع من العسل، فقال ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ" (٢). وفي "سنن أبي داود" عنه: سألت رسول الله ﷺ عن شرابٍ من العسل، قال: "ذاكَ البِتْعُ"، قلت: ومن الشعير والذرة؟ قال: "ذاك المِزْر"، ثم قال: "أخبر قومَكَ أن كلَّ مسكرٍ حرام" (٣). ففي هذا التصريح بأن تفسير البتع من كلام النَّبي ﷺ ، فهو مرفوع. (و) من (الحنطة)؛ أي: البُرِّ، (و) من (الشعير). وتقدم آنفًا تسميةُ المتَّخَذِ من الشعير والذرة بالمزر، والجميعُ يسمَّى خمرًا. (والخمر) المحرَّم شرعًا هو (ما خامرَ العقلَ)؛ أي: غطاه وخالطه، فلم يتركه على حاله، والعقلُ هو آلة التمييز، فلذلك حرم ما غطاه وغَيَّرَهُ؛ لأنَّ بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده ليقوموا بحقوقه، فكأن عمر

стр. 3803

- ﵁ قال: الخمرُ الذي وقعَ تحريمُه في لسان الشرع هو ما خامر العقل. فإن قيل: إن بعض أهل اللغة يخصُّ اسمَ الخمر بالمتَّخذ من العنب. فالجواب: أن الاعتبار بالحقيقة الشرعية، وقد تواردت الأحاديث على أن المسكر المتَّخَذ من غير العنب يسمى خمرًا، والحقيقةُ الشرعيةُ مقدَّمة على اللغوية، وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "الخمرُ من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة" (١). قال البيهقي: ليس المراد الحصر فيهما؛ لأنَّه ثبت أن الخمر يُتخذ من غيرهما في حديث عمر وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى أن الخمر شرعًا لا يختص بالمتَّخَذ من العنب، بل الغالب والأكثر اتخاذُ الخمر من العنب والتمر (٢). قال الراغب في "مفردات القرآن": يسمَّى الخمر؛ لكونه خامرًا للعقل؛ أي: ساترًا له، وهو عند بعض النَّاس اسم لكل مسكرٍ، وعند بعضهم: للمتَّخَذ من العنب خاصة، وعند بعضهم: للمتخذ من العنب والتمر، وعند بعضهم: لغير المطبوخ، فرجح أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرًا حقيقة (٣). وكذا قال أبو نصر القشيري في "تفسيره": سُمِّيت الخمرُ خمرًا؛ لسترها العقل، ولاختمارها.

стр. 3804

وكذا قال غير واحد من أهل اللغة، منهم: أبو حنيفة الدِّينوريُّ، وأبو نصرٍ الجوهريُّ (١). وفي "القاموس": الخمر: ما أسكرَ من عصير العنب، أو عامٌّ؛ كالخمرة، وقد يذكر، قال: والعمومُ أصحُّ؛ لأنها حُرمت وما بالمدينة خمرُ عنب، وما كان شرابهم إلَّا البسرَ والتمرَ، سميت بذلك؛ لأنها تخمر العقل وتستره، أو لأنها تُركت حتَّى أدركت واختمرت، أو لأنها تُخامر العقل؛ أي: تخالطه (٢). ونقل عن ابن الأعرابي قال: سميت الخمر؛ لأنها تُركت حتَّى اختمرت، واختمارُها تغيرُ رائحتها. وقال صاحب "الهداية" من الحنفية: الخمر عندنا ما اعْتُصر من العنب إذا اشتد، قال: وهو المعروف عند أهل اللغة وأهلِ العلم، قال: وقيل: اسمٌ لكل مسكر؛ لقوله ﷺ : "كل مسكر خمرٌ"، ولأنه من مخامرة العقل، وهو موجود في كل مسكر، قال: وأما إطباقُ أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب، فلأن هذا اشتهر استعمالُها فيه، ولأن تحريم الخمر قطعي، وتحريم ما عدا المتخذَ من العنب ظني، قال: وإنما سُمي الخمر خمرًا؛ لتخمره، لا لمخامرة العقل، انتهى (٣). وينافي ما ادعاه ثبوتُ النقل عن بعض أهل اللغة بأن غيرَ المتخذ من العنب يسمَّى خمرًا. وقال الخطابي: زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلَّا من العنب،

стр. 3805

فيقال لهم: إن الصحابة الذين سَمَّوا غيرَ المتخذ من العنب خمرًا عربٌ فصحاء، [فلو] لم يكن هذا الاسم صحيحًا، لما أطلقوه (١). وقال ابن عبد البر: قال الكوفيون: الخمرُ من العنب؛ لقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] قالوا: فدل على أن الخمر هو ما يُعصر، لا ما يُنبذ. قال: ولا دليل فيه على الحصر. وقال أهلُ المدينة، وسائرُ الحجازيين، وأهلُ الحديث كلُّهم: كلُّ مسكر خمر، وحكمه حكم ما اتُّخذ من العنب، ومن الحجة لهم أن القرآن لما نزل بتحريم الخمر، فهمَ الصحابة -وهم أهل اللسان- أن كل شيء يسمَّى خمرًا يدخل في النهي (٢)، فأراقوا المتخذ من التمر والرطب، ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب، وعلي تقدير التسليم، فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمرًا من الشرع، كان حقيقة شرعية، وهي مقدمة على الحقيقة اللغوية. وقوله: لا لمخامرة العقل، فيقال له: سبحان الله! كيف استجاز هذا مع قول عمر بمحضر الصحابة: الخمرُ ما خامرَ العقل؟! وكان مستنده ما ادعاه من اتفاق أهل اللغة، فيحمل قول عمر على المجاز (٣). لكن قد اختلف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمرًا -كما قدمنا-. قال الحافظ ابن رجب: تواترت الأحاديثُ عن النَّبي ﷺ : أنه قال: "كلُّ مسكر حرام، وكل ما أسكر عن الصلاة، فهو حرام، وكل خمرٍ حرام"، كما

стр. 3806

في "الصحيحين" وغيرهما من حديث عائشة وابن عمر وغيرهما. وتقدم حديث جابر عند مسلم: أنه ﷺ قال: "كل مسكر حرام". وإلى هذا ذهب جمهور المسلمين من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم من علماء الأمصار، وهو مذهبُ مالك، والليث، والأوزاعي، والشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، وغيرهم، وهو مما اجتمع على القول به أهلُ المدينة كلُّهم. قال ابن رجب: وخالف فيه طوائفُ من أهل الكوفة، فخصوه بخمر العنب، قالوا: وأما ما عدا ذلك، فإن ما يحرم منه القدرُ الذي يُسكر، لا ما دونه. قال: وما زال علماء الأمصار ينكرون ذلك عليهم، وإن كانوا في ذلك مجتهدين معذورين، وفيهم خلقٌ من أئمة العلم والدين. قال ابن المبارك: ما وجدتُ في النبيذ رخصةً عن أحد صحيح إلَّا عن إبراهيم النَّخعي. وكذلك أنكر الإمام أحمد أن يكون فيه شيء يصح. وقد صنف ﵁ كتاب "الأشربة"، ولم يذكر فيه شيئًا من الرخصة، وصنف كتابًا في المسح على الخفين، وذكر فيه عن بعض السلف إنكاره، فقيل له: كيف لم تجعل في كتاب "الأشربة" الرخصةَ كما جعلت في المسح؟ فقال: ليس في الرخصة في المسكر حديثٌ صحيحٌ. وفي "مسند الإمام أحمد" عن المختار بن فلفل، قال: سألت أنسَ بنَ مالك عن الشرب في الأوعية، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن المزفتة، وقال: "كلُّ مسكرٍ حرام"، قلت له: صدقت، المسكرُ حرام، فالشربةُ

стр. 3807

والشربتان على طعامنا؟ قال: "المسكر قليلُه وكثيرُه حرام"، وقال: "الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة، فما خمرت من ذلك، فهو الخمر" (١). وإسناد هذا على شرط مسلم. وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والتِّرمذيُّ وحسنه من حديث جابر ﵁، عن النَّبي ﷺ : أنه قال: "ما أسكرَ كثيرُه، فقليلُه حرام" (٢). وأبو داود، والتِّرمذيُّ من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "كلُّ مسكر حرام، وما أسكرَ الفرقُ، فملءُ الكفِّ منه حرام". وفي رواية: "الحَسْوَةَ منه حرام" (٣). وقد احتج به الإمام أحمد، وذهب إليه، وسئل عمن قال: إنه لا يصح، فقال: هذا الرجل مُغْلٍ؛ يعني: أنه قد غلا في مقالته. وقد أخرج النسائيُّ هذا الحديثَ من رواية سعد بن أبي وقاص (٤)، وعبدِ الله بن عمرٍو (٥)، مرفوعًا. وروي عن النَّبي ﷺ من وجوهٍ كثيرة يطول ذكرها. وقد كانت الصحابة تحتج بقول النَّبي ﷺ : "كلُّ مسكرٍ حرام" على

стр. 3808

تحريم جميع أنواع المُسْكِرات، ما كان مأخوذًا منها على عهد رسول الله ﷺ ، وما حدث بعده، كما سئل ابن عباس عن الباذِق، فقال: سبقَ محمدٌ الباذقَ، فما أسكر، فهو حرام. رواه البُخاري (١). يشير إلى أنه إن كان مسكرًا، فقد دخل في هذه الكلمة الجامعة العامة (٢). والباذَق -بالباء الموحدة فمعجمة بعد الألف مفتوحة- كما ضبطه ابن التين، ونقل عن القابسي أنه حدّث به -بكسر الذال-، وسئل عن فتحها، فقال: ما وقفنا عليه. قال: وذكر أبو عبد الملك: أنه الخمر إذا طبخ. وقال ابن التين: هو فارسيٌّ معرَّب. وقال الجواليقي: أصلُه بادَهْ، وهو الطلاء، وهو أن يُطبخ العصير حتَّى يصيرَ مثلَ طلاء الإبل. وقال ابن قرقول: الباذق: المطبوخُ من عصير العنب إذا أسكرَ، أو إذا طُبخ بعد أن اشتد. وذكر ابن سيده في "المحكم": أنه من أسماء الخمر (٣). وأعلم: أن المسكرَ المزيلَ للعقل نوعان: أحدهما: ما كان فيه لذة وطرب، فهذا هو الخمر المحرَّمُ شربُه. وفي "المسند" عن طلق الحنفي: أنه كان جالسًا عند النَّبي ﷺ ، فقال له

стр. 3809

رجلٌ: يا رسول الله! ما ترى في شراب نصنعُه بأرضنا من ثمارنا؟ فقال ﷺ : "مَنِ السائلُ عن المسكر؟ فلا تشربه، ولا تسقِه أخاك المسلمَ، فوَالذي نفسي بيده! أو بالذي يحلف به! لا يشربه رجلٌ ابتغاءَ لذةِ سُكْرِه، فيسقيه اللهُ الخمرَ يومَ القيامة" (١). قالت طائفة من العلماء: وسواء كان هذا المسكر جامدًا، أو مائعًا، وسواء أكان مطعومًا، أو مشروبًا، وسواء أكان من حَبٍّ، أو ثمرٍ، أو لبن، أو غير ذلك، وأدخلوا في ذلك الحشيشةَ التي تُعمل من ورق القِنَّبِ وغيرها مما يؤكل لأجل لذته وسكره. وفي "سنن أبي داود" من حديث شهر بنِ حَوْشَب، عن أم سلمة ﵂، قالت: نهى رسول الله ﷺ عن كُلِّ مسكر، ومُفَتِّرٍ (٢). والمفتر: هو المخدِّرُ للجسد، وإن لم ينته إلى حدِّ الإسكار. والثاني: ما يزيل العقل ويسكره، ولا لذة فيه ولا طرب؛ كالبنج ونحوه. فقال أصحابنا: إن تناوله لحاجة التداوي به، وكان الغالب منه السلامة، جاز. قال ابن رجب: وقد روي عن عروة بن الزُّبير: أنه لما وقعت الأكلة في رجله، وأرادوا قطعَها، قال له الأطباء: نسقيك دواءً حتَّى يغيبَ عقلُك

стр. 3810

ولا تحسَّ بألم القطع، فأبى، وقال: ما ظننتُ أن خلقًا يشربُ شرابًا يزولُ منه عقلُه حتَّى لا يعرفَ ربَّه (١). وروي عنه: أنه قال: لا أشربُ شيئًا يحوْلُ بيني وبين ذِكْر ربي . قال الحافظ ابن رجب: وإن تناول ذلك لغير حاجة التداوي، فقال أكثر أصحابنا؛ كالقاضي، وابن عقيل، وصاحب "المغني": إنه يحرم؛ لأنَّه سبب إلى إزالة العقل لغير حاجة، فحرم، كشراب المسكر. وقالت الشّافعيّة: هو محرم. ولم يُحرمه الحنفية (٢). تكملة: ممن قال: إن الخمر من العنب، ومن غير العنب: عمرُ، وعليٌّ، وسعد، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشةُ ﵃، ومن التابعين: ابنُ المسيب، وعروة، والحسن، وسعيدُ بن جبير، وآخرون (٣). قال عمر ﵁: (ثلاث) هي صفة موصوف؛ أي: أمورٌ أو أحكامٌ (وَدِدْتُ) -بالكسر- وُدًا -بالضم والفتح-، ووِدادًا؛ أي: تمنيت (٤)، وإنما تمنى ذلك؛ لأنَّه أبعد من محذور الاجتهاد، وهو الخطأ فيه على تقدير وقوعه، ولو كان مأجورًا عليه؛ فإنّه يفوته بذلك الأجر الثاني، والعمل

стр. 3811

بالنص إصابة محضة (١) (أَنَّ رسول الله ﷺ كان) قبل وفاته وفراقه لنا (عهدَ)، وفي لفظ: لم يفارقنا حتَّى يعهد (٢) (إلينا) معشرَ الأمة (فيهن عهدًا ننتهي إليه)، وهذا لفظ مسلم، ولم يذكر البُخاريّ: فيهن، ولا ننتهي إليه، وهذا يدل على أنه لم يكن عنده عن النَّبي ﷺ نصٌّ فيها، ويشعر بأنه كان عنده عن النَّبي ﷺ فيما أخبر به عن الخمر ما لم يحتج معه إلى شيء غيرِه، حتَّى خطب بذلك جازمًا به: (الجَدُّ) قدر ما يرث؛ لأنَّ الصحابة اختلفوا في ذلك اختلافًا كثيرًا، حتَّى إن عمر ﵁ قضى فيه بقضايا مختلفة مع الإخوة (٣)، وقد استقر الآن حكمُه، ولله الحمد. (والكَلالةَ) -بفتح الكاف وتخفيف اللام-، وقد استقر الكلام عليها بأنها أن يموت الرجل ولا يدع والدًا ولا ولدًا يرثانه، وأصلها من تَكَلَّلَهُ النسبُ: إذا أحاط به. وقيل: الكَلالة: الوارثون ليس فيهم ولد ولا والد، فهو واقعٌ على الميت، وعلي الوارث بهذا الشرط. وقيل: الأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يخلفهما، فقد مات من ذهاب طرفيه، فسمي ذهابُ الطرفين كلالةً. وقيل: كل ما احتفَّ بالشيء من جوانبه، فهو إكليل؛ لأنَّ الوُرَّاث يحيطون به من جوانبه (٤). وأراد عمر ﵁ بيانَ إرث الكلالة في قوله تعالى: ﴿وَإِن

стр. 3812

كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء: ١٢] وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. (و) الثالث: (أبوابٌ من أبواب الربا)، ولعله أشار إلى ربا الفضل؛ لأنَّ ربا النسيئة متفق عليه بين الصحابة، وسياقُ كلامه يُشعر بأنه كان عنده نص في بعض من أبواب الربا دون بعض، فلهذا تمنى معرفةَ البقية (١). وقد سئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا شكَّ فيه، فذكر ربا النسيئة، وهو أن يكون له دين، فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقضه، زاده في المال، وزاده هذا في الأَجَل، فيربو المال على المحتاج من غير نفعٍ حصل له، ويزيدُ مال المُرْبي من غير نفعٍ حصل منه للمسلمين، فحرَّمَ الله هذا؛ لما فيه من ضررِ المحاويج، وأكلِ المال بالباطل (٢). وأما ربا الفضل، فلم تحرمه طائفة من العلماء، وإن كان الصحيح بل الحق الذي لا ريب فيه تحريمُه، وعدُم تحريمه مأثور عن قتادة، وهو قول أهل الظاهر، وابنُ عقيل في آخر مصنفاته مال إلى هذا القول، مع كونه يقول بالقياس. وممن قال بعدم تحريم ربا الفضل: ابن عباس في المشهور عنه، ويُروى عن ابن مسعود، ومعاوية ﵃، وقد أنكر أبو سعيد الخدري على ابن عباس، وكذلك غير أبي سعيد من الصحابة (٣). وروى أبو سعيد حديثَ يخبر لما قال له وكيلُه: إنما نبتاع الصاعَ من

стр. 3813

التمر الجَنيب -وهو الجيد- بالصاعين من الجَمْع، وهو المخلوط، فقال ﷺ : "أوَّه عينُ الربا" (١)، وتقدم ذلك في محله. وقد استقر الحال عند الأئمة على تحريم ربا الفضل كالنسيئة، والله الموفق.

стр. 3814

الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ البِتع، فَقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ، فَهُوَ حَرَامٌ" (١). البِتع: نَبِيذُ العَسَلِ. * * * (عن) أم المؤمنين (عائشة) الصديقةِ (﵂، عن النَّبيُّ ﷺ : أنه سئل عن البتع).

стр. 3815

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": لم أقف على اسم السائل في حديثٌ عائشة هذا صريحًا، لكنني أظنه أبا موسى الأشعري؛ فقد روى الشيخان من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه، عن أبي موسى: أن النَّبي ﷺ بعثه إلى اليمن، فسأله عن أشربةٍ تُصنع بها، فقال: "ما هي؟ "، قال: البِتْعُ والمِزْرُ، قال: "كلُّ مسكرٍ حرام"، قلت لأبي بردة: ما البتعُ؟ قال: نبيذ العسل (١). (فقال) ﷺ في جواب السائل: (كلُّ شرابٍ أسكرَ)، وفي لفظٍ لمسلم: "كل شرابٍ مسكرٍ (فهو حرام) ". قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (البتعُ: نبيذُ العسل) كما تقدم في تفسير خمر العسل، وما تقدم يشعر في الأحاديث بأن التفسير من المرفوع. وقد صحح حديثَ عائشة هذا الإمامُ أحمد، وابنُ معين، واحتجا به. ونقل ابن عبد البر إجماعَ أهل العلم بالحديث على صحته، وأنه أثبتُ شيء يروى عن النَّبي ﷺ في تحريم المسكر (٢). وأما ما نقله بعضُ فقهاء الحنفية عن ابن معين من طعنه فيه، فلا يثبت ذلك عنه (٣)، ويكفي من ذلك كله اتفاقُ الشيخين البُخاريّ ومسلم على تصحيحه، وتخريجه، وتصريح إمامَيْ أهلِ الجرح والتعديل: أحمدَ بنِ حنبلٍ، ويحيى بنِ مَعينٍ على صحته، فلم يبق لمن زعم عدمَ صحته ما يتمسَّكُ به من عدم الثبوت، إلَّا ما هو أضعفُ وأوهى من خيوط بيتِ العنكبوت.

стр. 3816

وظهر من متعدد روايات: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" ما يفسرُ المرادَ بقوله في حديث عائشة هذا: "كلُّ شرابٍ أسكرَ"، وأنه لم يرد تخصيص التحريم بحالة الإسكار، بل المراد: أنه إذا كانت فيه صلاحية الإسكار، حَرُمَ تناولهُ، ولو لم يسكر المتناول بالقدر الذي تناوله منه. ويؤخذ من لفظ السؤال: أنه وقع عن حكم جنس البتع، لا عن القدر المسكِرِ منه؛ لأنَّه لو أراد السائل ذلك، لقال: أخبرني عمّا يحلُّ منه وما يحرُم، وهذا هو المعهود من لسان العرب إذا سألوا عن الجنس، فقالوا: هل هذا نافع أو ضار مثلًا؟ وإذا سألوا عن القدر فقالوا: كم يؤخذ منه؟ وفي الحديث: أن المفتي يجوز له أن يُجيب السائل بزيادة عمّا سأل عنه إذا كان ذلك مما يحتاج إليه السائل. وفيه: تحريم كل مسكر، سواء كان متخذًا من عصير العنب، أو من غيره. قال المازري: أجمعوا على أن عصير العنب قبل أن يشتدَّ حلال، وعلى أنه إذا اشتد وغلى، وقذف بالزبد، حَرُمَ قليلُه وكثيره، ثم لو تخلَّلَ بنفسِه، حَلَّ بالإجماع أيضًا، فوقع النظر في تبدل هذه الأحكام عند هذه المتجددات، فأشعر ذلك بارتباط بعضِها ببعض، ودل على أن علة التحريم الإسكار، فاقتضى ذلك أن كلَّ شراب وُجد فيه الإسكار حرم تناولُ قليلهِ وكثيرهِ، انتهى (١). قال في "الفتح": وما ذكره استنباطًا ثبت التصريح به في بعض طرق الخبر، فعند أبي داود، والنَّسائيُّ، من حديث جابر، وصححه ابن حبان،

стр. 3817

قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أسكر كثيرُه، فقليلُه حرام"، وتقدم في الحديث الذي قبله (١)، وقد أخرج ابنُ حبان، والطحاوي من حديث عامرِ بنِ سعدِ بن أبي وقاص، عن أبيه، عن النَّبي ﷺ ، قال: "أنهاكم عن قليلِ ما أسكرَ كثيرُه" (٢). وقد اعترف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث، لكن قال: اختلفوا في تأويل الحديث، فقال بعضهم: أراد به جنسَ ما يُسكر، وقال بعضهم: أراد به ما يقع السكرُ عنده، ويؤيده أن القاتل لا يسمى قاتلًا حتَّى يَقتل، قال: ويدل له حديث ابن عباس، رفعه: "حُرِّمَتِ الخمرُ قليلُها وكثيرُها، والسُّكرُ من كلِّ شراب" (٣). قال في "الفتح": أخرجه النَّسائي (٤)، ورجاله ثقات، إلَّا أنه اختلف في وصله وانقطاعه، وفي رفعه ووقفه، وعلي تقدير صحته، فقد رجح الإمام أحمد وغيره أن الرواية فيه بلفظ: المُسْكِر (٥) -بضم الميم وسكون السين المهملة- لا السُّكْرُ -بضم فسكون-، أو بفتحتين، وعلى فرض ثبوتها، فهو حديث فرد، ولفظه محتمل، فكيف يعارض عموم تلك الأحاديث مع صحتها وكثرتها؟

стр. 3818

وقال أبو المظفر بن السمعاني، وكان حنفيًا فتحول شافعيًا: ثبتت الأخبارُ عن النَّبيُّ ﷺ في تحريم المسكر، ثم ساق كثيرًا منها، ثم قال: والأخبار في ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها، والقول بخلافها، فإنها حجج قواطع، قال: وقد زل الكوفيون في هذا الباب، ورووا أخبارًا معلولة لا تعارض هذه الأخبار بحال، ومن ظن أن رسول الله ﷺ شرب مسكرًا، فقد دخل في أمرٍ عظيم، وباءَ بإثمٍ كبير، وإنما الذي شربه كان حلوًا، ولم يكن مسكرًا. وقد روى ثُمامة بن حَزْن القشيريُّ: أنه سأل عائشة عن النبيذ، فدعت جارية حبشيةً، فقالت: سل هذه، فإنها كانت تنبذ لرسول الله ﷺ ، فقالت الحبشية: كنت أنبذ له في سقاءٍ له من الليل، وأُوكيه وأغلقه، فإذا أصبحَ، شرب منه، أخرجه مسلم (١). وروى الحسن البصري عن أمه، عن عائشة، نحوَه (٢)، ثم قال: فقياسُ النبيذ على الخمر بعلة الإسكار والإطراب من أجلى الأقيسة وأوضحِها، والمفاسدُ التي توجد في الخمر توجد في النبيذ، ثم قال: وعلى الجملة، فالنصوص المصرحة بتحريم كل مسكر قلَّ أو كثرَ مغنيةٌ عن القياس (٣)، والله أعلم.

стр. 3819

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ ﵁: أَن فُلَانًا بَاعَ خَمرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ فُلَانًا! أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَملُوهَا فَبَاعُوهَا" (١)؟!. * * * (عن) أبي العباس (عبدِ الله بنِ عباس ﵄، قال: بلغ) أميرَ المؤمنين (عمرَ) بن الخطاب - ﵁: أن فلانًا)، فلانٌ هذا

стр. 3820

هو سَمُرَةُ بنْ جُنْدُب، وتقدمت ترجمته في الجنائز. قال الخطيب، وابن بشكوال: كان على البصرة، وكان يأخذ الجزية منهم خمرًا، ثم يبيعه منهم ظانًا أنه يجوز (١)، وقد جاء مصرَّحًا في "مسند ابنَ أبي شيبة"، وأخرجه مسلم من طريقه، وطريق غيره، فقال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لأبي بكر، قال: حدّثنا سُفيانُ بن عُيينة، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄، قال: بلغ عمرَ ﵁ أن سمرةَ (باع خمرًا)، (فقال) عمر ﵁: (قاتل الله فلانًا)؛ أي: سمرةَ كما صرح باسمه في الرواية الأخرى؛ أي: قتله، فليست المفاعلة على بابها، ولكن عمر ﵁ لم يرد الدعاءَ على سمرة بأن يقتله، أو يعاديه، وإنما أراد التنفيرَ عن فعلته، والتهويلَ لما ارتكبه من صفقته، وسبيلُ فاعلَ أن يكون بين اثنين في الغالب، وقد ترد من الواحد؛ كسافرتُ، وطارقتُ النعل، ومثل قصة سمرةَ خبرُ السقيفة: قتل الله سعدًا؛ فإنّه صاحب فتنة وشر (٢)؛ أي: دفع الله شره، كأنه أشار إلى ما كان منه في حديث الإفك، لما حامى عن ابن سلول. وفي رواية: أن عمر ﵁ قال يوم السقيفة: اقتلوا سعدًا قتله الله (٣)؛ أي: اجعلوه كمن قُتل، واحبسوه في عِداد مَنْ مات ولا تعتدّوا بمشهده، ولا تعرِّجوا على قوله (٤).
следующие страницы →