← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

وظهر من متعدد روايات: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" ما يفسرُ المرادَ بقوله في حديث عائشة هذا: "كلُّ شرابٍ أسكرَ"، وأنه لم يرد تخصيص التحريم بحالة الإسكار، بل المراد: أنه إذا كانت فيه صلاحية الإسكار، حَرُمَ تناولهُ، ولو لم يسكر المتناول بالقدر الذي تناوله منه. ويؤخذ من لفظ السؤال: أنه وقع عن حكم جنس البتع، لا عن القدر المسكِرِ منه؛ لأنَّه لو أراد السائل ذلك، لقال: أخبرني عمّا يحلُّ منه وما يحرُم، وهذا هو المعهود من لسان العرب إذا سألوا عن الجنس، فقالوا: هل هذا نافع أو ضار مثلًا؟ وإذا سألوا عن القدر فقالوا: كم يؤخذ منه؟ وفي الحديث: أن المفتي يجوز له أن يُجيب السائل بزيادة عمّا سأل عنه إذا كان ذلك مما يحتاج إليه السائل. وفيه: تحريم كل مسكر، سواء كان متخذًا من عصير العنب، أو من غيره. قال المازري: أجمعوا على أن عصير العنب قبل أن يشتدَّ حلال، وعلى أنه إذا اشتد وغلى، وقذف بالزبد، حَرُمَ قليلُه وكثيره، ثم لو تخلَّلَ بنفسِه، حَلَّ بالإجماع أيضًا، فوقع النظر في تبدل هذه الأحكام عند هذه المتجددات، فأشعر ذلك بارتباط بعضِها ببعض، ودل على أن علة التحريم الإسكار، فاقتضى ذلك أن كلَّ شراب وُجد فيه الإسكار حرم تناولُ قليلهِ وكثيرهِ، انتهى (١). قال في "الفتح": وما ذكره استنباطًا ثبت التصريح به في بعض طرق الخبر، فعند أبي داود، والنَّسائيُّ، من حديث جابر، وصححه ابن حبان،

стр. 3817

قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أسكر كثيرُه، فقليلُه حرام"، وتقدم في الحديث الذي قبله (١)، وقد أخرج ابنُ حبان، والطحاوي من حديث عامرِ بنِ سعدِ بن أبي وقاص، عن أبيه، عن النَّبي ﷺ ، قال: "أنهاكم عن قليلِ ما أسكرَ كثيرُه" (٢). وقد اعترف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث، لكن قال: اختلفوا في تأويل الحديث، فقال بعضهم: أراد به جنسَ ما يُسكر، وقال بعضهم: أراد به ما يقع السكرُ عنده، ويؤيده أن القاتل لا يسمى قاتلًا حتَّى يَقتل، قال: ويدل له حديث ابن عباس، رفعه: "حُرِّمَتِ الخمرُ قليلُها وكثيرُها، والسُّكرُ من كلِّ شراب" (٣). قال في "الفتح": أخرجه النَّسائي (٤)، ورجاله ثقات، إلَّا أنه اختلف في وصله وانقطاعه، وفي رفعه ووقفه، وعلي تقدير صحته، فقد رجح الإمام أحمد وغيره أن الرواية فيه بلفظ: المُسْكِر (٥) -بضم الميم وسكون السين المهملة- لا السُّكْرُ -بضم فسكون-، أو بفتحتين، وعلى فرض ثبوتها، فهو حديث فرد، ولفظه محتمل، فكيف يعارض عموم تلك الأحاديث مع صحتها وكثرتها؟

стр. 3818

وقال أبو المظفر بن السمعاني، وكان حنفيًا فتحول شافعيًا: ثبتت الأخبارُ عن النَّبيُّ ﷺ في تحريم المسكر، ثم ساق كثيرًا منها، ثم قال: والأخبار في ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها، والقول بخلافها، فإنها حجج قواطع، قال: وقد زل الكوفيون في هذا الباب، ورووا أخبارًا معلولة لا تعارض هذه الأخبار بحال، ومن ظن أن رسول الله ﷺ شرب مسكرًا، فقد دخل في أمرٍ عظيم، وباءَ بإثمٍ كبير، وإنما الذي شربه كان حلوًا، ولم يكن مسكرًا. وقد روى ثُمامة بن حَزْن القشيريُّ: أنه سأل عائشة عن النبيذ، فدعت جارية حبشيةً، فقالت: سل هذه، فإنها كانت تنبذ لرسول الله ﷺ ، فقالت الحبشية: كنت أنبذ له في سقاءٍ له من الليل، وأُوكيه وأغلقه، فإذا أصبحَ، شرب منه، أخرجه مسلم (١). وروى الحسن البصري عن أمه، عن عائشة، نحوَه (٢)، ثم قال: فقياسُ النبيذ على الخمر بعلة الإسكار والإطراب من أجلى الأقيسة وأوضحِها، والمفاسدُ التي توجد في الخمر توجد في النبيذ، ثم قال: وعلى الجملة، فالنصوص المصرحة بتحريم كل مسكر قلَّ أو كثرَ مغنيةٌ عن القياس (٣)، والله أعلم.

стр. 3819

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ ﵁: أَن فُلَانًا بَاعَ خَمرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ فُلَانًا! أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَملُوهَا فَبَاعُوهَا" (١)؟!. * * * (عن) أبي العباس (عبدِ الله بنِ عباس ﵄، قال: بلغ) أميرَ المؤمنين (عمرَ) بن الخطاب - ﵁: أن فلانًا)، فلانٌ هذا

стр. 3820

هو سَمُرَةُ بنْ جُنْدُب، وتقدمت ترجمته في الجنائز. قال الخطيب، وابن بشكوال: كان على البصرة، وكان يأخذ الجزية منهم خمرًا، ثم يبيعه منهم ظانًا أنه يجوز (١)، وقد جاء مصرَّحًا في "مسند ابنَ أبي شيبة"، وأخرجه مسلم من طريقه، وطريق غيره، فقال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لأبي بكر، قال: حدّثنا سُفيانُ بن عُيينة، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄، قال: بلغ عمرَ ﵁ أن سمرةَ (باع خمرًا)، (فقال) عمر ﵁: (قاتل الله فلانًا)؛ أي: سمرةَ كما صرح باسمه في الرواية الأخرى؛ أي: قتله، فليست المفاعلة على بابها، ولكن عمر ﵁ لم يرد الدعاءَ على سمرة بأن يقتله، أو يعاديه، وإنما أراد التنفيرَ عن فعلته، والتهويلَ لما ارتكبه من صفقته، وسبيلُ فاعلَ أن يكون بين اثنين في الغالب، وقد ترد من الواحد؛ كسافرتُ، وطارقتُ النعل، ومثل قصة سمرةَ خبرُ السقيفة: قتل الله سعدًا؛ فإنّه صاحب فتنة وشر (٢)؛ أي: دفع الله شره، كأنه أشار إلى ما كان منه في حديث الإفك، لما حامى عن ابن سلول. وفي رواية: أن عمر ﵁ قال يوم السقيفة: اقتلوا سعدًا قتله الله (٣)؛ أي: اجعلوه كمن قُتل، واحبسوه في عِداد مَنْ مات ولا تعتدّوا بمشهده، ولا تعرِّجوا على قوله (٤).

стр. 3821

(ألم يعلم) سمرةُ بن جندب: (أن رسول الله ﷺ قال: قاتل الله اليهود)؛ أي: قتلهم، أو لعنهم، أو عاداهم. قال الداودي: من صار عدوًا لله، وجب قتلُه. قال البيضاوي: قاتل؛ أي: قتلَ، أو عادى، وعبر بذلك عنهم لما هو مُسَبَّبٌ عنهم؛ فإنهم بما اخترعوا من الحيلة، انتصبوا لمحاربة الله تعالى، ومن حاربه، حورب، ومن قاتله، قُتل (١)، فقد (حُرِّمت عليهم الشحوم)؛ أي: أكلُها، وإلا فلو حرم عليهم بيعُها، لم يكن لهم حيلةٌ فيما صنعوه من إذابتها، (فَجَمَلوها) -بفتح الجيم-؛ أي: أذابوها، والجميلُ: الشحمُ المذاب. وفي "النهاية": جملتُ الشحمَ، وأجملْتُه: إذا أذبته، واستخرجتُ دهنهَ، وجَمَلْتُ أفصحُ من أجملت (٢). وقال الخطابي: معناه: أذابوها حتَّى تصير وَدَكًا، فيزول عنها اسمُ الشحم (٣). وفي هذا إبطال كل حيلة يُتوصَّل بها إلى محرَّم، وأنه لا يتغير حكمُه بتغيير هيئته، وتبديلِ اسمه؛ كما قدمنا في بيع العرايا وغيرها، (فباعوها)، فأكلوا أثمانها. وروى أبو داود حديثَ ابن عباس هذا، وزاد فيه: "وإن الله إذا حَرَّمَ أكلَ شيء، حَرَّم عليهم ثمنه" (٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة، ولفظه: "إن الله إذا حَرَّمَ شيئًا، حَرَّم ثمنَه" (٥).

стр. 3822

وفي "الصحيحين" عن عائشة ﵂، قالت: لمّا نزلت الآيات من آخر سورة البقرة، خرج رسول الله ﷺ ، فاقترأهن على النَّاس، ثم نهى عن التجارة في الخمر (١). وفي رواية لمسلم: فحرم التجارةَ في الخمر (٢). وأخرج مسلم من حديث أبي سعيد ﵁، عن النَّبي ﷺ ، قال: "إن الله حرّم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده شيءٌ منها، فلا يشربْ ولا يَبِعْ". قال: فاستقبل النَّاس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها (٣). وخَرَّجَ أيضًا من طريق ابن عباس ﵄: أن رجلًا أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له ﷺ : "هل علمتَ أن الله قد حَرَّمَها؟ "، قال: لا، قال: فسارَّ إنسانًا، فقال له رسول الله ﷺ : "بِمَ سارَرْتَه؟ "، قال: أمرتُه ببيعها، قال: "إن الذي حرّم شربَها، حرّم بيعَها"، قال: ففتح المزادة حتَّى ذهب ما فيها (٤). والحاصل من هذه الأحاديث: أن الله إذا حرّم شيئًا، حرّم ثمنه، وهذه كلمة جامعة عامة تَطَّرد في كل ما كان المقصودُ من الانتفاع به حرامًا، وسواء في ذلك ما كان الانتفاع حاصلًا مع بقاء عينه؛

стр. 3823

كالأصنام؛ فإن منفعتها المقصودة منها هو الشرك بالله، وهو أعظمُ أنواع المعاصي على الإطلاق كما قاله الحافظ ابن رجب (١). قلت: وعندي أن التعطيلَ ونفيَ المعبود بحق أعظمُ منه كما لا يخفى، ولكن مقصود الحافظ الإشارةُ إلى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وأنه من أعظم أنواع الكفر، أو أعظمُها، ويكون نافع واجبِ الوجود مشركًا؛ لأنَّه ينسب الفعل إما للدهر، وإما للطبيعة، وكلاهما شركٌ في الحقيقة. ويلتحق بالأصنام ما كانت منفعتُه محرمة؛ ككتب الشرك والسحر والبدع والضلال، وكذلك الصورُ المحرّمة، وآلاتُ الملاهي المحرمة، ومثله شراءُ الجواري للغناء (٢). وفي "مسند الإمام أحمد" عن أبي أمامة ﵁، عن النَّبي ﷺ ، قال: "إن الله بعثني رحمةً وهدًى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات -يعني: البرابِطَ والمعازفَ- والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية، وأقسم ربي بعزته! لا يشربُ عبدٌ من عبيدي جرعةً من خمر، إلَّا سقيته مكانها من حَميم جهنم معذَّبًا أو مغفورًا له، ولا يسقيها صبيًا صغيرًا، إلَّا سقيته مكانها من حميم جهنم معذَّبًا أو مغفورًا له، ولا يدعُها عبدٌ من عبيدي من مخافتي، إلَّا سقيتها إياه في حظيرة القدس، ولا يحل بيعهن، ولا شراؤهن، ولا تجارة فيهن، وأثمانهن حرام -يعني: المغنيات-" (٣).

стр. 3824

[وروى أبو بكر الطرطوشي المالكي حديثًا قال: "لا يحل بيعُ القيان ولا شراؤهنَّ"، وأخرجه التِّرمذيُّ، ولفظه: "لا تبيعوا القينات، لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهنَّ، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام"، وخرجه ابن ماجه أيضًا، وفي مثل هذا أنزل الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] الآية (١)] (٢). وقد روي نحوه من حديث عمر، وعلي، وفي الحديث مقال. ومن يحرم الغناء كأحمد ومالك يقول: إذا بيعت المغنية، تباع على أنها ساذجة، ولا يؤخذ لصناعة الغناء ثمنٌ، ولو ليتيم، نصّ عليه الإمام أحمد (٣).

стр. 3825

تنبيه: اختلف العلماء متى حرمت الخمر؟ ذكر ابن سعد وغيره: أن تحريم الخمر كان في السنة الثالثة بعد غزوة أُحُد. وقد روى الإمام أحمدُ من حديث ابن عباس ﵄، قال: لما حرمت الخمر، قال أناس: يا رسول الله! أصحابُنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]. قال: ولما حُوِّلت القبلةُ، قال أناس: يا رسول الله! أصحابُنا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١) [البقرة: ١٤٣]. وروى أبو داود الطَّيالسيُّ عن البراء بن عازب ﵄، قال: لما نزل تحريم الخمر، قالوا: كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم؟ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] ورواه الترمذي، وقال: حسن صحيح (٢). قال العيني في "شرح البُخاريّ": وقول من قال: قُتل قوم؛ يعني: من استشهد من الصحابة الكرام ﵃ يوم أُحُد، وهي في بطونهم، صدرَ عن غلبة خوف، أو عن غفلة عن المعنى؛ لأنَّ الخمر كانت مباحة، أو

стр. 3826

لأنَّ من فعل ما أبيح له لم يكن له ولا عليه شيء؛ لأنَّ المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع (١). واستظهر الحافظ ابن حجر في "الفتح" في تفسير سورة المائدة: أن تحريم الخمر كان عام الفتح سنة ثمان؛ لما روى الإمام أحمد من طريق عبد الرحمن بن وعلة، قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيفٍ، أو دَوْسٍ، فلقيه يوم الفتح براوية خمر يُهديها إليه، فقال: "يا فلان! أما علمتَ أن الله حرّمها؟ " الحديث (٢)، وتقدم. وروى الإمام أحمد أيضًا من طريق نافع بن كيسان الثَّقفيُّ، عن أبيه: أنه كان يتجر بالخمر، وأنه أقبل من الشام، فقال: يا رسول الله! إنِّي جئتُك بشرابٍ جيد، فقال: "يا كيسان! إنها حُرّمت بعدَك"، قال: فأبيعها؟ قال: "إنها قد حرّمت، وحرّم ثمنها" (٣). وروى الإمام أحمد أيضًا، وأبو يعلى من حديث تميم الداري: أنه كان يهدى لرسول الله ﷺ كلَّ عام راويةَ خمر، فلما كان عام حرّمت، جاء براوية، فقال: "أشعرتَ أنها قد حرمت بعدك؟ "، قال: أفلا أبيعُها وأنتفعُ بثمنها؟ فنهاه (٤). فيستفاد من حديث ابن كيسان تسميةُ المبهم في حديث ابن عباس، ومن

стр. 3827

حديث تميم تأييدُ الوقت المذكور؛ فإن إسلام تميم كان بعد الفتح (١). وقد روى أصحاب السنن من طريق أبي ميسرة عن عمر ﵁: أنه قال: اللهم بيّنْ لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] فقرئت عليه، فقال: اللهم بينْ لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فقرئت عليه، فقال: اللهم بيّنْ لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت التي في المائدة: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قوله تعالى: ﴿مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] فقال عمر: انتهينا، انتهينا (٢). وصححه الإمام عليُّ بنُ المديني، والتِّرمذيُّ. وأخرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة نحوَه دون قصة عمر، لكن قال عند نزول آية البقرة: فقال النَّاس: ما حرم علينا، فكانوا يشربون حتَّى أمَّ رجلٌ أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فنزلت التي في النساء، فكانوا يشربون، ولا يقرب الرجل الصلاة حتَّى يُفيق، ثم نزلت آية المائدة، فقالوا: يا رسول الله! ناسٌ قتلوا في سبيل الله وماتوا على فرشهم، وكانوا يشربونها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية [المائدة: ٩٣]، فقال النَّبيُّ ﷺ : "لو حُرِّمَ عليهم، لتركوه كما تركتموه" (٣).

стр. 3828

وذكر الحافظ الدمياطي في "سيرته" جازمًا به بأن تحريم الخمر كان سنة الحديبية، والحديبيةُ كانت في السادسة. وذكر ابن إسحاق: أنه كان في وقعة بني النضير، وهي بعد أُحُد، وذلك سنة أربع على الراجح، ونظر فيه في "الفتح" بأن أنسًا كان هو الساقي يوم حرمت، وأنه لما سمع المنادي بتحريمها، بادرَ فأراقها، فلو كان ذلك سنة أربع، لكان أنس يصغر عن ذلك، كذا قال (١). قلت: كان سنه إذ ذاك أربع عشرة سنة، وصاحب هذا السن، ولاسيما مع مداخلته الرسول، وخدمته له، وما لَهُ من التمييز على غيره بذلك لِما يكتب ويستفيد من العلم والحكم، لا يصغُر عن ذلك. فائدة: قال أبو بكر الرازي في "أحكام القرآن": يستفاد تحريمُ الخمر من آية المائدة من تسميتها رجسًا، وقد سمي به ما أُجمع على تحريمه، وهو لحم الخنزير. ومن قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ لأنَّ مهما كان من عمل الشيطان، حرم تناوله. ومن الأمر بالاجتناب، وهو للوجوب، وما وجب اجتنابُه، حرمَ تناولُه. ومن الفلاح المرتب على الاجتناب. ومن كون الشرب سببًا للعداوة والبغضاء للمؤمنين، وتعاطي ما يوقع ذلك حرام.

стр. 3829

ومن كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة. ومن ختام الآية بقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ فإنّه استفهام معناه الردع والزجر، فلهذا قال عمر ﵁ لما سمعها: انتهينا انتهينا. وسبق الرازيَّ إلى نحو ما قال الطبريُّ (١)، والله تعالى الموفق.

стр. 3830

كتاب اللباس وهو ما يلبسه الشخص ويستتر به، والأصل فيه الإباحة، وإنما يحرم حيث كان حريرًا، أو قُصد به الخُيَلاء، وهو معنى قوله ﷺ : "كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسرافٍ ولا مَخِيلَةٍ" علقه البُخاري (١). ورواه موصولًا: أبو داود الطَّيالسيُّ، والحارث بن أبي أسامة في "مسنديهما" من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، زاد الحارث في آخره: "فإن الله يحبُّ أن يرى أثرَ نعمته على عباده" (٢). ورواه ابن أبي الدنيا موصولًا أيضًا (٣). وروى التِّرمذيّ أيضًا بعضه (٤).

стр. 3831

وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. والإسراف: مجاوزة الحدِّ في كل فعل أو قول، وهو في الإنفاق أشهرُ، والمخيلة بوزن عظيمة بمعنى: الخيلاء، وهو التكبر. وقال ابن التين: هي بوزن مَفْعَلَة؛ من اختال: إذا تكبر، قال: والخُيلاء -بضم أوله- وقد -يكسر ممدودًا-: التكبر، وإنما ينشأ عن فضيلة يتراءاها الإنسان من نفسه، والتخيُّل: تصوير خيال الشيء في النفس، ووجهُ الحصر في الإسراف والمَخيلة: أن الممنوع من تناوله أكلًا ولبسًا، وهما إما لمعنى فيه، وهو مجاوزة الحد، وهو الإسراف، وإما للتعبد، كالحرير إن لم تثبت علة النهي عنه، ومجاوزةُ الحدِّ تتناول مخالفةَ ما ورد به الشرعُ، فيدخل الحرام، وقد يستلزم الإسراف الكبير، وهو المخيلة. قال الموفق عبدُ اللطيف البغدادي: هذا الحديث جامعٌ لفضائل تدبير الإنسان نفسَه، وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة؛ فإن السرف كل شيء يضر بالجسد، ويضر بالمعيشة، فيؤدي إلى الإتلاف، ويضر بالنفس؛ إذ كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال، والمَخيلةُ تضر بالنفس حيث تكسبها العُجْبَ، وتضر بالآخرة حيث يكسب الإثم، وبالدنيا حيث يكسب المقت من النَّاس (١). وذكر الحافظ المصنف ﵀ في هذا الكتاب ستة أحاديث.

стр. 3832

الحديث الأول عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فَإنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ" (١). * * * (عن) أبي حفصٍ أميرِ المؤمنين (عمرَ بنِ الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تلبَسُوا الحرير) معروف، وهو عربي، سمي بذلك؛ لخلوصه، يقال لكل شيء خالص: محرور، وحَرَّرْتُ الشيء:

стр. 3833

خَلَّصته من الاختلاط بغيره، وقيل: هو فارسيٌّ معرَّب، والمراد بالنهي: الذكورُ دون النساء (١)؛ لما روى الإمام أحمد، وأصحاب السنن، وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث عليّ بن أبي طالب ﵁: أن النَّبي ﷺ أخذ حريرًا وذهبًا، فقال: "هذان حرامانِ على ذكورِ أمتي، حِلٌّ لإناثهم" (٢). وأخرج الإمام أحمد، والطحاوي، وصححه من حديث مَسْلَمة بن مُخَلَّد: أنه قال لعقبةَ بن عامر: قم فحدِّثْ بما سمعتَ من رسول الله ﷺ ، فقال: سمعتُه يقول: "الذهبُ والحريرُ حرام على ذُكور أمتي، حِلٌّ لإناثهم" (٣). قال ابن أبي حمزة: حكمةُ تخصيص النهي بالرجال: أنه علم قلةَ صبرهن عن التزين، فلطفَ بهن في إباحته، ولأن تزينهن غالبًا إنما هو للأزواج، وقد ورد: أن حُسنَ التَّبَغُّل من الإيمان، قال: ويستنبط من هذا أن الفحلَ لا يصلح له أن يبالغ في استعمال الملذوذات؛ لكون ذلك من صفات الإناث (٤). قال ابن بطال: اختُلف في الحرير، فقال قومٌ: يحرم لبسُه في كل

стр. 3834

الأحوال، حتَّى على النساء، نقل ذلك عن عليّ، وابن عمر، وحذيفة، وأبي موسى، وابن الزُّبير ﵃، ومن التابعين عن الحسن، وابن سيرين. وقال قومٌ: يجوز لبسه مطلقًا، وحملوا الأحاديث الواردة في النهي عن لبسه خيلاء، أو على التنزيه، وهذا ساقط؛ لثبوت الوعيد على لبسه. وقد قال القاضي عياض: انعقد الإجماعُ بعدَ ابن الزُّبير ومن وافقه على تحريم الحرير على الرجال، وإباحته للنساء (١). ذكر ذلك في الكلام على قوله ابن الزُّبير في الطريق التي أخرجها مسلم: ألا لا تُلْبِسوا نساءكم الحرير، فإني سمعت عمر، فذكر الحديث. واختُلف في علة تحريم الحرير على رأيين مشهورين: أحدهما: الخيلاء، والثاني: كونه ثوبَ رفاهية وزينة، فيليق بزي النساء دون شهامة الرجال، ويحتمل علة ثالثة، وهي التشبُّه بالمشركين. وأما قوله الشّافعيّ في "الأم": لا أكره لباس اللؤلؤ إلَّا للأدب؛ فإنّه زيُّ النساء (٢)، فقد استشكل بثبوت اللعن للمتشبهين من الرجال بالنساء، فإنّه يقتضي منعَ ما كان مخصوصًا بالنساء في جنسه وهيئته. وذكر بعضهم علة أخرى، وهي السرف. (٣) وفي رواية: نهى عن الحرير (٤)؛ أي: عن لبسه، (فإنّه)؛ أي: الشأن والأمر (مَنْ لبسَه)؛ أي: الحريرَ من الرجال (في الدنيا، لم يلبسه في

стр. 3835

الآخرة)، وأخرجه النَّسائي، وزاد في آخره: ومن لم يلبسه في الآخرة، لم يدخل الجنة، قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (١) [فاطر: ٣٣]. قال في "الفتح": وهذه الزيادة مُدْرَجة في الخبر، وهي موقوفة على ابن الزُّبير، بَيَّنَ ذلك النسائيُّ أيضًا من طريق شعبة، وفي آخره: قال ابن الزُّبير، فذكر الزيادة. ورواه الإسماعيلي من طريق عليّ بن الجعد، عن شعبة، ولفظه في آخره: فقال ابن الزُّبير من رأيه: ومن لم يلبس الحرير في الآخرة، لم يدخل الجنة، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣]. وقد جاء مثلُ ذلك عن ابن عمر ﵁ أيضًا، أخرجه النَّسائي، ولفظه: فقال ابن عمر: إذًا واللهِ لا يدخلُ الجنة، قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (٢) [فاطر: ٣٣]. وأخرج الإمام أحمدُ، والنَّسائيُّ، وصححه الحاكم من طريق داود السَّرَّاج، عن أبي سعيد، فذكر الحديث المرفوع مثل حديث ابن عمر هذا، وزاد: وإن دخل الجنة، لبسه أهلُ الجنة، ولم يلبسه هو (٣). قال في "الفتح": وهذا يحتمل أن يكون أيضًا مُدْرَجًا، وعلي تقدير أن يكون رفعُه محفوظًا، فهو من العام المخصوص بالمكلفين من الرجال؛ للأدلة الأخرى بجوازه للنساء.

стр. 3836

وفي لفظ: "من لبسه في الدنيا، لا يُكساه في الآخرة" (١). وفي آخر: "فلا كساه الله في الآخرة" (٢). وفي آخر: "من لبس الحرير في الدنيا، فلا خَلاقَ له في الآخرة" (٣). وفي هذه الأحاديث وأضعافها من الوعيد الشديد والزجر والتهديد بيانٌ واضحٌ لحرمة لبس الحرير على الرجال. وحاصله: أن الفعل المذكور مقتضٍ للعقوبة المذكورة، وقد يتخلف ذلك لمانع؛ كالتوبة، والحسنات الموازية، والمصائب المكفِّرَة، وكذا دعاءُ نحو الولد، وشفاعةُ من يؤذن له في الشفاعة، وأعمُّ من ذلك كله عفوُ أرحمِ الراحمين (٤).

стр. 3837

الحديث الثاني عَنْ حُذَيفَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَب وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإنَّها لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَة" (١).

стр. 3838

(عن) أبي عبدِ الله (حُذَيفةَ) -بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة وسكون المثناة تحت ففاء فهاء، مصغر- بنِ اليمان (﵁)، وهو صاحب سرِّ رسول الله ﷺ ، وتقدمت ترجمته في باب: السواك. (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير)؛ لأنَّه محرم على ذكور أمتي، وسببه كما في "الصحيحين" عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكذا عبد الله بن عكيم، قال: كنا مع حذيفة بالمدائن، فاستسقى حذيفةُ، فسقاه مجوسي في إناء من فضة، فقال: إنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تلبسوا الحرير، (ولا الديباج) " (١). وفي رواية فيهما: فجاءه دهقانٌ بشراب في إناء من فضة، فرماه به، وقال: إنِّي أخبركم أني قد أمرته أَلَّا يسقيني فيه (٢). وفي لفظ: فحذفه به (٣). وفي آخر: فرمى به في وجهه (٤). وللإمام أحمد من رواية يزيد عن ابن أبي ليلى: ما يألو أن يصيب به وجهه (٥). زاد في رواية عند الإسماعيلي، وأصله عند مسلم: فرماه به، فكسره. وقال كما في "الصحيحين": إنِّي لم أرمه إلَّا أني نهيتُه فلم ينته (٦).

стр. 3839

وفي رواية الإسماعيلي المذكورة: إنِّي لم أكسره إلَّا أني نهيتُه، فلم يقبل. وفي رواية يزيد: لولا أني تقدَّمْتُ إليه مرَّة أو مرتين، لم أفعل به هذا (١). والديباج: صنف نفيس من الحرير. قال في "القاموس": الديباج معروف معرَّبٌ، والجمعُ دَبابج، ودبابيج (٢). وفي "المطالع": الديباج بكسر الدال وفتحها، قال أبو عبيد: والكسر مولدة (٣)، انتهى. (ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة)، وفي رواية عن حذيفة ﵁ في "الصحيحين"، وغيرهما: لأنَّ النَّبي ﷺ نهانا عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة (٤). ووقع عند الإمام أحمد من طريق مجاهد عن ابن أبي ليلى بلفظ: نهى أن يشرب في آنية الذهب والفضة (٥). (ولا تأكلوا في صِحافها) تثنية صَحْفة، وهو إناء كالقَصعة المبسوطة ونحوِها، وجمعُها صِحاف (٦).

стр. 3840

وفي الرواية التي ذكرناها عند الإمام أحمد: نهى أن يشرب في آنية الذهب والفضة، وأن يؤكل فيها (١). وقد ورد في هذا المعنى عدةُ أحاديث، منها: ما رواه الحاكم وصححه من حديث أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: "من لبسَ الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة، ومن شربَ الخمرَ في الدنيا، لم يشربه في الآخرة، ومن شربَ في آنية الذهب والفضة، لم يشربْ بها في الآخرة"، ثم قال: "لباسُ أهل الجنة، وشرابُ أهل الجنة، وآنيةُ أهل الجنة" (٢). وأخرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة أيضًا، مرفوعًا: "إنما يلبسُ الحريرَ في الدنيا مَنْ لا يرجو أن يلبسَه في الآخرة". قال الحسن: فما بالُ أقوامٍ يبلغُهم هذا عن نبيِّهم يجعلون حريرًا في ثيابهم وبيوتهم؟! (٣). وفي "الصحيحين" عن أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "الذي يشربُ في آنية الفضة إِنَّما يُجَرْجِرُ في بطنه نارَ جهنمَ" (٤). وفي رواية لمسلم: "الذي يأكلُ أو يشربُ في إناءٍ من ذهبٍ أو فضة، فإنما يُجَرْجِرُ في بطنه نارَ جهنمَ" (٥).

стр. 3841

وأخرج الطّبراني عن ابن عمر، مرفوعًا: "من لبسَ الحريرَ، وشربَ في الفضة، فليس مِنَّا، ومن خَبَّبَ امرأةً على زوجِها، أو عبدًا على مواليه، فليس مِنّا" (١). ومعنى قوله في حديث أم سلمة: "إنما يجرجر" هو من الجَرْجرة، وهو صوتٌ يردِّده البعير في حَنجرته إذا هاج نحو صوتِ اللجامِ في فَكِّ الفَرَس. قال النووي: اتفقوا على كسر الجيم الثَّانية من يُجرجِر (٢)، وتُعقب بأن الموفقَ بنَ حمزةَ في كلامه على "المهذب" حكى فتحها. وحكى ابن الفركاح عن والده: أنه قال: يروى "يُجَرْجِرُ" على البناء للفاعل والمفعول، وكذا جوزه ابن مالك في شواهد "التوضيح" (٣). نعم، ردّ ذلك تلميذُه ابن أبي الفتح صاحبُ "المطلع"، فقال في [جزء جمعه] (٤) في الكلام على هذا المتن: لقد كثر بحثي على أن أرى أحدًا رواه مبنيًا للمفعول، فلم أجده عند أحد من حفاظ الحديث، وإنما سمعناه من الفقهاء الذين ليست لهم عناية بالرواية. وسألت أبا الحسين اليونينيَّ، فقال: ما قرأته على والدي، ولا على شيخنا المنذريِّ إلَّا مبنيًا للفاعل، قال: ويبعد اتفاقُ الحفَّاظ قديمًا وحديثًا على ترك رواية ثانية.

стр. 3842

قال: وأيضًا: إسناده إلى الفاعل هو الأصل، وإسناده إلى المفعول فرع، فلا يصار إليه بغير حاجة، وأيضًا: فإن علماء العربية قالوا: يحذف الفاعل إما للعلم به، أو الجهل به، وإذا تخوف منه، أو عليه، أو لشرفه، أو لحقارته، أو لإقامة وزن، وليس هنا شيء من ذلك (١)؛ (فإنها)؛ أي: آنية الذهب والفضة، وفي لفظ: "هنَّ" (٢)؛ أي: أواني الذهب والفضة، وفي أبي داود: "وهي" -بكسر الهاء ثم تحتانية (٣) -، ووقع عند الإسماعيلي، وأصلُه في مسلم: "هو"؛ أي: جميع ما ذكر (لهم)؛ أي: المستعملين لها (في) الحياة (الدنيا). قال الإسماعيلي: ليس المراد بقوله: "في الدنيا" إباحةَ استعمالهم إياه، وإنما المعنى بقوله: "لهم"؛ أي: هم الذين يستعملونه مكافأة لكم على تركه في الدنيا، ويُمنعه أولئك جزاءً لهم على معصيتهم باستعماله. قال في "الفتح": ويحتمل أن تكون فيه إشارة إلى أن الذين يتعاطون ذلك في الدنيا، لا يتعاطونه في الآخرة، كما تقدم في شرب الخمر، ولبس الحرير، وكذا في آنية الذهب والفضة؛ كما تقدم في حديث أبي هريرة المتقدم آنفًا (٤)، (و) إنها (لكم) معشرَ المسلمين التاركينَ لاستعمالِ ذلك امتثالًا، والكافِّين عنه اتخاذًا واستعمالًا (في الآخرة) في دار المقام والنعيم والإنعام، والتكريم والإكرام ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣]، ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الإنسان: ١٥].

стр. 3843

وقد نقل ابن المنذر الإجماعَ على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة، إلَّا عن معاوية بن قرة أحدِ التابعين، فكأنه لم يبلغه النهي، وعن الشّافعيّ في "القديم"، ونص في "الجديد" على التحريم، ومن أصحابه من قطع به عنه. قال في "الفتح": وهذا اللائق به عنه؛ لثبوت الوعيد عليه بالنار. قال: وإذا ثبت ما نقل عنه، فلعله كان قبل أن يبلغه الحديث المذكور، انتهى (١). وفي "الفروع": يحرم -في المنصوص- استعمالُ آنية ذهب وفضة، على الذكر والأنثى؛ اتفاقًا، حتَّى الميل ونحوه، وكذا اتخاذها، على الأصح؛ خلافًا لأبي حنيفة (٢). وفي الأحاديث المذكورة وغيرها مما لم نذكره تحريمُ الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف، رجلًا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء؛ لأنَّه ليس من التزين الذي أبيح لهن في شيء (٣). قال القرطبي: ويلحق بالأكل والشرب ما في معناهما؛ مثل: التطيب، والتكحل، وسائر وجوه الاستعمالات. قال: وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفة شذت فأباحت ذلك مطلقًا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب؛ لأنَّه لم يقف على الزيادة في الأكل. قال: واختلفوا في علة المنع، فقيل: إن ذلك يرجع إلى عينهما،

стр. 3844

ويؤيده قوله ﷺ : "هي لهم، وإنها لهم"، وقيل: لكونهما الأثمانَ وقيمَ المتلفات، فلو أبيح استعمالهما، لجاز اتخاذُ الآلات منهما، فيفضي إلى قلتهما بأيدي النَّاس، فيُجحف بهم، ومثَّله الغزاليُّ بالحكام الذين وظيفتُهم التصرفُ لإظهار العدل بين النَّاس، فلو مُنعوا التصرف، لأخلَّ ذلك بالعدل، فكذا في اتخاذ الأواني من النقدين حبسٌ لهما عن التصرف الذي ينتفع به النَّاس، ولا يرد عليه جوازُ الحلي للنساء؛ لجواز الانفصال عنه بالإذن من الشارع، ولأن نفسَ النساء من أنواع المتصرَّف فيه، والحلي بالنقدين لهن مما يروج التصرف فيهن الذي هو [من] (١) أعظم، أو أعظم أنواع التصرفات. وقيل: علة التحريم: السَّرَفُ والخُيلاء، أو كسرُ قلوب الفقراء، وقيل: التشبيه بالأعاجم (٢)، وفيه نظر؛ لثبوت الوعيد لفاعله، والتشبيه لا يصل إلى ذلك (٣)، والله الموفق.

стр. 3845

الحديث الثالث عَنِ البَرَاءَ بْنِ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: مَا رأيت مِنْ ذِي لِمَّةٍ، فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ ما بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ (١).

стр. 3846

(عن) أبي عمارة (البَراءِ) -بفتح الموحدة وتخفيف الراء والمد على المشهور- (بنِ عازبٍ) -بالعين المهملة، والزاي المكسورة- الأنصاريّ، الأوسيِّ (﵄، قال: ما رأيت من ذي)؛ أي: صاحب (لِمَّة) وهو -باللام المكسورة والميم المشددة- من شعر الرأس دون الجمة، سميت بذلك؛ لأنها ألمَّتْ بالمنكِبين، فإذا زادت، فهي الجُمَّةُ، ومنه حديث أبي رمثة: فإذا رجلٌ له لِمَّة (١)؛ يعني: النبيَّ ﷺ (٢). وفي "القاموس": اللِّمة -بالكسر-: ما تشعَّب من رأس المولود بالقهر، والشعرُ المجاوز شحمةَ الأذن، والجمعُ لِمَم، ولِمام (٣)، (في حلة)، وهي ثوبان أحدُهما فوق الآخر، وقيل: إزار ورداء، وهو الأشهر (٤). وفي "المطالع": الحُلَّة: ثوبان غير لِفْقَين، رداء وإزار، سميا بذلك؛ لأنَّ كل واحد منهما يحل على الآخر. قال الخليل: ولا يقال حلة لثوب واحد (٥). وقال أبو عبيد: الحُلَل: برود اليمن (٦). وقال بعضهم: لا يقال له حلة حتَّى تكون جديدة، لحلها عن طَيِّها (٧) (حمراء).

стр. 3847

وفي لفظ من ألفاظ حديث البراء: كان رسول الله ﷺ مربوعًا، ورأيته في حُلَّة حمراءَ ما رأيت (أحسن من رسول الله ﷺ ) (١). ولأبي داود من حديث هلال بن عامر عن أبيه: رأيت النبيَّ ﷺ يخطب بمنًى على بعير، وعليه بُرْدٌ أحمرُ (٢)، وإسناده حسن. وللطبراني بسند حسن عن طارق المحاربي، نحوُه (٣)، لكن قال: بسوق ذي المجاز (٤). والذي تلخص من أقوال السلف في لبس الثوب الأحمر سبعة أقوال كما في "الفتح". الأول: الجواز مطلقًا. جاء عن عليّ، وطلحة، وعبد الله بن جعفر، والبراء، وغيرِ واحد من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب، والنخعي، والشعبي، وأبي قِلابة، وأبي وائل، وطائفة من التابعين. الثاني: المنع مطلقًا. وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه: نهى رسول الله ﷺ عن المفدم، وهو -بالفاء وتشديد الدال المهملة-: المشبع بالعصفر كما فسره في الحديث (٥). وعن عمر ﵁: أنه كان إذا رأى على الرجل ثوبًا معصفرًا،

стр. 3848

ضربه، وقال: دعوا هذا للنساء. أخرجه الطبري. وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل الحسن: "الحمرةُ من زينة الشيطان، والشيطان يحب الحمرة" (١)، ووصله أبو علي بنُ السكن، وأبو أحمد بنُ عدي، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" من رواية أبي بكر الهذلي، وهو ضعيف، عن الحسن، عن رافع بن يزيد الثقفي، رفعه: "إن الشيطان يحب الحمرةَ، فإياكم والحمرةَ، وكلَّ ثوب ذي شهرة"، وأخرجه ابن منده (٢). وأخرج أبو داود، والترمذي، وحسنه عن عبد الله بن عمرو، قال: مَرَّ على رسول الله ﷺ رجلٌ وعليه ثوبان أحمران، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه النبيُّ ﷺ (٣). وعن رافع بن خديج، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فرأى على رواحلنا أكسيةً فيها خيوط عِهْنٍ حمر، فقال: "ألا أرى هذه الحمرةَ قد غلبتكم"، قال: فقمنا سراعًا، فنزعناها حتى نفر بعضُ إبلنا. أخرجه أبو داود (٤)، وفي سنده راوٍ لم يُسم. وعن امرأة من بني أسد، قالت: كنت عند زينبَ أمِّ المؤمنين ﵂، ونحن نصنع ثيابًا لها بمغرة، إذ طلع النبيُّ ﷺ ، فلما رأى المغرة،

стр. 3849

رجعَ، فلما رأت ذلك زينب، غسلت ثيابها، ووارت كلَّ حمرة، فجاء فدخل. أخرجه أبو داود (١)، وفي سنده ضعف. الثالث: يكره الثوب المشبع بالحمرة، دون ما كان صبغه خفيفًا، جاء ذلك عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، وكأنّ الحجة فيه حديثُ ابن عمر في المُفَدَّم. الرابع: يكره لبسُ الأحمر مطلقًا لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة. جاء ذلك عن ابن عباس ﵁. الخامس: يجوز لبسُ ما كان صُبغ غزلُه ثم نسج، ويُمنع ما صُبغ بعد النسج. جنح إلى ذلك الخطابي، واحتج بأن الحلَّة الواردةَ في الأخبار في لبسه ﷺ إحدى حلل اليمن، وكذلك البرد الأحمر، وبرود اليمن يصبغ غزلها، ثم ينسج. السادس: اختصاصُ النهي بما يُصبغ بالعصفر؛ لورود النهي عنه، لا ما صبغ بغيره من الأصباغ؛ ويعكِّر عليه حديثُ المغيرة. السابع: تخصيصُ المنع بالثوب الذي يُصبغ كلُّه، وأما ما فيه لون آخرُ غيرُ الأحمر من بياض وسواد وغيرها، فلا، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الحلة الحمراء؛ فإن الحلل اليمانية غالبًا تكون ذا [ت] خطوط حمر وغيرها. قال الإمام ابن القيم: كان بعض العلماء يلبس ثوبًا مصبغًا بالحمرة، ويزعم أنه يتبع السنة، وهو غلط؛ فإن الحلَّة الحمراء من برود اليمن، والبردُ لا يُصبغ أحمرَ صرفًا (٢).

стр. 3850

وقال في محل آخر: غلط من ظن أن الحلة كانت حمراء بحتًا لا يخالطها غيرُها، وإنما الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود كسائر البرود اليمنية، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من المخطوط، وإلا فالأحمر البحتُ نُهي عنه أشدَّ النهي (١). وقال الطبري بعد ذكره لغالب الأقوال التي حكيناها: الذي أراه: جواز لبس الثياب المصبغة بكل لون، إلا أني لا أحب لبسَ ما كان مشبعًا بالحمرة، ولا لبسَ الأحمر مطلقا ظاهرًا فوق الثياب؛ لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا، فإن مراعاة زي الزمان من المروءة، ما لم يكن إثمًا، وفي مخالفة الزي ضربٌ من الشهرة، وهذا يمكن أن يخلص منه قولٌ، فيضمَّ للسبعةِ أقوالٍ المتقدمةِ، فيكون ثامنًا (٢).

стр. 3851

الحديث الرابع عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بسَبْعٍ، وَنَهانَا عَنْ سَبْعِ: أَمَرَنَا بعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإبْرَارِ القَسَمِ أَوِ المُقْسِمِ، وَنَصرِ المَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإفْشَاءِ السَّلَامِ، وَنَهانَا عَنْ خَوَاتِيمَ، أَوْ تَخَتُّمٍ بالذَّهبِ، وَعَنِ الشُّرب بالفِضَّةِ، وَعَنِ المَيَاثِرِ، وَعَنِ القَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ (١).

стр. 3852

(عن البراء بن عازب) أيضًا (﵄، قال: أمرنا رسولُ الله ﷺ بسبع) من الخصال، (ونهانا عن سبع) بتقديم الأوامر على النواهي. قال ابن دقيق العيد: إخبارُ الصحابيِّ عن الأمر والنهي على ثلاث مراتبَ: الأولى: أن يأتي بالصيغة؛ كقوله: افعلوا، أو لا تفعلوا. الثانية: قولُه: أمرنا رسول الله ﷺ بكذا، ونهانا عن كذا، وهو كالمرتبة الأولى في العمل به، أمرًا ونهيًا، وإنما نزل عنها؛ لاحتمال أن يكون ظنَّ ما ليس بأمرٍ أمرًا، إلا أن هذا الاحتمال مرجوح؛ للعلم به بعدالته ومعرفته بمدلولات الألفاظ لغة. الثالثة: أُمِرْنا ونُهينا -على البناء للمجهول-، وهي كالثانية، وإنما نزلت عنها؛ لاحتمال أن يكون الآمرُ غيرَ النبي ﷺ (١). (أمرنا) ﵊ (بعيادة المريض)، وحمل الجمهور الأمرَ فيها على الاستحباب، فُيستحبُّ عيادةُ غيرِ مبتدِعٍ، ومثلُه مَنْ جهر بالمعصية.

стр. 3853

وقال ابن حمدان: عيادتُه فرضُ كفاية. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الذي يقتضيه النص وجوبُ ذلك، واختاره جمعٌ، والمراد: مرةً، وظاهره: ولو من وجع ضرس، ورمد، ودُمَّلٍ؛ خلافًا لأبي المعالي بن المنجا من علمائنا، وتحرُم عيادةُ الذميِّ (١). قال في "الفروع": تُستحب عيادة المريض اتفاقًا، وقيل: بعد أيام، وأوجب أبو الفرج وبعضُ العلماء عيادتَه، والمراد: مرةً، واختاره الآجري. وقال أبو حفص العكبري: السُّنَّةُ مَرَّةً، وما زاد نافلة (٢). روى الإمام مالك، بلاغًا، والإمام أحمد مسندًا، ورواته رواة الصحيح، والبزار، وابن حبان في "صحيحه" من حديث جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من عادَ مريضًا، لم يزل يخوضُ في الرحمة، فإذا جلسَ، اغتمس فيها" (٣). ورواه الطبراني، ورواته ثقات، من حديث أبي هريرة، بنحوه (٤). ورواه الإمام أحمد أيضًا، والطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" من حديث كعب بن مالك، مرفوعًا، ولفظه: "من عاد مريضًا، خاضَ في الرحمة، فإذا جلس عنده، استنقع فيها" (٥).

стр. 3854

ورواه الطبراني فيهما أيضًا من حديث عمرو بن حزم ﵁، وزاد: "وإذا قام من عنده، فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيثُ خرج" (١)، وإسناده إلى الحَسَن أقرب. وأخرج الترمذي، وحَسَّنه عن علي ﵁، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يعود مُسلمًا غُدْوَةً، إلا صلَّى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبحَ، وكان له خريفٌ في الجنة" (٢). ورواه أبو داود موقوفًا على عليٍّ، ثم قال: وأُسند هذا عن عليٍّ من غيرِ وجهٍ صحيح، عن النبي ﷺ (٣). ورواه الإمام أحمد، وابن ماجه مرفوعًا (٤). والأحاديث في هذا كثيرة شهيرة (٥). والعيادة: الزيارة والافتقاد، سميت عيادةً، قال عياض: لأن الناس يتكررون؛ أي: يرجعون، يقال: عدتُ المريض عَوْدًا وعيادةً، الياءُ منقلبةٌ عن واو (٦). وأصرحُ من هذا الحديث في إيجاب عيادة المريض قولُه ﷺ : "خمسٌ

стр. 3855

تجبُ للمسلمِ على أخيه: رَدُّ السلامِ، وتَشْميتُ العاطسِ، وإجابةُ الدعوة، وعيادةُ المريض، واتباعُ الجنازةِ" متفق عليه (١). وفي لفظ: "حَق المسلمِ على المسلم خمسٌ. . . ." رواه الشيخان، وأبو داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة (٢). ومن قال بعدم الوجوب، وهم الجمهور، يجيب بأن الأمر بذلك محمول على مزيد الترغيب في عيادة المريض، والاعتناء بها، والاهتمام بشأنها، (واتباع الجنازة)، وتقدم بيان ذلك في الجنائز، (وتشميت العاطس) إذا حَمِدَ الله تعالى. ومعنى شَمَّته -بالمعجمة والمهملة-: دعا له بقوله: يرحمُك الله، أو يرحمُكم الله. قال في "القاموس": والتسميت -بالمهملة-: ذكرُ الله تعالى على الشيء، والدعاءُ للعاطس، ولزومُ السَّمت (٣). وقال: والتشميت -بالمعجمة-: التسميتُ، والجمعُ والتحنين (٤)، انتهى. قال في "الآداب": التشميت -بالمعجمة- هي الفصحى، ومعناها:
следующие страницы →