← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

وفي رواية عند مسلم: "إياكم والتنعُّمَ، وزِيَّ أهلِ الشركِ، ولَبُوسَ الحرير" (١). وزاد الإسماعيلي: أن أبا عثمان النهدي قال: أتانا كتابُ عمرَ ونحن مع عتبةَ بنِ فَرْقَدٍ، وكان عتبةُ هذا من الصحابة، فهو صحابيٌّ جليل، وكان أميرًا لعمرَ في فتوح بلاد الجزيرة بأذربيجان، وفتحها عتبةُ سنة ثماني عشرة، وروى شعبةُ عن حُصينِ بن عبد الرحمن السلميِّ، عن أم عاصم امرأةِ عتبة: أن عتبة غزا مع النبي ﷺ غزوتين (٢). وفي "معجم الصغير" من طريق أم عاصم امرأةِ عتبةَ، عن عتبة: أنه قال: أخذني الشَّرى، وهو كما في "القاموس": بثور صغار حمرٌ حَكَّاكَة مُكْرِبةٌ تحدث دفعة غالبًا، وتشتد ليلًا؛ لبخار حارٍّ يثور في البدن (٣). قال عتبة: أخذني الشَّرى على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرني، فتجرّدتُ، فوضع يدَه على بطني وظهري، فعبق لي الطيب من يومئذٍ. قالت أم عاصم: كنا عنده أربعَ نسوة، فكنا نجتهدُ في الطِّيب، وما كان هو يمسُّه، وإنه لأَطْيَبُنا ريحًا (٤). وكان في كتاب عمرَ لعتبةَ بنِ فرقدٍ: أما بعد: فاتَّزِروا، وارتدوا، وانتعلوا، وألقوا الخِفاف والسراويلات، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيلَ، وإياكم والنعمَ وزِيَّ العَجَم، وعليكم بالشمس؛ فإنها حَمَّاُم العرب، وتَمَعْدَدوا، واخْشَوْشِنوا، واخْلَولِقوا، واقطعوا الركب، وانزوا، وأنزوا،

стр. 3887

وارموا الأغراض؛ فإن رسول الله ﷺ نهى. . . . الحديث (١). (و) في رواية (لمسلم: نهى رسول الله ﷺ عن لبس) ثياب (الحرير، إلا موضعَ إصبعينِ، أو ثلاثٍ، أو أربعٍ)، و"أو" هنا للتوزيع والتخيير. وروى أبو داود في هذا الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن الحرير، إلا ما كان هكذا وهكذا؛ إصبعين أو ثلاثة أو أربعة (٢). ورواه ابن أبي شيبة بلفظ: إن الحرير لا يصلح منه إلا هكذا، وهكذا، وهكذا؛ يعني: إصبعين وثلاثًا وأربعًا (٣). ووقع عند النسائي في رواية سويد: لم يرخص في الديباج إلا في موضع أربعة أصابع (٤). ففي هذه الأحاديث حُجة على من أجاز العَلَم من الحرير مطلقًا، ولو زاد على أربعة أصابع كما هو منقول [عن بعض المالكية، وعلى من منع العَلَم في الثوب مطلقًا، وهو ثابت] (٥) عن الحسن، وابن سيرين، وغيرهما. لكن يحتمل أنهم امتنعوا منه ورعًا، وإلا، فالحديث حجةٌ عليهم، وكأنهم لم تبلغهم الأحاديث في الرخصة في ذلك.

стр. 3888

قال النووي: وقد نُقل مثلُ ذلك عن مالك، وهو مذهب مردود (١)، وكذا قولُ من أجازه بغير تقدير (٢). قال في "الفروع": ويباح منه -أي: الحرير- العَلَمُ إذا كان أربعَ أصابعَ مضمومةٍ فأقلَّ، نصّ عليه، ونقل عليه اتفاقَ الأئمة الأربعة، ثم قال: وفي "الوجيز": دونها، وفي "المحرر" (٣) وغيره: قدر كَفٍّ وإن كثر في أثواب، ولبنة جيبٍ، وسجفِ فراء، ويُباح لبسُ الحرير الخالص لمرض، أو حكة، أو جرب، ويباح كيسُ مصحف، وأزرار، وخياطة به، وحَشْو جباب وفُرش، ولا يحرم لبسُ الحرير لحاجة (٤)، والله الموفق.

стр. 3889

كتاب الجهاد - بكسر الجيم-: مصدر جاهد جهادًا ومُجاهدة، وجاهدَ فاعلَ من جهد: إذا بلغَ في قتل عدوه وغيره جهدَه، ويقال: جهده المرضُ، وأجهده: إذا بلغ به المشقة، وجَهدتُ الفرسَ وأَجهدتُه: استخرجتُ جهدَه. والجَهْد -بالفتح-: المشقة، و-بالضم-: الطاقة، وقيل: -بالضم والفتح- في كل واحد منهما. فمادة جهد حيث وجدت، ففيها معنى المبالغة. وهو في الشرع: عبارةٌ عن قتال الكفار خاصَّةً لإعلاء كلمة الله (١). والجهاد في الله: بذل الجُهد في أعمال النفس وتذليلها في سبيل الشرع، والحملُ على مخالفة النفس؛ من الركونِ والدعةِ واللذَّات، واتباع الشهوات. والجهاد فرضُ كفاية على كلِّ مكلَّفٍ، ذكرٍ حرٍّ واجدٍ -ولو من الإمام- ما يحتاجه هو وأهلُه لغيبته، ومع مسافة قصر مركوبًا (٢). وذكر في "الفروع" رواية عن الإمام أحمد: أنه يلزمُ عاجزًا ببدله في

стр. 3890

ماله، اختاره الآجريُّ، وشيخ الإسلام ابن تيمية؛ كحج على معضوب، وأولى (١). وإذا قام بالجهاد طائفةٌ، كان سُنة في حق غيرهم، صرح به في "الروضة". وفي "الفروع" أيضًا: يتوجَّه احتمال: يجب الجهادُ باللسان، فيهجوهم الشاعرُ، قال ﷺ لحسانَ: "اهْجُ المشركين" رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وغيرهم (٢). وللإمام أحمد بإسناد صحيح: أن كعبًا قال له: إن الله أنزل في الشعر ما أنزل، فقال: "المؤمنُ يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده! لكأن ما ترمونهم به نَضْحُ النَّبْل" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الجهاد منه بالقلب، والدعوة، والحجة، والبيان، والرأي، والتدبير، والبدن، فيجب بغاية ما يمكنه، والحرب خدعة (٤). وذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب تسعة عشر حديثًا:

стр. 3891

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ فِي بَعضِ أَيامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيها العَدُوَّ، انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَمسُ قَامَ فِيهِم، فَقَالَ: "يا أيها النَّاسُ! لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَاسْألوا الله العَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُم، فَاصبِرُوا، وَاعلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ"، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ مُنْزِل الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهازِمَ الأَحزَابِ! اهْزِمهُمْ، وَانْصُرنَا عَلَيْهِم" (١).

стр. 3892

(عن) أبي إبراهيمَ (عبد الله بن أبي أوفى)، واسمه علقمة كما تقدم في كتاب: الأطعمة (﵁) كتب إلى عمر بن عبيد الله حين سار إلى الحَرورية يخبره: (أن رسول الله ﷺ كان في بعض أيامه التي لقي فيها العدوَّ) من الكفار لأجل القتال والجهاد لإعلاء كلمة الله (انتظر)؛ أي: أمسك عن القتال ﷺ (حتى مالتِ الشمسُ) عن كبد السماء؛ لأنها إذا زالت، تَهُبُّ رياح النصر، ويتمكن من القتال بوقت الإبراد وهبوب الرياح؛ لأن الحرّ كلما اشتدَّ، حمي المقاتلون، وحركتهم الشياطين؛ لأنها لا تَقيل، ويحمى سلاحُهم، فإذا هبت الأرواح، بَرَّدَتْ من حَرِّهم، ونشَّطتهم، وخَفَّفت أجسامهم، فلا يثبتون لقتال المسلمين؛ لما حصل لهم من التأييد السّديد بهبوب الريح التي هي من نفس الرحمن، فارتاحوا لهبوبها، واشتد جأشُهم، وقوي عزمُهم بما أُيِّدوا به (١). وقد روى الترمذي من حديث النُّعمانِ بنِ مقرن، قال: غزوتُ مع النبي ﷺ ، فكان إذا طلع الفجر، أمسكَ حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت، قاتل، فإذا انتصف النهار، أمسك حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس، قاتل حتى العصر، ثم يمسك حتى يصلي العصر، ثم يقاتل، وكان يقاتل في محلِّ الصلوات؛ أي: بعدها؛ لأنه عند ذلك تهيج رياح النصر، ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلواتهم (٢). وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وصححه عنه، قال: كان إذا لم يقاتل أول النهار، أَخَّر القتالَ حتى تزول الشمس، وتهبَّ الرياحُ،

стр. 3893

وتحضر الصلواتُ، وينزل النصر (١). وأخرجه البخاري، وقال: انتظر حتى تهبَّ الرياح وتحضرَ الصلوات (٢). وروى الإمام أحمد في "مسنده" من حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان النبي ﷺ يحبُّ أن ينهض إلى عدوِّه عند زوال الشمس (٣). وروى الطبراني من حديث عتبةَ بنِ غزوان السلميِّ ﵁، قال: كنا نشهد مع رسول الله ﷺ القتال، فإذا زالت الشمس، قال لنا: "احملوا"، فحملنا (٤). وروى الطبراني أيضًا من حديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ كان إذا لم يلقَ العدوَّ أولَ النهار، أَخَّرَ حتى تهبَّ الرياح، ويكونَ عند مواقيت الصلاة (٥). ثم (قام) ﷺ بعد الزوال (فيهم)؛ أي: في الصحابة ممن كان معه في تلك الغزاة، (فقال) ﵇: (أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو) وأصلُ التمني: أن يشتهي الإنسان حصولَ الأمر المرغوبِ فيه، وحديثُ النفس بما يكون، وما لا يكون.

стр. 3894

قال ابن بطال: حكمةُ النهي: أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه أمره، وهو نظير العافية من الفتن. وقد قال الصديق الأعظم: لأَنْ أُعافى فأشكرَ أحبُّ إليَّ من أن أُبتلى فأصبرَ (١). وقال غيره: إنما نهى عن تمني لقاء العدو؛ لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفوس، والوثوق بالقوة، وقلة الاهتمام بالعدو، وكل ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم. وقيل: يُحمل النهي على ما وقع الشكُّ فيه في المصلحة أو حصول الضرر، وإلا، فالقتال فضيلة وطاعةٌ، ويؤيد الأولَ تعقب النهي بقوله ﷺ : (واسألوا الله العافية) (٢). قال ابن دقيق العيد: لما كان الموت من أشق الأشياء على النفوس، وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحققة، لم يؤمَن ألا يكونَ عند الوقوع كما ينبغي، فكُره التمني لذلك، ولِما فيه من أن يقع ما يخالف الإنسان ما وَعَدَ من نفسه (٣). والعافية: من الكلمات الجامعة لكل خير من دنيوي وأخروي. ولهذا قال ﷺ كما في حديث الصديق الأعظم ﵁ عند

стр. 3895

الإمام أحمد، والترمذي: "سَلُوا الله العفوَ والعافيةَ؛ فإنَّ أحدَكم لم يُعْطَ بعد اليقين خيرًا من العافية" (١). وروى الإمام أحمد أيضًا، وابن ماجه من حديث أنس ﵁: "أفضلُ الدعاء أن تسألَ رَبَّكَ العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة؛ فإنك إذا أُعطيتَهما في الدنيا، وأعطيتهما في الآخرة، قد أفلحتَ" (٢). قال الجلال السيوطي في تفسير العافية: هي أن تسلمَ من الأسقام والبلايا (٣). وقال: هي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن وغيره، من الظاهر والباطن، في الدين والدنيا والآخرة، والفلاح والبقاء، والفوز والظفر. (فإذا لقيتموهم)؛ أي: أعداءَ الله ورسولهِ، (فاصبروا)، ولا تخافوا، واثبتوا، ولا تفروا عند إرادة القتال، ولا عند الشروع فيه، ولا حال قتال عدوكم، فإذا صبرتم، فإن الله يؤيدكم، وينصركم، ويثبت أقدامكم، (واعلموا أن الجنة) المعهودةَ وهي جنةُ الخلد (تحت ظلال السيوف)؛ أي: ثوابُ الله والسببُ الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله تعالى.

стр. 3896

وقال الحافظ ابن الجوزي: المراد: أن دخول الجنة يكون بالجهاد (١). والظلال: جمع ظِلّ، فإذا دنا الشخص من الشخص، صار تحت ظل سيفه، فإذا تدانى الخصمان، وتلازما، صار كل واحد منهما تحت ظل سيف الآخر، والجنةُ تُنالُ بهذا (٢)، وهذا المراد ببارقة السيوف. وفي حديث أبي موسى عند الحاكم: "الجنة تحت ظلال السيوف" (٣). يقال: برق السيف: إذا تلألأ. وقد تطلق البارقةُ، ويراد بها: نفس السيوف (٤). وأخرج الطبراني من حديث عمار بن ياسر ﵁ بإسناد صحيح: أنه قال يوم صِفِّين: الجنة تحت الأبارقة (٥)، وهي السيوفُ اللامعة. قال في "الفتح": الصواب: تحت البارقة (٦). قال العيني: قال الخطابي: الأبارقة: جمع إبريق، وسمي السيف: إبريقًا. وكذا فسر ابنُ الأثير كلامَ عمار: الجنة تحت الأبارقة، أي: تحت

стр. 3897

السيوف (١)، فلا وجه حينئذٍ لدعوى الصواب (٢)؛ يعني: أنه لا وجه لقول الحافظ ابن حجر: الصواب: البارقة. (ثم قال النبي ﷺ ) في مقامه ذلك داعيًا بالنصر والتأييد لعباده الأبرار، وبالهزيمة والخذلان والفرار لأعدائه الكفار: (اللهم)؛ أي: يا ألله! حذف منه حرف النداء تخفيفًا، وعوض عنه حرف الميم، ولهذا لا يُجمع بينهما في اختيار الكلام، (منزلَ الكتاب) وهو القرآن العظيم، (ومُجريَ السحاب) بين السماء والأرض مُسَخَّرا لحمل الماء، (وهازمَ الأحزاب) الذين تَحَزَّبوا على رسول الله ﷺ ، وساروا لمحاربته وقتاله، وهي وقعة الخندق. وكان رئيسَ قريش أبو سفيان صخرُ بنُ حرب، وكان عِدَّةُ قريش أربعةَ آلاف، فعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمانُ بنُ طلحة، وأسلمَ بعد ذلك، وقادوا معهم ثلاثَ مئة فرس، وكان معهم ألفٌ وخمسُ مئة بعير، ولاقتهم بنو سُليم بمرِّ الظهران في سبع مئةٍ يقودُهم سفيانُ بنُ عبد شمس بن أبي الأعور السلمي الذي كان مع معاوية بصفين، وسار مع الأحزاب بنو أسد بن خزيمة، وقائدها طليحة بن خويلد الأسدي، وأسلم بعد ذلك. ومن الأحزاب -أيضًا- غطفانُ من قيس عيلان من بني فزاره ألفٌ يقودهم عُيينة بنُ حِصن بن حُذيفةَ بنِ بدر، وأسلم بعد ذلك، وأشجعُ، وقائدها مسعودُ بنُ رُخَيْلَة -بضم الراء وفتح الخاء المعجمة- بنِ نويرة الأشجعي ثم الغطفاني، وأسلم بعد ذلك، وهم أربع مئة. ومنهم بنو مرة في أربع مئة أيضًا يقودُهم الحارثُ بن عوفٍ المريُّ، وأسلم بعد ذلك.

стр. 3898

فكان جملة الأحزاب الذين وافوا الخندقَ من قريش، وسليم، وأسد، وغطفان عشرة آلاف. فهناك ابتُلي المؤمنون، وزُلزلوا زلزالًا شديدًا، فأتت المشركين ريحٌ شديدة وجندٌ عظيمة، فزلزت جمعَهم، وكسرت شوكتهم، وأخمدَت صَولَتَهم، فهُزموا راجعين إلى بلادهم، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]. والوقعة مبسوطة، وأحوالُها مضبوطة في كتب السير (١)، وقد بينا ذلك في سيرتنا "معارج الأنوار شرح نونية الصرصري" بما يشفي ويكفي، ولله الحمد. وفي رواية فيهما: "اللهمَّ منزِلَ الكتاب سريعَ الحساب، هازم الأحزاب (٢)! (اهزمهم) "؛ أي: اكسرهم؛ يعني: الكفار، "وبدِّدْ شملَهم". وفي لفظ: "اهزمهم وزلزلهم" (٣)، دعا ﷺ عليهم أَلَّا يسكنوا ولا يستقروا. وقال الداودي: أراد أن تطيش عقولُهم، وترعد أقدامهم عند اللقاء، فلا يثبتون (٤).

стр. 3899

فإن قيل: قد نهى ﷺ عن السجع، وهذا سجع؛ فإن السجع -بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها عين مهملة-: هو موالاة الكلام على رَوِيٍّ واحدٍ، ويقال: هو تناسب أواخرِ الكلمات لفظًا، ومنه: سجعت الحمامةُ: إذا رددت صوتها. وقال الأزهري: هو الكلامُ المقفَّى من غير مراعاةِ وزنٍ، انتهى (١). وقال الجلال السيوطي: السجعُ: تواطؤ الفاصلتين على حرف واحد، وهو معنى قولهم: السجعُ في النثر كالقافية في الشعر. فالجواب: أن السجعَ المنهيَّ عنه سجعُ الجاهلية، وسجعُ الكهان، والأسجاعُ المتكلَّفة، وأما إذا صدرَ اتفاقًا من غير تكلُّف ولا قصد، فهو حسن. قال ابن التين: يكفي في حُسنه ورودُه في القرآن، ولا يقدح في ذلك حظرُه في بعض الآيات؛ لأن الحسن قد يقتضي المقام إلى ما هو أحسن منه. وقال الخطابي: السجعُ محمود لا على الدوام (٢)، ولذلك لم تَجِىءْ فواصل القرآن كلُّها عليه، والله أعلم. وفي الحديث من الفوائد: انتظارُ الأمر بالقتال إلى بعد الزوال؛ لتهب رياح النصر، ويحصل عوده للمسلمين عقبَ الصلوات للغزاة والمجاهدين. وفيه: امتثال الجيش لأميرهم.

стр. 3900

وفيه: تعليم الأمير للجند ما ينبغي ويسوغ لهم من طرح الاعتماد على الكثرة والقوة، والتبري من الحول، والاعتماد على الله تعالى في جميع الأمور. وفيه: الحث على الصبر والترغيب في الأجر، وسؤال العافية الجامعة لكل خير، وتنهيض النفوس والهمم إلى ما يوصل إلى دار النعيم والكرم. وفيه: الدعاء على الكفار، والثناء على الله تعالى بما هو أهلُه مما يناسب المقام من الآثار، والدعاء بالمعونة والانتصار؛ كما في دعاء النبي المختار، ﷺ ما تعاقب الليل والنهار (١).

стр. 3901

الحديث الثاني عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْها، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُم فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْها، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُها العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ الغَدوَةُ خَيرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْها" (١).

стр. 3902

(عن) أبي العباس (سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ) الخزرجيِّ الأنصاريِّ (﵁)، وتقدمت ترجمته في باب: صلاة الجمعة: (أن رسول الله ﷺ قال: رباطُ يوم) من الأيام (في سبيل الله). الرباط: مصدر رابطَ رِباطًا ومُرابطة: إذا لزمَ الثغرَ مُخيفًا للعدوِّ، وأصلُه من ربطِ الخيل؛ لأن كلًا من الفريقين يربطون خيلَهم مستعدين لعدوهم (١). قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. قال زيد بن أسلم: أي: اصبروا على الجهاد، وصابروا العدو، ورابطوا الخيل على العدو (٢) (خيرٌ من الدنيا)؛ أي: ثوابُها أفضلُ من نعيم الدنيا كلِّها لو تصور أن إنسانًا ملكَها وتنعَّم بها كلها؛ لأنه زائل، ونعيم الآخرة باقٍ. قال القرطبي: وهذا منه ﵇ إنما هو على ما استقر في النفوس من تعظيم ملك الدنيا، وأما على التحقيق، فلا تدخل الجنة مع الدنيا تحت أفضل إلا كما يقال: العسلُ أحلى من الخَل. وقيل: معنى ذلك: ثوابُ رباطِ يوم في سبيل الله أفضلُ من الدنيا لو ملَكَها مالكٌ فأنفقَها في وجوه البِرِّ والطاعة غيرِ الجهاد. قال: وهذا أليق. والأول أسبق، انتهى (٣). وقال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من باب تنزيل المُغَيَّب منزلةَ المحسوس؛ تحقيقًا له

стр. 3903

في النفس؛ لكون الدنيا محسوسة في النفس، مستعظَمَة في الطباع، فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا، فمن المعلوم أن جميعَ ما في الدنيا لا يساوي ذرة مِمَّا في الجنة. الثاني: المراد: أن هذا القدرَ من الثواب خيرٌ من الثواب الذي يحصُل لمن لو حصلَتْ له الدنيا كلها، لأنفقها في طاعة الله تعالى (١). ويؤيد الثانيَ ما رواه الإمام عبدُ الله بن المبارك من مرسَل الحسن، قال: بعثَ رسول الله ﷺ جيشًا، فيهم عبدُ الله بنُ رواحة، فتأخر ليشهدَ الصلاة مع النبيِّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : "والذي نفسي بيده! لو أنفقتَ ما في الأرض جميعًا، ما أدركْتَ فضلَ غَدْوَتِهم" (٢). والحاصل: أن المراد: تسهيلُ أمر الدنيا، وتعظيمُ أمر الجهاد، وأنَّ من حصلَ له من الجنةِ قدرُ سوط يصير كأنه حصل له أعظمُ من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصلَ له منها أعلى الدرجات؟!. والنكتة في ذلك: أن سبب التأخير عن الجهاد الميلُ إلى سبب من أسباب الدنيا، فنبَّه المتأخرَ أن هذا القدرَ اليسيرَ من الجنة أفضلُ من جميع ما في الدنيا (٣)، (وما عليها)؛ أي: على الدنيا. وفائدة العدول عن قوله: وما فيها: هو أن معنى الاستعلاء أعمُّ من

стр. 3904

الظرفية، وأقوى، فقصده لزيادة المبالغة. كذا قال العيني في "شرح البخاري" (١). (وموضع سوطِ)؛ أي: مِقْرَعَهِ (أحدِكم) معشرَ المسلمين، وسمي سوطًا؛ لأنه يخلط اللحمَ بالدم، وجمعه سِياط، وأسواط (٢) (من الجنة)؛ أي: جنة الخلدِ (خيرٌ من الدنيا) الفانيةِ، (وما عليها)؛ لأنها فانية، وكل شيء في الجنة باقٍ، وإن صغر في التمثيل لنا، وليس فيه صغير، فهو أدومُ وأبقى من الدنيا الفانية المنقرضة، فكان الدائم الباقي خيرًا من المنقطع الفاني -كما قدمناه آنفًا (٣) -. (والرَّوْحة) المرةُ الواحدةُ من الرواح (٤)، وهي -بفتح الراء-، والرواح: المجيء (يروحها العبد). قال العيني: الروحةُ: من الزوال إلى الليل، قال: وهي -بالفتح-: المرةُ الواحدة من الرواح، وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها، كذا قال (٥). وفي "الترغيب والترهيب" للحافظ المنذري: الروحة: المجيء، (أو الغَدْوة) -بفتح الغين المعجمة-: المرة من الغُدُوّ (٦)، وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه (٧).

стр. 3905

قال النووي: و"أو" هنا للتقسيم، لا للشك، ومعناه: أن الروحة يحصُل بها الثواب، وكذا الغدوة. قال: والظاهر أنه لا يختص في ذلك بالغدو والرواح من بلدته، بل يحصل ذلك بكل غدوة أو روحة (١) (في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها) كما مرَّ. [فإن قلت: من أفضل الرباط وإلا الجهاد] (٢)؟ فالجواب: أنها مسألةُ خلاف، إلا أن الجهاد أفضلُ من الرباط؛ لأن الرباط يراد للجهاد، وهو من شُعبه وتَعَلُّقاته. والحديث ظاهر في تفضيل الجهاد عليه؛ لأنه رتب على رباط يوم من الثواب مثلَ ما رتَّب على الغدوة والروحة، مع كثرة العمل في اليوم، وقلَّته في الروحة والغدوة. قال علماؤنا: وأفضلُ ما يُتطوَّع به الجهادُ، وهو أفضل من الرباط؛ لأنه أشقُّ، وهو مقصود في نفسه، والرباطُ وسيلة، ولأن فيه حقنَ دماء المسلمين، وسفكَ دماء الكافرين (٣). تتمات: الأولى: يُسن الرباطُ بثغر تقويةً للمسلمين، وإرهابًا للكافرين، وأقلُّه ساعةٌ، وتمامُه أربعون يومًا، وإن زاد، فله أجرُه، وهو بأشدِّ الثغور خوفًا

стр. 3906

أفضلُ، وأفضلُ من المُقام بمكةَ المشرفةِ، والصلاةُ بمكةَ أفضلُ من الصلاة بالثغر، ويُكره لغير أهل الثغر نقلُ أهلِه من الذريَّةِ والنساء إليه، لا إلى غيرِ مَخوفٍ كأهلِ الثغر. ذكرَ أبو داودَ للإمام أحمد ﵁ منعةَ طرسوس وغيرها، فكرهه، ونهى عنه. قلت: تخافُ عليه الإثمَ؟ قال: كيف لا أخاف يعرض بذريته للمشركين؟ قيل له: فأنطاكية؟ قال: لا ينقلهم إليها؛ فإنه قد أغير عليهم منذ سنين قريبة من ساحل الشام كلها إذا وقعت الفتنة، فليس لأهل خراسان عندهم قدر، يقوله في الانتقال إليها بالعيال. قيل: فالأحاديث: "إن الله تكفل لي بالشام" (١)؟ فقال: ما أكثرَ ما جاء فيه. قلت: فلعلها في الثغور. قال: إلا أن تكون الأحاديث في الثغور. وقال مرة: الأرض المقدسة أين هي؟ ولا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق هم أهل الشام. قال: قعوده عليهم أفضل، والتزويج به فضل، نص على ذلك. الثانية: في بعض ما روي في "الترغيب" في الرباط: روى الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي من حديث سلمان الفارسي ﵁، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "رباطُ يوم وليلةٍ خيرٌ

стр. 3907

من صيامِ شهرٍ وقيامهِ، وإن ماتَ، جرى عليه عملُه الذي كان عمله، وأُجري عليه رزقُه، وأمِنَ الفتانَ" (١). وروى الإمام أحمد، والنسائي أيضًا، من حديث عثمان بن عفان ﵁، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "خيرٌ من ألفِ يومٍ فيما سواه من المنازل" (٢). وروى الإمام أحمد عن عثمان أيضًا ﵁: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "حرسُ ليلةٍ في سبيل الله أفضلُ من ألفِ ليلةٍ يُقام ليلُها ويُصام نهارُها" (٣). وروى الترمذي، وحسَّنه من حديث ابن عباس ﵄، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "عينانِ لا تَمَسُّهما النارُ: عينٌ بكتْ من خشية الله، وعين باتت تحرسُ في سبيل الله" (٤). وأخرج أبو داود، والترمذي، وقال: حَسَنٌ صحيحٌ، والحاكم، وقال: صحيحٌ على شرط مسلم، وابن حبان في "صحيحه" عن فَضالة بن عُبيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "كلُّ ميتٍ يُختم على عمله، إلا

стр. 3908

المرابطَ في سبيل الله، فإنه ينمى عملُه إلى يوم القيامة، ويؤمَنُ من فتنة القبر" (١). وروى الطبراني، ورواته ثقات، عن أبي الدرداء ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: "رباطُ شهرٍ خير من صيامِ دهرٍ، ومن ماتَ مرابطًا في سبيل الله، أَمِنَ من الفزعِ الأكبر، وغُدِيَ عليه برزقِه ورِيحَ من الجنة، ويجري عليه أجرُ المرابط حتى يبعثه الله " (٢). وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة جدًا (٣). الثالثة: قال ابن التين: شرطُ الرباط أن يكونَ غيرَ وطنِ المرابطِ. قاله ابنُ حبيب عن الإمام مالك، ونظر فيه غيرُ واحد، بل المعتمدُ حصولُ هذا الثواب لمن نوى بإقامته في ثغر من ثغور الإسلام، ولو بأهله، الدفعَ للأعداء؛ لأن الرباط المقصودُ منه الإقامةُ في نحور العدو، وحفظُ ثغور الإسلام، وصيانتُها عن دخول العدو إلى حوزة بلاد المسلمين. وهذا حاصل بالمقيم بأهله كالآفاقِيِّ، بل الأولُ أولى كما لا يخفى (٤)، والله تعالى الموفق.

стр. 3909

الحديث الثالث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "انْتدبَ اللهُ"، وَلِمُسْلِمٍ: "تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلأَجِهاد فِي سَبِيلِي، وَإِيمَان بِي، وَتَصدِيقُ برَسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِن أَنْ أدخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ أَرجِعَهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْر أَوْ غَنِيمَةٍ" (١). وَلِمُسْلِمٍ: "مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَاللهُ أَعلَمُ بمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ- كمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِه بِأَنْ تَوَفَّاهْ أَنْ يُدخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" (٢).

стр. 3910

(عن أبي هريرة) عبدِ الرحمنِ بنِ صخرٍ (﵁، عن النبيِّ ﷺ ): أنه (قال: انتدَبَ اللهُ) لمن يخرج في سبيله؛ أي: أجابه إلى غفرانه، يقال: ندبتُه، فانتدبَ؛ أي: بعثتُه ودعوتُه، فأجابَ (١). وفي "الفتح": انتدب -بالنون-؛ أي: سارعَ بثوابه وحسنِ جزائه، وقيل: معناه: تكفَّلَ بالمطلوب (٢). ويُدلُّ له روايةُ البخاري في آخر الجهاد: "وتكفل الله" (٣)، ووقع في البخاري في رواية الأصيلي: "ائتدب" -بياء تحتانية مهموزة بدل النون من المأدبة. قال في "الفتح": وهو تصحيف، وإنه تكلف توجيهه؛ لأن إطباقَ الرواة على خلافه دليل على أنه خطأ (٤).

стр. 3911

(ولمسلم) في "صحيحه": (تَضَمَّنَ اللهُ). وفي رواية لمسلم أيضًا: "تكفل الله" (١) (لمن خرج في سبيله). وفي لفظ: "لمن جاهد في سبيله وتصديق كلمته" (٢) (لا يخرجه) من وطنه، ولا يزعجه من سكنه (إلا جهادٌ) -بالرفع- فاعل يخرج، والاستثناء مفرغ، وفي رواية لمسلم -بالنصب (٣) -. قال النووي: هو مفعول له (٤). (في سبيلي) لإعلاء كلمتي، فيه عُدولُ عن ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم، فهو التفات. قال ابن مالك: اللائق في الظاهر هاهنا: في سبيله، ولكنه على تقدير اسم فاعل من القول منصوب على الحال؛ أي: انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلًا، ويعقب عليه بأن حذف الحال غير جائز، وأن اللائق غير لائق، فالأولى أنه من باب الالتفات (٥). (وإيمان بي)، وبوعدي ووعيدي؛ من خوف ناري، ورغبة في جنتي، (وتصديق برسلي) الذين بعثتهم برسالتي، ومننت بهم على بريتي (فهو علي ضامن)؛ أي: ذو ضمان (أن أدخله الجنة)؛ أي: ضمن الله -جل شأنه- لمن توفي في سبيله أن يدخله الجنة (أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه) إن لم يستشهد (نائلًا)؛ أي: صائبًا (ما نال)؛ أي: ما أصاب؛ أي: الذي

стр. 3912

صابه (من أجر)؛ أي: ثواب (أو غنيمة) من مال ونحوه. قال الكرماني: يعني: لا يخلو من الشهادة أو السلامة، فعلى الأول يدخلُ الجنة في الحال، وعلى الثاني: لا ينفك من أجر أو غنيمة، مع جواز الاجتماع بينهما، فهي قضية مانعة الخلو، لا مانعة الجمع (١). قال العيني في "شرح البخاري": لفظ الضمان والتكفل والتوكُّل والانتداب الذي وقع في الأحاديث كلها بمعنى تحقيق الوعد على وجه الفضل منه، وعبر ﵇ عن الله بتفضيله بالثواب بلفظ الضمان ونحوه بما جرت به العادة بين الناس بما تطمئن به النفوس، وتركن إليه القلوب (٢). ومن هذا حديث: "من مات في سبيل الله، فهو ضامنٌ على الله أن يُدخلَه الجنةَ"؛ أي: ذو ضمان؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. هكذا أخرجه الهروي، والزمخشري من كلام علي -رضوان الله عليه- كما في "النهاية" (٣). (ولمسلم) في "صحيحه". قلت: بل هو في البخاري أيضًا (مثلُ المجاهدِ في سبيل الله -واللهُ أعلمُ بمن يجاهد في سبيله) هذه جملة معترضة، يعني: الله أعلمُ بعقد نيته، إن كانت خالصة لإعلاء كلمة الله تعالى، فذلك هو المجاهد في سبيل الله، وإن كان في نيته حبُّ المال والدنيا، وحب الذكر والثناء، وأن يقال: فلان

стр. 3913

شجاع ومجاهد، فيكون قد أشرك مع سبيل الله سبيلَ الدنيا (١). وفي "المستدرك" على شرطهما: أَيُّ [المؤمنين] (٢) أكملُ إيمانًا؟ قال: "الذي يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه" (٣). (كمثل الصائم القائم). زاد النسائي: "الخاشع الراكع، الساجد" (٤). وفي "الموطأ"، وابن حبان: "كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع" (٥). وفي رواية عند الإمام أحمد من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم نهاره، القائم ليله" (٦). (وتوكَّلَ اللهُ)؛ أي: ضمن (للمجاهد في سبيله). وفي رواية لمسلم من طريق الأعرج عن أبي هريرة: "تكفل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه من بيته إلا جهادٌ في سبيله، وتصديق كلمته" (٧).

стр. 3914

وكذلك أخرجه مالك في "الموطأ" عن أبي الزناد (١). وفي رواية الدارمي من وجه آخر عن أبي الزناد بلفظ: "لا يخرجه إلا الجهادُ في سبيل الله وتَصْديقٌ بكلماته" (٢). (بأن توفاه)، كذا في جميع النسخ المعتبرة من "الصحيحين"، و"العمدة"، وغيرها. إلا أن لفظ البخاري: "بأن يتوفاه" بصيغة المضارع (٣). ورأيت في بعض هوامش نسخ "العمدة": "بأن إذا توفاه" بزيادة "إذا" (أن يدخله الجنة). قال العيني في "شرح البخاري": "أن" في الموضعين مصدرية، تقديره ضمنَ الله بتوفيته بدخوله الجنة. قال: وفي رواية أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان: "إن توفاه" بالشرطيةِ، والفعلِ الماضي. أخرجه الطبراني (٤). قال البدر العيني في قوله: "أن يدخله الجنة": أي: بغير حساب ولا عذاب، أو المراد: يدخله الجنةَ ساعةَ موته (٥). وقال ابن التين: إدخالهُ الجنةَ يحتمل أن يدخلها إثرَ وفاته تخصيصًا للشهيد، أو بعد البعث، ويكون فائدة تخصيصه أن ذلك كفارة لجميع

стр. 3915

خطايا المجاهد، فلا توزن مع حسناته (١)، (أو) إن لم يَتَوَفَه في تلك الغَزاة أن (يَرْجِعَه) -بفتح الياء ونصب العين المهملة عطفًا على: أن يتوفاه- (سالمًا) حال من الضمير المنصوب في يرجعه (مع أجر)؛ أي: ثواب عظيمٍ كما يرشد إليه التنكير، (أو غنيمة) إنما أدخل "أو" بين الأجر والغنيمة؛ لأنه قد يرجع مرة بأجر من غير غنيمة. قيل: وربما رجع بالغنيمة من غير أجر. وتقدم أنها مانعة الخلو دون الجمع. والحاصل: أنه إن رجع، يرجع بالأجر ولابُدَّ، سواء كانت غنيمة، أو لا، كما أشار إليه ابن بطال. وقال ابن التين، والقرطبي (٢): إن "أو" هنا بمعنى الواو الجامعة على مذهب الكوفيين. وقد سقطت الألف في أبي داود، [و] (٣) في بعض روايات مسلم (٤)، وبه جزم ابنُ عبد البر (٥)، ورجحه التوربشتي شارحُ "المصابيح"، والتقدير: أو يرجعه بأجر وغنيمة، وكذا وقع عند النسائي من طريق الزهريّ عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بالواو (٦)، وذهب بعضهم إلى أن "أو" على بابها، وليست بمعنى الواو؛ أي: أجر لمن يغنم،

стр. 3916

أو غنيمة ولا أجر، وهذا منظور فيه (١). وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مرفوعًا: "ما من غازية تغزو في سبيل الله، فيصيبون الغنيمةَ، إلا تعجَّلوا ثُلُثَيْ أجرِهم من الآخرة، ويَبْقى لهم الثلثُ، فإن لم يصيبوا غَنيمة، تَمَّ لهم أَجْرُهم" رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٢). وفي رواية لمسلم وغيرِه: "ما من غازيةٍ أو سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ أو تُصابُ، إلا تَمَّ أُجورُهم" (٣). قال أهل اللغة: الإخفاق: أن يغزوا فلا يغنموا شيئًا. وأصحُّ ما قيل في شرح هذا الحديث: أن معناه: أن الغُزاة إذا سلموا وغَنِموا يكونُ أجرُهم أقلَّ من أجرِ من لم يسلم، أو يسلم ولم يغنم، وتكون الغنيمةُ في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم، فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المرتَّب على الغزو، فتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر (٤).

стр. 3917

الحديث الرابع وعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكلْمُهُ [يَدْمَى] (١)، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ" (٢).

стр. 3918

(وعنه)؛ أي: عن أبي هريرة ﵁، (قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مكلوم)؛ أي: مجروح (يُكْلَمُ) -بضم التحتانية وسكون الكاف وفتح اللام على صيغة المجهول من الكَلْم -بفتح الكاف وإسكان اللام-. وفي الحديث: إنا نقوم على المرضى، ونداوي الكَلْمى (١)، هي جمع كليم، وهو الجريح، فَعيل بمعنى مفعول (٢). وصدر الحديث كما في "الصحيحين": "والذي نفسُ محمدٍ بيده! ما من مكلومٍ يُكْلَم (في سبيل الله) " (٣). زاد في البخاري وغيرُه: "واللهُ أعلمُ بمن يُكلم في سبيله" (٤)، وهي جملة معترضة أشار بها إلى التنبيه على شرطية الإخلاص في نيل هذا الثواب (٥). (إلا جاء) ذلك المكلومُ الذي كُلِمَ في سبيل الله (يومَ القيامة) ونشرِ العبادِ من قبورهم للحساب والجزاء من الكريم الوهاب، (وكَلْمُهُ)، أي: جرحُه (ينبع)؛ أي: يخرج ويشخب (دمًا) من نبعَ الماءُ ينبع -مثلثة- نبعًا ونُبوعًا: خرج من العين، والينبوع: العينُ والجدول الكثير الماء (٦). وفي نسخة معتمدة من نسخ "العمدة": "وكلمه يَدمَى"، (لونه) من ذلك

стр. 3919

الخارج من الجرح (لونُ دَمٍ) من كونه أحمرَ، (والريح) الذي يفوح من ذلك الكلم والخارج منه (ريحُ مسك) أَذْفَرَ. وفي رواية: "كلُّ كَلْمٍ يُكْلَم في سبيل الله، تكونُ يومَ القيامةِ كهيئتها يومَ طُعنت تفجر دمًا، اللونُ لونُ دم، والعَرْفُ عَرْفُ مِسْكٍ" (١). قال المنذري وغيُره: العَرْفُ -بفتح العين المهملة وإسكان الراء-: هو الرائحة (٢). وفي هذا دليل على أن الشهيد يُبعث في حالته وهيئته التي قُبض عليها. والحكمة فيه: أن يكون معه شاهد فضيلة ببذل نفسه في طاعة الله (٣). وفيه: أن الشهيد يُدفن بدمائه وثيابه، ولا يُزال عنه الدمُ بغسلٍ ولا غيره؛ ليجيء يوم القيامة كما وصف النبيُّ ﷺ . قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": وفيه نظر؛ لأنه لا يلزمُ من غسل الدم في الدنيا أَلَّا يُبعث كذلك (٤). واعترضه العيني بما حاصله: أنه ما ادعى القائل ذلك بالملازمة، بل المراد: لا تتغير هيئته التي مات عليها، انتهى (٥). وقال في "الفتح": الحكمةُ في كون الدم يأتي يوم القيامة على هيئته ولونه: أنه يشهد لصاحبه بفضله، وعلى ظالمه بفعله.

стр. 3920

وفائدة رائحته الطيبة: أن ينشر في أهل الموقف إظهارًا لفضيلته أيضًا (١). تنبيهات: الأول: يجب بقاءُ دم الشهيد عليه باتفاق الأئمة الأربعة، واتفقوا على غسل نجاسة عليه، فلو لم تزل النجاسة إلا بغسل الدم، غُسلا. وقال أبو المعالي من علمائنا: لا، والمعتمد الأول (٢). والثاني: شهيد المعركة -ولو غير مكلف؛ خلافًا لأبي حنيفة- لا يُغَسَّلُ، فيحرم غسلُه على معتمد المذهب، وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي، لأنه أثر الشهادة والعبادة وهو حَيّ. وفي "التبصرة": لا يجوز غسله، وهو المقتول بأيدي العدو، ولو غالا، رجلًا أو امرأة، إلا أن يكون جُنُبًا أو حائِضًا أو نُفَساء، طَهُرتا أو لا، فيغسل غُسلًا واحدًا، أو إن أسلم فاستُشهد قبل غُسل الإسلام، لم يغسل، وإن قُتل وعليه حدث أصغرُ، لم يُوَضَّأْ (٣). الثالث: يجب دفنُه في ثيابه التي قُتل فيها، ولو كانت حريرًا؛ خلافًا للشافعي، فلا يزاد عليها، خلافًا لمالك، وأبي حنيفة، ولا ينقص منها؛ خلافًا لأبي حنيفة، وتنزع عنه لأْمَةُ الحرب، ونحوُ فَروٍ وخُفٍّ، نص عليه الإمام أحمد؛ خلافًا لمالك (٤).

стр. 3921

فإن سُلب الثيابَ التي قتل وهي عليه، كُفِّن بغيرها (١). الرابع: المقتولُ ظلمًا، حتى من قتله الكفارُ صبرًا في غير حرب، يُلحق بشهيد المعركة على معتمد المذهب (٢). وأما إذا قتله الكفار، ولو صبرًا، فباتفاق الأئمة (٣)، والله أعلم.

стр. 3922

الحديث الخامس عَنْ أَبِي أيوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "غَدوَةٌ فِي سَبيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمسُ وَغَرَبَتْ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). * * * (عن أبي أيوبَ) خالدِ بنِ زيدٍ (الأنصاريِّ) الخزرجيِّ (﵁) تقدمت ترجمتُه في باب: الاستطابة. (قال: قال رسول الله ﷺ : غَدوَةٌ) -بالفتح-: المرةُ الواحدة من الغُدُوّ، وهو الخروجُ في أي وقت كان من أولِ النهار إلى انتصافه (٢)؛ ليجاهد (في سبيل الله) تعالى، (أو روحة) -بالفتح-: المرة الواحدة من الرَّواح، وهو الخروجُ في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها (٣). و"أو" هنا للتقسيم لا للشكّ (٤).

стр. 3923

(خيرٌ مما طلعت عليه الشمسُ وغَرَبَتْ) عليه؛ أي: ثوابُ ذلك خير مما لو ملكَ كلَّ شيء طلعت عليه الشمسُ وغربتْ، فتصدق بذلك، وأنفقه في وجوه البر والطاعة، ما عدا الجهادَ (١)، كما تقدم ذلك في الحديث الثاني. قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (أخرجه)، أي: حديث أبي أيوب الإمامُ (مسلم) بن الحجاج في "صحيحه"، ولم يخرج البخاري عن أبي أيوب في هذا شيئًا.

стр. 3924

الحديث السادس عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١). * * * (عن) أبي حمزةَ (أنس بنِ مالكٍ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "غَدوةٌ في سبيل الله) تعالى يغدوها ليجاهد أعداءَ الله لإعلاءِ كلمة الله، (أو روحةٌ) يَروحُها الشخصُ في سبيل الله (خيرٌ من الدنيا

стр. 3925

وما فيها)، أن لو ملكه وأنفقه في وجوه البر -كما تقدم آنفًا-. قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (أخرجه) الإمامُ محمدُ بنُ إسماعيلَ (البخاريُّ) في "صحيحه"، فظاهر صنيعه ﵀ أن مسلمًا لم يخرجه، وليس كذلك، بل هو من متفق الشيخين (١). ولفظ مسلم: عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لغدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ"، فذكره (٢). زاد في البخاري: "ولقابُ قوسِ أحدِكم من الجنة، أو موضعُ قيد -يعني: سوطه- خير من الدنيا وما فيها" (٣)؛ يعني: أن الراوي يشك، هل قال: قابُ قوسِ أحدِكم، أو قال: قيد سوطِ أحدِكم. وهذا الحديث ورد عن عدة من الصحابة: عن أنس رواه الشيخان (٤)، وعن سهل بن سعد الساعدي أخرجاه (٥)، وعن أبي هريرة أخرجاه (٦)، وعن ابن عباس أخرجه الترمذي (٧)، وعن الزبير أخرجه البزار، وأبو يعلى
следующие страницы →