стр. 3921
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 17437
كشف اللثام شرح عمدة الأحكام
السفاريني
Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3922
الحديث الخامس
عَنْ أَبِي أيوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "غَدوَةٌ فِي سَبيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمسُ وَغَرَبَتْ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
* * *
(عن أبي أيوبَ) خالدِ بنِ زيدٍ (الأنصاريِّ) الخزرجيِّ (﵁) تقدمت ترجمتُه في باب: الاستطابة.
(قال: قال رسول الله ﷺ : غَدوَةٌ) -بالفتح-: المرةُ الواحدة من الغُدُوّ، وهو الخروجُ في أي وقت كان من أولِ النهار إلى انتصافه (٢)؛ ليجاهد (في سبيل الله) تعالى، (أو روحة) -بالفتح-: المرة الواحدة من الرَّواح، وهو الخروجُ في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها (٣). و"أو" هنا للتقسيم لا للشكّ (٤).
стр. 3923
(خيرٌ مما طلعت عليه الشمسُ وغَرَبَتْ) عليه؛ أي: ثوابُ ذلك خير مما لو ملكَ كلَّ شيء طلعت عليه الشمسُ وغربتْ، فتصدق بذلك، وأنفقه في وجوه البر والطاعة، ما عدا الجهادَ (١)، كما تقدم ذلك في الحديث الثاني.
قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (أخرجه)، أي: حديث أبي أيوب الإمامُ (مسلم) بن الحجاج في "صحيحه"، ولم يخرج البخاري عن أبي أيوب في هذا شيئًا.
стр. 3924
الحديث السادس
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١).
* * *
(عن) أبي حمزةَ (أنس بنِ مالكٍ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "غَدوةٌ في سبيل الله) تعالى يغدوها ليجاهد أعداءَ الله لإعلاءِ كلمة الله، (أو روحةٌ) يَروحُها الشخصُ في سبيل الله (خيرٌ من الدنيا
стр. 3925
وما فيها)، أن لو ملكه وأنفقه في وجوه البر -كما تقدم آنفًا-.
قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (أخرجه) الإمامُ محمدُ بنُ إسماعيلَ (البخاريُّ) في "صحيحه"، فظاهر صنيعه ﵀ أن مسلمًا لم يخرجه، وليس كذلك، بل هو من متفق الشيخين (١).
ولفظ مسلم: عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لغدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ"، فذكره (٢).
زاد في البخاري: "ولقابُ قوسِ أحدِكم من الجنة، أو موضعُ قيد -يعني: سوطه- خير من الدنيا وما فيها" (٣)؛ يعني: أن الراوي يشك، هل قال: قابُ قوسِ أحدِكم، أو قال: قيد سوطِ أحدِكم.
وهذا الحديث ورد عن عدة من الصحابة: عن أنس رواه الشيخان (٤)، وعن سهل بن سعد الساعدي أخرجاه (٥)، وعن أبي هريرة أخرجاه (٦)، وعن ابن عباس أخرجه الترمذي (٧)، وعن الزبير أخرجه البزار، وأبو يعلى
стр. 3926
стр. 3927
الحديث السابع
عَنْ أَبي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى حُنَيْنٍ، وَذَكَر قِصَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بينةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ"، قالَها ثَلاثًا (١).
стр. 3928
(عن أبي قتادةَ) الحارثِ بنِ رِبْعِيٍّ (الأنصاريِّ) السَّلَمِيِّ -بفتح السين المهملة-، وتقدمت ترجمته في باب: الاستطابة (﵁، قال) أبو قتادة: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى) غزوة (حُنينٍ) -بحاء مهملة مضمومة ونونين بينهما مثناة تحتية مصغرًا-: هو وادٍ إلى جنب ذي المجاز قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعةَ عشرَ ميلًا.
قال أبو عُبيد البكري: سُمي باسمِ حنينِ بن قانية -ويقال: ابن قينانَ- بنِ آنوش بنِ شيثِ بنِ آدمَ ﵇.
والأغلبُ عليه التذكير؛ لأنه اسمُ ماء (١)، وربما أَنثته العربُ؛ لأنه اسمُ البقعة، فسميت الغزوةُ باسم مكانها.
وكان خروجُ رسول الله ﷺ إلى حنين من مكة المشرفة بعدَ الفتح الأعظم في السنة الثامنة لستٍّ خلت من شوال، وقيل: لليلتين بقيتا من رمضان، باثني عشرَ ألفًا من الصحابة ﵃، وكان وصوله إليها في عاشر شوال (٢).
(وذكر) أبو قتادة ﵁ (قصةً)، وهي: أنه قال: لما التقينا، كافت للمسلمين جولةٌ، فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين (٣).
وفي لفظ: نظرت إلى رجل من المسلمين يُقاتل رجلًا من المشركين وآخَرَ من المشركين يختله (٤)، فضربته من ورائه على حَبْل عاتقه بالسيف،
стр. 3929
فقطعت الدرعَ، وأقبل عليَّ، فضمني ضمةً وجدتُ منها ريحَ الموت، ثم أدركه الموتُ، فأرسلني، فلحقتُ عمرَ بنَ الخطاب؛ أي: في الناس الذين انهزموا، فقلت: ما بال الناس؟
فقال: أمرُ الله، فرجعوا، وجلس رسول الله ﷺ ، (فقال رسولُ الله ﷺ : من قتل قتيلًا) كافرًا، وفي لفظ: "من قتل كافرًا" (١) بشرط أن يكون (له)؛ أي: القاتل (عليه)؛ أي: على قتيله (بينة)، وهي رجلان، نص عليه الإمام أحمد (٢).
ومعتمد المذهب: قبولُ رجل وامرأتين، ورجلٍ ويمينٍ كسائر الأموال (٣).
(فله)؛ أي: للقاتل (سَلَبُه).
(قالها) ﷺ ؛ أي: قال هذه المقالة أو الكلمةَ مكررًا لها (ثلاثًا) من المرات؛ ليفهم أصحابه الحكم، ولأنه كان ذلك عادته.
والسَّلَبُ -بالتحريك-: ثيابه التي عليه، وكذا ما كان عليه من حُلِيٍّ وعِمامة وقَلَنْسُوَة، ومِنْطَقَة، ولو مذهبةً، ودرعٍ، ومغفرٍ، وبيضةٍ، وتاجٍ، وأَسورةٍ، ورانٍ، وخُفٍّ، بما في ذلك من حلية وسلاح؛ من سيفٍ ورمح ولتٍّ وقوسٍ ونُشَّابٍ ونحوِه، قلَّ أو كثر، وكذا دابته التي قاتل عليها بآلتها من السلب إذا قُتل وهو عليها.
стр. 3930
بخلاف نفقتِه ورحلِه وخيمتِه وجَنيبه؛ فإن ذلك غنيمة (١).
ومثلُ القتل: ما لو أثخنَه، فصار في حكم المقتول؛ فإن له سلبه، وهو من أصل الغنيمة غير مخموس، ولو كان المسلم القاتل عبدًا بإذن سيده، أو امرأة، وكذا لو كان القاتل كافرًا بإذن، أو صبيًا، لا مُخَذِّلًا (٢).
والحاصل: أنه إن كان ممن يُسْهم له، أو يُرضَخ له، استحقَّ السَّلَبَ، سواء كان قال ذلك الإمام، أو لم يقله، حيث قتله حال الحرب، لا قبلها ولا بعدها، منهمكًا على القتال؛ أي (٣): مُجِدًّا فيه، مقبلًا عليه.
إلا إن رماه بسهم من صفِّ المسلمين، أو قتله مشتغلًا بنحوِ أكلٍ، أو منهزمًا.
لكن إن كانت الحرب قائمة، فانهزم أحدُهم متحيزًا، فقتله إنسان، فله سلبه، كان قتله اثنان فأكثر، فسلبُه غنيمةٌ (٤)، وهذا مذهبنا كالشافعية في الجملة.
وقال أبو حنيفة: إنْ شرطَ الإمامُ السلبَ للقاتل، فهو له، وإلا، لم ينفرد به، بل يكون غنيمة.
وقال مالك: إن شرطه الإمام، كان له من خمس الخمس، وسهمُ النبي ﷺ ، فإن كانت قيمته بقدر الخمس، استحق جميعه، وإن كانت قيمته
стр. 3931
أكثر منه، استحق منه بقدر الخمس، ولا يستحقه من أصل الغنيمة، وإن لم يشترط الإمام، فلا حقَّ له فيه (١)؛ لما قال النبيُّ ﷺ : "من قتل قتيلًا له عليه بينةٌ، فله سلبُه"، قال أبو قتادة: فقمتُ فقلتُ: مَنْ يشهدُ لي؟ ثم جلست، فقال رسول الله ﷺ مثلَه، فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقال رسول الله ﷺ مثله، فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقال رسول الله ﷺ : "مالكَ يا أبا قتادة؟ "، فأخبرته، فقال رجلٌ: صدقَ، سلبُه عندي، فأرضه مني، أو قال: منه (٢).
ويروى: أنه شهد له بذلك الأسودُ بن خزاعي الأسلمي، وعبدُ الله بن أنيس، فقال أبو بكر ﵁: لا هااللهِ إذًا، لا يعمد أسدٌ من أسدِ الله (٣)، وفي رواية: فقال أبو بكر: كلا لا يُعطيه أضيبعَ من قريش، ويدع أسدًا من أُسود الله تعالى يقاتلُ عن الله تعالى، وعن رسوله ﷺ ، فيعطيك سلبه، فقال رسول الله ﷺ : "صدق، فأعطه"، فأعطاني (٤).
ويروى: أن عمر قال ذلك، وهو غريب، والمشهور أن قائل ذلك أبو بكر، كما في "الصحيحين"، و"السنن"، وغيرها.
قال الحافظ ابن حجر: الراجحُ أن الذي قال ذلك أبو بكر كما رواه أبو قتادة، وهو صاحب القصة، فهو أتقنُ لما وقع فيها من غيره، ويمكن أن يكون عمرُ قال ذلك أيضًا متابعةً لأبي بكر، ومساعدةً له وموافقةً (٥).
стр. 3932
قال بعض العلماء: لو لم يكن من فضيلة الصدِّيقِ إلا هذا، لكفاه، فإنه بِثاقِب علمه، وشدةِ صرامته، وقوةِ إنصافه، في صحة توفيقه، وصدق تحقيقه، بادر إلى القول بالحق، فزجر وأفتى، وحكم فأمضى، وصدعَ بالحق المقطوعِ به في الشريعة الغراء عن النبي المصطفى بما صدقه ﷺ فيه، وأجراه على ما بادر إليه.
قال أبو قتادة كما في "الصحيحين": فبعتُ الدرع، فابتعتُ به مخرفًا؛ أي: بستاتا من بني سلمة، فإنه لأولُ مَالٍ تَأَثَّلْتُه (١)؛ أي: أَصَّلْتُه في الإسلام.
وذكر الواقدي: أنه باعه بسبع أواقي، واسمُ المخرفِ الذي ابتاعه أبو قتادة الوديين كما في "مبهمات البلقيني على البخاري"، وأن الذي ابتاع السلاح حاطبُ بنُ أبي بلتعة ﵁ (٢) -، والله تعالى الموفق.
стр. 3933
الحديث الثامن
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعٍ ﵁، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَهُوَ فِي سَفرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصحَابهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ"، فَقَتَلْتُهُ، فَنَفَّلَنِي سَلَبهُ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: "مَنْ قَتلَ الرَّجُلَ؟ "، فَقَالُوا: سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ، فَقَالَ: "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ" (٢).
стр. 3934
(عن) أبي مسلمٍ (سلَمَةَ) -بفتح اللام- بنِ عمرِو (بنِ الأكوع) -بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الواو، ونُسِبَ لجده مجازًا، واسم الأكوع: سنانُ بنُ عبدِ الله بنِ قُشَير -بضم القاف وفتح الشين المعجمة وسكون الياء- بنِ خزيمةَ الأسلميُّ المدنيُّ، كان ممن بايع تحتَ الشجرة، وبايع النبيَّ ﷺ يومئذ ثلاثَ مرات، في أول الناس، وأوسطهم، وآخرهم، وكان (﵁) من أشد الناس وأشجعهم رَاجِلًا، ويُقالُ: إنه الذي كلمه الذئب.
قال سلمةُ: رأيت الذئبَ قد أخذ ظَبْيًا، فطلبته حتى نزعتُه منه، فقال: وَيْحَكَ! مالي ومالك؟! عمدتَ إلى رزقٍ رزقنيهِ اللهُ تعالى تنزعُه مني قال: فقلت: يا عبدَ الله! إن هذا لعجيب، ذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجبُ من هذا أن النبيَّ ﷺ في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله تعالى، وتأبون إلَّا عبادة الأوثان، قال: فلَحِقْت برسول الله ﷺ ، فأسلمت (١).
قال ابن عبد البر وغيرُه: كلَّمَ الذئبُ من الصحابة ثلاثةً: رافعَ بنَ عَميرة، وسلمةَ بنَ الأكوع، وأهبان بن أوس.
قال أبو بكر عبدُ الله بنُ أبي داود السجستاني الحافظ: فيقال لأهبان: مكلم الذئب، وأولاده: أولاد مكلم الذئب.
قال ابن عدي: ولذلك تقول العرب: هو كذئب أهبان، يتعجبون منه، وذلك أن أهبان بن أوس [كان] في غنم له، فشدَّ الذئب على شاة منها، فصاح بن أهبان، فأقعى الذئب، وقال له: أتنتزعُ مني رزقًا رزقنيه الله تعالى؟! قال أهبان: ما سمعتُ ولا رأيتُ أعجبَ من هذا الذئب الذي يتكلم، فقال الذئب: أتعجب من هذا، ورسول الله ﷺ بينَ هذه النخلات -
стр. 3935
وأومأ بيده إلى المدينة- يحدِّثُ بما كان ويكون، ويدعو إلى الله تعالى، وإلى عبادته، ولا يجيبونه؟! قال: فجئت إلى النبيِّ ﷺ ، فأخبرته بالقصة، فأسلمت، فقال له النبي ﷺ : "فحدِّثْ به" (١).
واتفق مثلُ ذلك لرافعِ بنِ عميرةَ.
سكن سلمةُ ﵁ الرَّبَذَةَ، وتزوَّج هناك، ووُلد له، ولم يزلْ بها إلى قبل وفاته بليالٍ، فعاد إلى المدينة، وتُوفي بها سنة أربع وسبعين، وهو ابنُ ثمانين سنة.
روي له عن رسول الله ﷺ تسعة وتسعون حديثًا، اتفقا على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلمٌ بتسعة.
وروى عنه: ابنه إياس، والحسنُ بن محمدِ بن الحنفية، وعبدُ الله، وعبد الرحمن ابنا كعب بن مالك، وأبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن، ومولاه يزيدُ بنُ عبيد، وغيرُهم (٢).
(قال) سلمة ﵁ (أتى النبيَّ ﷺ ) هو منصوبٌ مفعولُ أتى مقدَّم، والفاعل قوله: (عينٌ)؛ أي: جاسوس، واعتَانَ له: إذا أتاه بالخبر؛ كما في "النهاية" (٣)، وقال في قوله ﷺ في حديث الحديبية: "كان الله قد قطعَ عينًا من المشركين" (٤)؛ أي: كفى الله منهم مَنْ كان يرصُدُنا ويتجَسَّسُ
стр. 3936
علينا أخبارَنا (١) (من المشركين، وهو) ﷺ (في سفر) من أسفاره، أي: في غزوة حنين، كما أفصح به مسلم في "صحيحه" عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازنَ -يعني: حنينًا-، فبينما نحن نتضحَّى مع رسول الله ﷺ ؛ أي: نأكل وقتَ الضُّحى، إذ جاء رجل على جملٍ أحمرَ، فأناخه، ثم انتزعَ طَلَقًا؛ أي: وهو بالتحريك: قيد من جلود (٢) من حَقْبه -بفتح الحاء المهملة والقاف-: حبل يشدُّ به الرجل بطنه، والحِزامُ يلي حقوَ البعير (٣)، فقيَّدَ به الجملَ، ثم تقدَّم فتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورِقَّة من الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يَشتدُّ، فأتى جملَه، فأطلقَ قيدَه، ثم قعدَ عليه، فاشتدَّ به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء؛ أي: في لونها بياضٌ إلى سواد، كما في "القاموس" (٤)، قال: وهو من أطيب الإبل لحمًا .. الحديث (٥).
قال سلمة بن الأكوع ﵁: (فجلس) ذلك الرجل الذي هو العين من المشركين (عند أصحابه)؛ أي: النبيِّ ﷺ (يتحدث) معهم.
وفي حديث مسلم: أنه تغدى معهم، (ثم) بعد غدائه وحديثه معهم (انفتل)؛ أي: انصرف من عندهم.
وفي حديث مسلم: فأتى جمله، فأطلق قيدَه، ثم أناخه، ثم قعد عليه فأثاره، فاشتد به الجمل، (فقال النبي ﷺ : اطلبوه)؛ أي: الرجل، (و) إذا أدركتموه، (اقتلوه).
стр. 3937
وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج": أنه ﷺ قال: "أدركوه؛ فإنه عين". انتهى (١).
وفي مسلم: واتبعه رجل من أسلم من أصحاب رسول الله ﷺ على ناقة ورقاء.
قال سلمة: فطلبتُه، وخرجت أشتدُّ، فكنت عندَ وَرِكِ الناقة، ثم تقدَّمْتُ حتى كنت عند وَرِكِ الجمل، ثم تقدمتُ حتى أخذتُ بخِطام الجمل، فأنخته، فلما وضعَ ركبته بالأرض، اخترطْتُ سيفي، فضربت رأس الرجل، فندر، (فقتلته)، ثم جئت بالجمل أقوده، وعليه رحلُه، وسلاحه، فاستقبلني رسولُ الله ﷺ ، والناسُ معه، (فنفلني)؛ أي: أعطاني (سلَبَهُ)، وهو مركوبُه، وثيابه، وسلاحه، وما معه على الدابة، كما تقدم.
والنفل: ما يعطيه الإمام بعدَ الخمس الذي لله ورسوله، فيكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهو الزيادة على السهم لمصلحة، وهو المجعول لمن عمل عملًا؛ كتنفل السرايا بالثلث والربع ونحوه.
وقول الأمير: مَنْ طلعَ حصنًا، أوْ نَقَبَهُ، ومن جاء بأسيرٍ ونحوِه، فله كذا (٢). ويأتي في الحديث السابع عشر، واختلاف الفقهاء في ذلك.
(وفي رواية) عند مسلم في "صحيحه"، وهي تكملة الحديث الذي سقناه عن سلمة ﵁ عند مسلم في "صحيحه"، (فقال) النبيُّ ﷺ : (من قتل الرجل؟)؛ أي: الذي أمر بطلبه وقتله، (فقالوا)؛ أي: بعض الصحابة ﵃: قتله (سلمة بنُ الأكوع، فقال) -عليه
стр. 3938
الصلاة والسلام-: (له)؛ أي: لسلمة بن الأكوع (سَلَبُهُ)، أي: الذي عليه، وعلى راحلته (أَجْمَعُ).
وفي رواية: قام رجل من عند النبي ﷺ ، فأخبر أنه عين من المشركين، فقال ﵇: "من قتله، فله سلبه" (١).
تنبيه:
جاسوس الكفار إن كان مسلمًا، يُعاقب عقوبةً تردعه وأمثالَه عن مثل ذلك، وإن كان ذميًا أو معاهدًا، انتقض عهده.
وكذا لو آوى جاسوسًا لهم، وهذا مذهب مالك، والأوزاعي.
وعند الشافعية: لا ينتقض العهد من الذميِّ بكونه جاسوسًا للكفار، إلا إن شرط عليهم انتقاضه به، وهو مذهب الحنفية.
وأما الجاسوس المسلم، فقال مالك: يجتهد فيه الإمام.
وقال عياض: قال كبار أصحابه: يُقتل (٢).
وعند الحنفية، والشافعية: يُعَزَّر؛ كمذهبنا (٣).
стр. 3939
الحديث التاسع
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً إلَى نَجْدٍ، فَخَرَجْتُ فِيها، فَأَصَبْنَا إبلا وَغَنَمًا، فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا (١).
* * *
(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ) بنِ الخطاب (﵄، قال: بعث رسولُ الله ﷺ سريَّةً)، وهو اسمٌ لطائفة من
стр. 3940
الجيش يبلغُ أقصاها أربع مئة تُبعث إلى العدوّ، وجمعُها سرايا، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خلاصةَ العسكر وخيارَهم من الشيء النفيس (١).
وقال ابن خطيب الدهشة في "المصباح": السَّرِيَّةُ: قطعةُ من الجيش، فَعيلة بمعنى فاعلة؛ لأنها تَسري في خُفْية، والجمع سَرايا وسَرِيَّات، مثل عَطايا، وعَطِيَّات، انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر: السرية: قطعة من الجيش تخرج منه، وتعود إليه، وهي من مئة إلى خمس مئة، فما زاد على خمس مئة يقال له: مَنْسِر -بالنون والسين المهملة- أي: -بفتح الميم وكسر السين-، وبعكسهما، فإن زاد على الثمان مئة، يسمَّى جيشًا، فإن زاد على أربعة آلاف، يسمى جَحفَلًا، فإن زاد، فجيشٌ جَرَّارٌ، ويسمَّى الخميسَ أيضًا، وما افترق من السرية يسمى: بَعْثًا (٢)، كما هو مبين في محاله من كتب السير والمغازي.
(إلى نجد) تقدم في الحج: أنه اسم لما بين جرش إلى سواد الكوفة، وحَدُّه مما يلي المغرب على يسار الكعبة.
ونجدٌ كلها من عمل اليمامة، وهي خلاف الغَوْر، فكل ما ارتفع من تِهامةَ إلى أرض العراق فهو نجد، وهو مذكر كما في "المطلع" (٣)، و"القاموس" (٤)، وغيرهما.
قال عبد الله بن عمر ﵄: (فخرجت فيها) مع أميرها، وهو أبو قتادة بن رِبْعي في أربعةَ عشرَ رجلًا ﵃، وستة عشر
стр. 3941
رجلًا بأبي قتادة، وكان قال لهم رسول الله ﷺ : "سيروا الليلَ، واكمنوا النهارَ، وشُنُّوا الغارةَ، ولا تقتلوا النساءَ والصبيان"، فخرجوا حتى أتوا ناحية غطفان (١).
وفي لفظ عند الإمام أحمد: أنهم جاؤوا الحاضر ممسين، فلما ذهبت فَحمَة العِشاء (٢).
قال الواقدي: وخطب أبو قتادة، فأوصاهم بتقوى الله، وأَلَّف بين كل رجلين، وقال: لا يفارقْ كلُّ واحد زميله حتى يقتل، أو يرجع إليَّ فيخبرني خبره، ولا يأتين رجل فأسأله عن صاحبه فيقول: لا علم لي به، وإذا كبرت، فكبروا، وإذا حملت، فاحملوا، ولا تُمعنوا في الطلب.
قال عبد الله بن أبي حَدرَدٍ ﵁: فأحطنا بالحاضر، فسمعت رجلًا يصرخ: يا خضرة! فتفاءلت: قلت: لأصيبن خيرًا، فجرد أبو قتادة سيفه وكبر، وجردنا سيوفنا وكبرنا معه، فشددنا على الحاضر، فقاتل رجال، ثم انكشفوا، واستاق أصحابُ أبي قتادة إبلًا عظيمة وغنمًا كثيرة.
وعند الواقدي: أنهم غابوا الخمس عشرة ليلة، وجاؤوا بمئتي بعير وألف شاة، وسبوا سبيًا كثيرًا (٣).
قال عبد الله بن عمر ﵄: (فأصبنا إبلًا)؛ أي: كثيرة، (وغنمًا) كثيرة، فبلغت (سُهْماننا)، أي: نصيب كل واحد منا (اثني عشر
стр. 3942
بعيرًا)، أي: بعد أن قسم عليهم أميرهم أبو قتادة غنيمتهم بعد أن عزل الخمس، فخصَّ كل واحد منهم ما ذكر.
قال عبد الله بن عمر ﵄: ونَفَّلَنا أميرُنا بعيرًا بعيرًا كل إنسان.
قال: ثم قدمنا على رسول الله ﷺ ، فما حاسبنا على الذي أعطانا صاحبُنا، ولا عابَ عليه ما صنع (١)؛ أي: بل علمه، واطلع عليه، وأقرهم على ذلك.
وفي رواية: قال ابن عمر ﵄: (ونَفَّلَنا رسولُ الله ﷺ ) كل إنسان منا (بعيرًا بعيرًا) فوق الذي استحقه من المغنم، فكان لكل إنسان ثلاثة عشر بعيرًا.
فإما أن يكون عبد الله بن عمر نسب ذلك للنبي ﷺ لكونه أقر أبا قتادة على ما فعل، أو أنه قسم هو ﷺ ، ونفل كل واحد منهم بعيرًا بعيرًا زائدًا على سهمه.
والأول أظهر وأولى؛ لأنه روي أنهم غابوا خمس عشرة ليلة، وجاؤوا بمئتي بعير وألف شاة، وسبوا سبيًا كثيرًا، وجمعوا الغنائم، فأخرج الخمس فعزلوه، وعدل البعير بعشرين من الغنم (٢)، فهذا يدل للأول، وهو ظاهر، ويأتي الكلام على النفل في [الحديث] السابع عشر.
стр. 3943
تنبيه:
جعل كثير من أهل السير سرية أبي قتادة ﵁ إلى غطفان غيرَ سرية عبد الله بن أبي حَدْرَد.
وجعلها الواقديُّ واحدة، وتبعه الشامي في "سيرته"، وتبعته في "شرح النونية معارج الأنوار".
ومشيت في "تحبير الوفاء" على أنهما اثنتان، والسياق يشعر بذلك.
وكانت سرية أبي قتادة ﵁ في شعبان سنة ثمان، والله أعلم.
стр. 3944
الحديث العاشر
عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا جَمَعَ اللهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، يُرفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَيُقَالُ: هذِهِ غدرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ" (١).
* * *
(عنه)؛ أي أبي عبد الرحمن بن عمر ﵄ (عن النبيِّ ﷺ ، قال: إذا جمع الله الأولين) من خلقِه (والآخرين) منهم لفصل
стр. 3945
القضاء والحساب والجزاء (يُرفع)؛ أي: يأمر بعض ملائكته أن يرفع (لكل غادر)؛ أي: مغتال لذي عهد أو أمان.
وفي رواية: "يُنصب" (١) بدل يُرفع (لواءٌ)؛ أي: علمٌ لأجل الاشتهار.
(فيقال): أي يُنادى عليه يوم القيامة، ويُصاح خلفَه في ذلك المقام العظيم؛ تشهيرًا له بالغدر، وفضيحةً له على رؤوس الأشهاد: ألا (هذه) الفعلةُ والفضيحةُ (غدرةُ فلان بن فلان).
قال في "النهاية": فلان وفلانة كناية عن الذكر والأنثى من الناس، فإن كنيت بهما عن غير الناس، قلت: الفلان والفلانة (٢).
قال بعض العلماء: ويُرفع الغادر عن غيره حتى يتميز ويشتهر، وسرُّ ذلك أنّ العقوبة تقع غالبًا بضد الذنب، والغدر خفي، فاشتهرت عقوبته بإشهار النداء عليه في ذلك الجمع العظيم (٣).
وفي رواية لمسلم: "لكل غادر لواءٌ يوم القيامة يُعرف به" (٤).
وفي البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمُهم يومَ القيامة: رجلٌ أعطى بي ثم غَدَرَ، ورجل باعَ حُرًّا ثم أكلَ ثمنَهُ، ورجل استأجرَ أَجيرًا، فاستوفى منه العمل، ولم يُوَفِّهِ أجرَه" (٥).
стр. 3946
وفي مسلم وغيره من حديث علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ذِمَّةُ المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم، فمن أَخْفَرَ مسلمًا، فعليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لا يقبلُ الله منه يومَ القيامة عدلًا، ولا صَرْفًا"، الحديث (١).
يقال: أخفر بالرجل: إذا غدره ونقض عهده (٢).
وروى أبو داود عن صفوانَ بن سليم، عن عدة من [أبناء] (٣) أصحاب رسول الله ﷺ ، عن آبائهم: أن رسول الله ﷺ قال: "من ظلمَ معاهدًا، أو تَنَقَّصَه، أو كَلَّفَه فوقَ طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيبِ نفسٍ، فأنا حَجيجُه يومَ القيامة" (٤). والأبناء مجهولون.
وعن عمرو بن الحمق ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَيما رجلٍ أمن رجلًا على [دمه] (٥)، ثم قتله، فأنا من القاتل بريءٌ، وإن كان المقتول كافرًا" رواه ابن حبان في "صحيحه"، واللفظ له (٦). ورواه ابن ماجه، وقال: "فإنه يحمل لواءَ غدر يومَ القيامة" (٧).
وعن أبي بكرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل نفسًا
стр. 3947
معاهدة بغير حَقِّها، لم يرَح رائحةَ الجنة، وإنَّ ريح الجنة ليوجدُ من مسيرة مئة عام" (١).
وفي رواية: "من قتل معاهدًا في عهده، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لَيوجدُ من مسيرة خمس مئة عام" رواه ابن حبان في "صحيحه" (٢).
وهو عند أبي داود والنسائي بلفظ غير هذا (٣).
وفي حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "من قتل نفسًا معاهدة له ذمةُ الله وذمةُ رسوله، فقد أخفرَ بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحَها ليوجدُ من سبعين خريفًا" رواه ابن ماجه، والترمذي، واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح (٤).
وفي "الصحيحين" من حديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لكل غادر لواءٌ يومَ القيامة يُعرف به" (٥)، وتقدم قريبًا من حديث ابن عمر.
وفي "المسند"، و"صحيح مسلم" عن أبي سعيد مرفوعًا: "لكلِّ غادرٍ لواءٌ عندَ اسْتِهِ يومَ القيامة" (٦).
стр. 3948
وفي رواية: "لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يُرفع له بقدرِ غدرته، أَلا ولا غادرَ أعظمُ غدرًا من أميرِ عامَّةٍ" (١).
تنبيهات:
الأول: يصير دم حربي حرامًا علينا بأحد ثلاثة أمور: بالأمان، أو الهدنة، أو عقد الذمة.
إذا علمت هذا، فاعلم أن الأمان يصح من كل مسلم عاقل مختار، ولو مميزًا، حتى من عبد وأنثى وهرمٍ وسَفيهٍ، لا من كافر، ولو ذميًا، ولا من مجنونٍ وسكرانَ وطفلٍ ومغمًى عليه، وأَلَّا يكون ثَمَّ ضررٌ علينا، وأَلَّا تزيد مدته على عشر سنين، ويصح منجَّزًا، أو معلَّقًا، ويصح من إمام وأمير لأسير كافر بعد الاستيلاء عليه، وليس ذلك لأحد الرعية، إلا أن يجيزه الإمام، ويصح من إمام لجميع المشركين، وأمان أمير لأهل بلدة جُعل بإزائهم، وأما في حق غيرهم، فهو كآحاد المسلمين.
ويحرم بالأمان قتلٌ ورقٌّ وأسر وأخذُ مال، ويكون ذلك أو شي منه من الغدر.
ويصح أمان آحاد الرعية لواحد وعشرة، وقافلة وحصن صغيرين عرفًا؛ كمئة فأقل.
وليس للإمام نقضُ أمانِ مسلم إلا أن يخاف خيانة من أُعطيه.
ويصح بأنت آمن ونحوه، وإن قيل لكافر: أنت آمن، فرد الأمان، لم
стр. 3949
ينعقد، وإن قبله ثمَّ رده، ولو بصوْلهِ على المسلم أو جرحه، انتقض.
ومن طلب الأمان ليسمعَ كلام الله، ويعرف شرائع الإسلام، لزمت إجابتُه، ثمَّ يُرَدُّ إلى مأمنه، وإذا أمنه، سرى الأمان إلى مَنْ معه من أهل ومال، إلا أن يقال: أمنتك وحدك ونحوه.
ويجوز عقدُ الأمان لرسول ومستأمن، ويقيمون مدة الهدنة بغير جزية.
ومن دخل منا دارهم بأمانهم، حرمت عليه خيانتهم، فإن خانهم، أو سرق منهم شيئًا ونحوه، وجب رده إلى أربابه.
ومن جاءنا منهم بأمان، فخاننا، كان ناقصًا لأمانه، ومن دخل منهم دارنا بغير أمان، فادعى أنَّه رسول أو تاجر، ومعه متاع يبيعه، قُبل منه إن صدقتهم عادة؛ كدخول تجارهم إلينا ونحوه، وإلا، فكأسير.
وليس لأحد منهم أن يدخل إلينا بلا إذن، ولو تاجرًا أو رسولًا.
ويجوز نبذُ الأمان إليهم إن توقع شرهم، وإذا أمن العدو في دار الإسلام إلى مدة، صحّ، فإذا بلغها، واختار البقاء في دارنا، أدى الجزية، وإن لم يختر، فهو على أمانه حتى يخرج إلى مأمنه (١).
الثاني: الهُدنة، وهي العقدُ على ترك القتال مدةً معلومة بعِوَضٍ وبغيرِ عوض، وتسمى: مهادنة، وموادعة، ومعاهدة، ومسالمة، ولا يصحُّ عقدها إلا من إمام، أو نائبه، ويكون العقد لازمًا، ويلزمه الوفاء به.
ولا تصح إلا حيث صحَّ تأخيرُ الجهاد، فمتى رأى المصلحة في عقدها؛ لضعف المسلمين عن القتال، أو مشقة الغزو، أو لطمعه في إسلامهم، أو
стр. 3950
أدائهم الجزية، أو غير ذلك، جاز، ولو بمال منا ضرورة مدة معلومة، ولو فوق عشر سنين.
وإن نقضوا العهد بقتال، أو مظاهرة، أو قتل مسلم، أو أخذ مال، انتقضَ عهدُهم، وحلت دماؤهم وأموالهم وسبيُ ذراريهم، وإن نقض بعضُهم دونَ بعض، فسكت باقيهم عن الناقض، ولم يوجد منهم إنكار، ولا مراسلة الإمام، ولا تبرأ، فالكل ناقض (١).
الثالث: عقدُ الذِّمَّة، ولا يصح عقدُها إلا من إمام أو نائبه، ويجب عقدُها إذا اجتمعت الشروط، ما لم يخف غائلة منهم، وصفةُ عقدِها: أقررتكم بجزية واستسلام، أو يبذلون ذلك، فيقول: أقررتكم على ذلك، ونحوهما، ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين:
* أحدهما: التزامُ إعطاء الجزية كلَّ حول، وهي مالٌ يؤخذ منهم على وجه الصَّغار كلَّ عام بدلًا عن قتلهم وإقامتهم بدارنا.
* الثاني: التزامُ إحكام الإسلام، وهو قبول ما يُحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم.
ولابد من كون المعقود لهم الذمةُ من أهل الكتابين اليهودِ والنصارى، ومن وافقهم بالتدين بالتوراة؛ كالسامرة، فإنهم فرقة من اليهود، ومن تدين بالإنجيل؛ كالفرنج، وتُعقد الذمةُ أيضًا لمن لهم شبهةُ كتاب؛ كالمجوس، والصابئين، وهم -يعني: الصابئين- جنس من النصارى، نص عليه الإمام أحمد ﵁.
وأما مَنْ عداهم من بقية الكفار، فلا تُعقد لهم ذمة، ولا تؤخذ منهم
стр. 3951
جزية، بل لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل.
قال علماؤنا: ومن انتقل إلى أحد الأديان الثلاثة من غير أهلها، فإن تهوَّدَ أو تنصَّرَ أو تمجَّس قبل بعثة نبينا محمَّد ﷺ ، ولو بعد التبديل، فله حكمُ الدين الذي انتقل إليه؛ من إقراره بالجزية وغيره.
وقالوا: وكذا بعد بعثته ﷺ (١).
التنبيه الثاني:
اعتبر الشافعية كونَ مدة الأمان أربعةَ أشهر فأقلَّ، وشرطوا في المعقود له الذمةُ، كونَهُ متمسكًا بكتاب؛ كتوراةٍ وإنجيلٍ، وصُحُفِ إبراهيمَ وشيثٍ، وزَبورِ داودَ، سواء كان المتمسِّكُ كتابيًا أو مجوسيًا.
وعندهم في الهدنة إذا لم يكن بنا -معشرَ المسلمين- ضعفٌ، جازت، ولو بلا عوض إلى أربعة أشهر؛ لآية: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، وإلا، فإلى عشر سنين بحسب الحاجة (٢)، كمذهبنا.
الثالث:
اتفقت الأئمة الأربعة على أن الجزية تُضرب على أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وكذلك على المجوس، وإن اختلفوا فيهم.
والمعتمد عندهم: أنهم ليسوا بأهل كتاب، وإنما لهم شبهة كتاب. وأما من ليس من أهل الكتاب، ولا له شبهة كتاب؛ كعبدة الأوثان من العرب والعجم، فعندنا كالشافعية: لا تعقد له الذمة مطلقًا.
وعند أبي حنيفة: تعقد للعجمي منهم دون العربي.
стр. 3952
وعند مالك: تعقد لكل كافر، عربيًا كان أو عجميًا، إلا من مشركي قريش خاصة (١).
الرابع: من انعقدت له، وجب حفظُه، وحفظُ ماله وعياله؛ كالمعاهد والمستأمن.
واختلفوا فيما ينتقض به عهده:
فقال أحمد، ومالك، والشافعيُّ: ينتقض عهده بمنع الجزية، وبإبائه أن تَجري عليه أحكام الإسلام.
وقال أبو حنيفة: لا ينقض عهدُ أهل الذمة إلا أن تكون لهم منعةٌ يحاربونا بها، أو يلحقوا بدار الحرب، وأما إذا فعل آحادُ أهل الذمة ما يجب عليه تركُه والكفُّ عنه مما فيه ضررٌ على المسلمين أو آحادِهم في مالٍ أو عرضٍ أو نفس، وذلك أحد ثمانية أشياء:
الاجتماع على قتال المسلمين، وأن يزني بمسلمة أو يصيبها باسم نكاح، أو يفتن مسلمًا عن دينه، أو يقطع عليه الطريق، أو يؤوي إلى المشركين جاسوسًا، أو يعاون على المسلمين بدلالة، أو أن يكاتب المشركين بأخبار المسلمين، أو يقتل مسلمًا أو مسلمة عمدًا.
فمعتمد مذهب الإمام أحمد: أنه ينتقض عهدُه بذلك كله، وبذكر الله أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء.
وكذا لو امتنع من الصَّغار، أو لحق بدار الحرب مقيمًا بها، ولو لم يُشترط عليهم.
وقال أبو حنيفة: لا ينتقض عهدُهم إلا بما ذكرناه عنه آنفًا.
стр. 3953
وقال الشافعي: متى قاتل المسلمين، انتقض عهده، سواء شُرط عليهم تركُه في العقد، أو لا، وأما إن فعل شيئًا مما سوى ذلك، فإن امتنعوا من الجزية، أو إجراءِ حكمنا عليهم، انتقض، وإن كان غير ذلك؛ من زنا ذميٍّ بمسلمة، أو إصابتِها بنكاح، أو دلَّ أهل حرب على عورة لنا، أو دعا مسلمًا لكفر، أو سب الله، أو نبيًا له، أو الإسلام، أو القرآن، انتقض عهده به إن شُرط انتقاضُه به، وإلا، فلا، هذا معتمد مذهبهم؛ كما في "شرح المنهج" (١) وغيره.
وقال مالك: لا ينتقض من ذلك بالزنا بالمسلمات، ولا بإصابةٍ لهن باسم النكاح، وينتقض بما سوى ذلك، إلا في قطع الطريق؛ فإن ابن القاسم خاصة من أصحابه قال: لا ينتقض عهده بذلك.
وقال الإمام مالك فيمن ذكر الله تعالى بما لا يليق بجلاله، أو ذكرَ كتابه المجيدَ، أو ذكرَ دينه القويمَ، أو رسولَه الكريم بما لا ينبغي، إذا فعلوا ذلك بغير ما كفروا به، فإنَّه ينتقض عهدهم بذلك، سواء اشترط عليهم ذلك، أو لم يشترط (٢)، والله أعلم.
стр. 3954
الحديث الحادي عشر
وَعَنْهُ: أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ في بَعْضِ مَغازِي النَّبِيِّ ﷺ مقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَتْلَ النساءِ والصِّبْيانِ (١).
* * *
ما أشار إليه بقوله: (وعنه)؛ أي: عن ابن عمر ﵄: (أن امرأة) من الكفار (وجدت في بعض مغازي النبي ﷺ )، وهي غزوة حُنين
стр. 3955
(مقتولةً، فأنكر رسولُ الله ﷺ قتلَ النساء والصبيان).
وفي لفظ: فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان (١).
ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وابن ماجه (٢).
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود عن رباح بن ربيع ﵁، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها، وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباحٌ وأصحابُ رسول الله ﷺ على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها؛ يعني: ويعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول الله ﷺ على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله ﷺ ، فقال: "ما كانت هذه لِتقاتلَ"، فقال لأحدهم: "الحَقْ خالدًا فقل له: لا تقتلْ ذريةً ولا عَسيفًا" (٣). العسيف: كالأجير لفظًا ومعنى، وهو أيضًا المملوك.
قال الإمام النووي: أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فإن قاتلوا، فقال جمهور العلماء: يقتلون.
وأما شيوخ الكفار، فإن كان فيهم رأي، قُتلوا، وإلا ففيهم وفي الرهبان خلاف، فقال مالك، وأبو حنيفة: لا يقتلون، والأصح من مذهب الشافعي قتلُهم، انتهى (٤).
стр. 3956
قلت: معتمد مذهب الإمام أحمد: متى ظُفر بهم، حَرُمَ قتلُ صبي وامرأة وخنثى وراهب، ولو خالط الناس، وشيخٍ فانٍ، وَزَمِنٍ، وأعمى.
وفي "مغني" الإمام الموفق: وعبد، وفلاح لا رأي لهم، إلا أن يقاتلوا، أو يحرضوا عليه (١).
وأما المريضُ، فيُقتل مَنْ لو كان صحيحًا، لقاتل؛ كالإجهاز على الجريح، وإن كان ميئوسًا من برئه، فَكَزَمِنٍ فانٍ، فإنْ تَتَرَّسوا بهم، جاز رميهم، ويقصد المقاتلة.
ولو وقفت امرأة في صف الكفار، أو على حصنهم، فشتمت المسلمين، أو تكشفت لهم، جاز رميُها والنظرُ إلى فرجها للحاجة إلى رمِيها، وكذلك يجوز رميُها إذا كانت تلتقط لهم السهام، أو تسقيهم الماء (٢). والله الموفق.
стр. 3957
الحديث الثاني عشر
عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ ﵁: أَنَّ عَبْدَ الرّحمَنِ بْنَ عَوْفٍ، والزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، شَكَيا القَمْلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في غَزاةٍ لَهُما، فَرَخَّصَ لَهُما في قَمِيصِ الحَرِيرِ، وَرَأَيْتُه عَلَيْهِما (١).
стр. 3958
(عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ مالك ﵁: أنَّ) أبا محمَّد (عبدَ الرحمن بنَ عوفِ) بنِ عبد الحارث بنِ زهرة بنِ كلاب بنِ مرة بنِ كعب بنِ لؤي بنِ غالب القرشيَّ الزهريَّ، كان اسمه في الجاهلية عبدَ عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسماه النبي ﷺ : عبد الرحمن، وأمُّه الشفاءُ بنتُ عوفِ بنِ عبد الحارث بنِ زهرة، أسلمت وهاجرت.
أسلم عبد الرحمن بن عوف قديمًا على يد أبي بكر الصديق.
وقدّم البرماوي أن أم عبد الرحمن صفيةُ بنتُ عبد مناف بن زهرة، ثمَّ ذكر بقيل: أنها الشفاء -بكسر الشين المعجمة وبالفاء- بنتُ عوف، قال: ويقال: إن الشفاء بنتَ عوف إنما هي أختُهُ.
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحابِ الشورى، هاجر للحبشة، وشهد المشاهد كلها، وثبت يوم أحد، وصلَّى النبي ﷺ وراءهُ في غزوة تبوك؛ كما في "صحيح مسلم" (١)، وأتَمَّ ما فاته، وبعثه ﷺ إلى دومة الجندل، وعَمَّمَه بيده، وسَدَلَها بين كتفيه، وقال: "إن فتحَ الله عليك، فتزوج بنتَ ملكِهم أو عريفِهم" (٢)، فتزوجَ بنتَ شريفهم، وهي تُماضِرُ بنتُ الأصبغِ بنِ ثعلبةَ بنِ ضَمْضَم، فولدت له أبا سلمة الفقيه، وهي أولُ كلبيةٍ نكحها قرشيٌّ.
أصاب عبدَ الرحمن يوم أحد نحوُ العشرين من الجراحة، أو أكثر، وبعضها في رجله، فعرج.
ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، قاله المدائني وغيره، ومات سنة اثنتين
стр. 3959
أو إحدى، أو ثلاث وثلاثين، وصلَّى عليه عثمانُ بن عفان، ودُفن في البقيع وله اثنتان وسبعون سنة، وقيل: خمس، وقيل: ثمان.
كان ﵁ طفلًا رقيقَ البشرة أبيضَ مشربًا بحمرة، ضخمَ الكتفين، أقنى، وقيل: كان ساقط الثنيتين، أعرجَ؛ لما أصابه من الجراحة يومَ أحد، ويجتمع نسبُه مع نسب النبي ﷺ في كلاب بن مرة.
روي له عن النبي ﷺ خمسة عشر حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة.
وقال الحافظ ابن الجوزي في "مشكل الصحيح": روى خمسة وستين حديثًا، اتفقا على سبعة.
قلت: وكذا في "منتخب المنتخب" له، إلا أنَّه قال: أخرج له في "الصحيحين" سبعة أحاديث، المتفق عليه منها حديثان، وباقيهما للبخاري.
قال ابن الأثير في "جامع الأصول": روى عنه ابن عباس، وابنه إبراهيم، وبجالة بن عبيد (١)، ويقال: ابن عبدة التميمي، كان كاتبَ جَزْءِ بنِ معاويةَ عمِّ الأحنفِ بن قيس، مكيّ ثقةٌ، ويعد في أهل البصرة (٢).
стр. 3960
(و) أبا عبد الله (الزُّبَير) -بضم الزاي- (بنَ العَوَّام) -بفتح العين المهملة والواو المشددة فألف فميم- بن خُوَيْلِد -بضم الخاء المعجمة وفتح الواو- بن أسد بن عبدِ العزى بنِ قصيِّ بنِ كلابِ بنِ مرةَ القرشيَّ الأسديَّ المدنيَّ، أُمه صفيةُ بنتُ عبد المطلب عمةُ المصطفى ﷺ ، أسلمت، وهاجرت إلى المدينة.
أسلم الزبير ﵁ قديمًا، وهو ابن خمس عشرة سنة، وقيل: ست عشرة، وقيل: إنه أسلم وهو ابن ثمان سنين، وكان إسلامه بعد إسلام الصديق بقليل، قيل: إنه كان رابعًا أو خامسًا، على يد أبي بكر الصديق ﵁، فعذبه عمه بالدخان ليترك الإسلام، فلم يفعل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة.
هاجر ﵁ الهجرتين، وهو أول من سَلَّ سيفًا في سبيل الله، وثبتَ مع النبي ﷺ يوم أحد، وشهد اليرموكَ وفتحَ مصر، وقال النبي ﷺ : "لكل نبيٍّ حَوارِيُّ، وحَوارِيَّ الزبيرُ" (١).
وكان أبيضَ طويلًا، ويقال: إنه لم يكن بالطويل ولا بالقصير، يميل إلى الخفة في اللحم. ويقال: كان أسمر خفيف العارضين.
كان الزبير يومَ الجمل قد تركَ القتال، وانصرفَ لأمرٍ ذَكَّرَه به أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب، فلما ذكره، اعترف به، وانصرف، فلحقه عُمير بن جرموز بسفوان من أرض البصرة، فقتله بوادي السباع، وقبرُه هناك مشهور، وذلك في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وكان عمره يومئذٍ