← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الحديث السادس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ" (١).

стр. 422

(عن أبي هريرة) عبدِ الرحمن بنِ صخر (﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة). قال في "النهاية": الفَطْرُ: الابتداء والاختراع، والفِطْرَة منه: الحالةُ، كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ (١). والمراد بالفطرة هنا: السُّنَّةُ، ومنه: فطرةُ محمدٍ ﷺ ؛ أي: دينُ الإسلام الذي هو منسوب إليه. والمعنى: أنها من سنن الأنبياء والمرسلين الذين أُمرنا أن نقتدي بهم فيها. قال أبو عبد الله محمدُ بنُ جعفر القزاز في "تفسير غريب صحيح البخاري": الفطرة في كلام العرب تنصرف على وجوه، منها: الخلق، والإنشاء، ومنها: الجِبِلَّة التي خلقَ اللهُ الناسَ عليها، وجبلهم على فعلها. وفي الحديث: "كلُّ مولودٍ يولَد على الفطرة" (٢)؛ يعني: على الإقرار بالعبودية لله وتوحيده الذي كانوا أقروا به لما أخرجهم من ظهر آدم. والفطرة: زكاة الفطر. قال: وأولى الوجوه: أن تكون الفطرة في هذا الحديث: ما جبل اللهُ الخلقَ عليها، وجبلَ طباعَهم على فعله، وهي كراهةُ ما في جسده مما ليس من الزينة، انتهى ملخصاً (٣).

стр. 423

وقال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": قال الخطابي: ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالفطرة هنا: السنة (١). وكذا قاله غيره، قالوا: والمعنى أنها من سنن الأنبياء. وقالت طائفةٌ: المعنيُّ بالفطرة: الدين، وبه جزم أبو نعيم في "المستخرج" (٢)، واستشكل ابن الصلاح ما ذكره الخطابي، فقال: معنى الفطرة بعيدٌ من معنى السُّنة، لكن لعل المراد أنه على حذف مضافٍ، أي: سنة الفطرة. وتعقبه النووي: بأن الذي ذكره الخطابي هو الصواب؛ فإن في "صحيح البخاري" عن ابن عمر عن النبي، قال: "من السُّنة قَصُّ الشارب، ونتفُ الإبط، وتقليمُ الأظفار" (٣)، وأصح ما فُسر الحديث بما في رواية أخرى، لا سيما في البخاري، انتهى. وتبعه ابنُ الملقن على هذا. قال الحافظ ابن حجر: ولم أر الذي قاله في شيءٍ من نسخ البخاري، بل الذي فيه من حديث ابن عمر بلفظ: الفطرة، وكذا من حديث أبي هريرة. نعم، وقع التعبير بالسنة موضعَ الفطرة في حديث عائشة عند أبي عَوانة في روايةٍ، وفي أخرى بلفظ: الفطرة (٤)؛ كما في رواية مسلمٍ والنسائيِّ وغيرِهما (٥).

стр. 424

وقال الراغب: أصلُ الفَطر -بفتح الفاء-: الشَّقُّ طولاً، ويُطلق على الوهي، وعلى الاختراع، وعلى الإيجاد، والفطرة: الإيجاد على غير مثال (١). وقال أبو شامة: أصلُ الفطرة: الخلقة المبتدأة، ومنه: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، أي: المبتدىء خلقَهُنَّ، وقوله ﷺ : "كل مولودٍ يولد على الفطرة" (٢)، أي: على ما ابتدأ الله خلقَه عليه. وفيه: إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. والمعنى: أن كل واحدٍ لو تُرك من وقت ولادته وما يُؤديه إليه نظره، لأدَّاه إلى الدين الحق، وهو التوحيدُ لله، وقوله تعالى قبلها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وإليه يشير في الحديث: "فأَبَواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه". قال الحافظ ابن حجر: والمرادُ بالفطرة في حديث الباب: أن هذه الأشياء إذا فُعلت، اتصف فاعلُها بالفطرة التي فطر الله العبادَ عليها، وحثَّهم على فعلها، واستحَبَّها لهم، ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفِها صورةً، انتهى (٣).

стр. 425

وقال الإمام المحقق ابن القيم في "تحفة المودود": إنما كانت هذه الخصال من الفطرة؛ لأن الفطرة هي الحنيفية ملةُ إبراهيم، وهذه الخصال أُمر بها إبراهيمُ، وهي من الكلمات التي ابتلاه ربُّه بهن؛ كما ذكر عبد الرزاق عن ابن عباس في هذه الآية، قال: ابتلاه بالطهارة، الحديث (١). ثم قال ابن القيم: والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب، وهي معرفةُ الله ومحبته وإيثاره على ما سواه، وفطرةٌ تتعلق بالجسد وعليه وهي هذه الخصال، فالأولى: تزكي الروح وتطهر القلب، والثانية: تطهر البدن، وكل منهما تمد الأخرى وتقويها، انتهى (٢). وحاصل هذا كله أن المراد بالفطرة في هذا الحديث: السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جِبِلِّيّ فُطِروا عليها. (خمسٌ)، أو "خمسٌ من الفطرة" بالشك لهما، ولأبي داود، وهو من سفيان بن عُيينة (٣). ووقع في رواية الإمام أحمد: "خمسٌ من الفطرة"، ولم يشك (٤)، وكذا في رواية معمر عن الزهري عند الترمذي، والنسائي (٥).

стр. 426

والرواية التي اعتمدها الحافظ - رحمه الله تعالى - هي رواية إبراهيم بن سعد "الفطرةُ خمسٌ" عند البخاري، وكذا عند مسلم من رواية يونس بن يزيد عن الزهري. قال ابن دقيق العيد: دلالةُ "من" على التبعيض، أظهرُ من دلالة هذه الرواية على الحصر، وقد ثبت في أحاديث أخرى زيادة على ذلك؛ فدل على أن الحصر فيها غير مراد (١). قال الحافظ ابن حجر: واختلف في النكتة في الإتيان بهذه الصيغة، فقيل برفع الدلالة، وأن مفهوم العدد ليس بحجة. وقيل: بل كان أَعْلَمَ أولاً بالخمس، ثم أَعْلَمَ بالزيادة. وقيل: بل الاختلاف في ذلك بحسب المقام، فذكر في كل موضعٍ اللائقَ بالمخاطبين. وقيل: أريد بالحصر المبالغةُ لتأكيد أمر الخمس المذكورة، كما حمل عليه قوله ﷺ : "الدينُ النصيحةُ" (٢)، و"الحَجُّ عرفةُ" (٣)، ونحوهما. وذكر ابن العربي أن خصال الفطرة تبلغُ ثلاثين خصلةً (٤).

стр. 427

وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه إن أراد خصوصَ ما ورد بلفظ الفطرة، فليس كذلك، وإن أراد أعمَّ من ذلك، فلا تنحصر في الثلاثين، بل تزيد كثيراً. وأقل ما ورد في خصال الفطرة: حديثُ ابن عمر عند البخاري: "من السُّنة: حلقُ العانة، وتقليمُ الأظفار، وقَصُّ الشارب (١) "؛ فإنه لم يذكر إلا ثلاثاً. وفي لفظٍ: "الفطرة" (٢). وفي آخر: "من الفطرة". وأكثر ما ورد فيها من مجموع الأحاديث خمسَ عشرةَ خَصْلةً، بزيادة عشرِ خصالٍ على ما في الحديث الذي اعتمده المصنف، وهو حديثٌ صحيحٌ متفقٌ على صحته. وفي "صحيح مسلم" من حديث عائشة ﵂: "عشرٌ من الفطرة" (٣). وسأنبه على ما زاد في مجموع الأحاديث في آخر شرح هذا الحديث. (الختان) -بكسر الخاء المعجمة وتخفيف المثناة-: مصدر خَتَنَ؛ أي: قطع، والخَتْنُ -بفتح الخاء فسكون-: قطعُ بعضٍ مخصوصٍ من عضوٍ مخصوصٍ (٤).

стр. 428

ووقع في رواية يونس عند مسلم: الاختتان (١). قال ابن القيم في "تحفة المودود": والختان: اسمٌ لفعل الخاتن، ويسمَّى به موضعُ الختن أيضاً، ومنه: "إذا التقى الخِتانان، وجب الغُسْلُ" (٢). والمراد هنا: الأول. قال في "التحفة": قال أبو البركات في كتابه "الغاية": يؤخذ في ختان الرجل جلدةُ الحشفة، وإن اقتصر على أخذ أكثرها، جاز (٣). ومثله ما نقله الحافظ ابن حجر عن الماوردي من الشافعية؛ حيث قال: ختانُ الذكر: قطعُ الجلدة التي تُغطي الحشفة، والمستحبُّ أن تُستوعب من أصلها عند أول الحشفة، وأقل ما يجزىء ألا يبقى منها ما يتفش به شيء من الحشفة. وقال ابن الصباغ: حتى ينكشف جميع الحشفة، انتهى (٤). قال ابن القيم: سئل الإمام أحمد -كما في رواية الفضل بن زياد عنه-: كم يقطع في الختانة؟ قال: حتى تبدو الحشفة.

стр. 429

وقال عبد الملك الميموني: قلت لأبي عبد الله: مسألةٌ سئلت عنها؛ ختَّانٌ ختنَ صبياً فلم يستقص، قال: فإذا كان الختان قد جاوز نصفَ الحشفة إلى فوق، فلا يعتد به؛ لأن الحشفة تغلظ، ورأى سهولة الإعادة إذا كانت الختانة في أقل من نصف الحشفة إلى أسفل. قال ابن القيم: وأما المرأة، فلها عذرتان؛ إحداهما: بكارتها، والأخرى: هي التي يجب قطعها، وهي كعرف الديك في أعلى الفرج بين الشَّفْرَين فوقَ مدخل الذكر، وإذا قُطعت، يبقى أصلها كالنواة (١). وقال الماوردي: خِتانها: قطعُ جلدة تكون في أعلى فرجها فوقَ مدخل الذكر كالنواة، أو كعرف الديك، والواجب: قطعُ الجلدة المستقبلة منه دون استئصاله. وقد أخرج أبو داود من حديث أم عطية: أن امرأةً كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي ﷺ : "لا تنهكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة"، وقال: إنه ليس بالقوي (٢). قال الحافظ ابن حجر: له شاهدان من حديث أنس، وأم أيمن ﵄ (٣). قال الإمام أحمد: لا تَحيفُ خافضةُ الجارية؛ لأن عمر قال لختّانة النساء: أبقي منه شيئاً إذا خفضتِ (٤).

стр. 430

وذكر الإمام عن أم عطيةَ الخبرَ المتقدمَ، وزاد في آخره: "وأحبُّ للبعل" للفعل (١). قال ابن القيم: ويسمى في حق الأنثى: خَفْضاً، يقال: ختنت الغلام ختناً، وخفضت الجارية خفضاً، قال: ويسمى في الذكر إعذاراً، وقد يقال: الإعذار لهما. قال أبو عبيدة: عَذَرْتُ الجاريةَ والغلامَ، وأَعْذَرْتُهُمَا: ختنتُهما، واختتنتهما؛ وزناً ومعنى. قال الجوهري: والأكثرُ خفضتُ الجارية (٢). والذي لم يختتن يسمى: أقلفَ، وأغلفَ، والقُلْفَة والغُلْفَة والغُرْلَة: هي الجلدة التي تقطع. قال: وتزعم العرب أن الغلام إذا ولد في القمر، فسحت قُلْفته، فصار كالمختون، فختان الرجل الحرفُ المستدير على أسفل الحشفة، وهو الذي تترتب الأحكام على تغييبه في الفرج. قال: وقد بلغت أربع مئة إلا ثمانية أحكام. وأما ختان المرأة، فهي جلدةٌ كعرف الديك فوق الفرج، فإذا غابت الحشفة في الفرج، حاذى ختانُه ختانَها، فإذا تحاذيا، فقد التقتا، كما التقى الفارسان إذا تحاذيا وإن لم يتضامَّا، فظهر أن الختان اسمٌ للمحلِّ، وهي

стр. 431

الجلدة التي تبقى بعد القطع، واسم للفعل الصادر من الخاتن -كما تقدم-، والله أعلم (١). تنبيهات: الأول: المذهب المعتمد: أن الختان واجبٌ، وبه قال الشعبي، وربيعة، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، والشافعي، وشدَّد فيه مالك حتى قال: من لم يختتن، لم تصح إمامته، ولم تُقبل شهادتُه، كما في "تحفة المودود". قال: ونقل كثيرٌ من الفقهاء عن مالك أنه سنةٌ، حتى قال القاضي عياض: الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة (٢)، ولكن السنة عندهم يأثم بتركها، فهم يطلقونها على مرتبةٍ بين الفرض والندب، وإلا، فقد صرح مالكٌ بعدم قبول شهادة الأقلف، انتهى (٣). قال ابن دقيق العيد: قد اختلف العلماء في حكم الختان؛ فمنهم من أوجبه، وهو الشافعي، ومنهم من جعله سنةً، وهو مالك وأكثر أصحابه، انتهى (٤). وقال بوجوب الختان من القدماء: عطاءٌ، وشدد فيه، حتى قال: لو أسلم الكبير، لم يُقبل إسلامه حتى يختن (٥).

стр. 432

قال ابن القيم: وقال الحسن البصري، وأبو حنيفة: لا يجب الختان، بل هو سنةٌ، وكذلك قال ابن أبي موسى من علمائنا. قال: واحتج الموجبون له بوجوه: أحدها: قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، والختان من ملته. قال غير واحدٍ من السلف: من حجَّ واختتن، فهو حنيفٌ، فالحجُّ والختانُ شعارُ الحنيفية، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها. قال الشاعر (١) يخاطب أبا بكر الصديق ﵁: [من الكامل] أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّا مَعْشَرٌ ... حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصيلاَ عَرَبٌ نَرَى لِلَّهِ فِي أَمْوَالِنَا .. حَقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلاً تَنْزِيلاَ الثاني: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود: أن رجلاً -وهو كُليب جدُّ عُثَيْم بنِ كثير (٢) - جاء النبيَّ ﷺ ، فقال: قد أسلمتُ، قال: "أَلْقِ عنكَ شعرَ الكُفْرِ واخْتَتِنْ" (٣). وحملُه على الندب في إلقاء الشعر لا يلزم حمله في الاختتان. الثالث: ما روى حربٌ في "مسائله" عن الزهري، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أسلمَ، فَلْيَخْتَتِنْ، وإن كانَ كبيراً" (٤).

стр. 433

وهذا، وإن كان مرسلاً، فيصلح للاعتضاد. الرابع: ما رواه البيهقي عن موسى بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي، عن آبائه واحداً بعد واحدٍ، عن علي ﵁ وعنهم -، قال: وجدنا في قائم سيف رسول الله ﷺ في الصحيفة: "إِنَّ الأقلف لا يُترك في الإسلام حتى يَخْتَتِنَ، ولو بلغَ ثمانينَ سنةً". قال البيهقي: هذا حديثٌ يتفرد به أهلُ البيت بهذا الإسناد (١). الخامس: ما رواه ابنُ المنذر من حديث أبي برزة، عن النبي ﷺ في الأقلف: "لا يحجُّ بيتَ الله حتى يختتنَ". وفي لفظٍ: سُئل رسول الله ﷺ عن رجل أقلفَ يحجُّ بيت الله، قال: "لا، حتى يَخْتتن" (٢). ثم قال: إسناده مجهول. السادس: ما رواه وكيع عن ابن عباس ﵄، قال: الأقلفُ لا تُقبل له صلاة، ولا تؤكل ذبيحته (٣). ورواه الإمام أحمد عنه بلفظ: لا تؤكل ذبيحةُ الأقلف. وكذا قال عكرمة، كما رواه حنبل في "مسائله"، قال: وكان الحسن لا يرى ما قال عكرمة. قال: وقيل لعكرمة: له حج؟ قال: لا. قال حنبل: وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا سعيد بن أبي عكرمة، عن قتادة، عن جابر بن

стр. 434

زيد، عن ابن عباس ﵄ قال: الأقلفُ لا تحلُّ له صلاةٌ، ولا تؤكلُ له ذبيحةٌ، ولا تجوز له شهادة. قال قتادة: وكان الحسن لا يرى ذلك (١). السابع: الختان من أظهر شعائر الإسلام التي يُفرق بها بين المسلم والنصراني، فوجوبه أظهرُ من وجوب الوتر، وزكاةِ الخيل، ووجوبِ الوضوء على من قهقه في صلاته، ووجوب التيمم إلى المرفقين، حتى إن المسلمين لا يكادون يعدون الأقلفَ منهم. و-أيضاً- فهو قطعُ عضوٍ لا تؤمنُ سرايته، فلو لم يكن واجباً، لما تجشم تلك المشقة. و-أيضاً- قد جاز كشف العورة له لغير ضرورةٍ ولا مداواةٍ، فلو لم يجب، لما جاز؛ لأن الحرام لا يزول للمحافظة على المسنون. و-أيضاً- الوليُّ يفعله بموليه، ويولم فيه، مع كونه عرضةً للتلف بالسراية، ويُخرج من ماله أجرة الخاتن وثمنَ الدواء، ولا تُضمن سرايته بالتلف، ولو لم يكن واجباً، لما جاز ذلك. و-أيضاً-: فالأقلف معرضٌ لفساد طهارته وصلاته، فإن القلفة تستر الذكر، فيصيبها البول، ولا يمكن الاستجمار لها، فربما توقفت صحة الصلاة والطهارة على الختان؛ ولهذا منع كثيرٌ من السلف والخلف إمامة الأقلف، وإن كان معذوراً في نفسه، فإنه بمنزلة من به سلسُ البول. فالمقصودُ الأعظم بالختان: التحرزُ من احتباس البول في القُلفة، فتفسد الطهارة والصلاة، ولهذا يسقط بالموت؛ لزوال التكليف بهما.

стр. 435

و -أيضاً- فهو شعار الحنفاء، ولذا أولُ من اختتن إمامُهم سيدنا إبراهيم، فصار الختان شعار الحنيفية، وهو مما توارثته بنو إسماعيل ﵇، وبنو إسرائيل الذي هو يعقوب ﵇ عن إبراهيم الخليل ﷺ ، وضده شعار عباد النار وعباد الصليب. فلا ينبغي لعاقل أن يرضى لنفسه ترك سنة هؤلاء الأبرار، واقتفاء شعار هؤلاء الكفار، فالختان علم الحنيفية، وشعارُ الإسلام، ورأسُ الفطرة، وعنوان الملة. وإذا كان ﷺ قال: "من لم يأخذْ شاربَه فليسَ منا" (١)، فكيف بمن عَطَّل الختان، ورضي القلف شعارَ عباد الصلبان؟! فمن أَظْهَرِ ما يُفرَّقُ به بين عباد الصلبان وعباد الرحمن: الختان، وعليه استمر عمل الحنفاء من عهد أبيهم وإمامهم الخليل إبراهيم إلى عهد سيدهم ونبيهم خاتم الأنبياء - عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم -. ومن أحسن ما يُستدل به على وجوبه ما بدأنا به من أن الله أمرنا باتباع خليله في اتباع ملته. ولَمَّا أمر الله الحليم الكريم الحكيم خليلَه إبراهيمَ بالاختتان كان عمره ثمانين سنةً - (٢) على المشهور عند أئمة المحدثين والمؤرخين من أهل الإيمان -، فَبَادَرَ إلى امتثال الحي القيوم، وختن نفسَه بالقدوم، مبادرة للامتثال، وطاعة لذي العزة والجلال، وجعله فطرة باقية في عقبه يحتج

стр. 436

إليها إلى أن يرث الله - جل شأنه - الأرض ومن عليها، ولم تزل الأنبياء من بعده على هذه الطريقة، حتى إن سيدنا عيسى ابن العذراء البتول اختتن متابعةً للخليل إبراهيم ذي العروة الوثيقة، حتى إن النصارى القلفَ لا ينكرون ختانته، ولا يجحدون أمانته. ويكفي الناصحَ لنفسه من التثبت والتثبيت؛ أذانُ عالمِ أهل البيت الإمامِ الأمة البحر، حبرِ هذه الأمة سيدِنا عبدِ الله بن عباس أذاناً سمعه العامُّ والخاص: أن لا تؤكل ذبيحة من لم يختتن من الناس، ولا صلاة له، ولا حج له. كما أخرجه أئمة الإسلام في كتبهم المتداولة. والله سبحانه يوفقنا لاتباع الآثار، ويلهمنا رشدنا إنه الرحيم الغفار (١). الثاني: (٢) المذهب المعتمد على ما استقرت به النصوص، وجزم به المتأخرون من أئمة المذهب: وجوبُه أيضاً على النساء. قال في "شرح الوجيز": وجوبُ الختان على الذكر والأنثى والخنثى هو المذهب، وعليه جمهور علمائنا. والدليل على وجوبه مطلقاً قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]. والختان من ملته؛ بدليل ما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "اختتنَ إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ بعدما أتتْ عليه ثمانون سنةً، واختتن بالقدوم" متفقٌ عليه (٣).

стр. 437

إلا أن مسلماً لم يذكر السنين. قال الإمام أحمد ﵁ في حديث: "إذا التقى الختانان، وجب الغُسل": (١) فيه بيان أن النساء كُنَّ يختتن، وقال: الرجل أشد؛ أي: الوجوبُ في حقه أشد؛ لأنه إذا لم يختتن، فتلك الجلدة مغشية الكمرة، والنساءُ أهون. وفي رواية أن: الختان ليس بواجب على النساء. وهو الذي أورده الإمام الموفق في "المغني" (٢) عن الإمام أحمد، قاله الحافظ ابن حجر. قال: وفي وجه للشافعية: لا يجب في حق النساء (٣). واحتج من جنح إلى هذا بحديث شداد بن أوس: "الختان سنةٌ للرجال، مكرمة للنساء" (٤)، ففرق فيه بين الذكور والإناث، وقد يحتج له بأن الأمر به إنما جاء للرجال، كما أمر الله سبحانه به خليله ﵇، ففعله امتثالاً لأمره. وأما ختان المرأة، فكان سببه يمينُ سارةَ، وذلك أنها لما وهبت هاجرَ لإبراهيم ﵇، وأصابها، فحملت منه، غارت سارة، فحلفت لتقطعنّ منها ثلاثة أعضاء، فخاف إبراهيم أن تجدع أنفها، وتقطع أذنها،

стр. 438

فأمرها بثقب أذنيها، وختانِها، فصار ذلك سنةً في النساء بعدها (١). قال ابن القيم: ولا ينكر هذا كما كان مبدأ السعي سعي هاجر بين الجبلين لالتماسها الغوث، وكما كان مبدأ رمي الجمار حصب إسماعيلَ الشيطانَ لمَّا ذهب مع أبيه، فشرع الله ذلك لعباده؛ تذكرةً وإحياءً لسنة خليله، وإقامةً لذكره، وإعظاماً لعبوديته (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية؛ كما في "الفتاوى المصرية" - وقد سئل: هل تختتن المرأة أم لا؟ - فأجاب: نعم، وذكرَ صفة ختانها كما ذكرنا، وقال: قال رسول الله ﷺ للخافضة وهي الخاتنة: "شمي ولا تنهكي، فإنه أبهى للوجه، وأحظى لها عند الزوج" (٣)؛ يعني: لا تبالغي في القطع. وذلك أن المقصود بختان الرجل: تطهيرُه من النجاسة المحتقنة في القلفة، والمقصود من ختان المرأة: تعديلُ شهوتها؛ فإنها إذا كانت قلفاء، كانت مغتلمةً شديدة الشهوة. قال: ولهذا يقال في المشاتمة: يا بن القلفاء! فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر. قال: ولهذا يوجد من الفواحش في نساء التتر والإفرنج ما لا يوجد في نساء المسلمين، وإذا حصل المبالغة في ختانها، ضعفت شهوتها، فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة، حصل المقصود باعتدالٍ، انتهى (٤).

стр. 439

فائدة: رويت لفظة: "بالقَدُوم" مخففةً ومشددة. قال الماوردي وغيره: وهو الفأس. وقال البخاري: القدوم: -مخففةً-: اسم موضع (١). وقال المَرُّوذي: سئل أبو عبد الله -يعني: الإمام أحمد-: هل ختن إبراهيمُ نفسَه بقدوم؟ قال: طرف القدوم (٢). وقال أبو داود، وعبد الله بن الإمام، وحرب: إنهم سألوا الإمام أحمد عن قوله: اختتن بالقدوم؟ قال: هو موضع (٣). وقال غيره: هو اسمٌ للآلة، واحتج بقول الشاعر: [من الطويل] فَقُلْتُ: أَعِيرُوني الْقَدُومَ لَعَلَّنِي ... أَخُطُّ بِهِ قَبْراً لِأَبْيَضَ مَاجِدِ وقالت طائفةٌ: من رواه مخففاً، فهو اسم الموضع، ومن رواه مثقلاً، فهو اسم الآلة (٤). قال أبو عبيد الهروي في "الغريبين": إنه اسم مكانٍ. ويقال: هو كان مقيله. وقيل: اسم قرية بالشام. قلت: ولعله البلدة المسماة الآن بكفر قدوم؛ فإن بها مكاناً يزعمون أنه الذي اختتن به الخليل.

стр. 440

وذكر لي غير واحدٍ من أهلها: أن اليهود كانت تزوره وتعظِّمه، وقال لي نحو ذلك صاحبنا الشيخ عيسى القدومي الحسيني، ثم قال: منعناهم من ذلك، انتهى. وقال أبو شامة: هو موضعٌ بالقرب من القرية التي فيها قبره. وقيل: بقرب حلب. وجزم غير واحدٍ: أن الآلة بالتخفيف. وصرح ابن السكيت أنه لا يشدد. وأثبت بعضهم الوجهين في كل منهما (١). وروي: أن إبراهيم ﵇ لما اختتن، كان ابن مئةٍ وعشرين سنة، وأنه عاش بعد ذلك ثمانين، فكمل مئتي سنة (٢). والصحيح: أنه اختتن وهو ابن ثمانين، وعاشر بعدها أربعين، والله الموفق (٣). الثالث: اختلف العلماء في الوقت الذي يُشرع فيه الختان: قلت: المعتمد عندنا: أنه تعتريه الأحكام الخمسة؛ فيكره يوم ولادته، ومنها: إلى فراغ اليوم السابع. ثم هو مستحب إلى قبيل الوجوب، فيجب؛ فإن خيف إتلاف، أبيح، وإن تحقق، حرم.

стр. 441

قال في "الفروع": يجب الختان. قال شيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-: إذا وجبت الطهارة والصلاة (١). وفي "صحيح البخاري" من حديث سعيد بن جبير: سئل ابن عباس ﵄: مثلَ مَنْ أنت حين قُبض رسول الله ﷺ ؟ قال: أنا يومئذٍ مختونٌ، وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك (٢). وقد اختلف في سنه عند وفاة النبي ﷺ . ولد في الشِّعْب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتُوفي رسولُ الله ﷺ وله ثلاثَ عشرةَ سنة. وروي: أنه كان ابنَ عشر سنين، والمعتمد في سنه: الأول. وأما قوله ﵁: وكانوا لا يختتنون الرجل حتى يدرك؛ أي: حتى يقارب البلوغ. وقد قال ﵁: إنه كان في حجة الوداع التي عاش بعدها النبيُّ ﷺ بضعةً وثمانين يوماً: أنه كان قد ناهز الحلم (٣). قال ابن القيم في "تحفة المودود": ختن إبراهيم الخليل ﵇ ابنه إسماعيل وهو ابن ثلاث عشرة سنةً، وختن ابنَه إسحاق لسبعة أيام من ولادته. قال: قال شيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-: فصار ختانُ إسحاق

стр. 442

سنةً في بنيه، وختانُ إسماعيل سنةً في بنيه (١). وقال الماوردي من الشافعية: له وقتان؛ وقتُ وجوبٍ، ووقت استحبابٍ: فوقت الوجوب: البلوغ، ووقت الاستحباب: قبله. والاختيار عندهم: في اليوم السابع، ثم في الأربعين، ثم في السنة السابعة، والله أعلم (٢). الرابع: قد اختلف الناس في ختان النبي ﷺ ، فاشتهر بين العامة والقُصَّاص والمُدَّاح: أنه ولد مختوناً. وقيل: ختنه جبريلُ عند شَقِّ صدره. وقيل: بل ختنه جدُّه عبدُ المطلب على عادة العرب في ختان أولادهم. وقد روى ابنُ عبد البر من حديث العباس ﵁، قال: ولد رسول الله ﷺ مختوناً مسروراً؛ يعني: مقطوع السرة، فأعجب من ذلك جده عبد المطلب، وقال: ليكونن لابني هذا شأنٌ عظيمٌ. ثم قال ابن عبد البر: ليس إسناده [بالقائم] (٣). قال: وقد روي موقوفاً على ابن عمر، ولا يثبت أيضاً (٤). وفي حديث عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من كرامتي على الله أَنِّي وُلدتُ مختوناً، ولم ير سَوْءَتي أحدٌ" رواه الخطيب، وقال: تفرد به سفيان بن محمد المصيصي، وهو

стр. 443

منكَر الحديث، ورواه ابن عساكر, وفيه عدةُ مجاهيل (١)، ثم رجَّحَ كونَ عبد المطلب خَتَنَه، أو المَلَك، وأورد ذلك من عدة طرق لا تخلو من مناقشة، والله أعلم (٢). (والاستحداد) -بالحاء المهملة-: استفعالٌ من الحديد، والمراد بها: استعمال الموسى في حلق الشعر من مكانٍ مخصوصٍ من الجسد. قيل: في التعبير بهذه اللفظة مشروعيةُ الكناية عمَّا يستحيا منه، إذا حصل الإفهام بها، وأغنى عن التصريح. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر: أن ذلك من تصرف الرواة. وقد وقع في رواية النسائي في حديث أبي هريرة هذا التعبيرُ بحلق العانة (٣)، وكذا في حديث عائشة، وأنس عند مسلم (٤). قال النووي: المرادُ بالعانة: الشعرُ الذي فوق ذَكَر الرجل وحَوالَيه، وكذلك الشعر الذي حوالَي فرجِ المرأة. ونُقِلَ عن أبي العباس بن سريج: أنه الشعر النابتُ حولَ حلقةِ الدُّبر. فتحصل من مجموع هذا: استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما (٥).

стр. 444

وذُكر الحلقُ؛ لأنه الأغلب، وإلا فيجوز الإزالةُ بالنورةِ، والنتفِ، وغيرهما. وقال أبو شامة: العانة: الشعرُ النابت على الرَّكَب -بفتح الراء والكاف-، وهو ما انحدر من البطن، فكان تحتَ السرة وفوقَ الفرج. وقيل: لكل فخذٍ: ركبٌ. وقيل: ظاهر الفرج. وقيل: الفرج نفسه، سواء كان من رجل أو امرأة. قال: ويستحب إماطةُ الشعر عن القُبل والدُّبر، بل من الدُّبر أولى؛ خوفاً من أن يعلق شيءٌ من الغائط به، فلا يزيله المستنجي إلا بالماء، ولا يتمكن من إزالته بالأحجار (١). قال في "الفروع": ويحلق عانته، وله قصُّه، وإزالته بما شاء. والتنوير في العورة وغيرها، فعله الإمامُ أحمد، وكذا النبيُّ ﷺ ، رواه ابن ماجه من حديث أم سلمة (٢)، وإسناده ثقات، وقد أُعل بالإرسال. وقال الإمام أحمد: ليس بصحيح؛ لأن قتادة قال: ما اطَّلى النبيُّ ﷺ ، كذا قاله الإمام أحمد (٣). ولفظه: أن النبيَّ ﷺ كان إذا اطَّلى وَلِيَ عانتهُ بيدِه (٤).

стр. 445

ومقابله حديثُ أنس: كان لا يتنوَّرُ، وكان إذا كثر شعره، حلقه؛ وسنده ضعيف جداً (١). وفي "الغُنية" لسيدنا الشيخ عبدِ القادر - قدس الله سره -: ويجوز حلقه؛ لأنه تستحب إزالته بالنورة، وإن ذُكِرَ خبرٌ بالمنع، حُمِلَ على التشبه بالنساء، انتهى (٢). قال في "الفروع": وكره الآمدي كثرةَ التنوير (٣)؛ لأنه يضعف حركة الجماع. وقال المروزي: كان أبو عبد الله -يعني: الإمام أحمد- إذا احتاج إلى النورة، تنوَّر في البيت، وأصلحتُ له غيرَ مرةٍ نورةٌ تنور بها. قال: واشتريت له جلداً ليديه، فكان يُدخل يديه فيه، وينور نفسه، ولا يدع أحداً يلي عورته، إلا من يحل له الاطلاع عليها من زوجةٍ أو أمةٍ، كما في "شرح الوجيز"، قال: والحلق أفضل؛ لموافقته الحديث الصحيح، انتهى (٤). وسئل الإمام أحمد عن أخذ العانة بالمِقْراض، فقال: أرجو أن يجزىء، قيل: فالنتف؟ قال: وهل يقوى على هذا أحد (٥)؟

стр. 446

وقال ابن دقيق العيد: قال أهل اللغة: العانة: الشعر النابت على الفرج. وقيل: منبت الشعر. قال: وهو المراد في الخبر. وقال أبو بكر بن العربي: شعرُ العانة أولى الشعور بالإزالة؛ لأنه يَكْثُف ويتلبَّدُ فيه الوسخُ؛ بخلاف شعر الإبط. قال: وأما حلقُ ما حولَ الدبر، فلا يُشرع (١). وكذا قال الفاكهي في "شرح العمدة": أنه لا يجوز، كذا نقله الحافظ ابن حجر، وقال: كذا قال، ولم يذكر للمنع مستنداً، والذي استند إليه أبو شامة قوي، بل ربما تصور الوجوب في حقِّ من تعيَّنَ ذلك في حقه؛ كمن لم يجد الماء إلا القليل، وأمكنه أن لو حلق الشعر ألا يعلق به شيءٌ من الغائط يحتاج معه إلى غسله، وليس معه ماءٌ زائدٌ على قدر الاستنجاء (٢). وقال ابن دقيق العيد: كأن الذي ذهب إلى استحباب حلق ما حول الدبر، ذكره بطريق القياس. قال: والأولى في إزالة الشعر الحلقُ اتباعاً، ويجوز النتفُ بخلاف الإبط؛ فإنه بالعكس (٣). وقال النووي: السُّنةُ في إزالة شعر العانة الحلقُ بالموسى في حق الرجل والمرأة معاً، وقد ثبت الحديثُ الصحيح عن جابرٍ في النَّهي عن طروق النساء: "حتى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ" (٤)؛ يعني: التي غاب زوجها.

стр. 447

وقال النووي أيضاً: والأَوْلى في حق الرجل الحلقُ، وفي حق المرأة: النتفُ (١). واستشكل بأن فيه ضرراً على المرأة بالألم، وعلى الزوج باسترخاء المَحَلِّ؛ فإن النتف يُرخي المحل باتفاق الأطباء. ومن ثم قال ابن دقيق العيد: إن بعضهم مال إلى ترجيح الحلق في حق المرأة، لأن النتف يرخي المحل (٢). لكن قال ابن العربي: إن كانت شابةً، فالنتفُ في حقها أولى؛ لأنه يربو مكان النتف، وإن كانت كهلةً، فالأولى في حقها الحلقُ؛ لأن النتف يُرخي المحل (٣). ولو قيل: الأولى في حقها التنوُّر مطلقاً، لما كان بعيداً. وإذا طلب الزوج من امرأته وسُرِّيته إزالةَ شعر عانتها ونحوه، وجب عليها. قال في "الإقناع" كغيره: وله: أي: الزوج - إجبارُها -أي: الزوجة- على غسل نجاسةٍ، واجتنابِ مُحَرَّمٍ، وأخذِ شعرٍ وظفرٍ تعافه النفس، وإزالة وسخٍ، فإذا احتاجت إلى شراء الماء، فثمنه عليه (٤).

стр. 448

تنبيه: في قدر ما يترك شعر العانة. قال في "الإقناع" (١) كغيره -وهو في "الفروع"-: ويفعله كلَّ أُسبوع، ولا يتركه فوقَ أربعين يوماً عند الإمام أحمد. قال في "الغنية": رُوي عنه أنه احتج بالخبر، وصححه (٢). وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية: كم مقدار أن يقعد الرجل حتى يحلق عانته؟ أجاب بما روي عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ وَقَّتَ لهم في حلقِ العانةِ ونتفِ الإبط ونحوِ ذلك لا يترك أكثرَ من أربعين يوماً، وهو في الصحيح، انتهى (٣). قلت: هو في "صحيح مسلم" (٤)، والله أعلم. (وقص الشارب): أصلُ القص: تَتَبُّعُ الأثر، وقيَّده ابنُ سيدَهْ في "المحكم" بالليل (٥). والقص -أيضاً-: إيرادُ الخبر تماماً على مَنْ لم يحضره. ويُطلق على قطع شيءٍ من شيءٍ بآلةٍ مخصوصةٍ.

стр. 449

والمراد به هنا: قطعُ الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال (١). قال في "القاموس": قصَّ الشعرَ والظُّفرَ: قطعَ منهما بالمقص؛ أي: المِقْراض، وهما مِقَصّان، وقُصاص الشعر -مثلثة-: حيث ينتهي نبته من مقدمه أو مؤخره (٢). والشارب المراد به هنا: الشعر النابت على الشفة العليا. واختلف في جانبيه، وهما السِّبالان: قيل: هما من الشارب، ويشرعُ قصهما. وقيل: هما من جملة شعر اللحية. والذي في أكثر الأحاديث: القصُّ؛ كما هنا، وكذا في حديث عائشة، وأنس ﵄ عند مسلم (٣). وفي حديث حنظلة عن ابن عمر ﵁ عند البخاري (٤). وورد الخبر بالحلق عند النسائي بسندٍ صحيح (٥). وورد عنده أيضاً بلفظ: تقصير الشارب (٦).

стр. 450

قال الحافظ ابن حجر: وورد في لفظٍ عن أبي هريرة: "جُزُّوا الشواربَ" (١)، وهي تؤيد رواية الحلق. وفي "البخاري" في حديث ابن عمر - رضى الله عنهما -: "أَحفوا الشواربَ" (٢). وفي لفظٍ: "انهكوا الشوارب" (٣)، وكلها تدل على أن المطلوب: المبالغةُ في الإزالة؛ فإن الجزَّ -وهو بالجيم والزاي الثقيلة-: قصُّ الشعر والصوف إلى أن يبلغ الجلدَ، والإحفاءُ -بالمهملة والفاء-: الاستقصاء، ومنه: "حَتَّى أَحْفَوه بالمسألة" (٤). قال أبو عبيد: معناه: الزموا الجز بالبشرة. وقال الخطابي: هو بمعنى الاستقصاء (٥). والنهك -بالنون والكاف-: المبالغة في الإزالة. ومنه: ما تقدم في الخافضة: "شُمي ولا تنهكي" (٦)، أي: لا تبالغي في ختان المرأة. وجرى على ذلك أهل اللغة. وقال ابن بطال: النهك: التأثير في الشيء، وهو غير الاستئصال (٧).

стр. 451

قال في "الفروع": ويحفُّ شاربه؛ خلافاً لمالك، أو يقصُّ طرفه، وحفُّه أولى في المنصوص؛ وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي، ولا يمنعُ منه مالك. وذكر ابن حزم الإجماع: أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرضٌ. قال في "الفروع": وأطلق أصحابنا وغيرُهم الاستحبابَ. وفي حديث زيد بن أرقم ﵁ مرفوعاً: "من لم يأخذْ شاربه، فليس منا" رواه الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي، وصححه (١). قال: وهذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم (٢). وقال النووي: المختارُ في قص الشارب: أنه يقصه حتى يبدو طرفُ الشفة، ولا يحفُّه من أصله. وأما رواية: احفوا، فمعناها: أزيلوا ما طال عن طرف الشفتين، انتهى (٣). وقال الأثرم: كان الإمام أحمد يُحفي شاربه إحفاءً شديداً، ونص على أنه أولى من القص. وكان الشعبي يقصُّ شاربه حتى يظهر حمرةُ الشفة العليا، وما قاربه من ألاه، ويأخذ ما شذَّ مما فوق ذلك، وينزع ما قارب الشفةَ من جانبي الفم، ولا يزيد على ذلك. قال في "الفتح": وهذا أعدلُ ما وقفت عليه من الآثار (٤). وقد أبدى ابنُ العربي لتخفيف شعر الشارب معنًى لطيفاً، فقال: إن الماء النازل من الأنف يتلبَّد به الشعرُ؛ لما فيه من اللزوجة، فيعسر تنقيته

стр. 452

عند غسله، وهو بإزاء حاسةٍ شريفةٍ، وهي الشم، فشُرع تخفيفُه ليتمَّ الجمال والمنفعة (١). قال الحافظ ابن حجر: وذلك يتحصَّل بتخفيفه، ولا يستلزم إحفاءه، وإن كان أبلغ. قال: ويؤخذ مما أشار إليه ابن العربي مشروعيةُ تنظيف داخل الأنف، وأخذُ شعره إذا طال، انتهى (٢). قال في "الفروع": ولم يذكروا شعر الأنف، وظاهر هذا بقاؤه، ويتوجَّه: أخذُه إذا فَحُش، وأنه كالحاجبين، وأولى من العارضين. قال مجاهدٌ: الشعر في الأنف أمانٌ من الجذام، ورُوي مرفوعاً (٣)، وهو باطلٌ، انتهى (٤). وقد روى الإمام أحمد في "المسند": "قُصُّوا سبالاتكم، ولا تَتَشَبَّهوا باليهود" (٥). وذكر ﷺ المجوسَ، فقال: "إنهم يُوَفِّرون سِبالَهم، ويحلقون لِحاهم، فخالفوهم"، فكان ابن عمر يستعرض سبلته، فيجزها كما تُجز الشاة أو البعير. أخرجه الطبري، والبيهقي (٦).

стр. 453

وهذا محمولٌ على استئصال الشعر النابت على الشفة العليا، وما يلاقي حمرةَ الشفة من أعلاها، ولا يستوعب بقيتها؛ نظراً إلى المعنى في مشروعية ذلك، وهو مخالفة المجوس، والأمن من التشويش على الآكل، وبقاء زُهومة المأكول فيه، وكل ذلك يحصل بما ذكرنا، وهو الذي يجمع متفرقَ الأخبار الواردة في ذلك (١). وقد روى الإمام مالك، عن زيد بن أسلم: أن عمر كان إذا غضب، فتل شاربه (٢)، فدل على أنه كان يوفِّره. وحكى ابن دقيق العيد عن بعض الحنفية: أنه قال: لا بأس بإبقاء الشوارب في الحرب؛ إرهاباً للعدو وزينة (٣). فوائد: الأولى: يستحب أن يبدأ في قص الشارب بالأيمن. الثانية: يتخير أن يقصَّه بنفسه، أو يولي ذلك غيرَه؛ لحصول المقصود من غير هتكِ مروءةٍ؛ بخلاف الإبط، ولا ارتكاب حرمةٍ؛ بخلاف العانة، كما قاله الإمام النووي (٤). قال الحافظ ابن حجر: ومحل ذلك حيثُ لا ضرورةَ، وأما من لا يحسن الحلق، فقد يباح له - إن لم تكن له زوجةٌ تحسنُ الحلق - أن

стр. 454

يستعينَ بغيره بقدرالحاجة؛ حيث لم يجد ما ينور به (١). الثالثة: قال النووي: يتأدى أصلُ السنة بأخذ الشارب بالمِقص، وبغيره (٢). وتوقف ابنُ دقيق العيد في قَرْضِه بالسن، ثم قال: من نظر إلى اللفظ، منع، ومن نظر إلى المعنى، أجاز. الرابعة: قال ابن دقيق: لا أعلم أحداً قال بوجوب قصِّ الشارب من حيث هو هو، واحترز بذلك من وجوبه بعارضٍ؛ حيث يتعين كما تقدمت الإشارة إليه من كلام ابن العربي (٣)، وقد تقدم ما نقله صاحب "الفروع" من كلام ابن حزم، وكأن ابن دقيق العيد لم يقف عليه، وتقدم أيضاً ما ذكره صاحب "الفروع" من صيغة حديث: "من لم يأخذْ شاربَهُ، فليس منا". والله أعلم. (وتقليم)؛ تفعيلٌ من القَلْم، وهو القَطْع (٤). ووقع في حديث ابن عمر: قَصُّ (٥) (الأظفار) جمع ظُفُر -بضم الظاء والفاء وسكونها-، وحكي عن أبي زيد:-كسر أوله-، وأنكره ابن سِيَدهْ. وقد قيل: إنها قراءة الحسن. وعن أبي السماك: أنه قرأ -بكسر أوله وثانيه- (٦).

стр. 455

والتقليمُ أعمُّ من القص، والمراد: إزالة ما يزيد على ما يلابس رأسَ الإصبع من الظُّفر؛ لأن الوسخ يجتمع فيه، فيستقذر، وقد يصل إلى حدٍّ يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسلُه في الطهارة. قال في "شرح الوجيز": ربما حلَّ بها الوسخ، فيجتمع تحتها من المواضع المنتنة، فيصير رائحة ذلك في رؤوس أصابعه (١). وقال ابن دقيق العيد: قَلَّمَ أظفاره تقليماً: قطعَ ما طال عن اللحم منها، والمعروف فيه: التشديد. والقُلامة: ما يقطع من الظفر، وفي ذلك معنيان: أحدهما: تحسينُ الهيئة والزينة، وإزالة القَباحة في طول الأظفار. والثاني: أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه؛ لما عساه يحصل تحتها من الوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة. قال: وهذا على قسمين: أحدهما: أَلَّا يخرج طولها عن العادة خروجاً بيِّناً، فهذا هو الذي أشرنا إلى أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه؛ فإنه إذا لم يخرج طولها عن العادة، يعفى عما يتعلق بها من يسير الوسخ، وأما إذا زاد على المعتاد، فما يتعلق بها من الأوساخ مانعٌ من حصول الطهارة، انتهى (٢).

стр. 456

قال في "الفروع": وإن منع يسيرُ وسخِ ظُفرٍ ونحوِه وصولَ الماء، ففي صحة طهارته وجهان (١). قلت: أصحهما: الصحة، ولولم يشق التحرزُ منه، على الذي استقر عليه المذهب؛ وفاقاً لأبي حنيفة، ولأحد الوجهين عند الشافعية. قال في "الفروع": وقيل: تصح ممن يشُقُّ تحرُّزُه منه. قال: وجعل شيخُنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-: مثلَه كلَّ يسير منعَ حيث كان؛ كدمٍ، وعجين، واختار العفو (٢). وكذا قطع الغزالي في "الإحياء": بأنه يُعفى عن مثل ذلك، واحتجَّ بأن غالب الأعراب لا يتعاهدون ذلك، ولم يرد في شيءٍ من الآثار أمرُهم بإعادة الصلاة (٣). واستظهره الحافظ ابن حجر، قال: لكن قد يعلق بالظفر إذا طال النَّجْوُ لمن استنجى بالماء، ولم يُعْفَ عن غسله، فيكون إذا صلى حاملاً للنجاسة. وقد أخرج البيهقي في "الشعب" من طريق قيس بن أبي حازم، قال: صلى النبي ﷺ صلاةً، فأوهمَ فيها، فسئل، فقال: "مالي لا أوهمُ، ورُفْغُ أَحَدِكم بين ظفره وأَنْمُلَتِه؟! " (٤) رجاله ثقات مع إرساله، وقد وصله الطبراني من وجهٍ آخر (٥).

стр. 457

والرُّفْغُ -بضم الراء وفتحها وسكون الفاء بعدها غين معجمة- يجمع على أرفاغ: مَغابِنُ الجسد؛ كالإبط، وما بين الأُنثيين والفَخذين، وكلُّ موضع يجتمع فيه الوسخ، فهو من تسمية الشيء باسم ما جاوره، والتقدير: وسخُ رفغِ أحدِكم، والمعنى: أنكم لا تُقلمون أظفاركم، ثم تَحُكّون بها أرفاغَكم، فيتعلقُ بها ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتمعة. قال أبو عبيد: أنكر عليهم طولَ الأظفار وتركَ قصِّها (١). قال الحافظ ابن حجر: وفيه أيضاً: الندب إلى تنظيف المغابن كلِّها. ويُستحب الاستقصاء في إزالتها إلى حدٍّ لا يدخل منه ضررٌ على الإصبع. واستحب الإمامُ أحمدُ للمسافر أن يُبقي شيئاً؛ لحاجته إلى الاستعانة بذلك غالباً (٢). قال في "الفروع": ويُسن أَلَّا يَحيف عليها في السفر؛ لأنه يحتاج إلى حَلِّ حبلٍ أو شيءٍ، نص عليه (٣). قال في "شرح الوجيز": واحتج، يعني: الإمام أحمد ﵁ بحديث ذكره عن الحكم بن عمير ﵁، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أَلَّا نحفي الأظفار في الجهاد (٤).

стр. 458

وقال في رواية مهنا: قال عمر ﵁: وَفِّروا الأظفار في أرض العدو؛ فإنه سلاح (١). قال الإمام أحمد: هو محتاجٌ إليها في أرض العدو؛ ألا ترى إذا أراد الرجل أن يحل الحبل أو الشيء، ولم يكن له أظفارٌ، لم يستطع؟ انتهى (٢). فوائد: الأولى: يستحبُّ تقليمُ الأظفار مخالِفاً؛ فيبدأ بيده اليمنى بحروف: خوابس، ويسراه: اوخسب، على ترتيب حروف الكلمتين؛ بأن يبتدىء بخنصرِ يده اليمنى، فالوسطى، فالإبهام، فالبنصر، فالسبابة، ثم إبهام اليسرى، فالوسطى، فالخنصر، فالسبابة، فالبنصر، والرِّجْل كذلك، كما صححه في "الإنصاف" (٣). قال في "الشرح": روي في حديثٍ: "من قَصَّ أظفارَهُ مُخالفاً، لم يرَ في عينيه رَمَداً" (٤). وفسره أبو عبد الله بن بطة بما ذكر، انتهى (٥). قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": لم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيءٌ من الأحاديث، لكن جزم النوويُّ في "شرح مسلم": بأنه

стр. 459

يُستحب البداءة بمسبِّحة اليمنى، فالوسطى، فالبنصر، فالخنصر، فالإبهام، وفي اليسرى: البداءة بخنصرها، فالبنصر إلى الإبهام، ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي اليسرى: بإبهامها إلى الخنصر (١). قال: ولم يُذكر للاستحباب مستند (٢). وقال ابن دقيق العيد: وما اشتهر من قصها على وجه مخصوصٍ لا أصل له في الشريعة، ثم ذكر الأبيات في ذلك، وأنكرها، وقال: هذا لا يجوز اعتقادُ استحبابه (٣). الثانية: يستحب كونُ ذلك يومَ الجمعة قبلَ الصلاة، كما في "الإقناع" (٤) وغيره. وفي "الفروع": يوم الجمعة قبل الزوال، وقيل: يوم الخميس، وقيل: يُخَيَّر (٥). قال الحافظ ابن حجر: لم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديثٌ. وقد أخرجه جعفر المستغفري بسندٍ مجهولٍ، ورويناه في "مسلسلات التيمي" من طريقه. قال: وأقرب ما وقفتُ عليه في ذلك: ما أخرجه البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر، قال: كان رسول الله ﷺ يستحبُّ أن يأخذ من أظفاره

стр. 460

وشاربه يومَ الجمعة (١). وله شاهدٌ موصول عن أبي هريرة، لكن سنده ضعيف، أخرجه البيهقي أيضاً في "الشعب" (٢). وسئل الإمام أحمد عنه، فقال: يُسن في يوم الجمعة قبل الزوال، وعنه: يوم الخميس، وعنه: يُخيَّر، كما قدمنا. قال الحافظ ابن حجر: وهذا هو المعتمد؛ يعني: أنه يستحب كيف ما احتاج إليه. والضابط في ذلك ونحوه: الاحتياج، والله أعلم (٣). الثالثة: يستحب أن يدفن ما أخذ من شعرٍ أو ظفرٍ ونحوه، نص عليه الإمام أحمد ﵁، ففي "سؤالات مهنا" عن الإمام أحمد: قلت له: يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه، قلت: بلغك فيه شيءٌ؟ قال: كان ابن عمر ﵁ يدفنه (٤). وروي أن النبي ﷺ أمر بدفن الشعر والأظفار، قال: "لا يتلعب به سحرة بني آدم". وهذا الحديث أخرجه البيهقي من حديث وائل بن حجر ﵁ (٥). قال في "شرح الوجيز" -بعد أن نقل أثر ابن عمر الذي أجاب به الإمام مهنا-: ولِمَا روت مِيل بنت مِشْرح الأشعري: أنها رأت أباها مِشْرحاً يقلم
следующие страницы →