← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قال في "الفروع": وإن منع يسيرُ وسخِ ظُفرٍ ونحوِه وصولَ الماء، ففي صحة طهارته وجهان (١). قلت: أصحهما: الصحة، ولولم يشق التحرزُ منه، على الذي استقر عليه المذهب؛ وفاقاً لأبي حنيفة، ولأحد الوجهين عند الشافعية. قال في "الفروع": وقيل: تصح ممن يشُقُّ تحرُّزُه منه. قال: وجعل شيخُنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-: مثلَه كلَّ يسير منعَ حيث كان؛ كدمٍ، وعجين، واختار العفو (٢). وكذا قطع الغزالي في "الإحياء": بأنه يُعفى عن مثل ذلك، واحتجَّ بأن غالب الأعراب لا يتعاهدون ذلك، ولم يرد في شيءٍ من الآثار أمرُهم بإعادة الصلاة (٣). واستظهره الحافظ ابن حجر، قال: لكن قد يعلق بالظفر إذا طال النَّجْوُ لمن استنجى بالماء، ولم يُعْفَ عن غسله، فيكون إذا صلى حاملاً للنجاسة. وقد أخرج البيهقي في "الشعب" من طريق قيس بن أبي حازم، قال: صلى النبي ﷺ صلاةً، فأوهمَ فيها، فسئل، فقال: "مالي لا أوهمُ، ورُفْغُ أَحَدِكم بين ظفره وأَنْمُلَتِه؟! " (٤) رجاله ثقات مع إرساله، وقد وصله الطبراني من وجهٍ آخر (٥).

стр. 457

والرُّفْغُ -بضم الراء وفتحها وسكون الفاء بعدها غين معجمة- يجمع على أرفاغ: مَغابِنُ الجسد؛ كالإبط، وما بين الأُنثيين والفَخذين، وكلُّ موضع يجتمع فيه الوسخ، فهو من تسمية الشيء باسم ما جاوره، والتقدير: وسخُ رفغِ أحدِكم، والمعنى: أنكم لا تُقلمون أظفاركم، ثم تَحُكّون بها أرفاغَكم، فيتعلقُ بها ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتمعة. قال أبو عبيد: أنكر عليهم طولَ الأظفار وتركَ قصِّها (١). قال الحافظ ابن حجر: وفيه أيضاً: الندب إلى تنظيف المغابن كلِّها. ويُستحب الاستقصاء في إزالتها إلى حدٍّ لا يدخل منه ضررٌ على الإصبع. واستحب الإمامُ أحمدُ للمسافر أن يُبقي شيئاً؛ لحاجته إلى الاستعانة بذلك غالباً (٢). قال في "الفروع": ويُسن أَلَّا يَحيف عليها في السفر؛ لأنه يحتاج إلى حَلِّ حبلٍ أو شيءٍ، نص عليه (٣). قال في "شرح الوجيز": واحتج، يعني: الإمام أحمد ﵁ بحديث ذكره عن الحكم بن عمير ﵁، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أَلَّا نحفي الأظفار في الجهاد (٤).

стр. 458

وقال في رواية مهنا: قال عمر ﵁: وَفِّروا الأظفار في أرض العدو؛ فإنه سلاح (١). قال الإمام أحمد: هو محتاجٌ إليها في أرض العدو؛ ألا ترى إذا أراد الرجل أن يحل الحبل أو الشيء، ولم يكن له أظفارٌ، لم يستطع؟ انتهى (٢). فوائد: الأولى: يستحبُّ تقليمُ الأظفار مخالِفاً؛ فيبدأ بيده اليمنى بحروف: خوابس، ويسراه: اوخسب، على ترتيب حروف الكلمتين؛ بأن يبتدىء بخنصرِ يده اليمنى، فالوسطى، فالإبهام، فالبنصر، فالسبابة، ثم إبهام اليسرى، فالوسطى، فالخنصر، فالسبابة، فالبنصر، والرِّجْل كذلك، كما صححه في "الإنصاف" (٣). قال في "الشرح": روي في حديثٍ: "من قَصَّ أظفارَهُ مُخالفاً، لم يرَ في عينيه رَمَداً" (٤). وفسره أبو عبد الله بن بطة بما ذكر، انتهى (٥). قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": لم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيءٌ من الأحاديث، لكن جزم النوويُّ في "شرح مسلم": بأنه

стр. 459

يُستحب البداءة بمسبِّحة اليمنى، فالوسطى، فالبنصر، فالخنصر، فالإبهام، وفي اليسرى: البداءة بخنصرها، فالبنصر إلى الإبهام، ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي اليسرى: بإبهامها إلى الخنصر (١). قال: ولم يُذكر للاستحباب مستند (٢). وقال ابن دقيق العيد: وما اشتهر من قصها على وجه مخصوصٍ لا أصل له في الشريعة، ثم ذكر الأبيات في ذلك، وأنكرها، وقال: هذا لا يجوز اعتقادُ استحبابه (٣). الثانية: يستحب كونُ ذلك يومَ الجمعة قبلَ الصلاة، كما في "الإقناع" (٤) وغيره. وفي "الفروع": يوم الجمعة قبل الزوال، وقيل: يوم الخميس، وقيل: يُخَيَّر (٥). قال الحافظ ابن حجر: لم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديثٌ. وقد أخرجه جعفر المستغفري بسندٍ مجهولٍ، ورويناه في "مسلسلات التيمي" من طريقه. قال: وأقرب ما وقفتُ عليه في ذلك: ما أخرجه البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر، قال: كان رسول الله ﷺ يستحبُّ أن يأخذ من أظفاره

стр. 460

وشاربه يومَ الجمعة (١). وله شاهدٌ موصول عن أبي هريرة، لكن سنده ضعيف، أخرجه البيهقي أيضاً في "الشعب" (٢). وسئل الإمام أحمد عنه، فقال: يُسن في يوم الجمعة قبل الزوال، وعنه: يوم الخميس، وعنه: يُخيَّر، كما قدمنا. قال الحافظ ابن حجر: وهذا هو المعتمد؛ يعني: أنه يستحب كيف ما احتاج إليه. والضابط في ذلك ونحوه: الاحتياج، والله أعلم (٣). الثالثة: يستحب أن يدفن ما أخذ من شعرٍ أو ظفرٍ ونحوه، نص عليه الإمام أحمد ﵁، ففي "سؤالات مهنا" عن الإمام أحمد: قلت له: يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه، قلت: بلغك فيه شيءٌ؟ قال: كان ابن عمر ﵁ يدفنه (٤). وروي أن النبي ﷺ أمر بدفن الشعر والأظفار، قال: "لا يتلعب به سحرة بني آدم". وهذا الحديث أخرجه البيهقي من حديث وائل بن حجر ﵁ (٥). قال في "شرح الوجيز" -بعد أن نقل أثر ابن عمر الذي أجاب به الإمام مهنا-: ولِمَا روت مِيل بنت مِشْرح الأشعري: أنها رأت أباها مِشْرحاً يقلم

стр. 461

أظفاره، ثم يجمعها ويدفنها، ويخبر أنه رأى رسول الله ﷺ يفعل ذلك. رواه البخاري في "تاريخه" (١). وعن ابن جريج، عن النبي ﷺ ، قال: كان يعجبه دفن الدم (٢). وقال الإمام أحمد ﵁ في قوله - تعالى -: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]، قال: يكفت الأحياء فيها الدم والشعر والأظافير، وتدفنون فيها موتاكم (٣). وفي حديث قبيصة بن ذؤيبٍ مرفوعاً: "ادْفِنوا شُعورَكم وأظفارَكُم ودماءكم، لا تلعبْ بها سَحَرَةُ بني آدمَ" (٤). وقلمت عائشة ﵂ أظفارها، فدفنتها؛ كما في "مسائل حرب" (٥). ولأن ذلك من أجزائه، فاستحب دفنه كأعضائه. وكذا عند الشافعية كما قاله الحافظ في "شرح البخاري" (٦). الرابعة: يُستحب غسلُ الأنامل بعد قصِّ الأظفار تكميلاً للنظافة. وقد قيل: إن الحك بها قبلَ غسلها يضرُّ بالبدن؛ والله الموفق (٧).

стр. 462

(ونتف الإبط)، وفي رواية الكشميهني: الآباط: بصيغة الجمع. والإبط -بكسر الهمزة والموحدة وسكونها، وهو المشهور، وصوبَّه الجواليقي، ويذكر ويؤنث-. وتأبَّط الشيء: وضعه تحت إبطه (١). والمستحب البداءة بنتف اليمين؛ لعموم: "كان يحبُّ التيامُنَ في شأنه كلِّه" (٢). والأفضلُ النتفُ؛ لموافقة لفظ الحديث؛ ولأنه يذهب بالصّنان، فإن شق عليه النتف، حلقه، أو تنوَّر، كما في "الآداب الكبرى" للإمام ابن مفلح (٣). قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": يتأدَّى أصلُ السنَّة بالحلق، ولا سيما من يؤلمه النتف. قال: وقد أخرج ابن أبي حاتم في "مناقب الإمام الشافعي" عن يونس بن عبد الأعلى، قال: دخلت على الشافعي، ورجلٌ يحلق إِبطَه، فقال: إني علمتُ أن السُّنَة النتفُ، ولكن لا أقوى على الوجع. قال الغزالي: هو في الابتداء موجِع، ولكن يَسْهُل على مَنِ اعتاده. والحلقُ كافٍ؛ [لأنَّ] (٤) المقصود النظافة. وتعقب: بأن الحكمة في نتفه أنه محل للرائحة الكريهة، وإنما ينشأ ذلك من الوسخ الذي يجتمع بالعرق فيه، فيتلبد ويهيج، فشُرع فيه النتفُ

стр. 463

الذي يضعفه، فتخفُّ الرائحة به، بخلاف الحلق؛ فإنه يقوِّي الشعرَ ويهيجه؛ فتكثر الرائحةُ لذلك (١). وقال ابن دقيق العيد: من نظر إلى اللفظ، وقف مع النتف، ومن نظر إلى المعنى، أجازه بكل مُزيلٍ، لكن لين أن النتفَ مقصود من جهة المعنى - أيضاً -. قال: وقد فرق لفظ الحديث بين إزالة شعر العانة، وإزالة شعر الإبط، فذكر في الثاني النتفَ، وذلك مما يدل على رعاية الهيئتين في محلَّيهما؛ فإن الشعر بالحلق يقوى أصله، ويغلظ جِرْمُه؛ ولهذا يصف الأطباء تكرارَ حلق الشعر في المواضع التي تراد قوته فيها. والإبط إذا قويَ فيه الشعر، وغلظ جرمُه، كان أَفْوَحَ للرائحة الكريهة المؤذية لمن يقاربها، فناسب أنْ سُن فيه النتفُ المُضْعِفُ لأصله، المقللُ للرائحة الكريهة. وأما العانة، فلا يظهر فيها من الرائحة الكريهة ما يظهر في الإبط؛ فزال المعنى المقتضي، ورجع إلى الاستحداد؛ لأنه أيسرُ وأخفُّ على الإنسان من غير معارض (٢). قال: والنص إذا احتمل معنًى مُناسباً يحتمل أن يكون مقصوداً في الحكم، لا يُترك، والذي يقوم مقام النتف في ذلك التنوُّرُ، ولكنه يرقُّ الجلد، فقد يتأذى صاحبُه به، ولاسيما إن كان جلده رقيقاً؛ والله الموفق (٣).

стр. 464

تتمة: قد وعدنا في أول شرح هذا الحديث: بأن خصال الفطرة بلغت خمسةَ عشر، فهذه خمسة قد ذكرنا شرحها، وهي ما اتفق عليه الشيخان. وفي "صحيح مسلم" من حديث عائشة ﵂: "عَشْرٌ من الفطرة"، فذكر الخمسة التي في حديث أبي هريرة، إلا الختان، وزاد: "إعفاء اللحية، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وغسل البراجم، والاستنجاء" أخرجه مسلم عن ابن الزبير، مال في آخره: إن الراوي نسي العاشرةَ، إلا أن تكون المضمضة (١). وأخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" بلفظ: "عشرة من السنة"، وذكر "الاستنثار" بدل "الاستنشاق" (٢). وأخرجه النسائي، فذكره، إلا أنه ذكر "الختان" بدل "غسل البراجم" (٣). وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث عيار نحوَه، إلا أنه ذكر "الانتضاح" (٤). وأخرج الطبري بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ في قوله - تعالى-: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، قال: ابتلاه بالطهارة، خمسٌ في الرأس، وخمسٌ في الجسد، فذكر مثل حديث

стр. 465

عائشة، إلا أنه ذكر "الفرق" بدل "إعفاء اللحية" (١). وأخرجه ابن أبي حاتم، فذكر "غُسل الجمعة" بدل "الاستنجاء" (٢). فصارت من مجموع الأحاديث على اختلاف الروايات خمسَ عشرة، قد قدمنا منها خمسة، وبقي عشرة؛ فأما المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، والاستنجاء، والسواك، فهذه الخمسة قد قدمنا الكلامَ عليها في محالِّها. وأما غسل الجمعة، فسيأتي الكلام عليه في محله - إن شاء الله تعالى-. فلم يبق إلا إعفاءُ اللحية، والفرقُ، وغسلُ البراجم، والانتضاحُ، فلنتكلم عليها على الترتيب. فنقول: أما إعفاء اللحية، فقال في "الفروع": ويُعْفي لحيتَه، وفى "المُذْهَب" للحافظ ابن الجوزي: ما لم يُسْتَهْجَنْ طولُها؛ وفاقاً لمالك، ويحرُمُ حلقها، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية. ولا يُكره أخذُ ما زاد على القبضة منها، ونَصُّه: ولا بأس بأخذه وتحت حلقه؛ لفعل ابن عمر، لكن إنما فعله إذ حجَّ أو اعتمر، رواه البخاري (٣). وفي "المستوعب": وتركه أولى، وقيل: يكره. وأخذ الإمام أحمد من حاجبيه وعارضِه. نقله ابن هانىء (٤). وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمر ﵄، عن

стр. 466

النبي ﷺ ، قال: "أَحْفُوا الشوارب، وأَعْفُوا اللِّحى" (١). وفي لفظ آخر: "خالفوا المشركين، أَحْفوا الشوارب، وأَعْفوا اللحى" (٢). وفي بعض ألفاظ البخاري "وَفِّروا اللِّحَى" (٣). وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر، قبضَ على لحيته، فما فضل، أخذَ (٤). وفي "مسلم" عن أبي هريرة مرفوعاً: "جُزُّوا الشَّوارِبَ، وأَرْخوا اللِّحى، خالفوا المجوس" (٥). ضبطت لفظته: "أَرْجئوا" -بالجيم والهمزة-، أي: أَخِّروها، و-بالخاء المعجمة بلا همز-؛ أَي: أَطيلوها. قال النووي: وكل هذه الروايات بمعنى واحد (٦). واللِّحَى -بكسر اللام، وحُكي ضمُّها، وبالقصر والمد-: جمع لِحيةٍ - بالكسر فقط -: هي اسمٌ لما نبت على الخدين والذقن (٧). قال الكرماني: لعل ابن عمر ﵄ أراد الجمعَ بين الحلق

стр. 467

والتقصير في النُّسْك، فحلق رأسه كلَّه، وقَصَّر من لحيته؛ ليدخل في عموم قوله - تعالى -: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. وخص ذلك من عموم قوله ﷺ : "وفِّروا اللِّحى"، فحمله على غير حالة النسك. قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر: أن ابن عمر يحملُ الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه؛ فقد قال الطبري: ذهب قومٌ إلى ظاهر الحديث، فكرهوا تناول شيءٍ من طولها ومن عرضها. وقال قومٌ: إذا زاد على القبضة، يُؤْخَذُ الزائد. ثم ذكر خبرَ ابن عمر، وكذلك عمر فعله برجل، ومن طريق أبي هريرة أنه فعله. وأخرج أبو داود من حديث جابر بسندٍ حسنٍ، قال: كنا نعفِّي السِّبَال إلا في حَجٍّ أو عمرةٍ (١). فقوله: نُعَفِّي -بضم أوله وتشديد الفاء-؛ أي: نتركه وافراً. وهذا يؤيد ما نقل عن ابن عمر؛ فإن السِّبال -بكسر المهملة وتخفيف الموحدة- جمعُ سَبَلَة -بفتحتين-: هي ما طال من شعر اللحية، كما في "الفتح" (٢). فأشار جابر إلى أنهم كانوا يقصِّرون منها في النسك. وقال الحسن البصري: يؤخذ من طول اللحية وعرضها ما لم يفحش. ونحوه عن عطاء. وحملوا النهي على صنع ما كانت الأعاجم تفعله.

стр. 468

واختار الطبري قول الحسن، وعطاء، وقال: إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى فحش طولها وعرضها، لعرَّضَ نفسه لمن يسخر به. واستدل بما أخرجه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها (١). وأنكر الحفاظ هذا الحديث؛ منهم البخاري. وحاصل ما ذهب إليه إمامنا وعلماؤنا: تحريمُ حلق اللحية، وقال أبو شامة من الشافعية: وقد حدث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشد مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها. وقال الإمام النووي: يستثنى من الأمر بإعفاء اللِّحَى: ما لو نبت للمرأة لِحْية، فإنه يستحب لها حلقُها (٢). وكذا لو نبت لها شاربٌ أو عَنْفَقَةٌ (٣)، والله الموفق. وأما الفَرْق -بفتح الفاء وسكون الراء بعدها قاف-، فالمراد به: فرق شعر الرأس، وهو قِسْمته في المفرق، وهو وَسَطُ الرأس. يقال: فرقَ شعرَه فَرْقاً -بالسكون-، وأصلُه من الفرق بين الشيئين. والمَفْرِق: مكانُ انقسام الشعر من الجبين إلى داره وسط الرأس، وهو -

стр. 469

بفتح الميم وبكسرها -، وكذلك الراء - تكسر وتفتح (١) -. وفي "الصحيحين" وغيرهما: عن ابن عباس ﵄، قال: كان النبي ﷺ يحب موافقةَ أهل الكتاب فيما لم يؤمرْ فيه، زاد في لفظ من رواية معمر: في أمرٍ لم يؤمرْ فيه بشيء، وكان أهل الكتاب يَسْدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل النبي ﷺ ناصيته، ثم فَرَق بعدُ (٢). وأخرجا من حديث عائشة ﵂، قالت: كأني أنظرُ إلى وَبيصِ الطِّيب في مفارق النبي ﷺ وهو مُحْرِم (٣). وفي لفظٍ: في مفرِق النبيِّ ﷺ (٤). وفي روايةٍ في حديث ابن عباس: ثم أُمر بالفرق، ففرق، وكان الفرقُ آخرَ الأمرين (٥). قال القاضي عياض: سَدْلُ الشعر: إررسالهُ، يقال: سدلَ شعرَه: إذا أرسله، ولم يضمَّ جوانبه، وكذا الثوب.

стр. 470

والفَرْق: تفريقُ الشعر بعضِه عن بعض، وكشفه عن الجبين. قال: والفرق سنة؛ لأنه الذي استقر عليه الحال. قال: والذي يظهر أن ذلك وقع بوحي؛ لقول الراوي: إنه كان يحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمرْ فيه بشيء. فالظاهر: أنه فرق بأمرٍ من الله. والصحيح: أن الفرق مستحبٌّ لا واجب، وهو قول عامة أهل العلم (١). قال في "شرح الوجيز": فرقُ الشعر سنةٌ، نص عليه، وذكر حديث ابن عباس المتفق عليه. قال: وفي شروط عمر ﵁ على أهل الكتاب: أَلَّا يفرقوا شعورهم؛ لئلا يتشبهوا بالمسلمين (٢). وقال في "الفروع": ويتخذ الشعر، ويتوجَّه احتمالُ، لا، إن شَقَّه إكرامُه؛ وفاقاً للشافعي، ولهذا قال الإمام أحمد: هو سنةٌ، ولو نقوى عليه، اتخذناه، ولكن له كلفةٌ ومؤنةٌ. قال: ويُسرِّحه، ويَفْرقه، ويكون إلى أذنيه، وينتهي إلى مَنْكِبيه؛ كشعره ﷺ . ولا بأس بزيادته على مَنكبيه وجعله ذؤابةً. قال الإمام أحمد: أبو عبيدة ﵁ كانت له عقيصتان، وكذا عثمان، انتهى (٣). وقال النووي: الصحيح: جواز السَّدْل والفرق، والله أعلم (٤). وأما غسل البراجم؛ فهو بالموحَّدة والجيم: جمع بُرْجُمَة -بضمتين-،

стр. 471

وهي عُقَد الأصابع التي في ظهر الكف (١). قال الخطابي: هي المواضع التي تتشنج، ويجتمع فيها الوسخ، ولاسيما من لا يكون طري البدن (٢). وقال الغزالي: كانت العرب لا تغسل اليدَ عقب الطعام، فيتجمع في تلك الغضون وسخٌ، فأمر بغسلها (٣). قال النووي: هي سنة مستقلة، ليست مختصة بالوضوء، يعني: أنها يحتاج إلى غسلها في الوضوء والغسل والتنظيف. وقد ألحق بها إزالة ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، وقعر الصماخ؛ فإن في بقائه إضراراً بالسمع (٤). وأخرج ابن عدي من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ أمر بتعاهُد البراجم عند الوضوء؛ لأن الوسخ إليها سريع (٥). وأخرج الحكيم الترمذي من حديث عبد الله بن بُسر، رفعه: "قُصُّوا أَظْفاركم، وادْفِنوا قُلاماتِكم، ونَقُّوا براجِمَكم" (٦). وفي سنده مجهول. وأخرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس ﵄: أبطأ جبريلُ على النبي ﷺ ، فقال: "لِمَ تبطىءُ عني؟ "، فقال: "ولمَ لا أُبطىء

стр. 472

وأنتم لا تَسْتَنُّون؛ أي: لا تستاكون، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون رواجبكم؟! " (١). والرواجب: جمع راجبة -بجيم وموحدة-. قال أبو عبيد: البراجم والرواجب: مفاصل الأصابع كلها (٢). وقال ابن سِيْده: البُرْجُمَة: المفصلُ الباطنُ عند بعضهم، والرواجبُ: بواطنُ مفاصل أصولِ الأصابع. وقيل: قصبُ الأصابع. وقيل: ظهور السلاميات. وقيل: ما بين البراجم (٣). والبراجم: المُشَنَّجات من مفاصل الأصابع، وفي كل إصبعٍ ثلاث برجماتٍ، إلا الإبهام؛ فلها برجمتان (٤). وقال الجوهري: الرواجب: مفاصل الأصابع اللاتي تلي الأنامل، ثم البراجم، ثم الأشاجع التي على الكف (٥). وقال: أيضاً -: الرواجب: رؤوس السُّلاميات من ظهر الكف، إذا قبض القابضُ كَفَّه، نشزت، وارتفعت. والأشاجع: أصولُ الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، واحدها أشجع (٦).

стр. 473

وقيل: عروق ظاهر الكف، والمعاني متقاربة، والله أعلم (١). وأما الانتضاح: فسنة مندوبة. قال في "الفروع": ومن استنجى، نضحَ فرجَه وسراويلَه (٢)؛ قطعاً للوسواس. قال أبو عُبيد الهَروي: هو أن يأخذ قليلاً من الماء، فينضحَ به مذاكيرَه بعد الوضوء؛ لينفي عنه الوسواس (٣). وقال الخطابي: انتضاحُ الماء: الاستنجاء به، وأصله من النضح، وهو الماء القليل (٤). فعلى هذا يكون هو والاستنجاء خصلةً واحدة. والمعتمد: أنه غيره؛ بدليل ما أخرجه أصحاب "السنن" من رواية الحكم بن سفيان الثقفي، أو سفيان بن الحكم، عن أبيه: أنه رأى رسول الله ﷺ توضأ، ثم أخذ حفنةً من ماءٍ، فانتضح بها (٥). وأخرج البيهقي من طريق سعيد بن جبير: أن رجلاً أتى ابنَ عباس ﵄، فقال: إني أجد بللاً إذا قمتُ أصلي، فقال له ابن

стр. 474

عباس: انضح بماءٍ، فإذا وجدت من ذلك شيئاً، فقل: هو منه (١). وذكر الإمام شمسُ الدين بنُ أبي عمر في "شرح المقنع": روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "جاءني جبريل، فقال: يا محمدُ! إذا توضأتَ، فانضحْ" حديثٌ غريب، انتهى (٢). قلت: رواه الترمذي، وابن ماجه في "سننهما" (٣). فهذه الخصالُ المصرَّح فيها بلفظ الفطرة. وأما الخصال الواردة في المعنى، لكن لم يصرَّحْ فيها بلفظ الفطرة، فكثيرةٌ، منها: ما رواه الإمام أحمد في "المسند"، والترمذي، من حديث أبي أيوب، رفعه: "أربعٌ من سُنَنِ المُرسلين: الحياء، والتعطُّر، والسِّواك، والنكاح" قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ غريب (٤). وأخرج البزار، والبغوي في "معجم الصحابة"، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، من طريق مليح بن عبد الله الخطمي، عن أبيه، عن جده، رفعه: "خمسٌ من سُنَنِ المرسلين" (٥)، فذكر المذكورة في الحديث المار،

стр. 475

سوى النكاح، وزاد: "الحِلْم، والحِجامة". والحلم -بكسر الحاء المهملة وسكون اللام-. وإذا تتبع ذلك من الأحاديث، كثر العدد؛ والله أعلم. تنبيهات: الأول: اختُلف في ضبط الحياء، في حديث أبي أيوب، فقيل:-بفتح الحاء المهملة والتحتية الخفيفة-، وقد ثبت في "الصحيحين": أن "الحياء من الإيمان" (١)، ويؤيده حديث البزار: "والحلم"؛ فإنه من ثمراته ولوازمه. وقيل: بكسر المهملة، وتشديد النون-. فعلى الأول: هي خصلة معنوية تتعلق بتحسين الخلق. وعلى الثاني: هي خصلة حسية تتعلق بتحسين البدن، كما في "الفتح" (٢). قلت: لم يرض الإمام ابنُ القيم بذلك كله. بل قال: سمعت شيخنا أبا الحجاج الحافظَ -يعني: المِزِّيَّ- يقول: كلاهُما غلط، وإنما هو الخِتان، فوقعت النون بالهامش، فذهبت، فاختلف في اللفظة. قال: وكذلك رواه المحاملي عن الشيخ الذي رواه عنه الترمذي بعينه، فقال: الخِتان. قال: وهذا أولى من الحياء والحِنَّاء؛ فإن الحياء خلق، والحِنّاء ليس من

стр. 476

السنن، ولا ذكره النبي ﷺ في خصاد الفطرة، ولا ندب إليه، بخلاف الختان. انتهى (١). الثاني: يتعلق بخصال الفطرة مصالحُ دينية ودنيوية تُدرك بالتتبع، منها: تحسينُ الهيئة، وتنظيفُ البدن جملةً وتفصيلاً، والاحتياطُ للطهارتين، والإحسانُ إلى المخالطِ والمقارِب بكفِّ ما يتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفةُ شعار الكفار من المجوس، واليهود، والنصارى، وعباد الأوثان، وامتثالُ أمر الشارع، والمحافظةُ على ما أشار إليه قوله - تعالى -: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣]؛ لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، فكأنه قيل: قد حَسَّنْتُ صورَكم، فلا تشوهوها بما يُقَبِّحُها، وحافظوا على ما يستمر به حسنُها، وفي المحافظة عليها محافظةٌ على المروءة، وعلى التآلف المطلوب؛ لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة، كان أدعى لانبساط النفسِ إليه، فيُقبل قولُه، ويُحمد رأيُه، والعكس بالعكس. وفي "تحفة المودود" قد اشتركت خصال الفطرة في الطهارةِ والنظافة، وأخذِ الفضلات المستقذرةِ التي يألفها الشيطان ويجاورها من ابن آدم، وله بالعزلة اتصالٌ واختصاص. والله أعلم (٢). * * *

стр. 477

باب الجنابة أي: أحكامُها؛ من موجباتها، والغسلِ منها، ومتعلقاتِ ذلك. والجنابة: مأخوذة من البُعْد. قيل: لأن المتصف بها يتجنب مواضعَ الصلاة. وقيل: لمجانبته الناس. وقيل: لمجانبة النطفةِ ومفارقتِها محلَّها، وخروجِها، وبعدِها عصَّا كانت فيه من الجسد (١). يقال: رجلٌ جُنُبٌ، ورجال جُنُبٌ، ومنه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، وامرأة جُنُبٌ. ويقال: رجلٌ جُنُبُ: بعيدُ النسب، وجنب وأجنب: أصابته جنابة، كما في "المطالع" (٢). وقال في "المطلع": في تسميته بذلك وجهان حكاهما ابن فارس: أحدهما: لبعده عما كات مباحاً له. والثاني: لمخالطته أهله. قال: ومعلومٌ من كلام العرب أن يقولوا للرجل إذا خالط امرأته: قد أجنبَ، وإن لم يكن منه إنزال، وعزا ذلك إلى الشافعي.

стр. 478

قال: ويقال: جُنُبٌ للمذكر والمؤنث والمثنى والمجموع. قال الجوهري: وقد يقال: أجنابٌ، وجُنُبُون (١). وفي "صحيح مسلم" في كلام عائشة ﵂: ونحن جُنُبان (٢). وذكر الحافظ - رحمه الله تعالى - في هذا الباب ثمانية أحاديث. * * *

стр. 479

الحديث الأول عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ المَدِينهِ، وهو جُنُبٌ، قال: فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبْتُ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ، فقالَ: "أَيْنَ كنتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ "، قال: كُنْتُ جُنُباً، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ وَأَنا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فقالَ: "سُبْحَانَ اللهِ! إنَّ المُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ" (١).

стр. 480

(عن أبي هريرة) عبدِ الرحمنِ بنِ صخرٍ (﵁: أن النبي ﷺ لقيه)؛ أي: لقي النبي ﵊ أبا هريرة (في بعض طرقِ) جمع طريق، وهي المَحَجَّة: الجادة المسلوكة للسابلة، سميت بذلك؛ لأنها محلُّ طَرْقِ الأقدامِ وقَرْعها (١)؛ يعني: في بعض سكك (المدينة) المنورة، أصلُها مأخوذ من قولهم: مَدَدنَ بالمكان: إذا أقام، فهي فعيلةٌ، [وجمعَها مدائن]، فتكون -بالهمز-. وقيل: مَفْعَلَة من دِينَ: إذا مُلِك -بلا همز- كما لم تُهمز مَعايش (٢). وصار هذا عَلَماً على مدينة النبي ﷺ بالغلبة، لا بالوضع، فلا يجوز ترك الألف واللام منها إلا في نداء، أو إضافة، وجمعها: مُدُن -بسكون الدال وبضمها-، ومدائن -بهمزٍ ودونه-؛ فالهمز على أنها من فَعيلة، كما مر (٣). (وهو)؛ أي: أبو هريرة ﵁ (جنبٌ) -بضم الجيم والنون-، وهو من صار جنباً بجماعٍ أو إنزالٍ، فهو جنبٌ، وأَجنبَ، فهو مُجْنِبٌ (٤)، والجملة حاليةٌ. (قال) أبو هريرة ﵁: (فانخنست) -بنون فخاء معجمة فنون فسين مهملة-؛ أي: مضيتُ عنه مستخفياً، ولذا وُصف الشيطانُ بالخَنَّاس. قال الإمام ابن القيم في "بدائع الفوائد": الخنّاس: فَعَّال من خنس

стр. 481

يخنس، إذا توارى واختفى، ومنه قول أبي هريرة: لقيني النبيُّ ﷺ في بعض طرق المدينة وانا جنبٌ، فانخنست منه. وحقيقة اللفظة: اختفاءٌ بعد ظهور، فليست لمجود الاختفاء؛ ولهذا وصفت بها الكواكب في قوله - تعالى -: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٦]. قال قتادة: هي النجوم تبدو بالليل، وتخنس بالنهار فتختفي ولا ترى (١). وفي روايةٍ عند البخاري: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنبٌ، فأخذ بيديَ، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت (منه) (٢)؛ أي: من مجالسته ومحادثته وأنا جنب؛ تعظيماً واحتراماً له ﷺ . (فذهبت) في "البخاري": فانسللت، فأتيت الرحل؛ أي: مسكني ومنزلي، (فاغتسلت) من الجنابة، (ثم) بعد غسلي (جئت) النبي، (فقال) ﷺ : (أين كنت) وفي روايةٍ: أن أبا هريرة ذهب فاغتسل، فتفقده النبي ﷺ ، فلما جاءه، قال: "أين كنت (يا أبا هريرة؟ قال) أبو هريرة: (كنت جنباً) (٣). وفي لفظٍ قال: يا رسول الله! لقيتني وأنا جنبٌ (فكرهت أَن أجالسك وأنا على غير طهارة). وفي لفظٍ: حتى أغتسل (٤).

стр. 482

وفي هذا: استحباب الطهارة عند ملابسة الأمور العظيمة، واستحباب احترام أهل الفضل، وتوقيرهم، ومصاحبتهم على أكمل الهيئات. وفيه: تفقد الكبير أصحابه، والشيخِ تلامذتَه؛ لأنه ﷺ فقد أبا هريرة لما انسلَّ من عنده. (فقال) النبي ﷺ : (سبحان الله!) تعجب ﷺ من اعتقاد أبي هريرة ﵁ التنجس من الجنابة؛ أي: كيف يخفى عليه هذا الظاهر، مع شدة اعتنائه بالفحص عن حقائق الأمور، والكشف عن غوامضها؟! وفيه: استحبابُ استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه؛ لقوله ﷺ لأبي هريرة: "أين كنت؟ "، فأشار إلى أنه كان ينبغي له أَلَّا يفارقه حتى يعلمه. وفيه: استحبابُ تنبيه المتبوع لتابعه على الصواب، وإن لم يسأله (١)؛ لقوله ﷺ : (إن المؤمن لا ينجس)؛ من نَجَس، ونَجُس -بالفتح والضم- ينجَس وينجُس كذلك (٢). وعبر ﷺ بالعبارة الدالة على أن كل مؤمن لا ينجس بالجنابة؛ لإفادة الحكم العام؛ فإنه لو خَصَّ أبا هريرة، لسبق لبعض الأفهام قصرُ الحكم على المخاطب. وتمسك بمفهومه بعضُ أهل الظاهر، فقال بنجاسة عين الكافر، وقوَّاه بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].

стр. 483

وأجاب الجمهور عن الحديث: بأن المؤمن طاهر الأعضاء؛ لاعتياده مجانبة النجاسة؛ بخلاف المشرك؛ لعدم تحفظه عن النجاسات. وعن الآية: بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد، ولاستقذار رائحتهم، فإن الله أباح نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلومٌ أن عَرَقهن لا يسلم منه مَنْ يضاجعهن؛ ومع ذلك لم يجب عليه من غسل الكتابية إلا مثلُ ما يجب عليه من غسل المسلمة؛ فدل على أن الآدمي الحيَّ ليس بنجس العين، وكذا الميت، على الصحيح المعتمد؛ لظاهر قوله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، فمن كرامته: طهارة عينه حياً وميتا (١). قال ابن دقيق العيد: قد استُدل بهذا الحديث على طهارة الميت من بني آدم، وهي مسألة مختلَف فيها. والحديث دل بمنطوقه على أن المؤمن لا ينجس، فمنهم من خص هذه الفضيلة بالمؤمن، والمشهور التعميم. قال: وبعضُ الظاهرية يرى أن المشرك نجس في حال حياته، آخذاً بظاهر قوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. ويقال للشيء: إنه نجس، بمعنى: أن عينه نجسة. ويقال فيه: إنه نجس، بمعنى: أنه متنجس بإصابة النجاسة له. ويجب أن يُحمل الحديث على المعنى الأول، وهو أن عينه لا تصير نجسة، وأما بالمعنى الثاني، فيمكن أن تصيبه نجاسة فيتنجس (٢).

стр. 484

قال الحافظ ابن حجو: وأمخوب القرطبيُّ في "شرح مسلم" (١)، فنسب القول بنجاسة الكافر إلى الشافعي. واستدل البخاري بالحديث على طهارة عرق الجنب؛ لأن بدنه لا ينجس بالجنابة، فكذلك ما تَحَلَّب منه، وعلى تصرُّف الجنب في حوائجه قبل أن يغتسل (٢). وفيه دليلٌ: على جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه. وبَوَّبَ به ابنُ حبان: في الرد على من زعم أن الجنب إذا وقع في البئر، فنوى الاغتسال أن ماء البئر ينجس (٣). فائدة: سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - عما إذا كان الرجل جنباً، فقصَّ ظفرَه، أو شاربه، أو مشط رأسه، هل عليه لثمشيء في ذلك؛ فقد أشار بعضهم إلى أن الجنب إذا قص شعره أو ظفره، فإنه تعود إليه أجزاؤه في الآخرة، فيقوم يوم القيامة وعليه قسطٌ من الجنابة بحسب ما نقص من ذلك، أو على كل شعرة قسطٌ من الجنابة، فهل ذلك كذلك أم لا؟ فأجاب: بأنه قد ثبت عن النبي ﷺ في "الصحيح" من حديث حذيفة -يعني: لمسلم- (٤)، وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵄: أنه لما ذكر له الجنب، فقال: "إن المؤمن لا ينجس". وفي

стр. 485

"صحيح الحاكم": "حياً ولا ميتاً" (١). قال: وما أعلم على كراهة إزالة شعر الجنب وظفره دليلاً شرعياً، بل قد قال ﷺ للذي أسلم: "ألقِ عنك شعرَ الكفر، واختتن" (٢)، فأمر الذي أسلم أن يغتسل، ولم يأمره بتأخير الاختتان وإزالة الشعر عن الاغتسال، فإطلاق كلامه ﷺ جواز الأمرين. وكذلك تؤمر الحائض بالامتشاط في غسلها، مع أن الامتشاط يذهب ببعض الشعر، انتهى (٣). ولفظ حديث حذيفة ﵁ الذي أشار إليه، هو ما رواه مسلم عنه: أن النبي ﷺ لقيه وهو جنب، فحاد عنه، فاغتسل أجاء، فقال: كنت جنباً، فقال: "إن المسلم لا ينجس" (٤). والله أعلم. * * *

стр. 486

الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ شَعْرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَّنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ؛ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ. وَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعاً (١).

стр. 487

(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصديقة (﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة)، أي: إذا أراد أن يغتسل؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]. أو إذا شرعَ في الغسل، فإنه يقال: فعل: إذا فرغ، وإذا شرع. فإذا حملنا اغتسل على شرعَ، صح ذلك؛ لأنه يمكن أن يكون الشروع وقتاً للبداءة بغسل اليدين، وهذا بخلاف قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ فإنه لا يمكن أن يكون وقت الشروع في القراءة هو وقت الاستعاذة؛ كما أشار إليه ابن دقيق العيد (١). و"من" في قولها: من الجنابة: سببية، و"كان" تفيد تكرار هذا الفعل منه ﷺ ، كما هو الغالب على دلالتها. وقد تفيد مجرد وقوع الفعل من غير تكرار، وهذا غير الغالب (٢). (غسل يديه) يحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف من مَسِّ مستقذَر؛ كما يأتي في حديث ميمونة تقويته، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، ويدل عليه زيادة ابن عُيينة في هذا الحديث: قبل أن يدخلهما في الإناء.

стр. 488

وفي روايةٍ: غسل كفيه ثلاثاً، كما في "صحيح مسلم" (١). ورواه الشافعي، والترمذي، وزاد -أيضاً-: ثم يغسل فرجه (٢). وكذا لمسلم، ولأبي داود (٣)، وهي زيادة جليلةٌ؛ لأن تقديم غسله يحصل به الأمن من مسه في أثناء الغسل (٤). (وتوضأ) ﷺ بعد ذلك (وضوءه)؛ أي: كوضوئه (للصلاة). وفي روايةٍ عنها عند البخاري: كما يتوضأ (٥)، وهذا احتراز منها عن الوضوء اللغوي، وهذا من كمال الغسل أن يتوضأ قبله وضوء الصلاة، على ما هو المذهب. قال الإمام أحمد ﵁: الغسل من الجنابة على حديث عائشة ﵂، قالت؛ كما في "صحيح مسلم" في بعض ألفاظ هذا الحديث (٦): كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه ثلاثاً، وتوضأ وضوءه للصلاة (٧). (ثم اغتسل) بعد ذلك. وقد تنازع العلماء في تقديم غسل أعضاء الوضوء؛ هل هو وضوءٌ حقيقةً؛ كما يقوله الإمام أحمد ومَنْ وافقه، أو هو غسلٌ من الجنابة، وإنما قدمت هذه الأعضاء على بقية الجسد؛ تكريماً لها وتشريفاً، ويسقط غسلُها

стр. 489

عن الوضوء باندراج الطهارة الصغرى تحت الكبرى، كما يقوله من يقوله من أهل العلم؟. قال في "الفروع" في صفه الغسل الكامل: أن ينوي، ويسمي، ويغسل يديه ثلاثاً، وما لوثه، ثم يتوضأ كاملاً؛ وفاقاً لمالك، والشافعي، وعنه: يؤخر غسل رجليه وفاقاً لأبي حنيفة إن كانتا في مستنقع الماء المستعمل، وعنه: سواء (١). (ثم) كان رسول الله ﷺ (يخلل بيديه شعره). وفي لفظٍ: ثم يأخذ الماء فيُدْخل أصابعه في أصول الشعر، كما في مسلم (٢)، وعند الترمذي، والنسائي: ثم يُشرب شعره الماء (٣). وفي لفظ البخاري: ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصولَ الشعر (٤). وفي لفظٍ له: أصولَ شعره (٥)؛ أي: شعر رأسه، يدل له ما عند البيهقي: فخلل بها شق رأسه الأيمن (٦). وقال القاضي عياض: استدل به بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل، إما لعموم قوله: أصول الشعر، وإما للقياس (٧).

стр. 490

وفائدة التخليل: إيصالُ الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرةُ الشعر باليد؛ ليحصل تعميمُه بالماء. وليس التخليل بواجب اتفاقاً، إلا إن كان الشعر مُلبَّداً بشيءٍ يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله (١)؛ فإن كان، وجب؛ لقوله ﷺ : "إنَّ تحتَ كلِّ شعرةٍ جنابةً، فاغسلوا الشعرَ، وأنقوا البشرةَ" رواه أبو داود (٢). (حتى إذا ظن)، أي: لم يزل رسولُ الله ﷺ يخلل شعره بإيصال الماء إلى أصوله مُدْخِلاً له بأصابع يديه إلى أن ينتهي إلى حال ظنه (أنه قد أروى) بالماء (بشرته)؛ أي: ظن تروية بشرة شعره، وهي ظاهر جلده. والمراد: إيصال الماء إلى جميع الجلد، ولا يكون ذلك إلا بعد ابتلال أصول الشعر أو كله، المعبر عنه بالري مجازاً عن الابتلال (٣). (أفاض) ﷺ (عليه الماء)، أي: أساله، والإفاضة: الإسالة. واستدل به على عدم وجوب الدلك. قال القاضي عياض: لم يأت في شيءٍ من الروايات في أعضاء الغسل ذِكْرُ التكرار (٤). وتعقَّبه الحافظ ابن حجر بأنه ورد من طريق صحيحة أخرجها النسائي،

стр. 491

والبيهقي من رواية أبي سلمة، عن عائشة: أنها وصفت غُسل النبيِّ ﷺ من الجنابة ... الحديث، وفيه: ثم تمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، ويديه ثلاثاً، ثم أفاض الماء (١) (ثلاث مرات)؛ لأجل إفادة التعميم والتنظيف، (ثم غسل) ﷺ (سائر جسده)؛ أي: بقيته؛ فإنها ذكرت الرأس أولاً. والأصل في سائر: أن يستعمل بمعنى البقية. قالوا: هو مأخوذ من السُّؤر. قال الشَّنْفَرى: [من الطويل] إِذَا احْتَمَلُوا رَأْسِي وَفِي الرَّأْسِ أَكْثَرِي ... وَغُودِرَ عِنْدَ المُلْتَقَى ثَمَّ سَائِرِي (٢) أي: بقيتي. وقد ذكر في "أوهام الخواص" جعلها بمعنى: الجميع؛ كما قاله ابن دقيق العيد (٣). وفي "القاموس": والسائر: الباقي، لا الجميع كما توهم جماعة. أو قد يستعمل له. ومنه قولُ الأحوص: [من الخفيف] فَجَلَتْهَا لَنَا لُبَابَةُ لَمَّا ... وَقَذَ النَّوْمُ سَائِرَ الحُرَّاسِ (٤) قال: وضاف أعرابي قوماً، فأمروا الجاريةَ بتطييبه، فقال: بَطْنِي عَطِّري، وسائري ذَرِي (٥).

стр. 492

(وقالت) عائشة ﵁: (كنت أغتسل أنا ورسولُ الله ﷺ ) يحتمل أن يكون مفعولاً معه؛ أي: أغتسلَ مع النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون عطفاً، وهو من باب تغليب المتكلم (١). (من إناء واحد نغترف) (٢) مشتق من الغَرْف: وهو أخذُ الماء باليد. يقال: غرف الماء يغرِفه، ويغرُفه: أخذه بيده؛ كاغترفه، والغَرْفة للمرة، و -بالكسر-: هيئةُ الغرف، والنَّعْل، والجمع غِرَف؛ كعنب، وبالضم: اسمٌ للمفعول، كالغُرافة؛ لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غُرفة، كما في "القاموس" (٣). (منه)؛ أي: الإناء (جميعاً) حال مؤكدة. وهذه الزيادة، وهي: قالت ... إلخ، ذكرها مسلم (٤). وفي لفظٍ لمسلم: عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل، بدأ بيمينه، فصبَّ عليها من الماء فغسلها، ثم صبَّ الماء على الأذى به بيمينه (٥)، وغسل عنه بشماله، حتى إذا فرغ من ذلك، صب على رأسه. قالت عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحدٍ ونحن جنبان (٦).

стр. 493

وأخرج مسلمٌ أيضاً عن عائشة ﵂: أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد، أو قريباً من ذلك، لم يخرج البخاري هذا اللفظ. وأخرجا عنها ﵂، قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحدٍ بيني وبينه، فيبادرني حتى أقول: دع لي، دع لي، قالت: ونحن جنبان. إلا أن البخاري لم يقل: فيبادرني حتى أقول: دع لي، دع لي (١). وقد استدل بعضهم بنجاسة المني، ورطوبة فرج المرأة بقولها: وغسله عنه، وقولها: الأذى. وذلك بعيدٌ، لأن الغسل ليس مقصوراً على إزالة النجاسة، ولأن الأذى ليس بظاهر في النجاسة -أيضاً (٢). وفي الحديث دليلٌ على: جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناءٍ واحدٍ، ولا يؤثر كون اغتراف الرجل بعد اغترافها (٣)؛ لأن ذلك معتبرٌ فيه أن تتطهر به في خلوةٍ لم يشاهدها من تزول به خلوة النكاح، ثم يفضل منه فضلةٌ، فيمنع الرجل من أن يتطهر بتلك الفضلة. وفيه: جواز إدخال الجنب يدَه في الإناء قبل تمام الغسل، إذا كانت نظيفة؛ لعدم نجاسة شيءٍ من أعضائه بالجنابة. وفي روايةٍ عنها عندهما: كان رسول الله ﷺ يغتسل من القدح، وهو الفرق. قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع (٤).

стр. 494

وفي لفظٍ للبخاري: قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناءٍ واحدٍ من قدحٍ يقال له الفرق (١). ولمالكٍ عن الزهري: هو الفرق (٢). قال ابن التِّين: الفرق: -بتسكين الراء-، ورويناه -بفتحها-، وجوز بعضهم الأمرين. وقال القتبي: هو بالفتح. وقال النووي: الفتح أفصح وأشهر. وزعم أبو الوليد البَاجي: أنه الصواب، قال: وليس كما قال، بل هما لغتان (٣). قال الحافظ ابن حجر: لعل مستند البَاجي ما حكاه الأزهري عن ثعلبٍ وغيره: الفرق -بالفتح-، والمحدثون يسكنونه، وكلام العرب بالفتح (٤)، انتهى. وحكى ابن الأثير: أن الفرق -بالفتح-: ستة عشر رطلاً، و - بالإسكان -: مئة وعشرون رطلاً (٥). قال في "الفتح": وهو غريب، وتقدم ما في كلام سفيان عند مسلم: أنه

стр. 495

ثلاثة آصع، قال النووي: وكذا قال الجماهير (١)، ونقل أبو عبيد الاتفاق على أن الفرق ثلاثة آصع، وعلى أن الفرق ستة عشر رطلاً، ولعله يريد اتفاق أهل اللغة. وإلا فقد قال بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم: إن الصاع ثمانية أرطال، وتمسكوا بحديث عائشة أنه حزر الإناء ثمانية أرطال (٢)، والصحيح الأول؛ لأن الحزر لا يعارض التحديد. و-أيضاً- لم يصرح راوي الحديث مجاهد بأن الإناء المذكور في الحديث صاعٌ، فيحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها. ومما يؤيد كون الفرق ثلاثةَ آصع: ما رواه ابن حبان من طريق عطاء عن عائشة ﵂ بلفظ: قدر ستة أقساط (٣)، والقِسْط -بكسر القاف-، وهو باتفاق أهل اللغة: نصف صاع، ولا اختلاف بينهم أن الفرق: ستة عشر رطلاً، فصح أن الصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي، كما جزم به علماؤنا وغيرهم. وزعم بعض الشافعية: أن الصاع الذي لماء الغسل ثمانية أرطال, والذي لزكاة الْفِطْرِ وغيرها خمسة أرطال، كذا قال. وفي الحديث: دليلٌ على جواز نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر، ويؤيده ما أخرجه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى: أنه سئل عن
следующие страницы →