← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

والبيهقي من رواية أبي سلمة، عن عائشة: أنها وصفت غُسل النبيِّ ﷺ من الجنابة ... الحديث، وفيه: ثم تمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، ويديه ثلاثاً، ثم أفاض الماء (١) (ثلاث مرات)؛ لأجل إفادة التعميم والتنظيف، (ثم غسل) ﷺ (سائر جسده)؛ أي: بقيته؛ فإنها ذكرت الرأس أولاً. والأصل في سائر: أن يستعمل بمعنى البقية. قالوا: هو مأخوذ من السُّؤر. قال الشَّنْفَرى: [من الطويل] إِذَا احْتَمَلُوا رَأْسِي وَفِي الرَّأْسِ أَكْثَرِي ... وَغُودِرَ عِنْدَ المُلْتَقَى ثَمَّ سَائِرِي (٢) أي: بقيتي. وقد ذكر في "أوهام الخواص" جعلها بمعنى: الجميع؛ كما قاله ابن دقيق العيد (٣). وفي "القاموس": والسائر: الباقي، لا الجميع كما توهم جماعة. أو قد يستعمل له. ومنه قولُ الأحوص: [من الخفيف] فَجَلَتْهَا لَنَا لُبَابَةُ لَمَّا ... وَقَذَ النَّوْمُ سَائِرَ الحُرَّاسِ (٤) قال: وضاف أعرابي قوماً، فأمروا الجاريةَ بتطييبه، فقال: بَطْنِي عَطِّري، وسائري ذَرِي (٥).

стр. 492

(وقالت) عائشة ﵁: (كنت أغتسل أنا ورسولُ الله ﷺ ) يحتمل أن يكون مفعولاً معه؛ أي: أغتسلَ مع النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون عطفاً، وهو من باب تغليب المتكلم (١). (من إناء واحد نغترف) (٢) مشتق من الغَرْف: وهو أخذُ الماء باليد. يقال: غرف الماء يغرِفه، ويغرُفه: أخذه بيده؛ كاغترفه، والغَرْفة للمرة، و -بالكسر-: هيئةُ الغرف، والنَّعْل، والجمع غِرَف؛ كعنب، وبالضم: اسمٌ للمفعول، كالغُرافة؛ لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غُرفة، كما في "القاموس" (٣). (منه)؛ أي: الإناء (جميعاً) حال مؤكدة. وهذه الزيادة، وهي: قالت ... إلخ، ذكرها مسلم (٤). وفي لفظٍ لمسلم: عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل، بدأ بيمينه، فصبَّ عليها من الماء فغسلها، ثم صبَّ الماء على الأذى به بيمينه (٥)، وغسل عنه بشماله، حتى إذا فرغ من ذلك، صب على رأسه. قالت عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحدٍ ونحن جنبان (٦).

стр. 493

وأخرج مسلمٌ أيضاً عن عائشة ﵂: أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد، أو قريباً من ذلك، لم يخرج البخاري هذا اللفظ. وأخرجا عنها ﵂، قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحدٍ بيني وبينه، فيبادرني حتى أقول: دع لي، دع لي، قالت: ونحن جنبان. إلا أن البخاري لم يقل: فيبادرني حتى أقول: دع لي، دع لي (١). وقد استدل بعضهم بنجاسة المني، ورطوبة فرج المرأة بقولها: وغسله عنه، وقولها: الأذى. وذلك بعيدٌ، لأن الغسل ليس مقصوراً على إزالة النجاسة، ولأن الأذى ليس بظاهر في النجاسة -أيضاً (٢). وفي الحديث دليلٌ على: جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناءٍ واحدٍ، ولا يؤثر كون اغتراف الرجل بعد اغترافها (٣)؛ لأن ذلك معتبرٌ فيه أن تتطهر به في خلوةٍ لم يشاهدها من تزول به خلوة النكاح، ثم يفضل منه فضلةٌ، فيمنع الرجل من أن يتطهر بتلك الفضلة. وفيه: جواز إدخال الجنب يدَه في الإناء قبل تمام الغسل، إذا كانت نظيفة؛ لعدم نجاسة شيءٍ من أعضائه بالجنابة. وفي روايةٍ عنها عندهما: كان رسول الله ﷺ يغتسل من القدح، وهو الفرق. قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع (٤).

стр. 494

وفي لفظٍ للبخاري: قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناءٍ واحدٍ من قدحٍ يقال له الفرق (١). ولمالكٍ عن الزهري: هو الفرق (٢). قال ابن التِّين: الفرق: -بتسكين الراء-، ورويناه -بفتحها-، وجوز بعضهم الأمرين. وقال القتبي: هو بالفتح. وقال النووي: الفتح أفصح وأشهر. وزعم أبو الوليد البَاجي: أنه الصواب، قال: وليس كما قال، بل هما لغتان (٣). قال الحافظ ابن حجر: لعل مستند البَاجي ما حكاه الأزهري عن ثعلبٍ وغيره: الفرق -بالفتح-، والمحدثون يسكنونه، وكلام العرب بالفتح (٤)، انتهى. وحكى ابن الأثير: أن الفرق -بالفتح-: ستة عشر رطلاً، و - بالإسكان -: مئة وعشرون رطلاً (٥). قال في "الفتح": وهو غريب، وتقدم ما في كلام سفيان عند مسلم: أنه

стр. 495

ثلاثة آصع، قال النووي: وكذا قال الجماهير (١)، ونقل أبو عبيد الاتفاق على أن الفرق ثلاثة آصع، وعلى أن الفرق ستة عشر رطلاً، ولعله يريد اتفاق أهل اللغة. وإلا فقد قال بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم: إن الصاع ثمانية أرطال، وتمسكوا بحديث عائشة أنه حزر الإناء ثمانية أرطال (٢)، والصحيح الأول؛ لأن الحزر لا يعارض التحديد. و-أيضاً- لم يصرح راوي الحديث مجاهد بأن الإناء المذكور في الحديث صاعٌ، فيحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها. ومما يؤيد كون الفرق ثلاثةَ آصع: ما رواه ابن حبان من طريق عطاء عن عائشة ﵂ بلفظ: قدر ستة أقساط (٣)، والقِسْط -بكسر القاف-، وهو باتفاق أهل اللغة: نصف صاع، ولا اختلاف بينهم أن الفرق: ستة عشر رطلاً، فصح أن الصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي، كما جزم به علماؤنا وغيرهم. وزعم بعض الشافعية: أن الصاع الذي لماء الغسل ثمانية أرطال, والذي لزكاة الْفِطْرِ وغيرها خمسة أرطال، كذا قال. وفي الحديث: دليلٌ على جواز نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر، ويؤيده ما أخرجه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى: أنه سئل عن

стр. 496

الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فقال: سألت عطاء عن ذلك، فقال: سألت عائشة، فذكرت هذا الحديث بمعناه (١). وهو نص في المسألة، والله أعلم (٢). * * *

стр. 497

الحديث الثالث عَنْ مَيْمُونَةَ بنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: وَضَعَ رَسولُ الله ﷺ وَضُوءَ الجَنابةِ؛ فَأَكْفَأ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثاً، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يدَهُ بالأَرْضِ، أَوْ بِالحَائِطِ مَرَّتَينِ، أو ثَلاثاً، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتنشَقَ، وغَسَلَ وَجْهَهُ، وذِرَاعَيْهِ، تمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الماءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَّحَى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ؛ فَأَتَيْتُه بِخِرْقَةٍ، فَلَمْ يُرِدْهَا؛ فَجَعَلَ يَنْفُضُ الماءَ بِيَدِهِ (١).

стр. 498

(عن) أم المؤمنين (ميمونةَ بنتِ الحارث) بنِ حَزْن -بفتح الحاء وسكون الزاي وآخره نون- ابنِ بُجَير -بضم الموحدة وفتح الجيم وسكون المثناة تحت - الهلاليةِ العامريةِ- ﵂ (زوجِ النبي ﷺ ). يقال: كان اسمها بَرَّة، فسماها النبي ﷺ ميمونة، كانت تحت مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية، ففارقها، فتزوجها أبو رُهْم -بضم الراء وسكون الهاء- ابنُ عبد العزى، وتوفي عنها، فتزوجها النبي ﷺ سنة ستّ من الهجرة. والمشهور أنه تزوجها في عُمرة القضيَّة في ذي القعدة سنة سبع بِسَرِف -بفتح السين المهملة وكسر الراء وآخره فاء-: موضع على عشرة أميالٍ من مكة. قال ابن الجوزي وغيره: وقدر الله تعالى أنها ماتت بِسَرِف في المكان الذي بنى بها رسولُ الله فيه، ودفنت هناك. قال النووي: سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وقيل: ستٍّ وستين. والحق أنها ماتت قبل عائشة، وعائشةُ ماتت سنة سبع وخمسين، وصلى عليها لما توفيت ابن أختها سيدُنا عبد الله بن عباس ﵃.

стр. 499

وهي أخت أم الفضل لأبيها، وأخت أسماء بنت عُمَيس لأمها، وأختُ أم خالد بن الوليد لأبيها، وهي لُبابة الصغرى، وهي آخر من تزوج النبيُّ ﷺ ، فلم يتزوج بعدها. قال الحافظ ابن الجوزي في "منتخب المنتخب": روي لها عن رسول الله ﷺ ستةٌ وسبعون حديثًا، منها في "الصحيحين " ثلاثة عشر، المتفق عليه منها: سبعة، وانفرد البخاري بحديثٍ، ومسلم بخمسة (١). فمن المتفق عليه ما (قالت) ﵂: (وضع رسول الله ﷺ وضوء الجنابة). تقدم: أن الوَضوء -بالفتح- اسمٌ للماء المضاف إلى الوضوء، أو لمطلق الماء. ويؤيد الثانيَ إضافُته هنا للجنابة (٢)، والجنابة تقدم الكلام عليها. ولما كان الغسلُ من الجنابة معروفا قبل الإسلام، وبَقِيّهً من دين إبراهيم وإسماعيل؛ كالحج والنكاح، خوطبوا في القرآن به، ولم يحتاجوا إلى بيانه، كما قال- تعالى-: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ومن ذلك: نَذْرُ أبي سفيان أَلَّا يمسَّ رأسَه ماءُ من جنابةٍ حتى يغزوَ رسولَ الله ﷺ (٣)، بخلاف الحدث الأصغر، فإنه لم يكن معروفاً عندهم،

стр. 500

فبين أعضاءه -جل شأنه-، وكيفيتَه، والسببَ الموجبَ له. وفي روايةٍ: قالت ميمونة ﵂: وضعت للنبي ﷺ غسلاً (١). قال النووي في "شرح مسلم": الغسل إذا أريد به الماء، فهو بالضم، فإن أريد به المصدر؛ أي: الفعل، فيجوز -ضمُّ العين وفتحُها- لغتان مشهورتان. قال: وبعضهم يقول: إن كان مصدراً، فبالفتح؛ كضربت ضَرْباً، وإن كان بمعنى الاغتسال، فبالضم؛ كقولنا: غسلُ الجمعة مسنونٌ، وغسلُ الجنابة واجبٌ. وأما ما ذكره بعض مَنْ صنف في لحن الفقهاء من أن قولهم: غسل الجنابة والجمعة وشبههما بالضم لحنٌ، فخطأٌ منه، بل الذي قالوه صوابٌ؛ لما ذكرناه؛ يعني: على إحدى اللغتين، انتهى (٢). وقال بعضهم: الفتح أفصح عند اللغويين، والضم أشهر عند الفقهاء. والغِسْل -بالكسر-: ما يُغسل به من سِدْر ونحوه. (فأكفأ) ﷺ ؛ أي: قلبَ وأمال: الإناء. يقال: كَفَأَ وأكفأ. وقال القاضي عياض: أنكر بعضُهم كون كفأ وأكفأ بمعنًى، وإنما يقال: في قلبت: كفأت ثلاثياً، وأمّا أكفأت رباعياً، فبمعنى أملت، وهو مذهب الكسائي (٣). وتقدم.

стр. 501

(بيمينه) متعلق بأكفأ (على يساره مرتين أو ثلاثاً)؛ مبالغةً في التنظيف، (ثم غسل فرجه). قال في "الفتح": فيه تقديم وتأخير؛ لأن غسل الفرج كان قبل الوضوء؛ إذ الواو لا تقتضي ترتيباً. وقد بين ذلك ابنُ المبارك عن الثوري في "البخاري" (١). قلت: والذي يظهر أن غسل اليدين هذا إما للتنظيف، أو للقيام من نوم الليل. (ثم ضرب ﷺ يده) الشريفة (بالأرض مرتين أو ثلاثاً) من المرات. وفي لفظٍ للبخاري: ثم صبَّ بيمينه على شماله، فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض، فمسحها ثم غسلها (٢). وفي آخر: غسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ (٣). وقال الإمام ابن القيم في كتابه "البدائع": وفي رواية أحمد بن الحسين؛ يعني: عن الإمام أحمد ﵁، قال: يغسل يده ثلاثاً، ثم يستنجي، ثم يغسل يده ويتوضأ. قال أبو حفص: قد نبئنا عن أبي عبد الله: غسلُ اليد في الطهارة في ثلاثة مواضع: أحدها: قبل الاستنجاء.

стр. 502

والثاني: غسل اليد اليسرى بعد الاستنجاء. والثالث: عند ابتداء الوضوء، انتهى (١). وحكمة ضرب يده ﷺ بالأرض لإزالة ما لعلَّه يعلَق بها من رائحةٍ. وقد تقدم أنه يُعفى عن الرائحة، فلا يضر بقاءُ ريح النجاسة كلونها عجزاً، وحينئذٍ فهو لطلب الأكمل فيما لا تجب إزالته، أو لإزالة احتمال بقاء الرائحة مع الاكتفاء بالظن في زوالها (٢). وفي روايةٍ لمسلم: فدلَكَها دلكاً شديداً، وهذا يؤيد أنه لإزالة الرائحة العالقة، فتكون موجودة، ولم تزل بالماء وحده؛ فدلكها لتذهب بالدلك. (ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه) وهذا دليلٌ على مشروعية هذه الأفعال في الغسل. وفي حديث عائشة: فإنه توضأ وضوءه للصلاة (٣)، وهو المشروع المستحب كما تقدم، والفمُ والأنف من الظاهر، فلا بدَّ من المضمضة والاستنشاق؛ وفاقاً للحنفية، ونفى الوجوبَ مالكٌ والشافعي، وتقدم دليل ذلك في الوضوء (٤). (ثم أفاض) ﷺ (على رأسه الماء) ظاهره: أنه لم يمسح رأسه كما يفعل في الوضوء، لكن حديث عائشة يدل على أنه أكمل وضوءه، وكذلك في حديث ميمونة: ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حَفَناتٍ ملءَ كفيه (٥).

стр. 503

وفي لفظٍ (١): وصف الوضوء كله، كما في مسلم وغيره". والحاصل: أن الأحاديث دالةٌ على أنه أكمل الوضوء. (ثم غسل) ﷺ (جسدَه)؛ أي: بقيته، أو المراد: أنه بعد التثليث أفاض الماء على جميع جسده، فعمَّمه بالماء. (ثم تنحى)؛ أي: قصد وانصرف لناحيةٍ غير المكان الذي كان واقفًا به، ومعتمدًا على رجليه فيه، (فغسل رجليه) ﷺ ، أي: أعاد غسلهما ثانيًا؛ استيعابًا للغسل بعد غسله لهما في الوضوء؛ ليوافق كونه تَوَضأ الوضوء الكامل. واختار أبو حنيفة تأخيرَ غسل الرجلين، كما تقدم، وهي رواية عن أحمد. وبعضهم فرق بين كون المكان وسخًا، فأخر غسلهما؛ ليكون مرةً واحدةً؛ توفيرًا للماء، وبين كونه نظيفًا، فقدمه، وهو قول المالكية (٢). قالت ميمونة ﵂: (فأتيته)، تعني: بعدَ فراغه من غسله، وغسل رجليه (بخِرْقةٍ) -بالكسر-: القطعةُ من الثوب، والجمع: خِرَق، كعنب (٣)، (فلم يُرِدْها) بضم أوله من الإرادة (٤). استدل به على عدم استحباب التنشيف للأعضاء من ماء الطهارة. واختلفوا، هل يكره أو لا؟.

стр. 504

قال في "الفروع": وتُباح معونتُه وفاقًا، وتنشيفُ أعضائه وفاقًا. وعنه: يُكرهان؛ كنفض يده؛ لخبر أبي هريرة ﵁: "إذا توضَّأتم، فلا تنفُضوا أيديكم؛ فإنها مراوحُ الشيطان" رواه المعمري وغيره من رواية البَخْتَريِّ بن عُبَيد، وهو متروكٌ (١). واختار صاحب "المغني" (٢)، و"المحرر"، وغيرهما: لا يكره، واستظهره في "الفروع" (٣). ومن قال بالكراهة، استدل بظاهر هذا الحديث، ولا حجةَ فيه؛ لأنها واقعةُ حال يتطرَّق إليها الاحتمال، فلا ينهض بها الاستدلال؛ لجواز أن يكون عدمُ أخذه ﷺ الخرقةَ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل يتعلق بالخرقة؛ لكونها كانت مستعملة. قال المهلب: يحتمل تركُه التمندلَ؛ لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع، أو لشيءٍ رآه دي الثوب من حريرٍ أو وسخٍ. وقد وقع عند الإمام أحمد، والإسماعيلي، من رواية أبي عوانة هذا الحديث، عن الأعمش، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: لا بأس بالمنديل، وإنما رَدَّه مخافة أن تصير عادةً (٤). قال التيمي في شرح هذا الحديث: فيه دليلٌ على أنه كان يتنشف، ولولا

стр. 505

ذلك، لم تأته ميمونة ﵂ بالمنديل (١). وفي لفظٍ: ثم أتيته بالمنديل، فرده (٢). وفي آخر: فناولته ثوبًا، فام يأخذه (٣). (فجعل ﷺ ينفض الماء) عن أعضائه الشريفة (بيده). وفي لفظٍ: فانطلق وهو ينفض يديه (٤). وفي آخر: فناولته خرقةً، فقال بيده هكذا، ولم يُردها (٥). قال ابن دقيق العيد: نفضُه ﷺ الماءَ بيده يدل على أَنْ لا كراهةَ في التنشيف؛ لأن كلًا منهما إزالة (٦). وعند الشافعية: في التنشيف خمسة أوجه؛ أشهرها: الاستحبابُ تركه. وقيل: مكروهٌ. وقيل: مباحٌ (٧). وقيل: مستحبٌ. وقيل: مكروهٌ في الصيف دون الشتاء. كما قاله في "الفتح" (٨). وليس عندنا فيه إلا الإباحة -على المعتمد-، أو الكراهة -على مرجوحٍ -.

стр. 506

نعم، استوجه العلامة الشيخ مرعي في "غايته" (١) وجوبَه على مَنْ في بعض أعضائه ما يحتاج إلى تيمم له، وتفوت موالاةٌ لولاه، وهو وجيه. وأما نفض الماء: فاعتمدوا أنه مكروهٌ على ما اختاره ابنُ عقيلٍ وأكثر الأصحاب. قال شيخ الإسلام في "شرح العمدة": كرهه القاضي وأصحابه (٢)، واختار [٥] الموفق، والمجد. واستظهر في "الفروع" (٣) عدمَ الكراهة -كما تقدم-. قال ابن عبيدان: والأقوى أنه لا يكره، وكذا قال في "مجمع البحرين" (٤). والحديث الذي تقدم فيه، لا تنهض به حجةٌ، ولو لم يعارضه ما في "الصحيحين". وقد قال ابن الصلاح: لم أجده. وتُعقب: بأنه أخرجه ابن حِبان في "الضعفاء"، وابن أبي حاتم في "العلل" (٥). واستدل بحديث ميمونة ﵂ على طهارة الماء المتقاطر من أعضاء المتطهر، خلافًا لمن غلا من الحنفية فقال بنجاسته (٦)، والله الموفق. * * *

стр. 507

الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵃، قَالَ: يا رَسولَ اللهِ! أَيرْقُدُ أَحَدُنا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قال: "نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرْقُدْ" (١). * * * (عن) أبي عبد الرحمن (عبدِ الله بنِ عمر: أن) أمير المؤمنين (عمر بن

стр. 508

الخطاب ﵃ قال: يا رسول الله! أيرقد)؛ أي: ينام، فالرقاد كالنوم. وقيل: الرقاد خاصةً بالليل، ومرقدٌ كمسكن: المَضْجع، وأرقده: أنامه (١). (أحدنا): فاعل يرقد، وجملة (وهو جنبٌ) حال؛ يعني: أيرقد أحدنا في حال كونه جنبًا؟ أي: في حال جنابته. (قال) ﷺ مجيبًا لسؤال سيدنا عمر ﵁: (نعم، إذا توضأ أحدكم) معشرَ الأمة من ذكرٍ وأنثى (فليرقدْ) وهو جنبٌ، كما في بعض ألفاظ البخاري بزيادة: "وهو جنبٌ" (٢) بعد تخفيف جنابته بالوضوء. وفي لفظٍ: "نعم، ليتوضأ، ثم لينمْ حتى يغتسلَ إذا شاء" (٣). وفي آخر لهما: "توضأْ واغسلْ ذكرك، ثم نَمْ" (٤). وفي لفظٍ عند البخاري: "نعم، ويتوضأ" (٥). فقوله: "ويتوضأ"، معطوفٌ على ما سدَّ لفظُ "نعم" مسدَّه؛ أي: يرقد ويتوضأ، والواو لا تقتضي الترتيب؛ فالمعنى: يتوضأ، ثم يرقد (٦). وللإمام أحمد، ومسلم من طريق الزهري، عن أبي سلمة بن

стр. 509

عبد الرحمن، عن عائشة ﵂: كان إذا أراد أن ينام وهو جنبٌ، توضأ وضوءه للصلاة (١). وهذا السياق أفصح في المراد. وللبخاري عنها مثلُه بزيادة: غسل الفرج (٢). وفيه رد على من حمل الوضوء على التنظيف، وقد بيَّن النَّسائي سببَ ذلك في روايته من طريق ابن عون، عن نافع، قال: أصاب ابنَ عمر جنابةٌ، فأتى عمرَ، فسأله، فأتى عمرُ النبيَّ ﷺ ، فاستأمره، فقال: "ليتوضأ ويرقد" (٣). قال ابن دقيق العيد: جاء الحديث بصيغة الأمر، وجاء بصيغة الشرط، وهو متمسكٌ لمن قال بوجوبه (٤). قال ابن عبد البر: ذهب الجمهور إلى أنه للاستحباب، وذهب أهل الظاهر إلى إيجابه، وهو شذوذٌ (٥). وقال ابن العربي: قال مالك، والشافعي: لا يجوز للجنب أن ينام قبل أن يتوضأ (٦). قال الحافظ في "الفتح": واستنكر بعض المتأخرين هذا النقل، وقال: لم يقل الشافعي بوجوبه، ولا يعرف ذلك أصحابه. وهو كما قال، لكن

стр. 510

كلام ابن العربي محمولٌ على أنه أراد نفي الإباحة المستوية الطرفين، لا إثبات الوجوب، أو أراد بأنه وجوب سنةٍ، أو تأكد الاستحباب، ويدل عليه مقابلته له بقول ابن حبيبٍ: هو واجب وجوب الفرائض، وهذا موجودٌ في عبارة كتب المالكية كثيراً. وأشار ابن العربي إلى تقوية قول ابن حبيب. وبوَّب له أبو عوانة في "صحيحه": إيجاب الوضوء على الجنب إذا أراد النوم (١)، ثم استدل هو وابن خزيمة بعد ذلك على عدم الوجوب بحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "إنما أُمِرْتُ بالوضوء إذا قمتُ للصلاة" (٢). تنبيهات: الأول: يستحب للجنب من رجلٍ وأنثى [غسل فرجه] على المعتمد. وعن الإمام أحمد: إنما يُسن للرجل غسلُ فرجه، ووضوءه لأكلٍ وشربٍ.

стр. 511

وعنه: يغسل يده ويتمضمض، كما عند أبي حنيفة. ولمعاود وطء وفاقًا، ولا يكره في المنصوص تركه في ذلك وفاقًا، ولنوم. وفي كلام الإمام ما ظاهره وجوبه؛ كما قال شيخ الإسلام، كما في "الفروع". ويكره تركه في الأصح؛ خلافًا لأبي حنيفة. ومن أحدث بعده، لم يُعِدْه (١) في ظاهر كلامهم؛ لتعليلهم بخفَّة الحدث، أو بالنشاط الذي وجد، وظاهر كلام شيخ الإسلام: يتوضأ لمبيته على إحدى الطهارتين (٢). وقال ﷺ : "لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيه جُنُبٌ"، وهو حديثٌ رواه الإمام أحمد، وأبو داود (٣). وحمل الخطابي الجنبَ في الحديث على من يتهاون بالاغتسال، ويتخذ تركه عادةً، لا من يؤخره ليفعله (٤). وحمله بعضهم -وهو مرادٌ- على من لم يرتفع حدثه كله ولا بعضه، فلا يكون بينه وبين حديث "الصحيحين" منافاةٌ؛ لأنه إذا توضأ، ارتفع بعضُ حدثه، على الصحيح (٥).

стр. 512

الثاني: إذا أراد الجنب أن يعاود الوطء، يسن له أن يتوضأ، لما في مسلم وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدُكم أهلَه، ثم أراد أن يُعاود، فليتوضأ بينهما وضوءًا" (١). وقد قيل: إن الحكمة في ذلك لِينْشَطَ إلى العَوْد. الثالث: لا يُشرع الوضوء للحائض والنفساء إلا إذا انقطع الدمُ عنهما، لأنهما يكونان كالجنب، وأما قبل الانقطاع: فلا يُشرع لهما إذا أرادا أكلًا أو نومًا، كما قاله علماؤنا، كالشافعية، لعدم صحته. وقال الناظم في "مجمع البحرين": قلت: واستحبابُ غسلِ جنابتها وهي حائضٌ عند الجمهور يُشعر باستحباب وضوئها للنوم هنا، انتهى (٢). وفيه ما لا يخفى على قواعد المذهب، والله أعلم. * * *

стр. 513

الحديث الخامس عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إلَى رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يا رَسولَ اللهِ! إنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ إذا رَأَتِ الماءَ" (١).

стр. 514

(عن) أم المؤمنين، (أم سلمة) هندٍ بنتِ أبي أمية، واسمه: سهيلُ بنُ المغيرة بنِ عبد الله بن عمرو بن مخزوم ﵂ (زوجِ النبيِّ ﷺ )، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد. ويقال: إن أم سلمة أولُ ظعينةٍ دخلت المدينة مهاجرةً. وقيل: غيرها. فولدت له في أرض الحبشة زينبَ.، وولدت له سلمةَ، وعمرَ، ودُرَّةَ. ومات أبو سلمة سنة أربع، أو ثلاث، فتزوجها رسول الله ﷺ في ليالٍ بقين من شوال من تلك السنة، وتوفيت سنة سبع وخمسين، وقيل: اثنتين وستين، وقيل: ستين. قال في "شرح الزهر البسام" (١): والأول أصح. قلت: الذي جزم به ابن القيم في "جلاء الأفهام": أنها توفيت سنة اثنتين وستين، ودفنت بالبقيع. قال: وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتًا، وقيل: بل ميمونة (٢). وكان عمرها: أربعًا وثمانين سنة. روي لها عن النبي ﷺ : ثلاث مئة وثماني وسبعون حديثًا، اتفقا على ثلاثة عشر، وانفرد البخاري: بثلاثة، ومسلم: بثلاثة عشر (٣).

стр. 515

(قالت) أم سلمة ﵂: (جاءت أم سُلَيْم) بضم السين المهملة، وفتح اللام-، واسمها: سهلةُ -على المشهور-، وقيل: رُمَيلة، وقيل: رُمَيثة، وقيل: أُنيفَة -بضم أوائلها على التصغير في الكل-. وقيل: مُلَيكة -بضم الميم وفتح اللام-، وقيل: -بفتح الميم وكسر اللام-. وقيل: اسمها الرُّمَيصاء، ويقال: الغُمَيصاء -بالغين المعجمة- على ظاهر ما في "منتخب المنتخب". وصرح في "شرح الزهر"، فقال: بالغين المعجمة. قال ابن الجوزي: والرُّميصاء والغُمَيصاء واحد؛ لأنه يقال: الرَّمَص والغَمَص؛ كما يقال: الرَّيْن والغَيْن. وهي: أم أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، بنتُ مِلحان -بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة-، واسمه: مالك بنُ خالد بنِ زيد بن حَرام، الأنصاريةُ النجاريةُ. كانت تحت مالك بن النضر، أبي أنس بن مالك، فولدت له أنسًا، ثم قُتل عنها مشركًا، وأسلمت، فخطبها أبو طلحة وهو مشرك، فدعته إلى الإسلام فأسلم، فقالت: فإني أتزوجك ولا آخذُ منك صداقًا لإسلامك، فتزوجها (١)، فولدت له عبدَ الله، وأبا عمير الذي قال له النبي ﷺ :

стр. 516

"يا أبا عُمير! ما فعل النُّغَير؟ (١) ". وشهدت ﵂ أُحدًا وحُنينًا. وقال ﷺ : "دخلتُ الجنةَ، فسمعت خشفةً (٢)، فقلت: ما هذا؟ فقيل: الرُّميصاءُ بنتُ مِلحان" (٣). كان يزورها ﷺ ، وصلَّى في بيتها تطوعًا. روي لها عن رسول الله ﷺ أربعة عشر حديثًا، اتفقا منها على حديثٍ، وانفرد البخاري بآخر، ومسلمٌ بحديثين (٤). وهي: (امرأة أبي طلحة)، واسمه: زيدُ بنُ سهل بن الأسود الأنصاريُّ النجاريُّ، شهد العقبة وبدرًا وأُحدًا، والمشاهد كلها. وهو القائل: [من الرجز] أَنَا أَبُو طَلْحَةَ وَاسْمِي زَيْدُ ... وَكُلَّ يَوْمٍ في سِلاَحِي صَيْدُ

стр. 517

وقال فيه رسول الله ﷺ : (لصوتُ أبي طلحةَ في الجيشِ خيرٌ من فِئَةٍ" (١) وقد غزا مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع الصدِّيق حتى مات، ومع عمر حتى مات، فقال له أنس: دعنا ننفرْ عنك، فقال: قد قال الله - تعالى-: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، لا أرى رَبَّنا إلا استنفرنا شبابًا وشيوخًا، يا بني! جهزوني، فغزا البحر، فمات في البحر، فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد سبعة أيام، فدفنوه فيها وهو لم يتغير؛ رواه البيهقي بسندٍ صحيح (٢). وقيل: مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: أربعين، وله سبعون سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان ﵁. وقال أبو زرعة الدمشقي: عاش أبو طلحة بعد رسول الله ﷺ أربعين سنة، وكان يسرد الصوم، وهذا مخالف لقول الجمهور. روي له عن رسول الله ﷺ -كما قال ابن الجوزي - خمسةٌ وعشرون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثٍ، ومسلم بآخر (٣).

стр. 518

(إلى رسول الله ﷺ ) متعلق بجاءت (فقالت) أم سُليم ﵂: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق)؛ أي: لا يأمر بالحياء في الحق. وقدمت أم سُليم هذا الكلام بسطًا لعذرها في ذكر ما تستحيي النساء بذكره بحضرة الرجال؛ ولهذا قالت لها عائشة -كما ثبت في "صحيح مسلم"-: فَضَحْتِ النساء (١). والذي يحسن الابتداء في مثل هذا: أن الذي يُعتذر به إذا كان متقدمًا على المعتذَر منه، أدركته النفسُ صافيًا من العيب، فإذا تأخر العذر، استقبلت النفسُ المعتذَر عنه، فتأثرت بقبحه، ثم يأتي العذر رافعًا، وعلى الأول يأتي دافعًا (٢). قال ابن دقيق العيد: قد تكلم العلماء في تأويل قولها: إن الله لا يستحيي من الحق. ولقائلٍ أن يقول: إنما يحتاج إلى تأويل الحياء إذا كان مثبتًا، كما جاء: "إن الله حَيِيّ كريمٌ" (٣)، وأما في النفي، فالمستحيلات على الله تعالى تُنفى، فلا يشترط في النفي أن يكون المنفيُّ ممكنًا.

стр. 519

والجواب: أنه لم يرد النفي على الاستحياء مطلقًا، بل ورد على الاستحياء من الحق، ويفهم منه إثباتُه من غير الحق، فيعود بالمفهوم إلى الإثبات. قال: ومعنى الحديث: أن الله لا يأمر بالحياء في الحق، ولا يبيحه، أو لا يمتنع من ذكره. قال: وأصل الحياء: الامتناع، أو ما يقاربه من معنى الانقباض (١). وتعقبه الحافظ ابن حجر في كتاب: الأدب، من "شرح البخاري": بأن الحق أن الامتناع من لوازم الحياء، ولازم الشيء لا يكون أصله، ولما كان الامتناع لازِمَ الحياء، كان في التحريض على ملازمة الحياء حضٌّ على الامتناع عن فعل ما يعاب. انتهى (٢). وتقدم أن الحياء -بالمد- لغةً: تغيرٌ وانكسار يعتري الإنسان من خوفِ ما يُعاب به. وشَرْعًا: خُلُق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. وقيل: المعنى: أن سنة الله وشرعه أَلَّا يُستحيا من الحق. واستقرب ابن دقيق العيد أن يكون على حذف مضاف تقديره: إن الله لا يمتنع من ذكر الحق، والحق هنا خلاف الباطل، وهو كون الواقع مطابقًا له وموافقًا. ويكون معنى الكلام: أن نقتدي بفعل الله سبحانه في ذلك (٣)،

стр. 520

ونذكر هذا الحق الذي دعت إليه الحاجة، وهو المشار إليه بقولها: (هل) يجب (على المرأة من غسل إذا هي) ضميرُ فصلٍ جيء به لتأكيد الكلام وتحقيقه، ولو أسقطت "من"، لتم أصل المعنى (احتلمت؟)؛ أي: رأت في منامها أنها تُجامَع. وفي رواية الإمام أحمد من حديث أم سُليم: أنها قالت: يا رسول الله! إذا رأت المرأة أن زوجَها يُجامعها في المنام تغتسل؟ (١). فهو افتعالٌ من الحُلْم -بضم الحاء المهملة وسكون اللام-: وهو ما يراه النائم في نومه. يقال: منه حَلَم -بفتح اللام-، واحتلم، واحتلمت به، واحتلمته. قالـ[ـه] ابن دقيق العيد (٢). وفي "القاموس": الحُلُم -بالضم، وبضمتين-: الرؤيا، والجمع أحلامٌ، وحَلَم في نومه، واحتلم، وتحلَّم [وانْحَلَم، وتَحَلَّم] الحلمَ: استعمله. وحَلَم به، وعنه: رأى له رؤيا أو رآه في النوم، والحُلُم -بالضم- والاحتلام: الجماع في النوم، والاسم: الحُلُم كعُنُق؛ انتهى (٣). وكذا في "المطالع"، وعبارته: والحُلُم -بضم اللام أيضاً وبسكونها-: رؤيا النوم، والفعل منه: حَلَم -بفتح اللام-، والمحتلِم والحالم سواء، وهو البالغ. وقد نفى الاحتلامَ عنه ﵊ بعضُ الناس، كما في "المطالع"، وغيرها؛ لأنه من الشيطان، ولأنه لم يرو عنه أثرٌ في ذلك.

стр. 521

قال: ويحتمل جوازُه عليه، ولا يكون من الشيطان، لكن من الطبع البشري عند اجتماع الماء، والبعد من الجماع (١). (فقال رسول الله ﷺ : نعم)؛ أي: عليها غسل مُقَيَّدٌ وجوبُه عليها بشروط، وهو: ما (إذا رأت الماء)؛ أي: تحققت خروجَ المني منها بالرؤية، أو غيرها؛ من لمس وشمٍّ ونحوهما؛ بخلاف ما إذا رأت في المنام أنها تجامع، ولم ينزل منها ماء؛ فإنها لا يلزمها غسل؛ كالرجل. نعم، إن أحسَّت بانتقاله بعد إفاقتها من نومها، وجب، على معتمد المذهب؛ من جعلِهم إحساسَ الانتقال بمجرده موجبًا، وإن لم يبرز، وربما كان هذا الحديث حجةً على قائلي ذلك. إلا أن نقول: هذا في النائم، وإحساسُه والتذاذُه وعدمُه حينئذٍ سواء. وفي "مسلم": عن أنس ﵁، قال: جاءت أم سُليم إلى رسول الله ﷺ ، فقالت له -وعائشة عنده-: يا رسول الله! إن المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام، وفيه: فقالت عائشة: يا أم سليم! فضحتِ النساء، تربَتْ يمينُكِ، فقال ﷺ : "بل أنتِ تربت يمينُك، نعم، فلتغتسلْ يا أُمَّ سُلَيم إذا رأتْ ذلك" (٢). وفي روايةٍ في "مسلم" -أيضاً-: فقالت أم سلمة: فاستحييتُ من ذلك، قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبيُّ الله ﷺ : "نعم، فمِنْ أين يكون الشبهُ؟ إنَّ ماءَ الرجلِ غَليظٌ أبيضُ، وماء المرأة رقيقٌ أصفرُ، فمن أَيِّهما علا، أو سبق، يكون منه الشبهُ" (٣).

стр. 522

وفي لفظٍ: فقال لها؛ أي: لأم سليم: "إذا كان منها ما يكونُ من الرجل، فلتغتسلْ" (١). وفي لفظٍ لها: فقالت أم سلمة: يا رسول الله! وتحتلمُ المرأة؟ فقال: "تربتْ يداك، فبمَ يُشبهها ولدُها؟ ". زاد "البخاري": فقالت أم سلمة: تعني وجهها، وقالت: يا رسول الله! وتحتلم ... الحديث (٢). وفي طريق البخاري: فضحكت أم سلمة، فقالت: أتحتلم المرأة؟ (٣). وفي روايةٍ لمسلم عن أم سلمة: قالت: قلتُ: فضحتِ النساء (٤). وفي لفظٍ له عن عائشة: فقلت لها: أُفٍّ لكِ، أترى ذلك المرأةُ؟! (٥). وفي آخر: فقالت لها عائشة: تربَتْ يداك وأُلَّت (٦). وهذا يدل على أن كتمان ذلك من عادتهن؛ لأنه يدل على شدة شهوتهن للرجال. وأُلَّت: على وزن غُلَّت، وصوب بعضهم كونه: أُلِلْتِ على وزن طُعِنْتِ: بمعنى اقتصرت. والأل: الشدة. وقال ابن فورك: هو مُصَحَّف من قالت، كذا قال (٧).

стр. 523

وفيه: إذا علا ماؤها ماءَ الرجل، أشبهَ الولدُ أخوالَه، وإذا علا ماءُ الرجل ماءها، أشبه أعمامه. ويمكن الجمع: بأن كلًا من عائشة وأم سلمة ﵄ كانتا حاضرتين (١) - والأشبه: أن ابتداء الكلام كان بحضور أم سلمة، ثم حضرت عائشة. واستدل به بعضهم على أن الاحتلام يكون في بعض النساء دون بعضٍ؛ ولذلك أنكرت أم سلمة ذلك، ولكن الجواب يدل على أنها إنما أنكرت وجودَ المني من أصله، فلهذا أنكر عليها (٢). وفيه: ردٌّ على من زعم أن ماء المرأة لا يبرز، وإنما يعرف إنزالها بشهوتها، والله أعلم (٣). * * *

стр. 524

الحديث السادس عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ، وَإِنَّ بُقعَ الماءِ في ثَوْبهِ (١). وفي لَفْظِ لمُسْلِمٍ: لَقَدْ كنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرْكًا؛ فَيُصَلِّي فِيهِ (٢).

стр. 525

(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصديقة (﵂، قالت: كنت أغسل الجنابة) أرادت: المني -بالتشديد-، وهو الماء الذي يخلق منه البشر. وفي لفظ: أن رسول ﷺ كان يغسل المني (١). (من ثوب رسول الله ﷺ ) متعلقٌ بـ: أغسل. والثوب: اللباس، يجمع على أثوب، وأثواب، وثياب (٢). (فيخرج). وفي لفظٍ: ثم يخرج (٣) (إلى الصلاة) في ذلك الثوب كما في مسلم (٤)، (وإن بقع الماء) جمع بُقعةٍ -بضم الباء وفتحها-: مواضعه، ويجمع أيضاً على بقاعٍ (٥). (في ثوبه) ﷺ . وفي لفظٍ: وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه (٦). قال الحافظ: (وفي لفظٍ لمسلم: لقد كنت (٧) أفركه)؛ أي: المني (من ثوب رسول الله ﷺ ) إذا كان يابسًا (فركًا).

стр. 526

وفي آخر: لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول ﷺ الله ﷺ فركًا. وفي آخر: كنت أفركه (١). وفي آخر: لقد رأيتني وإني لأَحُكُّه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري (٢). وقد اختلف العلماء في طهارة المني ونجاسته: فقال الإمام أحمد -في أصح الروايات عنه-، والإمام الشافعي: بطهارته؛ كالبصاق والمخاط. وفي أخرى كأبي حنيفة: نجسٌ. وكذا قال مالك: إنه كبولٍ، كما في روايةٍ. وقطع ابن عقيلٍ بنجاسة منيِّ خَصيٍّ؛ لاختلاطه بمجرى بوله. والمذهب المعتمد: طهارة المني من فحلٍ وخصي وامرأةٍ وقتَ جماعٍ وغيره (٣). والحديث حجةٌ لنا كالشافعية، بدليل قول عائشة ﵂: (فيصلي) رسول الله ﷺ (فيه)؛ أي: الثوب الذي أصابه المني بعد الفرك. والفاء: للتعقيب؛ فيقتضي أنه تعقب الصلاةُ الفركَ، ويقتضي عدم الغسل قبل دخوله في الصلاة، لكنه قد ورد بالواو، وبثم، والحديث واحدٌ، إلا أن الذي في "صحيح مسلمٍ": فيصلي فيه -بالفاء-، فهو أولى (٤).

стр. 527

قال في "شرح الوجيز": المذهب: طهارةُ مني الآدمي مطلقًا، وعليه جماهير علمائنا، ونصروه، سواءٌ كان من احتلامٍ، أو جماعٍ، من رجلٍ، أو امرأةٍ، فلا يجب فيه فرك ولا غسلٌ. وقال أبو إسحاق: يجب أحدُهما. وعنه -أي: الإمام-: أنه نجسٌ، ويجزىء فركُ يابسه، ومسحُ رَطْبه؛ كالحنفية. واختاره بعض علمائنا. وعنه: أنه نجسٌ، يجزىء فركُ يابسه من الرجل دون المرأة. وعنه: أنه كالبول (١). وبالمذهب المعتمد قال سعدُ بن أبي وقاص، وابنُ عمر، وابن عباسٍ ﵃، وعطاء، والشافعي، وداود، وأبو ثورٍ، وابن المنذر (٢). وقد روى الدارقطني عن ابن عباس ﵄، قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب، فقال: "إنما هو بمنزلة المُخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحَه بخِرْقَةٍ أو إذْخِرَةٍ" (٣). وروي هذا الحديث موقوفًا على ابن عباس، ولم يرفعه غيرُ إسحاق الأزرق، عن شريكٍ (٤). قال في "شرح الهداية": وهذا لا يقدح؛ لأن إسحاق إمام متخرَّجٌ عنه

стр. 528

في "الصحيحين"؛ فيقبل رفعه، وما تفرد به (١). وعن عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يَسْلُت المنيَّ من ثوبه بعِرْقِ الإذخِرِ، ثم يصلي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا، ثم يصلي فيه. رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح (٢). وقد ثبت الاكتفاء بفركه بما تقدم من النصوص الصحيحة، ولو كان نجسًا، لما أجزأ فركُه كسائر النجاسات، فعُلم أن ما ورد من فركه وغسله ومسحه بالإذخر؛ لاستقذاره، لا لنجاسته؛ ولأنه مبدأُ خلق البشر، فكان طاهرًا كالتراب، ولو كان نجسًا، لما جعله الله مبدأ خلق الطيبين من عباده والطيبات؛ ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيبٌ. وهذا ابن أبي شيبة أخرج بسنده عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه كان يفرك الجنابة من ثوبه (٣). وعن عطاء، عن ابن عباس ﵄ في الجنابة تصيب الثوب، قال: إنما هو كالنخامة أو النخاعة، أمِطْه عنك بخرقةٍ أو باذخرةٍ (٤). قال ابن القيم في "بدائع الفوائد"-بعد أن ذكر حجج الفريقين-: وبالجملة: فمن المحال أن يكون نجسًا، والنبي ﷺ يعلم شدة ابتلاء الأمة

стр. 529

به في ثيابهم وأبدانهم، ولا يأمرهم يومًا من الأيام بغسله، وهم يعلمون الاجتزاء بمسحه وفركه. قال: والآثار -بحمد الله- في هذا الباب متفقة لا مختلفة، وشروط الاختلاف منتفية بأسرها عنها. وقد تقدم من صدور الغسل تارةً، والمسح والفرك تارةً، وهذا لا يدل على تناقض، ولا اختلاف أَلبتة، ولا على نجاسة المني، بل على طهارته. قال ابن القيم -بعد أن أبطل أدلة المنجِّسين له-: فظهر أن النظر لا يوجب نجاستَه، والآثار تدل على طهارته، وقد خلق الله الأعيانَ على أصل الطهارة؛ فلا ينجس منها إلا ما نجسه الشرع، وما لم يعلم تنجُّسه من الشرع، فهو على أصل الطهارة، والله أعلم (١). تنبيه: إن قيل: فضلاتُ النبي ﷺ طاهرةٌ، فكيف يُستدل بطهارة منيِّه ﷺ على طهارة المني؟ فالجواب: أن منيَّه كان يختلط مع مني نسائه، ومع ذلك لم يجب غسله، فدل على طهارة المني، وأيضًا بقوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵄: "إنما هو بمنزلة المخاط ... " الحديث (٢)، فظهر دليل الطهارة، والله الموفق. * * *

стр. 530

الحديث السابع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا؛ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ" (١)، وفي لفظ: "وَإِنَ لَمْ يُنْزِلْ" (٢).
следующие страницы →