← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وفي آخر: لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول ﷺ الله ﷺ فركًا. وفي آخر: كنت أفركه (١). وفي آخر: لقد رأيتني وإني لأَحُكُّه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري (٢). وقد اختلف العلماء في طهارة المني ونجاسته: فقال الإمام أحمد -في أصح الروايات عنه-، والإمام الشافعي: بطهارته؛ كالبصاق والمخاط. وفي أخرى كأبي حنيفة: نجسٌ. وكذا قال مالك: إنه كبولٍ، كما في روايةٍ. وقطع ابن عقيلٍ بنجاسة منيِّ خَصيٍّ؛ لاختلاطه بمجرى بوله. والمذهب المعتمد: طهارة المني من فحلٍ وخصي وامرأةٍ وقتَ جماعٍ وغيره (٣). والحديث حجةٌ لنا كالشافعية، بدليل قول عائشة ﵂: (فيصلي) رسول الله ﷺ (فيه)؛ أي: الثوب الذي أصابه المني بعد الفرك. والفاء: للتعقيب؛ فيقتضي أنه تعقب الصلاةُ الفركَ، ويقتضي عدم الغسل قبل دخوله في الصلاة، لكنه قد ورد بالواو، وبثم، والحديث واحدٌ، إلا أن الذي في "صحيح مسلمٍ": فيصلي فيه -بالفاء-، فهو أولى (٤).

стр. 527

قال في "شرح الوجيز": المذهب: طهارةُ مني الآدمي مطلقًا، وعليه جماهير علمائنا، ونصروه، سواءٌ كان من احتلامٍ، أو جماعٍ، من رجلٍ، أو امرأةٍ، فلا يجب فيه فرك ولا غسلٌ. وقال أبو إسحاق: يجب أحدُهما. وعنه -أي: الإمام-: أنه نجسٌ، ويجزىء فركُ يابسه، ومسحُ رَطْبه؛ كالحنفية. واختاره بعض علمائنا. وعنه: أنه نجسٌ، يجزىء فركُ يابسه من الرجل دون المرأة. وعنه: أنه كالبول (١). وبالمذهب المعتمد قال سعدُ بن أبي وقاص، وابنُ عمر، وابن عباسٍ ﵃، وعطاء، والشافعي، وداود، وأبو ثورٍ، وابن المنذر (٢). وقد روى الدارقطني عن ابن عباس ﵄، قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب، فقال: "إنما هو بمنزلة المُخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحَه بخِرْقَةٍ أو إذْخِرَةٍ" (٣). وروي هذا الحديث موقوفًا على ابن عباس، ولم يرفعه غيرُ إسحاق الأزرق، عن شريكٍ (٤). قال في "شرح الهداية": وهذا لا يقدح؛ لأن إسحاق إمام متخرَّجٌ عنه

стр. 528

في "الصحيحين"؛ فيقبل رفعه، وما تفرد به (١). وعن عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يَسْلُت المنيَّ من ثوبه بعِرْقِ الإذخِرِ، ثم يصلي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا، ثم يصلي فيه. رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح (٢). وقد ثبت الاكتفاء بفركه بما تقدم من النصوص الصحيحة، ولو كان نجسًا، لما أجزأ فركُه كسائر النجاسات، فعُلم أن ما ورد من فركه وغسله ومسحه بالإذخر؛ لاستقذاره، لا لنجاسته؛ ولأنه مبدأُ خلق البشر، فكان طاهرًا كالتراب، ولو كان نجسًا، لما جعله الله مبدأ خلق الطيبين من عباده والطيبات؛ ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيبٌ. وهذا ابن أبي شيبة أخرج بسنده عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه كان يفرك الجنابة من ثوبه (٣). وعن عطاء، عن ابن عباس ﵄ في الجنابة تصيب الثوب، قال: إنما هو كالنخامة أو النخاعة، أمِطْه عنك بخرقةٍ أو باذخرةٍ (٤). قال ابن القيم في "بدائع الفوائد"-بعد أن ذكر حجج الفريقين-: وبالجملة: فمن المحال أن يكون نجسًا، والنبي ﷺ يعلم شدة ابتلاء الأمة

стр. 529

به في ثيابهم وأبدانهم، ولا يأمرهم يومًا من الأيام بغسله، وهم يعلمون الاجتزاء بمسحه وفركه. قال: والآثار -بحمد الله- في هذا الباب متفقة لا مختلفة، وشروط الاختلاف منتفية بأسرها عنها. وقد تقدم من صدور الغسل تارةً، والمسح والفرك تارةً، وهذا لا يدل على تناقض، ولا اختلاف أَلبتة، ولا على نجاسة المني، بل على طهارته. قال ابن القيم -بعد أن أبطل أدلة المنجِّسين له-: فظهر أن النظر لا يوجب نجاستَه، والآثار تدل على طهارته، وقد خلق الله الأعيانَ على أصل الطهارة؛ فلا ينجس منها إلا ما نجسه الشرع، وما لم يعلم تنجُّسه من الشرع، فهو على أصل الطهارة، والله أعلم (١). تنبيه: إن قيل: فضلاتُ النبي ﷺ طاهرةٌ، فكيف يُستدل بطهارة منيِّه ﷺ على طهارة المني؟ فالجواب: أن منيَّه كان يختلط مع مني نسائه، ومع ذلك لم يجب غسله، فدل على طهارة المني، وأيضًا بقوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵄: "إنما هو بمنزلة المخاط ... " الحديث (٢)، فظهر دليل الطهارة، والله الموفق. * * *

стр. 530

الحديث السابع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا؛ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ" (١)، وفي لفظ: "وَإِنَ لَمْ يُنْزِلْ" (٢).

стр. 531

(عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا جلس) الضمير المستتر فيه وفي قوله: "جهد" للرجل، وترك إظهاره؛ للعلم به، وقد جاء مصرَّحًا به في روايةٍ لابن المنذر من وجهٍ آخرٍ عن أبي هريرة ﵁، قال: "إذا غشي الرجلُ امرأته، فقعد" (١) (بين شعبها)؛ أي: المرأة، والشعب: جمع شُعْبَةٍ، وهي لغةً: القطعةُ من الشيء. (الأربعِ) بالجر-: بيان للشُّعب، والمراد بها: يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها، وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها وإسكتاها، وقيل: فخذاها وشفراها، وقيل: نواحي فرجها الأربع. قال الأزهري: الإسكتان: ناحيتا الفرج، والشَّفْران: طرفا الناحيتين (٢). ورجح القاضي عياض الأخير (٣). واختار ابن دقيق العيد: الأول؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة، أو هو الحقيقة في الجلوس بينهما، وعبارته: وكأنه تحويم على طلب الحقيقة الموجبة للغسل. والأقرب عندي: أن يكون المراد: اليدين والرجلين، أو الرجلين والفخذين، ويكون الجماع مكنيًا عنه بذلك، ويكتفَى بما ذكر عن التصريح. قال: وأما إذا حملَ على نواحي الفرج، فلا جلوس بينهما حقيقةً، وقد

стр. 532

يكتفى بالكناية عن التصريح؛ لاسيما في أمثال هذه الأماكن التي يستحيا من التصريح بذكرها (١). (ثم جَهَدها) -بفتح الجيم والهاء-، يقال: جَهَد وأجهد؛ أي: بلغ المشقة (٢). وهذا لا يراد به حقيقتُه، وإنما المقصود منه: وجوبُ الغسل بالجماع، وإن لم ينزل (٣). ولمسلم من طريق شعبة، عن قتادة: "ثم أجهد" (٤). ورواه أبو داود من طريق شعبة وهشام معًا، عن قتادة، بلفظ: "وألزقَ الختانَ بالختانِ" (٥) بدل قوله: "ثم جَهَدَها". وهذا يدل على أن الجهد هنا كناية عن معالجة الإيلاج. ورواه البيهقي من طريق ابن أبي عروبة، عن قتادة مختصرًا، ولفظه: إذا التقى الختان، (فقد وجب الغسل) (٦). وروي هذا اللفظ من حديث عائشة، أخرجه الشافعي من طريق

стр. 533

سعيد بن المسيب عنها، وفي إسناده علي بن زيد، ضعيفٌ (١)، وابن ماجه من طريق القاسم بن محمد عنها، ورجاله ثقاتٌ (٢). وفي "صحيح مسلم" عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: اختلف في ذلك رَهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريُّون: لا يجب الغسل إلا من الدًّفقِ، أو من الماء، وقال المهاجرون: بلى، إذا خالط، فقد وجب الغسل. قال أبو موسى: فأنا شفيعكم من ذلك، فقصتُ فاستأذنت على عائشة، فأُذن لي، فقلت لها: يا أُمَّاه! أو يا أم المؤمنين! إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك، قالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، فقلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبيرِ سَقَطْتَ، قال رسول الله ﷺ : "إذا جلس بينَ شُعَبِها الأربع، ومسَّ الختانُ الختانَ؛ فقد وجب الغسلُ" (٣). والمراد بالمس والالتقاء: المحاذاة، وقد قدمنا في الخِتان: أنه متى حاذى الختانُ من الرجل الختانَ من المرأة، تكون الحشفةُ داخل الفرج. ومعنى الحديث: أن الغسل لا يتوقف على الإنزال، (و) قد جاء مصرَّحًا به (في لفظٍ) لمسلم من حديث أبي هريرة هذا: (وإن لم ينزل)،

стр. 534

ووقع ذلك في رواية قتادة -أيضاً-، رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه"، ولفظه: "أنزل أو لم ينزل"، وكذا رواه الدارقطني، وصححه، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم (١). تنبيه: الحكم عند جمهور الأمة وغالب الأئمة على مقتضى هذا الحديث في وجوب الغسل بالتقاء الختانين من غير إنزالٍ. وخالفَ في ذلك داودُ الظاهري وبعضُ أصحابه مستندًا لحديث: "إنما الماء من الماء" من حديث أبي سعيدٍ الخدري، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم، وقف رسول الله ﷺ على باب عتبان، فصرخ به، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله ﷺ : "أَعْجَلْنا الرجلَ"، فقال عتبان: يا رسول الله! أرأيتَ الرجلَ يُعجل عن امرأته، ولم يُمْنِ، ماذا عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما الماءُ من الماء" (٢). وفي لفظٍ آخر: أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار، فأرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر، فقال: "لعلنا أعجلناك"، قال: نعم يا رسول الله، قال: "إذا أُعجلْتَ، فلا غسلَ عليك، وعليك الوضوءُ" رواه مسلم، وكذا البخاري (٣)، إلا أنه لم يقل: "إنما الماء من الماء"، ولا قال: "لا غسل عليك".

стр. 535

وأخرج مسلم، عن أُبي بن كعب ﵁، قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن الرجل يصيب من المرأة فيكسلُ؟ قال: "يغسل ما أصابه من المرأة، ثم يتوضأ ويصلي" (١). وفي لفظٍ: يأتي أهله، ثم لم ينزل -بدل: يكسل-؟ قال: "يغسل ذَكَره، ويتوضأ" (٢). وأخرج مسلم، عن زيد بن خالد الجهني: أنه سأل عثمان بن عفان ﵁، قال: قلت: أرأيتَ إذا جامعَ الرجلُ امرأته ولم يُمْنِ؟ قال: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعتُه من رسول الله ﷺ (٣). وعن أبي أيوب ﵁: سمع ذلك من النبي ﷺ (٤). زاد البخاري: فسألت عن ذلك عليَّ بن أبي طالب، والزبيرَ بن العوام، وطلحةَ بن عبيد الله، وأبيَّ بنَ كعب ﵃، فأمروه بذلك (٥)؛ أي: بمثل ما أمربه عثمانُ بن عفان ﵁. وفي روايةٍ: فقالوا مثل ذلك (٦).

стр. 536

فهذا ظاهره الرفع؛ لأن عثمان أفتاه بذلك، وحدثه به عن النبي ﷺ ، فالمسألة تقتضي أنهم أيضاً أفتوه وحدثوه. وقد صرح بذلك الإسماعيلي في رواية له، ولفظه: فقالوا مثل ذلك عن النبي ﷺ . قال الإسماعيلي: لم يقل ذلك غيرُ الحمّاني، وليس هو من شرط البخاري. وقد حكى الأثرمُ عن الإمام أحمد ﵁: أن حديث زيد بن خالد المذكورَ في هذا الباب معلولٌ؛ لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث، وكذا حكى يعقوب بن أبي شيبة عن عليِّ بن المديني أنه شاذ. والجواب عن ذلك: أن الحديث ثابت من جهة اتصال إسناده، وحفظِ رواته، ولعل فتواهم بخلافه، لثبوت ناسخِه عندهم، فذهبوا إليه، وكم من حديث منسوخٍ وهو صحيح من حيث الصناعةُ الحديثيةُ! وقد ذهب جمهورُ الأمة وأكثرُ الأئمة [إلى] أن ما دل عليه حديث الباب بالاكتفاء بالوضوء إذا لم ينزل المجامعُ منسوخٌ بما دل عليه حديثُ أبي هريرة وعائشةَ المذكورَين قبله. والدليل على النسخ: ما رواه الإمام أحمد، وغيره، من طريق الزهري، عن سهل بن سعد، حدثني أُبيُّ بنُ كعبٍ: أن الفتيا التي كانوا يقولون: الماء من الماء، رُخصة كان رسول الله ﷺ رَخَّصها في أول الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعدُ. صححه ابنُ خزيمة، وابن حبان، وقال الإسماعيلي: هو صحيح على شرط البخاري. ورواه أبو داود، وابن خزيمة، وذكره الترمذي (١).

стр. 537

وهو صريحٌ في النسخ، على أن حديث: "الغسل وإن لم يُنزل" أرجحُ من حديث: "الماء من الماء"؛ لأنه بالمنطوق، وترك الغسل من حديث الماء من الماء بالمفهوم، أو بالمنطوق أيضاً، لكن ذاك أصرح. وروى ابن أبي شيبة وغيره، عن ابن عباس ﵄: أنه حمل حديث الماء من الماء على صورة مخصوصة، وهي: ما يقع في المنام من رؤية الجماع (١)، وهو تأويلٌ يجمع بين الحديثين من غير معارض كما في "الفتح" (٢)، انتهى. وفي "مسلم" باب: نسخ الماء من الماء، ووجوب الغسل، ثم روى بسنده، عن أبي العلاء بنِ الشِّخِّير، قال: كان رسول الله ﷺ ينسخ حديثُه بعضُه بعضًا (٣). والحاصل: وجوبُ الغسل بتغييب الحشفة في الفرج الأصلي، وإن لم ينزل، وفاقًا للأئمة الثلاثة، ولجمهور الأمة، والله أعلم. * * *

стр. 538

الحديث الثامن عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃: أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللهِ، وَعِنْدَهُ قَوْمُهُ (١)؛ فَسَألوهُ عَنِ الْغُسْلِ، فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: ما يَكْفِيني، فَقَالَ جَابرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعْرًا، وخَيْرٌ مِنْكَ - يَرِيدُ: النَّبِيَّ ﷺ ، ثُمَّ أمَّنَا فِي ثَوْب (٢). وَفِي لَفْظٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يفْرِغُ عَلَى رَأْسِه ثَلاثًا (٣).

стр. 539

الرَّجُلُ الَّذِي قَالَ: "مَا يَكْفِينِي" هو: الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَبُوهُ هُوَ ابْنُ الحَنفيَّةِ. * * * (عن أبي جعفرٍ) الإمام (محمد) الباقرِ (بن علي) زين العابدين (بنِ الحسين) شهيدِ كربلاء (بن علي) الهُمامِ أميرِ المؤمنين (بن أبي طالب ﵃). أما أبو جعفر محمد الباقر: لقب بالباقر، لأنه بقر العلم؛ أي: شقَّ عن مشكلاته وغوامضه. فروى عن أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وجابر، وأنس ﵃. وروى أيضاً عن التابعين: عن ابن المسيب، ومحمد بن الحنفية، وغيرهما.

стр. 540

وروى عنه: أبو إسحاق الهمذاني، وعمرو بن دينار، والزهري، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. أخرج له الجماعة. وكنيته بابنه جعفرٍ الصادقِ. قال البرماوي في "شرح الزهر": كان مولده سنة ست وخمسين، ومات سنة مئة وأربع عشرة، وعمره ثمان وخمسون سنة ﵁ (١). وأما والدُه عليٌّ، فيلقب: زينَ العابدين، ويكنى: أبا الحسين، ويقال: أبا الحسن، ويقال: أبا محمد. كان ﵁ من أكابر أئمة أهل البيت، وساداتهم (٢)، ومن جلة التابعين وأعلامهم. وأمه: أُمُّ وَلَد، اسمُها غزالة، خلفَ عليها بعدَ الحسين مولاه زُبَيد -بضم الزاي وفتح الموحدة-، فولدت له: عبدَ الله بنَ زُبيد، فهو أخو عليٍّ زينِ العابدين لأمه. قال الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضلَ من علي بن الحسين.

стр. 541

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: إن أصح الأسانيد: الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي ﵁. وهذه المسألة فيها مذاهب معروفة في علوم الحديث. والمختار عند المحققين: أنه لا يُجزم في إسناد بأنه أصحُّ مطلقا (١). قال أحمد بن صالح: وُلد الزهريُّ وعليُّ بنُ الحسين في سنة واحدة، سنة خمسين. وقال يعقوب بن سفيان: ولدا في سنة ثلاث وثلاثين، وهذا هو الظاهر؛ لما تقدَّم في أن ولده الباقر ولد سنة ست وخمسين. ومات علي زين العابدين ﵁ سنة أربع وتسعين، وكان يقال لها: سَنَةُ الفقهاء؛ لكثرة مَن مات فيها منهم. وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وهو ابن ثمان وخمسين سنة. ودفن في البقيع، في القبة التي فيها قبر العباس بن عبد المطلب ﵁. سمع زينُ العابدين من أبيه، وابنِ عباس، والمِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَة، وأبي رافعٍ مولى النبيِّ ﷺ ، وعائشةَ، وأم سلمة، وصفيَّةَ، وغيرِهم. وروى عنه: أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمن، والزهريُّ، وأبو الزناد، وزيدُ بنُ أسلم، وغيرهم.

стр. 542

أخرج له الجماعة ﵁ (١). وأما سيدنا الحسين ﵁، فهو أحد السِّبْطَين، وأحدُ الرَّيحانتين لسيد الكونين ﷺ . ولم يكن اسمُ الحسن والحسين يُعرف في الجاهلية. قال الفضل: إن الله حجبَ اسمَ الحسن والحسين، حتى سَمَّى بهما النبيُّ ﷺ ابنيه (٢). وفي البخاري: عن ابن عمر ﵄، قال: قال النبي ﷺ : "هما ريحانتاي في الدنيا" (٣) -يعني: الحسن والحسين-. وفي الترمذي: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الحسنُ والحسينُ سيدا شبابِ أهلِ الجنة" (٤). وفيه أيضاً: عن أسامة بن زيد ﵄، قال: رأيت رسول الله ﷺ -وحسن وحسين على ركبتيه-، فقال: "هذان ابناي، وابنا

стр. 543

ابنتي، اللهمَّ إِني أُحِبُّهما وأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهما" (١). وأخرج أيضاً: عن أنس ﵁، قال: سئل رسول ﷺ : أيُّ أهل بيتك أحبُّ إليك؟ قال: "الحسنُ والحسينُ" (٢). وفضائل الحسين كأخيه لا تُحصى، ومزاياهما لا تُستقصى. قال ابن الجوزي في "منتخب المنتخب" كغيره: ولد الحسين سنة أربع من الهجرة، وكان له ثلاثة ذكور، وابنتان، وحَجَّ خمسًا وعشرين حجة ماشيًا. وروي له عن رسول الله ﷺ : ثمانيةُ أحاديث. واستُشهد ﵁ بكربلاء من أرض العراق، بناحية الكوفة. ويُعرف الموضعُ أيضاً بالطَّفِّ. قتله سنانُ بنُ أنسٍ النخعيُّ، وقيل: شمرُ بنُ ذي الجَوْشَن، وقيل غير ذلك، نهار الجمعة، يومَ عاشوراء سنة إحدى وستين، وله ستٌّ وخمسون سنة، وأَشْهُر ﵁ وعن آبائه وذريته - (٣).

стр. 544

(أنه)؛ أي: أبا جعفر محمدًا الباقر ﵁ (كان هو وأبوه) عليٌّ زينُ العابدين- رضوان الله عليهما- (عند جابر بن عبد الله) بن عمرِو بنِ حَرام -بالمهملتين- بنِ عمرِو بنِ سواد بن سَلِمة -بكسر اللام- الأنصاريِّ الخزرجيِّ السَّلَمي -بفتح السين واللام- المدنيِّ ﵁. كنيته: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن. وهو وأبوه صحابيان ﵄، شهد العقبة مع أبيه صغيرًا، وكان أبوه نقيبًا، وأول قتيل للمسلمين في أحد، وشهد جابرٌ بدرًا على قول البخاري وغيره. ونقل ابن عساكر عن ابن سعدٍ والواقدي: أنه لم يشهدها، ورجَّحه أبو عمر بن عبد البر، ودليلُه: ما رواه مسلم، من حديث أبي الزبير، عن جابر ﵁: أنه قال: غزوتُ مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة، لم أشهد بدرًا ولا أحدًا؛ منعني أبي (١). ثم شهد جابر جمع علي ﵁ صفين. وكُفَّ بصرُه في آخر عمره. مات ﵁ بالمدينة، سنة أربع وسبعين، وقيل: سبع وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، وقيل: إحدى وستين، ذكره ابن دقيق العيد (٢). وقيل: ثلاث وسبعين، وهو الذي قدمه النووي. وأرجحها: الأول، كما قال ابن عبد البر وغيره.

стр. 545

وصلى عليه: أَبانُ بنُ عثمان، وهو أميرُها يومئذٍ، وله من العمر أربع وتسعون سنة. وقيل: إنه آخر من مات من الصحابة بالمدينة، والراجحُ خلافه. وإذا أُطلق جابر، فهو المراد، وهو أحدُ المُكثرين من الصحابة، رُوي له: ألف وخمس مئةٍ وأربعون حديثًا، اتفقا على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمئة وستة وعشرين (١). (وعنده قومه) أي: والحالُ أن عند جابر بن عبد الله ﵄ قومَه من الأنصار ﵃، (فسألوه)؛ أي: سأل القومُ جابرًا (عن الغسل). وأفاد الإمام إسحاق بن راهويه في "مسنده": أن الذي تولى السؤال هو أبو جعفر الراوي، فأخرج من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: سألتُ جابرَ بن عبد الله عن غسل الجنابة (٢). وبين النسائي في "سننه" سبب السؤال، فأخرج من طريق أبي الأحوص،

стр. 546

عن أبي جعفر، قال: تَمارَيْنا في الغسل عند جابر، فقال: .. إلخ (١). ونسب السؤال في هذه الرواية إلى الجميع مجازًا؛ لقصدهم ذلك، ولهذا أفرد جابر بالجواب، (فقال) جابر ﵁: (يكفيك) -بفتح أوله- (صاعٌ). وتقدم أنه خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وهو: مئة وثمانية وعشرون درهمًا، وأربعة أسباع درهم. وقال الشافعي وغيره: مئة وثلاثون درهمًا. ورجح النووي الأول (٢)، كعلمائنا. قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": وقد بين الشيخ الموفق سبب الخلاف في ذلك، فقال: إنه كان في الأصل مئة وثمانية وعشرين وأربعة أسباع، ثم زادوا فيه مثقالًا لإرادة جبر الكسر، فصار مئة وثلاثين. قال: والعمل على الأول؛ لأنه هو الذي كان موجودًا وقتَ تقدير العلماء به، انتهى كلام الحافظ (٣). فائدة: أوقية العراقي: عشرة دراهم، وخمسةُ أسباع درهم. وأوقية المصري والمكي والمدني: اثنا عشر درهمًا. وأوقية الدمشقي والصفدي: خمسون درهمًا. وأوقية الحلبي والبيروتي: ستون درهمًا.

стр. 547

وأوقية القدسي والنابلسي والحمصي: ستة وستون درهمًا، وثلثا درهم. وأوقية البعلي: خمسة وسبعون درهمًا، كما قاله الحجاوي في "حاشية التنقيح " (١) -رحمه الله تعالى-. (فقال رجل): زاد الإسماعيلي-: منهم (٢)، أي: من القوم. وسيأتي في كلام الحافظ بيانه. (ما يكفيني) -بفتح الياء التحتية-، أي: الصاعُ لغسلي. (فقال جابر) ﵁: (كلان)، أي: الصاعُ (يكفي مَنْ هو أوفى) يحتمل الصفة، والمقدار، أي: أطول وأكثر (منك شعرًا وخيرٌ منك) -بالرفع- عطفًا على أوفى (٣)، المخبَر به عن هو.

стр. 548

وفي هذا بيان ما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النبي ﷺ ، والانقياد إلى ذلك. وفيه: جواز الرد بعنف على من يماري بغير علم؛ إذا قصد الرادُّ إيضاح الحق وتحذيرَ السامعين من مثل ذلك. وفيه: كراهيةُ التنطُّع والإسراف في الماء. (يريد) جابر- ﵁ بقوله: كان يكفي مَنْ هو أوفى .. إلخ (النبيَّ ﷺ )، وهذا السياق للبخاري. قال جابر ﵁ في آخره: (ثم أَمَّنا) يعني النبيَّ ﷺ -أي: صلى بنا إماماً (في ثوب). ولفظه: ثم أمنا في ثوبٍ، لهما معًا. وسياق مسلم في أصل حديث جابر- ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، صبَّ على رأسه ثلاث حَثَيات من ماء، فقال له الحسنُ بنُ محمد: إن شعري كثير، قال جابر: فقلت له: يا بن أخي! كان شعرُ رسول الله ﷺ أكثر من شعرك وأطيبَ، هذا المتفق عليه. وزاد البخاري: ثم يفيض على سائر جسده. وقال: عن أبي جعفر، الحديث (١). ولذا قال الحافظ: (وفي لفظٍ: كان النبي ﷺ يفرغ على رأسه ثلاثاً)؛ أي: من الماء، ولفظ هذا الحديث: عن جابر بن عبد الله ﵄: أن وفد ثقيف سألوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: إن أرضنا أرض

стр. 549

باردة، فكيف نغتسل؟ فقال: "أما أنا، فأفرغ على رأسي ثلاثاً" (١). وفي حديث جُبير بن مطعم: "أما أنا، فأفيض على رأسي ثلاثاً"، وأشار بيديه كلتيهما (٢). لم يخرج البخاري من الحديث إلا ذكرَ العدد عن جُبيرٍ، وجابر ﵄. تنبيه: المقصود من هذا الحديث: الاكتفاءُ في غسل الجنابة بالصاع من الماء، فإن أسبغ بدونه، أجزأه ذلك؛ لأن الله- سبحانه- أمر بالغسل، وقد فعله، ولم يكره. والإسباغ: تعميمُ سائر البدن بالماء بحيث يجري عليه، ولا يكون مسحًا، بل إنما يسمى غسلاً بإفاضة الماء على العضو، وسيلانِه عليه، فمتى حصل ذلك، تأدى الواجب، وذلك يختلف باختلاف الناس. قال الإمام الشافعي ﵁: قد يرفق بالقليل فيكفي، ويخرق بالكثير فلا يكفي (٣). لكن المستحب: أَلَّا ينقص الغسل عن صاعٍ، والوضوء عن مدٍ. كما دل هذا الحديث على الاغتسال بصاعٍ. وقد دلت الأحاديث على مقادير مختلفة، وكان ذلك لاختلاف الأوقات أو الأحوال (٤).

стр. 550

ففي "الصحيح": عن أنس: كان رسول الله ﷺ يغتسل بخمس مكاكيك.- وفي رواية: مكاكي-، ويتوضأ بمكوك (١)، وعنه: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد (٢). قال في "النهاية": أراد بالمكوك: المد، وقيل: الصاع. والأول: أشبه. والمكاكي: جمع مكوك على إبدال الياء من الكاف الأخيرة. والمكوك: اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد. ومنه: في حديث ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٢]. قال: كهيئة المكوك، وكان للعباس مثله في الجاهلية يشرب به (٣)، والله أعلم (٤). قال الحافظ- ﵀ ورضي عنه -: (الرجل الذي قال: ما يكفيني، هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب) ﵁. (أبوه) -

стр. 551

أي: أبو الحسن- (هو) محمد المشهور بـ (ابن الحنفية). ففي هذا: ذكر الحسن، وذكر أبيه محمد، وذكر الحنفية. فأما الحسن، فكنيته: أبو محمد المدني التابعي، سمع: سلمةَ بن الأكوع، وجابرَ بن عبد الله الصحابيين، وسمع أباه، وغيره من التابعين. وروى عنه: عمرو بن دينار، والزهري، وآخرون، واتفقوا على توثيقه. روى له الجماعة، وهو أول المرجئة، ألف في ذلك. قال عمرو بن دينار: أَخْبرنَا الحسن بن محمد، ولم أر قَطُّ أعلمَ منه. توفي الحسن: سنة خمس وتسعين، كما اختاره الذهبي، وقيل: سنة مئة، أو تسعة وتسعين (١). وأما أبوه: فهو محمد بن علي بن أبي طالب ﵁. وأمه: الحنفية: أم ولد علي ﵁. ولد محمد هذا في خلافة الصديق -في أرجح الأقوال على المعتمد-، وعليه اقتصر البرماوي في "نظم رجال العمدة" (٢). وقيل: في أواخر خلافة عمر ﵁.

стр. 552

وجزم ابن خلكان بأنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. وتوفي ﵁ سنة أربع عشرة ومئة، وقيل: سنة ثمانين، بين الشام والمدينة، وقيل: إحدى وثمانين، وقيل: ثلاث وثمانين، وقيل: ثلاث وسبعين، ودفن بالبقيع، وقيل: إنه خرج إلى الطائف هاربًا من ابن الزبير، فمات هناك، وقيل: إنه مات ببلاد أيلة. والفرقة الكيسانية تعتقد إمامته، وتغلو فيه، وتزعم أنه مقيم بجبل رَضْوَى، وإلى هذا أشار كثيِّر عزة -وكان كيساني الاعتقاد- بقوله: [من الوافر] وَسِبْطٌ لا يَذُوقُ المَوْتَ حَتَّى ... يَقُودَ الْخَيْلَ يَقْدُمُها اللِّوَاءُ تَغيَّبَ لاَ يُرَى فِيهِمْ زَمَاناً ... بِرَضْوَى عِنْدَهُ عَسَلٌ وَمَاءُ (١) أخرج له الجماعة (٢). وأما أم محمدٍ الحنفيةُ: فاسمها خَوْلَةُ بنتُ جعفرِ بنِ قيس، من بني حنيفةَ بنِ لُجَيْم -بضم اللام وفتح الجيم وسكون الياء (٣). واسم حنيفة: أُثَيْل -بضم الهمزة وفتح المثلثة-، قيل له: حنيفة؛ لأن الأحزنَ بنَ عوف العبديَّ ضربه على رجله، فحنفها، وضرب حنيفةُ

стр. 553

الأحزن، فجذمه بالسيف، فسمي: جذيمة. وبنو حنيفة: قبيلة كبيرة تولوا باليمامة (١). وكانت وقعة اليمامة التي فيها سبيُ بني حنيفة سنة إحدى عشرة؛ وذلك بعد وفاة النبي ﷺ في أول خلافة الصديق، فوهب خولةَ لعليٍّ ﵁، فأولدها محمداً هذا، والله تعالى الموفق. * * *

стр. 554

باب التيمم التيمم في اللغة: القصدُ، وأصله: التعمُّد والتوخِّي. قال امرؤ القيس: [من الطويل] تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتَ وَأَهْلُهُا ... بِيَثْرِبَ أَدْنَى دارَهَا نَظَرٌ عَالِي (١) أي: قصدتها. وقال ابن السِّكِّيت في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: اقصدوا الصعيدَ الطيب (٢). وفي الشرع: القصدُ إلى الصعيد بمسح الوجه واليدين، بنيَّةِ استباحةِ الصلاة، ونحوها (٣). وفي كلام فقهائنا: التيمم لغةً: القصد (٤).

стр. 555

وشرعاً: مسح وجه ويدين بترابٍ طهورٍ على وجهٍ مخصوص (١). والأصل في التيمم: الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. وأما السنة: فالأحاديث الآتية وغيرها. وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على مشروعيته في الجملة. وتقدم أن التيمم من خصائص هذه الأمة؛ لأن الله تعالى [لم] يجعله طهورًا لغيرها؛ توسعةً عليها، وإحسانًا إليها. قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": اختُلف في التيمم هل هو عزيمة، أو رخصة؟ قال: وفصَّل بعضهم، فقال: هو لعدم الماء عزيمةٌ، وللعذر رخصةٌ، انتهى (٢). وفي "شرح الوجيز": أن التيمم رخصة، وجزم في "الإقناع": بأنه عزيمة (٣)، والله أعلم. ثم إن الحافظ - رحمه الله تعالى - ذكر في هذا الباب ثلاثة أحاديث. * * *

стр. 556

الحديث الأول عن عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزِلاً لَمْ يُصَلِّ في القَوْمِ، فقالَ: "يا فُلانُ! ما مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ في القَوْمِ؟ "، فقال: يا رَسُولَ الله! أصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، ولا ماءَ، قال: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ" (١). * * * (عن عمران بن حصين ﵄) يكنى عمرانُ: بأبي نُجَيْد -

стр. 557

بضم النون وفتح الجيم- ابن الحصين بن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي. أسلم عام خيبر، كذا قال البرماوي. وقال الحافظ ابن الجوزي في "منتخب المنتخب": أسلم قديمًا، وغزا مع النبي ﷺ غزوات، ومات في البصرة في خلافة معاوية، وكان به مضرة، فكانت الملائكة تسلِّم عليه، فلما اكتوى، انقطع التسليم، ثم عاد إليه، انتهى. وكان مجاب الدعوة. سكن البصرة إلى أن مات بها سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سنة ثلاث. وكان أبيض الرأس واللحية؛ وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم. وأسلم أبوه الحصين، فهو صحابي ابن صحابي ﵄. روي له عن رسول الله ﷺ : مئة وثمانون حديثًا؛ اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة (١). قال عمران ﵁ (أن رسول الله ﷺ : رأى رجلًا) هو خلَّاد بنُ رافع بنِ مالك العجلانيُّ، الأنصاريُّ الخزرجيُّ، أخو رفاعة بن رافع، شهد بدرًا. يكنى: أبا نَجِيح -بفتح النون وكسر الجيم-. قال ابن الكلبي: وقُتِل خلاد يومئذٍ، قاله ابن الأثير في "أسد الغابة".

стр. 558

قال ابن عبد البر: وقال غير ابن الكلبي: إن له رواية (١)، وهذا يدل على أنه عاش بعد النبي ﷺ (٢). قال البرماوي: وفيه نظرٌ؛ إذ لا يلزم ذلك، فقد وُجد لجمعٍ ماتوا في حياة النبي ﷺ روايات. نعم: إن كان الراوي لا يمكن أن يكون تحمل عنه في حياة النبي ﷺ ، فيتوجَّه ذلك، انتهى. وفي "الفتح" للحافظ ابن حجر: قوله: إذا هو برجلٍ، لم أقف على تسميته. قال: ووقع في "شرح العمدة" للشيخ سراج الدين بن الملقن، ما نصه: هذا الرجل خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري، ونقل كلام ابن الكلبي (٣). ثم قال: أما على قول ابن الكلبي: فيستحيل أن يكون هو صاحب هذه القصة؛ لتقدم وقعة بدر على هذه القصة بمدة طويلة بلا خلاف، فكيف يحضر هذه القصة بعد قتله؟! وأما على قول غير ابن الكلبي، فيحتمل أن يكون هو، لكن لا يلزم من كونه له رواية أن يكون عاش بعد النبي ﷺ (٤). (معتزلًا): صفة لرجل. والمعتزل: المنفرد عن القوم المتنحِّي عنهم. يقال: اعتزل وانعزل وتعزل، بمعنى واحد (٥).

стр. 559

واعتزاله عن القوم: أدبًا في ترك جلوس من لم يصل مع القوم عندهم، في حال صلاتهم. وقد قال ﷺ لمن رآه في المسجد والناس يصلون: "ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجلٍ مسلم؟ " (١). وهذا إنكارٌ لهذه الحالة. (لم يصل) ذلك الرجل (في القوم)، صفة مبينة للعزلة. (فقال) ﷺ : (يا فلان!). قال في "النهاية": وفلان وفلانة كنايةٌ عن الذكر والأنثى من الناس، فإن كنيتَ بهما من غير الناس، قلت: الفلانُ والفلانة (٢). وفي "القاموس": فلان وفلانة -مضمومتين- كنايةٌ عن أسمائنا، وقد يقال للواحد: [يا فُلُ]، [وللاثنين: يا فلانِ] وجمع: يا فُلونَ، وفي المؤنث: يافُلَةُ، ويافُلَتانِ، ويافُلاتُ. وقد يقال للواحدة: يا فلاتُ، ويا فُلَ، يراد: يا فُلَةُ (٣). (ما)؛ أي: أيُّ شيءٍ (منعك أن تصلي في القوم؟). وفي لفظ: "مع القوم" (٤)؛ أي: ما منعك أن تكون داخلًا فيما دخل فيه القوم من اجتماعهم لأداء الصلاة، أو ما منعك من صحبتهم فيها؟

стр. 560

(فقال) الرجل: (يا رسول الله! أصابتني جنابة، ولا ماءَ) -بفتح الهمزة-؛ أي: معي، أو موجودٌ، وهو أبلغ في إقامة عذره. وهذا يحتمل أَلَّا يكون عالمًا بمشروعية التيمم، أو اعتقد أن الجنب لا يتيمم. قال في "الفتح": وفيه جواز الاجتهاد بحضرة النبي ﷺ ؛ لأن سياق القصة يدل على أن التيمم كان معلومًا عندهم. لكنه صريحٌ في الآية عن الحدث الأصغر؛ بناءً على أن المراد بالملامسة: ما دون الجماع، وأما الحدث الأكبر: فليست صريحة فيه، فكأنه كان يعتقد أن الجنب لا يتيمم، فعمل بذلك مع قدرته على أن يسأل النبي ﷺ عن هذا الحكم. ويحتمل: أنه كان لا يعلم مشروعية التيمم أصلًا، فكان حكمه حكمَ فاقد الطَّهورين. ويؤخذ من هذه القصة: أن العالم إذا رأى فعلًا محتملًا، ساغ له أن يسأل فاعله عن الحال فيه؛ ليوضح له وجه الصواب. وفيه: التحريض على الصلاة في الجماعة، وأن ترك الصلاة بحضرة المصلين معيبٌ على فاعله، حيث لا عذر. وفيه: حسن الملاطفة والرفق في الإنكار (١). (قال) ﷺ للرجل: (عليك بالصعيد). وفي رواية: فأمره أن يتيمم بالصعيد (٢)، واللام فيه للعهد المذكور في الآية.

стр. 561

ويؤخذ منه: الاكتفاء في البيان بما يحصل به المقصود من الإفهام؛ لأنه أحاله على الكيفية المعلومة من الآية، ولم يصرح له بها (١). ودل قوله ﷺ : (فإنه)؛ أي: الصعيد (يكفيك) -بفتح الياء-، على أن المتيمم في مثل هذه الحالة لا يلزمه قضاء الصلاة بعد ذلك ولو في الوقت؛ ذكره في "الفروع" اتفاقًا. وعن الإمام أحمد: تسن إعادتها (٢)، والله أعلم. والصعيد: وجه الأرض (٣). قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافًا بين أهل اللغة، سواءٌ أكان عليها تراب، أم لا، ومنه قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] و ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]. وإنما سمي صعيدًا؛ لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض (٤). وقال الطبري بعد أن روى من طريق قتادة، قال: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات (٥). ومن طريق عمرو بن قيس، قال: الصعيد: التراب (٦)، ومن طريق ابن زيد، قال: الصعيد: الأرض المستوية (٧).

стр. 562

الصواب: أن الصعيد هي الأرض المستوية، الخالية من الغرس والنبات والبناء (١). وأما الطيب: فهو الذي تمسك به من اشترط في التيمم التراب؛ لأن الطيب هو التراب المُنْبِت، قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]. وروى عبد الرزاق، عن ابن عباس ﵄: الصعيد الطيب: الحرث (٢). والحاصل: أن معتمد مذهبنا كالشافعية اعتبارُ كون المتيمَّم به ترابًا طهورًا مغبرًا غيرَ محترق، لا ما تصاعد على وجه الأرض من أجزائها، خلافًا للحنفية. ولا بكل ما تصاعد عليها، ولو كان من غير أجزائها؛ كنبات؛ خلافًا للمالكية (٣). ومن أدلة مذهبنا كالشافعية: قولُه تعالى في آية المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. فمن: للتبعيض المشعرِ بتبعيض ما يُتيمَّم به، وذلك هو التراب لا الصخرُ. وأما قول ابن بطال: يجوز كون "من" صلة، فتعقب بأنه تعسفٌ، ولذا

стр. 563

قال الزمخشري في "كشافه": فإن قلت: لا يفهم أحدٌ من العرب من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن وغيره إلا معنى التبعيض، قلت: هو كما تقول، والإذعانُ للحق خير من المراء، انتهى (١). وذلك لأنه حنفي المذهب في الفروع الفقهية، وإن كان معتزلي الاعتقاد، والله أعلم. * * *

стр. 564

الحديث الثاني عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كَما تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بيَدَيْكَ هَكَذَا"، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبةً واحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَىَ اليَمِينِ، وظَاهِرَ كفَّيْهِ، وَوَجْهَهُ (١).

стр. 565

(عن عمار بن ياسر) بنِ عامر بنِ مالك بنِ كنانةَ بنِ قيسٍ العَنسْيِّ -بالنون-، مولى بني مخزوم، وحليفهم، وذلك أن ياسرًا والدَ عمار قدم مكة مع أخوين له، يقال لهما: الحارث، ومالك، في طلب أخٍ لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة، فحالف أبا حذيفةَ بنَ المغيرة بنِ عبد الله بنِ عمرَ بنِ مخزوم، فزوجه أبو حذيفة أمةً له يقال لها: سُمَيَّة -بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء المثناة تحت-، فولدت له عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، فعمار مولى أبي حذيفة. أسلم عمار ﵁ قديمًا هو وأبواه، وكان إسلامُ عمار وصهيب في وقت واحد، حين كان النبيُّ ﷺ في دار الأرقم بعد بضعة وثلاثين رجلًا. وكان هو وأبواه من المستضعَفين الذين عُذِّبوا بمكة؛ ليرجعوا عن الإسلام، وأحرقه المشركون بالنار، فكان ﷺ يمرُّ به، وهم يعذبونه بالنار، فَيُمِرُّ يده عليه، ويقول: "كوني بردًا وسلامًا على عمَّار، كما كنت على إبراهيم" (١). ويقول: "صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فإنَّ مَوْعِدَكمُ الجَنَّةَ" (٢).
следующие страницы →