← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ويؤخذ منه: الاكتفاء في البيان بما يحصل به المقصود من الإفهام؛ لأنه أحاله على الكيفية المعلومة من الآية، ولم يصرح له بها (١). ودل قوله ﷺ : (فإنه)؛ أي: الصعيد (يكفيك) -بفتح الياء-، على أن المتيمم في مثل هذه الحالة لا يلزمه قضاء الصلاة بعد ذلك ولو في الوقت؛ ذكره في "الفروع" اتفاقًا. وعن الإمام أحمد: تسن إعادتها (٢)، والله أعلم. والصعيد: وجه الأرض (٣). قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافًا بين أهل اللغة، سواءٌ أكان عليها تراب، أم لا، ومنه قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] و ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]. وإنما سمي صعيدًا؛ لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض (٤). وقال الطبري بعد أن روى من طريق قتادة، قال: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات (٥). ومن طريق عمرو بن قيس، قال: الصعيد: التراب (٦)، ومن طريق ابن زيد، قال: الصعيد: الأرض المستوية (٧).

стр. 562

الصواب: أن الصعيد هي الأرض المستوية، الخالية من الغرس والنبات والبناء (١). وأما الطيب: فهو الذي تمسك به من اشترط في التيمم التراب؛ لأن الطيب هو التراب المُنْبِت، قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]. وروى عبد الرزاق، عن ابن عباس ﵄: الصعيد الطيب: الحرث (٢). والحاصل: أن معتمد مذهبنا كالشافعية اعتبارُ كون المتيمَّم به ترابًا طهورًا مغبرًا غيرَ محترق، لا ما تصاعد على وجه الأرض من أجزائها، خلافًا للحنفية. ولا بكل ما تصاعد عليها، ولو كان من غير أجزائها؛ كنبات؛ خلافًا للمالكية (٣). ومن أدلة مذهبنا كالشافعية: قولُه تعالى في آية المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. فمن: للتبعيض المشعرِ بتبعيض ما يُتيمَّم به، وذلك هو التراب لا الصخرُ. وأما قول ابن بطال: يجوز كون "من" صلة، فتعقب بأنه تعسفٌ، ولذا

стр. 563

قال الزمخشري في "كشافه": فإن قلت: لا يفهم أحدٌ من العرب من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن وغيره إلا معنى التبعيض، قلت: هو كما تقول، والإذعانُ للحق خير من المراء، انتهى (١). وذلك لأنه حنفي المذهب في الفروع الفقهية، وإن كان معتزلي الاعتقاد، والله أعلم. * * *

стр. 564

الحديث الثاني عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كَما تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بيَدَيْكَ هَكَذَا"، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبةً واحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَىَ اليَمِينِ، وظَاهِرَ كفَّيْهِ، وَوَجْهَهُ (١).

стр. 565

(عن عمار بن ياسر) بنِ عامر بنِ مالك بنِ كنانةَ بنِ قيسٍ العَنسْيِّ -بالنون-، مولى بني مخزوم، وحليفهم، وذلك أن ياسرًا والدَ عمار قدم مكة مع أخوين له، يقال لهما: الحارث، ومالك، في طلب أخٍ لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة، فحالف أبا حذيفةَ بنَ المغيرة بنِ عبد الله بنِ عمرَ بنِ مخزوم، فزوجه أبو حذيفة أمةً له يقال لها: سُمَيَّة -بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء المثناة تحت-، فولدت له عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، فعمار مولى أبي حذيفة. أسلم عمار ﵁ قديمًا هو وأبواه، وكان إسلامُ عمار وصهيب في وقت واحد، حين كان النبيُّ ﷺ في دار الأرقم بعد بضعة وثلاثين رجلًا. وكان هو وأبواه من المستضعَفين الذين عُذِّبوا بمكة؛ ليرجعوا عن الإسلام، وأحرقه المشركون بالنار، فكان ﷺ يمرُّ به، وهم يعذبونه بالنار، فَيُمِرُّ يده عليه، ويقول: "كوني بردًا وسلامًا على عمَّار، كما كنت على إبراهيم" (١). ويقول: "صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فإنَّ مَوْعِدَكمُ الجَنَّةَ" (٢).

стр. 566

وقتل أبو جهلٍ سمية ﵂، وَجَأهَا بحَرْبَةٍ في قُبُلها، فكانت أولَ شهيدة في الإسلام. وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، وصلَّى إلى القبلتين، وشهد بدرًا والمشاهدَ كلها، فأبلى فيها. قال ابن الجوزي في "منتخب المنتخب": لم يشهد بدرًا ابنُ مؤمنينِ غيرُه، وسمَّاه رسول الله ﷺ : "الطَّيِّبَ المُطَيَّبَ"، كما في "مسند الإمام أحمد"، و"سنن الترمذي" (١). قُتل عمار ﵁ بصِفِّين مع سيدنا عليِّ بن أبي طالب - رضوان الله عليه - في ربيع الأول، وقيل: الآخر، سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. وقد قال ﷺ : "وَيْحَ عَمَّار تقتلُه الفئةُ الباغِيةُ، يدعوهم إلى الجنةِ، ويَدْعونَه إلى النار". رواه الإمام أحمد، والبخاري، وغيرهما (٢). فكان ذلك من أعلام النبوة. وأوصى عمار ﵁ أن يدفن في ثيابه، فدفنه علي ﵁ في ثيابه، ولم يغسله.

стр. 567

وفي عمار نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. قال ابن عبد البر بإجماع المفسرين (١). روى عنه: علي، وابن عباس، وأبو موسى، وأبو أُمامة، وجابر، وغيرهم من الصحابة والتابعين كثير. وفي "مسند الإمام أحمد" بسندٍ منقطع: أن النبي ﷺ قال: "من عادى عمارًا، عاداهُ اللهُ، ومن أبغضَ عمارًا، أبغضَه اللهُ" (٢). وكان يكنى: أبا اليقظان، وهو المراد بقول ابن عبدون في قصيدته الرائية الفريدة المشهورة: [من البسيط] وَمَا رَعَتْ لأَبِي اليَقْظَانِ صُحْبَتَهُ ... وَلَمْ تُزَوِّدْهُ إِلَّا الضَّيْحَ في الغُمَرِ روي له عن رسول الله ﷺ : اثنان وستون حديثًا، اتفقا على حديثٍ واحد، وهو هذا، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلمٌ بواحد (٣). قال عمار (﵁: بعثني) بعثه؛ كمنعه: أرسله؛ كابتعثه فانبعث، والناقةَ: أثارها، وفلانًا من منامه: أَهَبَّه، والبَعْثُ -ويُحرَّك-: الجيش (النبيُّ ﷺ في حاجة، فأجنبتُ)؛ أي: أصابتني جنابة، أو تعاطيتُ ما صرت به جنبًا. يقال: أجنب الرجل، وجَنُب -بالضم-، وجَنَب -بالفتح-، كما تقدم (٤).

стр. 568

(فلم أجد الماء) لأغتسل به من جنابتي، (فتمرغت في الصعيد)؛ أي: التراب (كما تَمَرَّغُ الدابة) -بفتح المثناة وضم الغين المعجمة-، وأصله: تتمرغ، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا. وفي الرواية الأخرى: فتمَعَّكْتُ في التراب (١)؛ أي: تقلبت. وكأنه ﵁ استعمل القياسَ في هذه المسألة؛ لأنه لما رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء، وقع على هيئة الوضوء، رأى أنَّ التيمم عن الغسل يقع على هيئة الغسل. ويستفاد منه: وجودُ اجتهاد الصحابة في زمنه ﷺ ، وأن المجتهد لا لومَ عليه حيثُ بذل وُسْعَهُ، وإن لم يصب الحقَّ، وأنه إذا عمل بالاجتهاد، لا يجب عليه الإعادة. وقال ابن حزم الظاهري: في هذا الحديث إبطالٌ للقياس؛ لأن عمارًا قدَّر أنَّ المسكوت عنه من التيمم للجنابة، حكمُه حكمُ الغسل للجنابة؛ إذ هو بدل عنه، فأبطل رسولُ الله ﷺ ذلك، وأعلمَهُ أن لكل شيء حكمَه المنصوصَ عليه فقط. والجواب عمَّا زعم: أن الحديثَ دلّ على بطلان هذا القياس الخاصِّ، ولا يلزم من بطلان الخاص بطلان العام. والقائلون بالقياس لا يعتقدون صحةَ كلِّ قياس، على أن الأصل الذي هو الوضوء قد أُلغي فيه مساواةُ البدل له، فإن التيمم لا يعمُّ جميعَ أعضاء الوضوء، وحيث أُلغيت مساواة بدل الأصل، فلأَنْ تُلْغى في الفروع أولى. بل لقائلٍ أن يقول: في الحديث دليلٌ على صحة أصلِ القياس؛ لقوله -

стр. 569

عليه السلام -: "إنما كان يكفيكَ ... إلخ" يدل على أنه لو كان قليلًا، لكفى. وذلك دليلٌ على صحة قولنا: لو كان فعله، لكان مصيبًا، فلو كان فعله لكان قائسًا التيمم للجنابة على التيمم للوضوء، على تقدير كون اللمس المذكور في الآية ليس هو الجماع (١). قال عمار ﵁: (ثم أتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك)؛ أي: ما فعلت من تمرغي في التراب (له) ﷺ ، (فقال) ﵊: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا). استعمل القول في معنى الفعل، وقد استعملت العرب القول في كل فعل، و"أَنْ" وما بعدها من الفعل في تأويل مصدر فاعل يكفيك. (ثم ضرب بيديه الأرض)، وفي رواية: فضرب بكفيه الأرض، وفي لفظ: فضرب النبي ﷺ (٢) (ضربة واحدة)، وسياقه يدل على أن التعليم وقع بالفعل من النبي ﷺ . ووقع للإسماعيلي، من طريق يزيد بن هارون، وغيره، عن شعبة: أن التعليم وقع بالقول، ولفظه: "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، [ثم تنفخ]، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك" (٣). ورواية الجمهور: أن التعليم وقع بفعله ﷺ . وفي قوله: واحدة" دليلٌ لمذهبنا ومن وافقه.

стр. 570

قال في "الفروع" -في صفة التيمم بعد النية والتسمية-: ويضرب بيديه مُفَرَّجَتَي الأصابع واحدةً، ويمسح وجهه بباطن أصابعه، وكفيه براحتيه، نصَّ عليه -يعني: الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه -، واستحب القاضي وغيرُه ضربتين؛ واحدةً لوجهه، وأخرى ليديه إلى مرفقيه، وحُكِيَ روايةً، ولا يجب ذلك، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، ولمالك في رواية (١). والحديث نصٌّ في المذهب. وعند الإمام أحمد، وأبي داود بإسناد صحيح، من حديث عمار: أن رسول الله ﷺ قال في التيمم: ضربة للوجه والكفين. وهو صحيحٌ (٢). قال إسحاق: حديث عمار في التيمم ضربة للوجه والكفين صحيح (٣). وقال الإمام أحمد: من قال: ضربتين، إنما هو شيءٌ زاده (٤). وذلك لأن حديث جابر عند الدارقطني: "ضربة للوجه، وضربة لليدين" موقوف -على الصواب- (٥). (ثم مسح ﷺ الشمال) من يديه (على اليمين) منهما، (و) مسح (ظاهرَ كفيه ووجهه)، وهذا لفظ مسلم.

стр. 571

وفي رواية للبخاري: فضرب النبيُّ ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه واحدة (١). وكذا لمسلم، من حديث الأعمش: "إنما كان يكفيك أن تقول هكذا"، وضرب بيديه الأرض، فنفضَ يديه، فمسح وجهَه وكفيه (٢). وفي لفظٍ، فقال: "يكفيك الوجه والكفين" (٣). وفي لفظٍ للبخاري: وضرب بكفيه ضربة على الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح ظهر كفه بشماله، أو ظهرَ شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه (٤). وكذا بالشك في جميع رواياته. وفي رواية أبي داود تحريرُ ذلك من طريق أبي معاوية، ولفظه: ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه (٥). ورواه أيضاً الإمام أحمد كذلك (٦)، لكن قد قال الإمام أحمد: هذه غلط، والله أعلم. ويستفاد من مجموع الأحاديث: أن الواجب في التيمم مسحُ الوجه والكفين، وما زاد على الكفين ليس بفرض كما علم، كما هو معتمد مذهبنا.

стр. 572

وإليه ذهب إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن خزيمة، ونقله ابن أبي الجهم، وغيرُه عن الإمام مالك، ونقله الخطابي عن أصحاب الحديث (١). وقال النووي: رواه أبو ثور وغيره عن الشافعي في القديم، وأنكر ذلك الماوردي وغيره. قال: وهو إنكار مردود؛ لأن أبا ثور إمامٌ ثقة. قال: وهذ! القول، وإن كان مرجوحًا عند الأصحاب، فهو القوي في الدليل، ذكره في "شرح المهذب" (٢). وما استدل به من اشتراط بلوغ المسح إلى المرفقين، من أن ذلك شرط في الوضوء (٣)، فجوابه: أنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار، وقد عارضه أصحابنا من أن إطلاق اليد إنما هو إلى الكوع؛ بدليل آية السرقة؛ وليس في ذلك كبيرُ فائدة مع وجود النص الثابت عن الشارع ﷺ (٤). تنبيه: ربما يؤخذ من مجموع الأحاديث: عدمُ اعتبار الترتيب في التيمم. قلت: وهو صحيحٌ حيث كان التيممُ لجنابةٍ، كما هو الواقع في الحديث، ومن استدل به على عدم الترتيب مطلقًا، أو على عدمه في الوضوء؛ فقد استدل بما لا دليل له فيه، والله الموفق (٥). * * *

стр. 573

الحديث الثالث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِياءِ قَبْلِي، نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا؛ فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ، فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، ولم تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١).

стр. 574

(عن جابر بن عبد الله) الأنصاريِّ الخزرجيِّ (﵄: أن النبي ﷺ قال: أُعْطِيت) -بالبناء للمجهول-؛ أي: أعطاني الله سبحانه (خمسًا)، بيَّن في رواية عمرو بن شعيب: أن ذلك كان في غزوة تبوك (١)، وهي آخر غزوات رسول الله ﷺ . وهذا تعديدٌ منه ﷺ للفضائل التي خُصَّ بها دون سائر الأنبياء، وظاهره يقتضي: أن كل واحدة منها لم تكن لأحدٍ من قبله - صلوات الله عليه - (٢)، وهو كالصريح في قوله ﷺ : (لم يُعْطَهن أحدٌ من الأنبياء) ﵈ (قبلي). وفي حديث ابن عباس: "لا أقولهن فخرًا" (٣). ومفهومه: أنه لم يختص بغير الخمس المذكورة، لكن روى مسلم، من حديث أبي. هريرة مرفوعًا: "فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بستٍّ" (٤). وسأذكر في آخر شرح هذا الحديث أكثر من ذلك - إن شاء الله تعالى -. الأولى من الخمس: قوله ﷺ : (نصرت بالرعب). زاد الإمام أحمد من حديث أبي أمامة ﵁: "يُقذف في قلوب أعدائي" (٥).

стр. 575

(مسيرة شهر) مفهومه: أنه لم يوجد لغيره النصرُ بالرعب في هذه المدة، ولا في أكثر منها، أما دونها، فلا. لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: "ونُصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرةُ شهر" (١) فالظاهر -كما قال الحافظ ابن حجر-: اختصاصُه به مطلقًا، وإنما جعل الغاية شهرًا؛ لأنه لم يكن بين يديه وبين أعدائه أكثرُ منه. وهذه الخصوصية حاصلة في الإطلاق حتى لو كان وحده بلا عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال (٢). والرعب: هو الوَجَلُ والخوف لتوقُّع نزول محذورٍ (٣). قال في "القاموس": الرُّعْب -بالضم وبضمتين-: الفَزَعُ؛ رَعَبَهُ؛ كمنعَه: خَوَّفَه، فهو مرعوب، وَرَعِيبٌ، كرَعَّبهُ تَرْعِيبًا وَتَرْعابًا، فَرَعَبَ؛ كمنَع رُعْبًا -بالضم-، وارْتَعَبَ، انتهى (٤). الثانية: قوله ﷺ : (وجُعلت) بالبناء للمفعول (لي) دون غيري (الأرضُ) -بالرفع- نائب الفاعل؛ أي: جعلَ الله لي الأرضَ (مسجدًا)؛ أي: موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنه لما جازت الصلاة في جميعها، كانت كالمسجد في ذلك (٥).

стр. 576

قال ابن [التِّين] (١): قيل: المراد: جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وجُعلت لغيري مسجدًا، ولم تُجعل له طهورًا؛ لأن عيسى ﵇ كان يَسيح في الأرض، ويُصلي حيث أدركته الصلاة، كذا قال، وسبقه إلى ذلك الداودي. وقيل: إنما أُبيحت لهم في موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة، فأُبيح لها في جميع الأرض، إلَّا فيما تيقنوا نجاسته. والأظهر: قولُ الخطابي، وهو أن مَنْ قبله إنما أُبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة، كالبِيَع والصوامع (٢). ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: "وكان مَنْ قبلي إنما كانوا يُصَلُّون في كنائِسهم" (٣)، وهذا نص في موضع النزاع، فثبتت الخصوصية. ويؤيده أيضاً: ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس بنحو حديث الباب، وفيه: "ولم يكن أحدٌ من الأنبياء يصلي حتى يبلغَ محرابَهُ " (٤). (وطهورًا): بالنصب عطفًا على مسجدًا. وقد استدل به على أن الطهور هو المطهِّرُ لعْيره؛ لأنه لو كان المراد به: الطاهر، لم تثبت الخصوصية، والحديث سيق لإثباتها. وقد روى ابن المنذر، وابن الجارود بإسنادٍ صحيح مرفوعًا: "جُعلت

стр. 577

لي كلُّ أرضٍ طَيِّبَةٍ مسجدًا وطهورًا" (١). قلت: وهذه في "الصحيحين" من حديث جابر، ولفظه: "وجُعلت لي الأرضُ طيبة طهورًا ومسجدًا" (٢)، ومعنى طيبة: طاهرةً. فلو كان معنى قوله: طهورًا: طاهرًا؛ للزم تحصيل الحاصل. قال الخطابي: في قوله: "مسجدًا وطهورًا": فيه إجمالٌ وإبهام، وتفصيلُه في حديث حذيفة ﵁: "جُعلت لنا الأرضُ مسجدًا، وتربتُها لنا طَهورًا". وهو عند مسلم، ولفظه: "جُعلت لنا الأرضُ كلُّها مسجدًا، وجُعلت تربتُها لنا طهورًا إذا لم نجدِ الماءَ" (٣). قال الخطابي: والحديث جاء على جهة الامتنان على هذه الأمة بأن رخص لهم في الطهور بالأرض، والصلاة في بقاعها، وكانت الأمم المتقدمة لا يصلون إلا في كنائسهم وبِيَعهم (٤)، ويتأيد بقوله ﷺ : "وتربتُها لنا طهورًا" ما أسلفناه من اعتبار التراب. والزيادة من الثقة مقبولة. (فأيَّما): مبتدأ فيه معنى الشرط، و"ما": زائدة للتأكيد (٥). و (رجلٍ): مجرور بالإضافة. والمراد: شخص ذكر أو أنثى، وإنما

стр. 578

خص الرجل بالذكر؛ لشرفه، ولأنه المحتاج لذلك غالبًا. (من أمتي): أمةِ الإجابة. (أدركته الصلاة) المكتوبةُ، وهذه صيغة عموم يدخل تحتها من لم يجد ماء ولا ترابًا، ووجد شيئًا من أجزاء الأرض، فإنه يتيمم به (١). لا يقال: هو خاص بالصلاة؛ لأنا نقول: لفظ حديث جابر مختصر. وفي رواية أبي أمامة عند البيهقي: "فأيُّما رجلٍ من أمتي أَتى الصلاةَ، فلم يجدْ ماء، وجدَ الأرض طهورًا ومسجدًا" (٢). وعند الإمام أحمد: "فعنده طهورُهُ ومسجدُه" (٣). وفي رواية عمرِو بنِ شعيب: "فأينما أدركتني الصلاةُ، تَمَسَّحْتُ وصَلَّيت" (٤). وفيه: ما ربما استدل به من جوَّز التيممَ بسائر أجزاء الأرض. ولنا: أنه مخصوص العموم بحديث حذيفة، وهو خاص، فينبغي أن يُحمل العامُّ عليه، فتختص الطهورية بالتراب. وفي حديث علي ﵁ عند الإمام أحمد، والبيهقي بإسنادٍ حسن: "وجُعل الترابُ لي طهورًا" (٥).

стр. 579

ويقوي القول بأنه خاصٌّ بالتراب: أن الحديث سيق لإظهار التشريف والتخصيص، فلو جاز التيمم بغيره، لما اقتصر عليه؛ نعم؛ إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا صلى على حسب حاله، والله أعلم (١). وقوله ﷺ : (فليصلِّ): جملة فعلية محلها الرفع، خبر المبتدأ، وجملة الجار والمجرور؛ أعني: "من أمتي"، والفعل والمفعول والفاعل؛ أعني: "أدركته الصلاة" صفتان لرجل. وقد عرف مما تقدم أن المراد: فليصل بعد أن يتيمم. الثالثة: ما أشار إليها بقوله: (وأحلت) - بالبناء للمفعول- الي الغنائمُ) - بالرفع- نائب الفاعل، أي: أحل الله - جل شأنه - لي دون غيري الغنائمَ. وللكشميهني: المغانم (٢). قال في "النهاية": المَغْنَمُ والغنائمُ: ما أُصِيبَ من أموال أهل الحرب، وأَوْجَفَ عليه المسلمون بالخيل والرِّكَاب. يقال: غَنِمْتُ أَغْنَمُ غُنْمًا وغَنيمَةً، والغنائم جمعُها، والمغانم: جمعُ مَغْنَم. والغُنْمُ-بالضم-: الاسم، -وبالفتح-: المصدر. والغانِم: آخِذُ الغنيمةِ، والجمع: الغانِمون (٣). (ولم تحل)، أي: الغنائم (لأحد) من الأنبياء- ﵈ (قبلي). قال الخطابي: كان مَنْ تقدَّم على ضربين؛ منهم من لم يؤذنْ له في الجهاد، فلم تكن لهم مغانمُ. ومنهم: من أُذن لهم فيه، لكن كانوا إذا غنموا

стр. 580

شيئًا، لم يحلَّ لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته. وقيل: المراد؛ أنه خاص بالتصرف في الغنيمة يصرفها حيث شاء. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": والأول أصوب، وهو أنَّ مَنْ مضى لم تحلَّ لهم الغنائم أصلًا (١). الرابعة: ما أشار إليه بقوله: (وأُعطيت) -بالبناء للمفعول-. و (الشفاعة): نائب الفاعل؛ أي: أعطاني الله الشفاعة. قال ابن دقيق العيد: الأقربُ أن اللام فيها للعهد (٢). والمراد: بالشفاعة: العظمى في راحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها. وكذا جزم النووي (٣)، وغيره بذلك. وقيل: الشفاعةُ التي اختص بها ﷺ : أن يشفع في إدخال قوم الجنةَ بغير حساب؛ فإنها وردت لنبينا ﷺ . وقيل: الشفاعةُ بخروج مَنْ في قلبه مثقالُ ذرةٍ من إيمان؛ لأن شفاعة غيره تقع فيمن في قلبه أكثرُ من ذلك، قاله القاضي عياض (٤). قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر لي أن هذه مرادةٌ مع الأولى؛ لأنه يتبعها بها (٥). وقال البيهقي: يحتمل أن الشفاعة التي يختص بها: أن يشفع لأهل

стр. 581

الصغائر والكبائر، وغيره إنما يشفع لأهل الصغائر دون الكبائر (١). أو أن الشفاعة المختصة به ﷺ شفاعة لا تُرَد (٢). وقد وقع في حديث ابن عباس ﵄: "وأُعطيت الشفاعةَ، فأَخَّرْتُها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا" (٣). وفي رواية عمرو بن شعيب: "فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله" (٤). فالظاهر: أن المراد بها: الشفاعةُ الأولى، لكن جاء التنويهُ بذكرها؛ لأنها غايةُ المطلوب من تلك؛ لاقتضائها الراحة المستمرة (٥). وقيل: إنها شفاعته لقوم قد استوجبوا النار، فيشفع فىِ عدم دخولهم لها، إلا أنه ثبت عدم اختصاصه بها. وقيل: المراد: شفاعتُه بعد دخول الجنة في زيادة الدرجات لأهلها. وهذه كالأولى مما لا ينكره المعتزلة، إلا أن الأظهر -والله أعلم- عدمُ إرادته إياها في هذا الحديث، والله الموفق (٦). الخامسة: مما أُعطيه ﷺ وامتاز به على غيره من الأنبياء ﵈

стр. 582

ما أشار إليه في قوله: (وكان النبي) من الأنبياء (يُبعث) -بالبناء للمفعول-، والضمير المستتر نائب الفاعل؛ أي: يبعثه الله - سبحانه - (إلى قومه) الذي هو فيهم (خاصة) دون غيرهم، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق. يقال: خصَّه بالشيء، خَصًّا، وخُصوصًا، وخُصوصِيَّه، ويُفْتَح، وخَصيَّهً وتَخِصَّةً: فَضَّلَه، والخاصَّةُ ضدُّ العامَّة (١). وفي لفظٍ لمسلم: "وكان كلُّ نبي يُبعث إلى قومه خاصَّةً" (٢). (وبُعثت إلى الناس عامة). وفي لفظٍ: "إلى كلِّ أحمرَ وأسودَ" (٣). وفي "البخاري": "وبُعثت إلى الناس كافَّةً" (٤). وعند "مسلم" من حديث أبي هريرة ﵁: "وأُرسلت إلى الخَلْق كافةً" (٥). فإن قيل: قد كان نوح مبعوثًا إلى أهل الأرض بعدَ الطوفان؛ لأنه لم يبقَ فيها إلا من كان مؤمنًا معه، وقد كان مرسلًا إليهم؟ فالجواب: إن هذا العموم لم يكن في أصل البعثة، وإنما اتفق له ذلك بالحادث الذي وقع، وهو انحصارُ الخلق في الموجودين عنده بعد هلاك سائر الناس، بخلاف عموم رسالة نبينا؛ فإنها من أصل البعثة، فثبت اختصاصه بذلك (٦).

стр. 583

وأما قول أهل الموقف لنوحِ كما صحَّ في حديث الشفاعة: "وأنت أولُ رسول إلى أهل الأرض" (١)، فليس المراد به عمومَ بعثته، بل إثباتَ أولية إرساله. وعلى تقدير أن يكون مرادًا، فهو مخصوص بتنصيصه في عدة آيات على أن إرسالَ نوح كان إلى قومه، ولم يذكر أنه أُرسل إلى غيرهم. واستدل بعضهم لعموم بعثته: بكونه دعا على جميع أهل الأرض، فأُهلكوا بالغرق إلا أهلَ السفينة، ولولم يكن مبعوثًا إليهم، لما أُهلكوا؛ لقوله- تعالى-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقد ثبت أنه أول الرسل. وأجيب: بجواز أن يكون غيرُه أُرسل إليهم في أثناء مدة نوح، وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا، فدعا على من لم يؤمنْ من قومه وغيرِهم، فَأجيب. واستحسن هذا الجوابَ الحافظُ في "الفتح"، قال: لكن لم يُنقل أنه نبي زمن نوح غيره (٢). ويحتمل: أن يكون معنى الخصوصية لنبينا ﷺ في ذلك: بقاءَ شريعته إلى يوم القيامة. ونوحٌ وغيره بشَّر أن يبعث نبيٌّ في زمانه أو بعده فينسخُ بعض شريعته.

стр. 584

ويحتمل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقية الناس، فتمادَوْا على الشرك، فاستحقوا العقاب، وإلى هذا نحا ابنُ عطية في تفسير سورة هود ﵇، قال: وغير ممكن أن نبوته لم تبلغ القريب والبعيد؛ لطول مدته (١). ووجه ابن دقيق العيد: بأن توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عامًا في حق الأنبياء، وإن كان التزامُ فروع شريعتِه ليس عامًا؛ فإن منهم من قاتل غيرَ قومه على الشرك وعبادةِ غير الله ، ولو لم يكن التوحيد لازمًا لهم، لم يقاتلوا، ولم يقتلوا، إلا على طريقة المعتزلة القائلين بالحسن والقبح العقلِيَّيْنِ. ويجوز أن تكون الدعوة على التوحيد عامة، لكن على ألسنة أنبياء متعدِّدة، فيثبت التكليفُ به على سائر الخلق، وإن لم تعم الدعوة به بالنسبة إلى نبي واحد، انتهى (٢). ويحتمل: أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قومُه، فبعثتُه خاصة؛ لكونها إلى قومه فقط، وهي عامة في الصورة؛ لعدم وجود غيرهم. لكن لو اتفق وجودُ غيرهم، لم يكن مبعوثًا إليهم، وقائل هذا كأنه غَفَل عن آخر الحديث كما قدمناه، وهو قوله ﷺ : "وكانَ كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قو مِه " ... الحديث (٣).

стр. 585

تتمة: في حديث أبي هريرة ﵁: "فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بستٍّ"، فذكر الخمسة المذكورة في حديث جابر، إلا عن الشفاعة، وزاد خصلتين، وهما: "وأُعطيتُ جوامعَ الكلم، وخُتِم بي النبيُّونَ". وهذا في "صحيح مسلم"، وأصل الحديث متفقٌ عليه (١). وفي حديث حذيفة ﵁ عند مسلم: "فُضِّلنْا على الناس بثلاثٍ: جُعلت صفوفُنا كصفوف الملائكة"، وذكر الأرض كما تقدم، وذكر خصلة أخرى (٢). وبيَّن أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" من حديث حذيفة: أنها الآياتُ من آخر البقرة، ولفظه: "وأُوتيت هؤلاءِ الخصال من كنزٍ تحت العرش، من آخرِ سورةِ البقرة، لم يُعْطَ أحدٌ منه كانَ قبلي، ولا يُعطى أحدٌ منه كان بعدي" (٣). يشير إلى ما حَطَّ الله عن أمته من الإصْر، وتحميلِ ما لا طاقةَ لهم به، ورفعِ الخطأ والنسيان (٤). وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث علي ﵁: "أعطيت أربعًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ من أنبياء الله: أُعطيتُ مفاتيحَ الأرض، وسُمِّيتُ

стр. 586

أحمدَ، وجُعلت أمتي خيرَ الأمم"، وذكر خصلة التراب (١). قلت: خصلة إعطائه مفاتيحَ الأرض في "صحيح مسلم"، ولفظه من حديث أبي هريرة ﵁: "بُعِثْتُ بجَوامعِ الكَلِم، ونُصِرْتُ بالرُّعْب، وبينا أنا نائم أُوتيتُ بمفاتيحِ خزائنِ الأرضِ، فوُضِعَتْ في يدي". قال أبو هريرة ﵁: فذهب رسول الله ﷺ ، وأنتم [تنتثلونها] (٢)، وهو في "صحيح البخاري" أيضًا (٣). وفي بعض طرقه: "بينا أنا نائم البارحةَ" (٤). وقال -يعني: البخاري-: بلغني أن جوامع الكلم: أن الله يجمعُ الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب قبلَه في الأمر الأول، والأمرين، أو نحو ذلك، وذكره في كتاب: التعبير (٥). وله في لفظٍ آخر: "مفاتيح الكلام" (٦). وعند البزار من حديث أبي هريرة ﵁ -أيضاً من وجه آخر:

стр. 587

"فُضلْتُ على الأنبياء بستٍّ: غُفِرَ لي ما تقدَّمَ من ذنبي وما تأخَّر، وإني لصاحبُ لواءِ الحمدِ يومَ القيامة، تحته آدمُ فمَنْ دونه .... " الحديث (١). وفي حديث ابن عباس ﵄: "فُضِّلْتُ على الأنبياء بخَصْلَتين: كان شيطاني كافرًا، فأعانني اللهُ عليه حتى أسلمَ، وكُنَّ أزواجي عونًا لي". هذا حديث ابن عمر، ولفظه: "فُضِّلْتُ على آدم بخَصْلتين .... " الحديث. وتمامُه: "وكان شيطانُ آدمَ كافرًا، وكانت زوجتُه عونًا على خطيئته" رواه البيهقي في "الدلائل" (٢). وأما حديث ابن عباس: "فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بخَصْلَتين: كان شيطاني كافرًا .... إلخ". قال: ونسيت الأخرى (٣). ويمكن من تتبُّع الأحاديث في ذلك أن يُجمع من ذلك ما هو أكثر. وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتابه: "شرف المصطفى": أن عدد الذي اختص به نبينا ﷺ عن الأنبياء: ستون خصلة.

стр. 588

وقد أُفردت خصائصُه بالتأليف، فبلغت أضعافَ ذلك بكثير، فلا نطيل الكتاب بذكرها. وقد ذكرنا منها طرفا صالحًا في "شرح نونيه الصرصري معارج الأنوار"، وفي "تحبير الوفاء" (١)، وغيرهما؛ فلعل النبى ﷺ واطلع أولًا على بعض ما اختص به، ثم اطلع على الباقي، على أن العددَ لا مفهوم له عند الأكئر، فحينئذ يندفع الإشكال من أصله. تنبيهات: الأول: إن قيل: قد كان لسيدنا سليمان بن داود ﵉ ولغيره السراري، ومعلومٌ أن العبيد والإماء أثرُ الغنيمة، فما وجه قولِ الرسول ﷺ : "أُحلت لي الغنائمُ ولم تحلَّ لأحدٍ قبلى"؟. قلت: أجاب عن هذا الإمام الحافظ ابن الجوزي: أن الأنبياء كانوا إذا جاهدوا قدَّموا الغنيمة من الأمتعة والأطعمة والأموال، فنزلت نارٌ فأكلتها كلَّها من خُمْسِ النَّبيِّ وسهامِ أمَّته. يدل له ما في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "غزا نبيٌّ، فجمعوا ما غَنِموا، فأقبلت النارُ لتأكله، فأبتْ أن تطعمه، فقال النبي: فيكم غلول، فأخرجوا مثلَ رأس بقرةٍ، فوضعوه في المال، وأقبلت النار فأكلته، فلم تحلَّ الغنائمُ لأحدٍ ممَّنْ قبلنا، ذلك بأن الله تعالى رأى ضعفَنا وعجزَنا، فَطَيَّبَها لنا" (٢).

стр. 589

قال ابن الجوزي: وأما العبيد والإماء والحيوانات، فإنها تكون ملكًا للغانمين دون الأنبياء، فلا يجوز للأنبياء أخذُ شيء من ذلك بسبب الغنيمة، بل بالابتياع والهدية ونحو ذلك، ومن هذا تسرَّى سليمان ﵇ وغيره، فطابَ ذلك لنبّينا ﷺ ، فكان يأخذ الخمسَ، والصَّفِيَّ، ويتصرف فيه كيف شاء. هذا كلامه (١). قلت: على أنه لا ينحصر ملكُ السراري والعبيد في الغنائم؛ إذ من الشرائع من كان يرى بيعَ نحو الأبناء، كما هو معروف، والله أعلم. الثاني: فإن قيل: ما وجهُ اختصاصه ﷺ بعموم البعثة، ومن المعلوم أن موسى- ﵇ لما بُعِثَ في بني إسرائيل، لو جاءه غيرُهم من الأمم يسألونه تبليغَ ما جاء به عن الله ، لم يَسُغْ له كتمه، مع ما قدَّمنا من خبر نوح وهلاك العالَمِ بدعوته، وما ذاك إلا لعموم رسالته؟ قلت: أما الجواب عن أمر سيدنا نوحٍ، فقدمنا ما يشفي ويكفي. وأما الجواب عن الأول: فقد أجاب الإمام ابنُ عقيلٍ، فقال: إن شريعة نبينا جاءت ناسخةً لكل شريعةٍ قبلها، وقد كان يجتمع في العصر الواحد النَّبيَّان، والثلاثةُ، والأكثرُ، يدعو كل واحدٍ إلى شريعةٍ تخصُّه، ولا يدعو غيرُه من الأنبياء إليها، ولا ينسخها، بخلاف نبينا ﷺ ؛ فإنه دعا الكل، ونسخَه، وقال: "لو كان موسى حَيّا، ما وَسِعَهُ إلا اتِّباعي" (٢)، وما كان

стр. 590

يمكن أن يقول هذا عيسى في حق موسى، انتهى. على أنه فرق بين من جاءه إنسان يسأله كشفَ ما جاء به ليدلَّه ويهديَه إليه، وبين من بُعث إلى كافة الناس، وأُمر بقتالهم حتى يتبعوه ويؤمنوا به، وبما جاء به من عند ربه - جل وعلا -، وهذا بيِّن، والله أعلم.

стр. 591

باب الحيض أصله: السيلان. قال في "المطلع": حاضت المرأة تَحيضُ حَيْضًا، ومَحِيضًا، فهي حائض، وحائضةٌ أيضاً، ذكره ابن الأثير (١)، وغيرُه (٢). واستُحِيضَت: استمرَّ بها الدمُ بعد أيامها، فهي مُسْتَحاضَةٌ، وتَحَيَّضَت: قعدَتْ أيامَ حَيْضِها عن الصَّلاة (٣). وقال الزمخشري في كتابه "أساس البلاغة": من المجاز: حاضت السَّمُرة: خرج منها شبهُ الدم (٤). وفي العرف: الحيض: دمٌ يُرخيه الرحم، فيخرج من قَعْرِه إذا بَلَغَتِ المرأةُ، ثم يعتادها في أوقات معلومة مع الصحة؛ لحكمة تربية الولد، فإذا حملت، انصرف ذلك الدم بإذن الله تعالى إلى تغذية الجنين، ولذلك الحاملُ لا تحيض، فإذا وضعت الولد، قَلَبَه الله تعالى بحكمته لبنًا يتغذَّى

стр. 592

به؛ ولذلك قلَّما تَحيض المُرْضِع، فإذا خَلَتْ من حمل ورضاع، بقي ذلك الدمُ لا مَصْرِفَ له، فيستقر في مكان، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد على ذلك، ويقل، ويطول شهر المرأة، ويقصر، على حسب ما يركِّبه الله تعالى في الطِّباع (١). وأما الاستحاضة: فسيلانُ الدم في غير وقته من عِرْقٍ يقال له: العاذل -بالذال المعجمة، وقد يقال بالمهملة-، حكاه ابن سيده (٢). وقال الجوهري: العاذرُ لغةٌ؛ يعني:- بالذال المعجمة، والراء (٣). وفم ذلك العرق في أدنى الرحم دون قعره (٤). وسئل ابن عباس ﵄، عن الاستحاضة، فقال: ذاك العاذل يغذو (٥)؛ يعني: يسيل (٦). فائدة: حكى في "شرح الوجيز" عن الماوردي: أن ابن عباس ﵄، قال: لما أكل آدم ﵇ من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، قال الله : يا آدم! ما حملكَ على

стр. 593

ما صنعتَ قال: زيَّنته لي حوَّاءُ، قال: فإني أعاقِبُها لا تحمل إلا كُرْهًا، ولا تضع إلا كُرْهًا، ودَمَيْتُها في الشهر مرتين، قال: فرنَّت حواءُ عند ذلك، فقال: "عليك الرنّة وعلي بناتكِ" (١). وفي "صحيح البخاري": أن النبي ﷺ قال: "هذا شيءٌ كتبه الله على بناتِ آدَم" (٢). وقال بعضهم: كان أول ما أرسل الحيض علي بني إسرائيل. قال البخاري: وقول النبي ﷺ أكثر (٣). وأخرج عبد الرزاق من حديث ابن مسعود ﵁ بإسنادٍ صحيح؛ قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، وكانت المرأة تتشرَّفُ للرجل، فألقى الله عليهن الحيض، ومنعهنَّ المساجد (٤). وعنده عن عائشة نحوه (٥).

стр. 594

قال الداودي: ونساء بني إسرائيل من بنات آدم، فلا مخالفة، ولعل الذي أرسل علي بنات إسرائيل طولُ مكثه بهن عقوبةً لهن. وإلا ففي قصة إبراهيم ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] أي: حاضت. والقصة سابقة لبني إسرائيل، وقصة حواء المذكورة، فإما أن يحمل على طوله، أو على أنهن أول من استحضن، والله أعلم (١). ثم إن الحافظ ﵁ ذكر في هذا الباب خمسة أحاديث. * * *

стр. 595

الحديث الأول عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ فَاطِمَةَ بنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ ؛ فَقَالَتْ: إنِّي اسْتَحَاضُ، فلا أَطْهُرُ، أَفَأَدع الصَّلاَةَ؟ فقالَ: "لا، إِنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ؛ وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاَةَ قَدْرَ الأَيامِ الَّتي كنْتِ تَحِيضِينَ فيها، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وصَلِّي" (١). وَفِي رِوَايَةٍ (٢): "وَلَيْسَ بالحَيْضَةِ، فَإذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ؛ فَاتْرُكِي الصَّلاَةَ، فَإذَا ذَهَبَ قَدْرُها؛ فَاغسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، وصَلِّي" (٣).

стр. 596

(عن عائشة) الصدّيقةِ - ﵂: أن فاطمةَ بنتَ أبي حُبَيش) - بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية فشين معجمة - اسمُه: قيسُ بنُ المطلب بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قصيِّ بنِ كلابٍ، القرشيةُ الأسديةُ، وهي زوجة عبدِ الله بنِ جحش ﵂. ووقع في أكثر النسخ من "صحيح مسلم": قيس بن عبدالمطلب. والصواب: المطلب بإسقاط عبد (١).

стр. 597

(سألَتِ النبيَّ ﷺ ، فقالت) في سؤالها له: (إني أُستحاض): قد قدمنا أن الاستحاضه جريان الدم من المرأة في غير أوانه، وأنه يخرج من العاذل. (فلا أطْهُر): هذا بحسب ما عندها أنها لا تطهُر إلا بانقطاع الدم، فَكَنَّتْ بعدم الطهر عن اتصاله، وكانت قد علمت أن الحائض لا تصلي، فظنَّت أنَّ ذلك الحكم مقترنٌ بجريان الدم من الفرج، فأرادت تحقيق ذلك، فقالت: (أفأدع الصلاة؟)؛ لأجل ما يتواصل من جريان الدم؟ (فقال) لها النبي ﷺ : (لا) تدعي الصلاة في كل ذلك الزمن. (إن ذلك)؛ أي: تواصلَ جريان الدم الذي يخرج منك (عرقٌ) ظاهرهُ: انبثاقُ الدم من عرق. وقد جاء في الحديث: "عرقٌ انفجرَ" (١). وتقدم تسميةُ العرق وموضعُه من الرحم. (ولكن دعي)؛ أي: اتركي (الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها). فيه دليلٌ على أن الحائض تترك الصلاة من غير قضاء، وهو كالإجماع من السلف والخلف في تركها، وعدمِ وجوب القضاء، ولم يخالف في عدم وجوب القضاء إلا الخوارج. نعم، استحبَّ بعضُ السلف للحائض إذا دخل وقت الصلاة أن تتوضأ،

стр. 598

وتستقبل القبلة، وتذكر الله. ذكره ابن دقيق العيد، قال: وأنكره بعضهم، انتهى (١). قلت: والذي في "الفروع" للإمام ابن مفلح: أن الحيض يمنع الطهارةَ له؛ وفاقًا، والوضوءَ والصلاةَ إجماعًا، ولا تقضيها إجماعًا، قيل للإمام أحمد: فإن أحبت أن تقضيها؟ قال: لا، هذا خلاف، فظاهرُ النهي التحريمُ. قال ابن مفلح: وَيتوجَّه احتمال: يُكره، لكنه بدعة (٢). كما يأتي في شرح الحديث الخامس. (ثم) بعد مُضِيِّ الأيام التي كنت تحيضين فيها، (اغتسلي) من الحيض، و (صلي) بعد ذلك الغسلِ، لكن لا بدَّ من الوضوء لكل صلاة بعد فى خول وقتها. وقال الإمام أحمد: إن اغتسلت لكل صلاة، فهو أحوط، وكذا قال إسحاق (٣). (وفي رواية): "إنما ذلك عرق"، (وليس بالحَيْضة) -بفتح الحاء- كما نقله الخطابي عن أكثر المحدثين، أو كلِّهم (٤)، وإن كان قد اختار -الكسرَ- على إرادة الحالة، لكن -الفتح- هنا أظهر.

стр. 599

وقال النووي: هو متعيِّنٌ، أو قريبٌ من المتعيق؛ لأنه ﷺ أراد إثباتَ الاستحاضة، ونفيَ الحيض. وأما قوله ﷺ : (فإذا أقبلت الحيضة)، فيجوز فيه الوجهان معًا جوازًا حسنًا (١)، كما في "الفتح"، ثم قال: والذي في روايتنا: -بفتح الحاء- في الموضعين (٢). (فاتركي الصلاة) قدرَ أيام حيضتك، (فإذا ذهب قدرُها)، أي: الأيام التي كنت تحيضين فيها. وصحَّفه بعضُ الطلبة، فقال: فإذا ذهب قَذَرُها -بالذال المعجمة المفتوحة-، قاله ابن دقيق العيد (٣). (فاغسلي عنك الدم وصلي)، أي: بعد الاغتسال -كما مر-. وفي بعض طرق البخاري: قال -يعني: عروة بن الزبير-: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (٤). وزعم ابن حزم أن الزيادة هذه موقوفة على عروة، وليس كذلك؛ كما رده الحافظ ابن حجر. تنبيه: قوله ﷺ : "قدر الأيام التي كنت تحيضين .... " الحديث. فيه: الردُّ إلى أيام العادة.

стр. 600

وحاصل هذا الباب: أن المستحاضة إما مبتدأة، أو معتادة، وعلى كلٍّ إما مميزة أو غير مميزة. والمميزة: إما أن يكون تمييزُها صالحًا أن يكون حيضًا، أو لا. والحديث دل لفظه على أن هذه المرأة كانت معتادة، لقوله ﷺ : "دعي الصلاةَ قدرَ الأيام التي كنتِ تحيضين فيها". وحكم المستحاضة -التي لها عادة معلومة لها؛ بأن تعرفَ شهرها، وهو ما اجتمع لها فيه حيضٌ وطهر صحيحان، وتعلمَ وقتَ حيضها وطهرها، وعددَ أيامها-: أن تجلس عادتها، ولو كان لها تمييزٌ صالح؛ لأن النبي ﷺ أمرها بترك الصلاة قدر أيام حيضها، ولم يستفصل (١). وتركُ الاستفصال في قضايا الأحوال ينزل منزلة عموم المقال، وهذا مذهبنا كالحنفية، وأحد قولي الشافعي، لكن معتمد مذهبه: تقديمُ التمييز على العادة، وعند مالك: لا عبرة بالعادة (٢). وعلى معتمد مذهبنا: فإن عدمت العادة؛ بأن جهلَتْها، عملت بتمييز صالح للحيض، ونعني به: أنه لا ينقص عن أقل الحيض يومًا وليلة، وأَلاَّ يتجاوز أكثرُه خمسة عشر يومًا، فإن نسيت العدد فقط، وعلمت غيره: جلست من أول موضع حيضها غالبَ الحيض إن اتسع شهرها، وإلا، فالفاضل عن أقل طهر. وتجلس ناسيةً الوقتَ فقط، العددَ به، وناسية العدد والوقت: تجلس غالب حيض من أول كل مدة عُلم فيها، وَضَاع موضعه، فإن جهلت: فمن
следующие страницы →