← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

(عن عائشة) الصدّيقةِ - ﵂: أن فاطمةَ بنتَ أبي حُبَيش) - بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية فشين معجمة - اسمُه: قيسُ بنُ المطلب بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قصيِّ بنِ كلابٍ، القرشيةُ الأسديةُ، وهي زوجة عبدِ الله بنِ جحش ﵂. ووقع في أكثر النسخ من "صحيح مسلم": قيس بن عبدالمطلب. والصواب: المطلب بإسقاط عبد (١).

стр. 597

(سألَتِ النبيَّ ﷺ ، فقالت) في سؤالها له: (إني أُستحاض): قد قدمنا أن الاستحاضه جريان الدم من المرأة في غير أوانه، وأنه يخرج من العاذل. (فلا أطْهُر): هذا بحسب ما عندها أنها لا تطهُر إلا بانقطاع الدم، فَكَنَّتْ بعدم الطهر عن اتصاله، وكانت قد علمت أن الحائض لا تصلي، فظنَّت أنَّ ذلك الحكم مقترنٌ بجريان الدم من الفرج، فأرادت تحقيق ذلك، فقالت: (أفأدع الصلاة؟)؛ لأجل ما يتواصل من جريان الدم؟ (فقال) لها النبي ﷺ : (لا) تدعي الصلاة في كل ذلك الزمن. (إن ذلك)؛ أي: تواصلَ جريان الدم الذي يخرج منك (عرقٌ) ظاهرهُ: انبثاقُ الدم من عرق. وقد جاء في الحديث: "عرقٌ انفجرَ" (١). وتقدم تسميةُ العرق وموضعُه من الرحم. (ولكن دعي)؛ أي: اتركي (الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها). فيه دليلٌ على أن الحائض تترك الصلاة من غير قضاء، وهو كالإجماع من السلف والخلف في تركها، وعدمِ وجوب القضاء، ولم يخالف في عدم وجوب القضاء إلا الخوارج. نعم، استحبَّ بعضُ السلف للحائض إذا دخل وقت الصلاة أن تتوضأ،

стр. 598

وتستقبل القبلة، وتذكر الله. ذكره ابن دقيق العيد، قال: وأنكره بعضهم، انتهى (١). قلت: والذي في "الفروع" للإمام ابن مفلح: أن الحيض يمنع الطهارةَ له؛ وفاقًا، والوضوءَ والصلاةَ إجماعًا، ولا تقضيها إجماعًا، قيل للإمام أحمد: فإن أحبت أن تقضيها؟ قال: لا، هذا خلاف، فظاهرُ النهي التحريمُ. قال ابن مفلح: وَيتوجَّه احتمال: يُكره، لكنه بدعة (٢). كما يأتي في شرح الحديث الخامس. (ثم) بعد مُضِيِّ الأيام التي كنت تحيضين فيها، (اغتسلي) من الحيض، و (صلي) بعد ذلك الغسلِ، لكن لا بدَّ من الوضوء لكل صلاة بعد فى خول وقتها. وقال الإمام أحمد: إن اغتسلت لكل صلاة، فهو أحوط، وكذا قال إسحاق (٣). (وفي رواية): "إنما ذلك عرق"، (وليس بالحَيْضة) -بفتح الحاء- كما نقله الخطابي عن أكثر المحدثين، أو كلِّهم (٤)، وإن كان قد اختار -الكسرَ- على إرادة الحالة، لكن -الفتح- هنا أظهر.

стр. 599

وقال النووي: هو متعيِّنٌ، أو قريبٌ من المتعيق؛ لأنه ﷺ أراد إثباتَ الاستحاضة، ونفيَ الحيض. وأما قوله ﷺ : (فإذا أقبلت الحيضة)، فيجوز فيه الوجهان معًا جوازًا حسنًا (١)، كما في "الفتح"، ثم قال: والذي في روايتنا: -بفتح الحاء- في الموضعين (٢). (فاتركي الصلاة) قدرَ أيام حيضتك، (فإذا ذهب قدرُها)، أي: الأيام التي كنت تحيضين فيها. وصحَّفه بعضُ الطلبة، فقال: فإذا ذهب قَذَرُها -بالذال المعجمة المفتوحة-، قاله ابن دقيق العيد (٣). (فاغسلي عنك الدم وصلي)، أي: بعد الاغتسال -كما مر-. وفي بعض طرق البخاري: قال -يعني: عروة بن الزبير-: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (٤). وزعم ابن حزم أن الزيادة هذه موقوفة على عروة، وليس كذلك؛ كما رده الحافظ ابن حجر. تنبيه: قوله ﷺ : "قدر الأيام التي كنت تحيضين .... " الحديث. فيه: الردُّ إلى أيام العادة.

стр. 600

وحاصل هذا الباب: أن المستحاضة إما مبتدأة، أو معتادة، وعلى كلٍّ إما مميزة أو غير مميزة. والمميزة: إما أن يكون تمييزُها صالحًا أن يكون حيضًا، أو لا. والحديث دل لفظه على أن هذه المرأة كانت معتادة، لقوله ﷺ : "دعي الصلاةَ قدرَ الأيام التي كنتِ تحيضين فيها". وحكم المستحاضة -التي لها عادة معلومة لها؛ بأن تعرفَ شهرها، وهو ما اجتمع لها فيه حيضٌ وطهر صحيحان، وتعلمَ وقتَ حيضها وطهرها، وعددَ أيامها-: أن تجلس عادتها، ولو كان لها تمييزٌ صالح؛ لأن النبي ﷺ أمرها بترك الصلاة قدر أيام حيضها، ولم يستفصل (١). وتركُ الاستفصال في قضايا الأحوال ينزل منزلة عموم المقال، وهذا مذهبنا كالحنفية، وأحد قولي الشافعي، لكن معتمد مذهبه: تقديمُ التمييز على العادة، وعند مالك: لا عبرة بالعادة (٢). وعلى معتمد مذهبنا: فإن عدمت العادة؛ بأن جهلَتْها، عملت بتمييز صالح للحيض، ونعني به: أنه لا ينقص عن أقل الحيض يومًا وليلة، وأَلاَّ يتجاوز أكثرُه خمسة عشر يومًا، فإن نسيت العدد فقط، وعلمت غيره: جلست من أول موضع حيضها غالبَ الحيض إن اتسع شهرها، وإلا، فالفاضل عن أقل طهر. وتجلس ناسيةً الوقتَ فقط، العددَ به، وناسية العدد والوقت: تجلس غالب حيض من أول كل مدة عُلم فيها، وَضَاع موضعه، فإن جهلت: فمن

стр. 601

أول كل شهر هلالي، ومتى ذكرت عادتها، رجعت إليها، وقضت الواجب زمنها، فهذا حكم المعتادة بقسميها. وأما المبتدأة: فإن كان لها تمييز صالح، جلسته بعد تكرره ثلاثًا، وقبله، أقلَّ حيض. وإن لم يكن لها تمييز، أو كان ولم يصلح أن يكون حيضًا: جلست أقلَّه حتى يتكرر ثلاثًا، ثم غالبَهُ من أول وقت ابتدائها إن علمته، وإلا، فأقل كل شهرٍ هلالي. والمذهب: أن أقلَّ الحيض يومٌ وليلة، وفاقًا للشافعي. وقال أبو حنيفة: أقلُّه ثلاثةُ أيام. وعند مالك: لا حدَّ لأقله. وأكثره: خمسة عشر يومًا؛ وفاقًا لمالك والشافعي. وعند أبي حنيفة: أكثره عشرة أيام بلياليها، وغالبه: ست أو سبع. وأقل الطهر: ثلاثة عشر يومًا، وقال الثلاثة: خمسة عشر، ولا حد لأكثره، وغالبه بقية الشهر، والله أعلم (١). * * *

стр. 602

الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاَةٍ (١).

стр. 603

(عن) أم المؤمنين (عائشةَ) الصدِّيقةِ (﵂: أن أمَّ حبيبة) بنتَ جحشِ بنِ رِئاب -بكسر الراء وبالهمزة ممدودًا- الأسديِّ، من نسل أسدِ بنِ جذيمةَ بنِ مدركةَ. وقد اختُلف في اسمها، فقيل: حبيبة، وأن كنيتها أم حبيب -من غير هاء-، والمشهور -بالهاء-، وقيل: اسمها زينب. وهي أختُ زينبَ وحَمْنَةَ ابنتي جحش. وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكانت حمنةُ أيضاً تُستحاض، وقيل في زينب أيضاً، وليس بشيء. وفي "الموطأ" وَهْمٌ: أن زينب بنت جحش استُحيضت، وأنها كانت تحت عبد الرحمن بن عوف (١)، وهذا غلط؛ إنما كانت زينبُ تحت زيد بن حارثة قبل النبيِّ ﷺ ، ولم تكن عند ابن عوف قَطُّ، وقلَّ من يسلمُ من الغلط (٢). وإذا كان اسم أم حبيبة زينب، فلا غلط في التسمية؛ لأنها كانت تحت ابن عوف (٣). وأُمُّ أمِّ حبيبة: أُمَيمَةُ بنتُ عبد المطلب، عمةُ رسول ﷺ (٤).

стр. 604

وممَّن عُدَّ من المُستحاضات في زمنه ﷺ غير بنات جحش: فاطمةُ بنتُ أبي حُبيش المتقدم ذكرُها، وسَهْلَةُ بنتُ لسُهيل بن عمرو القرشية، كما في "سنن أبي داود" (١) وغيره، وسودةُ بنتُ زمعةَ زوجُ النبي ﷺ (٢). وقد جمعهنَّ البرماوي في قوله: [من الطويل] سِتُّ نِسْوَةٍ جَاءَ اسْتِحَاضَتُهُنَّ في ... زَمَانِ النَّبيِّ الْهَاشِمِيِّ الْمُشَرَّفِ كَاُمِّ حَبِيبٍ ثُمَّ حَمْنَةَ زَيْنَبٍ ... بَنَاتٍ لِجَحْشٍ في الأَخِيرِ تَوَقَّفِ وَبِنْتِ سُهَيْلٍ سَهْلَةٍ ثُمَّ بِنْتِ أَبِي ... حُبَيْشٍ كَذَا مِنْهُنَّ سَوْدَةُ فَاعْرِفِ (استُحِيْضَت) -بالبناء للمفعول-، ولم يبن هذا الفعل للفاعل، كما في قولهم: نُفِسَتِ المرأة، ونُتِجَتِ الناقة، وأصلُ الكلمة من الحيض، والزوائدُ اللاحقة لها للمبالغة؛ كما يقال: قَرَّ في المكان، ثم يقال للمبالغة: استقرَّ. وأعشبَ المكان، ثم يقال فيه للمبالغة: اعشوشب (٣). (سبع سنين). قيل: فيه حجة لمن أسقط قضاء الصلاة عن المستحاضة إذا تركتها ظانَّة أن ذلك حيض؛ لعدم أمره لها بالإعادة مع طول المدة. ولعل قولها: سبع سنين، بيان لمدة استحاضتها، مع قطع النظر عن كون المدة كانت كلها قبل السؤال أو لا، وحينئذ فلا حجة فيه لما ذكر (٤). (فسألت)، وفي لفظ: فاستفتت.

стр. 605

(رسولَ الله ﷺ عن ذلك). وفي لفظٍ: في ذلك. فقال رسول ﷺ : "إن هذه ليستْ بالحَيْضة، ولكن هذا عِرْقٌ، فاغتسلي وصَلِّي". قالت عائشة ﵂: فكانت تغتسل في مِرْكَنٍ في حجرة أختها زينبَ بنتِ جحش، حتى تعلو حمرةُ الدم الماءَ (١). قالت عائشة: رأيت مِرْكَنَهَا ملانَ دمًا (٢). (فأمرها) رسول الله ﷺ (أن تغتسل). وفي لفظٍ: فقال رسول الله ﷺ : "امْكُثي قَدْرَ ما كانتْ تحبسكِ حَيْضتُك، ثم اغتسلي وصَلِّي" (٣). (فكانت) أمُّ حبيبةَ بنتُ جحش ﵂ (تغتسل لكل صلاة). وليس في كلامه ﷺ أمرُها بالغسل لكل صلاة، ولا فيه ما وكأنها فهمت ذلك بقرينة. قال الشافعي: إنما أمرَها ﷺ أن تغتسل وتصلِّي، وإنما كانت تغتسل لكلِّ صلاة تطوعًا (٤). وكذا قال الليث بن سعد في روايته عند مسلم: لم يذكر ابنُ شهاب أنه ﷺ أمرها أن تغتسل لكل صلاة، ولكنه شيءٌ فعلته هي (٥). وإلى هذا ذهب الجمهور من عدم وجوب الغسل عليها لكل صلاة. نعم: الواجبُ عليها لكل صلاة الوضوءُ. وله ما وقع عند أبي داود من رواية سليمان بن كثير، وابن إسحاق، عن

стр. 606

الزهري في هذا الحديث: فأمرها بالغسل لكل صلاة (١)، فقد طعن الحفاظ في هذه الزيادة؛ لأن الأئمة الأثباتَ من أصحاب الزهري لم يذكروها (٢). قال ابن دقيق العيد: ووقع في نسخ من هذا الكتاب -يعني: "العمدة"-: فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل لكل صلاة. قال: وليس في "الصحيحين"، ولا أحدِهما (٣). قلت: ولعلَّه وقع ذلك له، وإلا، فما رأيتُ ذلك ولا في نسخة مما وقفت عليه، وقد علمت وقوع هذه الزيادة في رواية لأبي داود، فعلى فرض صحة ذلك يُحمل الأمر على الندب، جمعًا بين الروايتين. وأجاب بعضهم عن ذلك: بأنه أمرها أن تغتسل من الدم الذي أصابها؛ لأنه من إزالة النجاسة، وهي شرط لصحة الصلاة. وقال الطحاوي: حديثُ أم حبيبة منسوخٌ بحديث فاطمةَ بنتِ أبي حبيش؛ لأن فيه الأمرَ بالوضوء لكل صلاة دون الغسل (٤). والجمع بين الحديثين بحمل الأمرِ بالغسلِ على الندب أولى (٥)، ولهذا استحبَّه سيدنا الإمام أحمد ﵁، والله أعلم. * * *

стр. 607

الحديث الثالث عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ؛ كِلاَنا جُنُبٌ، وَكَان يَأْمُرُني، فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُني؛ وَأَنا حَائِضٌ، وكانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ؛ وهُوَ مُعْتكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ؛ وأنا حائِضٌ (١).

стр. 608

(عن) أم المؤمنين (عائشةَ) الصدِّيقةِ (﵂، قالت: كنت أغتسلُ أنا والنبىُّ ﷺ من إناء واحد، كلانا جنب). وتقدم هذا وشرحه. (وكان) ﷺ (يأمرني فأَتَّزر)، كذا في الرواية -بتشديد المثناة بعد الهمزة-، وأصله: فَأَأْتَزِرُ- بهمزة ساكنة بعد الهمزة المفتوحة ثم المثناة-، بوزن: أَفْتَعِل، وأنكرَ أكثرُ النحاة الإدغامَ، حتى قال صاحب "المفضَّل": إنه خطأ (١). لكن نقل غيرُه أنه مذهبُ الكوفيين، وحكاه الصنعاني في "مجمع البحرين" (٢). وقال ابن مالك: إنه مقصور على السماع (٣)، ومنه قراءة ابن مُحَيصِن:

стр. 609

﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]-بالتشديد- (١). والمراد بذلك: أنها تشدّ إزارها (٢)، ولم يحدَّ إمامنا ﵁ ذلك بين السرة والركبة، بل له المباشرة حتى ما بينهما، وإطلاق الحديث يقتضي ذلك. (فيباشرني وأنا حائض)؛ أي: تلتقي بشرته ببشرتي من غير جماع، وهو دليلٌ على أن ذاتَ الحائض طاهرة، وعلى أن حيضها لا يمنعُ ملامستها، وأن عرقها طاهر، وأن المباشرة الممنوعة: الجماع (٣). قال في "الفروع": وله أن يستمتع من الحائض بغير الوطء في الفرج (٤). قال في "شرح الوجيز": هذا المذهب مطلقًا، وعليه جمهور علمائنا، وقطع به كثيرٌ منهم. وهو من المفردات، وهو قول عكرمة، وعطاء، والشعبي، والثوري، وإسحاق، والنخعي، والحكم، ومحمد بن الحسن، وأصبغ المالكي، وأبي ثور، وابن المنذر، وداود، وأبي إسحاق المروزي من الشافعية؛ لهذا الحديث، ولما روى أبو داود، والبيهقي، عن عبد الله بن سعد الأنصاري: أنه سأل رسول الله ﷺ : ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائضٌ؟ قال: "لكَ ما فوقَ الإزار" (٥).

стр. 610

والآيةُ الشريفة تدلَّ على أن المنع مختصٌّ بالوطء في الفرج، قال- تعالى-: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. والمَحِيضُ: اسمٌ لمكان الحيض؛ كالمَقيل والمَبيت، فتخصيصُه موضعَ الدم بالمنع يدلُّ على إباحته فيما عداه (١). فإن قيل: المَحيض يراد به: الحيض؛ بدليل قوله -تعالى-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والأذى: الحيض. وقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] وإنما يئسن من الحيض. فالجواب: يمكن حملُ ذلك على ما ذكرنا، وهو أولى؛ لوجهين: أحدهما: أنه لو أراد الحيضَ، لأمر باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماعُ بخلافه. والثاني: أن سبب نزول الآية: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة، اعتزلوها، فلم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجتمعوا معها في البيت، فسأل أصحابُ النبي ﷺ عن ذلك، فنزلت هذه الآية، فقال النبي ﷺ : "اصنعوا كُلَّ شيءٍ إلا النِّكاحَ" رواه الإمام أحمد، ومسلم (٢). وهذا تفسير لمراد الله -تعالى-؛ لأنه لا تتحقق مخالفةُ اليهود بإرادة الحيض؛ لأنه يكون موافقًا لهم. وعن عكرمة، عن بعض أزواج النبيِّ ﷺ : أنه كان إذا أرادَ من الحائض

стр. 611

شيئًا، ألقى على فرجها خرقة. رواه أبو داود، وإسناده صحيح (١). ولأنه وطءٌ منع منه للأذى، فاختص بمحله؛ كالدبر. وليس في حديث عائشة ﵂ دليلٌ على المنع مما تحت الإزار، وإنما فيه أن النبي ﷺ كان يباشرها فيما دونه؛ فإنه ﷺ قد يترك بعض المباح تقدُّرًا؛ كتركه أكلَ الضَّبِّ (٢). وأما حديث عبد الله بن سعد، وحديث عائشة ﵂ مرفوعًا عند الإمام أحمد في الرجل يباشر امرأته وهي حائض، قال: "له ما فوق الإزار"، فالدلالة بذلك بالمفهوم، والمنطوقُ مرجَّحٌ عليه. وحديث عبد الله بن سعد: فيه حكيم بن حرام الأنصاري، ضعفه ابن حزم، ووثقه دُحَيم، والعجلي (٣). وعلى معتمد المذهب: يُستحب سترُ الفرج عند المباشرة، ولا يجب ذلك. وقال ابن حامد: يجب. وقطع الأزجيُّ في "نهايته" بأنه إذا لم يأمن على نفسه مواقعةَ المحذور، أو خاف ذلك بالمباشرة لما بين السرة والركبة، حرم عليه ذلك. وقيل: يمنع ذلك مطلقًا، وهو مذهب الثلاثة، والله أعلم (٤). قالت عائشة ﵂: (وكان) ﷺ (يُخرج رأسه) الشريفَ

стр. 612

(إليَّ، وهو)؛ أي: والحال أنَّه (معتكف، فأغسلُه وأنا حائض) الواو: للحال. وفي رواية لهما عنها ﵂: كان النبي ﷺ إذا اعتكف، يُدْني إليَّ رأسه، فأرجِّله (١). وفي لفظ لهما من حديثها: وإنْ كانَ رسولُ الله ﷺ ليُدخلُ عليَّ رأسه وهو في المسجد، فأُرَجِّله (٢). وفي بعض ألفاظه، عن عروة: أخبرتني عائشة ﵂: أنها كانت ترجِّل رسولَ الله ﷺ وهي حائضٌ، ورسولُ الله ﷺ حينئذٍ مجاوِرٌ في المسجد، يُدني لها رأسَه وهي في حُجرتها فترجِّلُه وهي حائض (٣). ففي هذه الأحاديث: جواز استخدام الرجل لامرأته فيما يخفُّ من الشغل، واقتضته العادةُ. وأن المعتكف إذا أخرجَ رأسه من المسجد، لم يفسدِ اعتكافُه، ويقاس عليه غيرُه من الأعضاء إذا لم يخرج جميع بدنه من المسجد (٤). قال في "شرح البخاري": كانت حجرة عائشة ﵂

стр. 613

ملاصقةً للمسجد النبوي؛ أي: في ذلك الزمن (١). وأما الآن، فالحجرة الشريفة التي فيها القبرُ الشريف، وقبر الوزيرين المعظمين والخليفتين الراشدين في داخل المسجد. ودل الحديث: على أن المباشرة الممنوعة للمعتكف في قوله - تعالى-: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] هي الجماعُ، ومقدِّماته، وأن الحائضَ لا تدخل المسجد. تتمة: من وطىءَ في الحيض، ولو بحائل، لزمه دينارٌ، أو نصفُه على التخيير كفارة، نقله الجماعة عن الإمام أحمد. قال إسحاق بن راهويه: مضت السنَّةُ من النبي ﷺ وأصحابِه مع إجماع المسلمين على ذلك: أن الله تعالى قد افترضَ اجتنابَ وطئهن في حيضهن حتى يطهرن من الحيض. وأما وجوبُ الكفارة، فمن المفردات، دليله: ما رواه الإمام أحمد بسنده، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: "يتصدَّقُ بدينار، أو بنصفِ دينارٍ" (٢). وفي رواية: "يتصدَّق بدينار، فإن لم يجد دينارًا، فنصف دينار" (٣).

стр. 614

وروى اللفظ الأول أيضاً: أبو داود، وابن ماجه، والنسائي، والحاكم، وصححه (١)، وقال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة: دينارٌ أو نصف دينار، وربما لم يرفعه شعبة (٢). وقد صحح هذا الحديث ابنُ القطان -أيضاً- (٣). وقال أبو داود: سمعت أحمدَ يقول -وقد سئل عن الرجل يأتي امرأته وهي حائض-: ما أحسنَ حديثَ عبد الحميد! قيل له: فتذهب إليه؟ قال: نعم، يعني: اللفظ الأول (٤). وقال أكثر العلماء: لا يلؤمه شيء إلا التوبة فقط مطلقًا، وهو قول الأئمة الثلاثة، واختاره منا: أبو بكر في "التنبيه"، وابن عبدوس في "تذكرته"، وجزم به في "الوجيز"، وإليه ميل الموفق، والشارح، وقدمه ابن تميم (٥). قال في "المغني": وهو قولُ أكثر أهل العلم؛ لأنه وطءٌ حرم للأذى (٦). أو وطء لا لأجل العبادة، فلم يوجب كفارة؛ كالوطء في الموضع المكروه، وكالزنا. وفي الحديث اضطراب، وإن ثبت، حُمل على الاستحباب.

стр. 615

وقد روى أبو بكر الشافعي في "فوائده" بإسناده، عن أبي قلابة: أن رجلًا أتى أبا بكر ﵁، فقال: رأيت في المنام كأني أبولُ الدمَ، فقال: "إنك تأتي امرأتَكُ وهي حائض"، فقال: نعم، فقال: "استغفرِ اللهَ ولا تَعُدْ"، قال أيوب: لا أراه ذكر كفارةً (١). والمذهب المعتمد: عليه الكفارة، والله أعلم. * * *

стр. 616

الحديث الرابع عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَّكِىءُ في حِجْرِي، فَيَقْرَأُ القُرْآنَ؛ وأَنا حَائِضٌ (١). (عن أم) المؤمنين (عائشة) الصدِّيقةِ (﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يتكىء)؛ أي: يضطجع، والتاء فيه مبدلة من واو. قال الخطابي: كل معتمدٍ على شيءٍ متمكنٍ منه، فهو متكئٌ عليه، كما

стр. 617

في "المطلع" (١). وفي باب الهمزة من "القاموس": توكَّأ عليه: تَحَمَّلَ واعتمدَ، كأَوْكَأَ، والتكَّاَةُ؛ كَهُمَزَة: العصا، وما يُتكَّاُ عليه، والرجلُ الكثيرُ الاتِّكاءِ (٢). قال الحافظ ابن حجر: المراد بالاتكاء: وضعُ رأسه في حِجْرها (٣)؛ أي: بدليل قولها (في حَجري) -بفتح الحاء وكسرها-، وهو الثوب والحضن، وتقدم في بول الغلام في حِجْره ﷺ . (فيقرأ) ﷺ (القرآن). وللبخاري في "التوحيد": عنها ﵂: كان يقرأ القرآن ورأسه في حجري (وأنا حائض) (٤). قال ابن دقيق العيد: فيه إشارةٌ إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قراءتها لو كانت جائزةً، لما توهم امتناعُ القراءة في حجرها، حتى احتيجَ إلى التنصيص عليها (٥). وفيه: جواز ملامسة الحائض، وأن ذاتها وثيابها طاهرة ما لم يتحقق نجاسة شيءٍ من ذلك، بالحيض ونحوه (٦). تنبيه: مما يمنعه الحيض: مسُّ المُصحف اتفاقًا، والقراءةُ؛ لقوله ﷺ : "لا

стр. 618

تقرأُ الحائضُ ولا الجُنُبُ شيئًا من القرآن" رواه أبو داود (١). وقيل: لا يمنع الحيضُ القراءةَ. وحُكي روايةً؛ وفاقًا لمالك في رواية عنه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميةَ -طيَّب الله تربته-، وقال: [إِنْ] (٢) ظنَّتْ نسيانَه، وجبت. ونقل الشَّالنجيُّ كراهتَها لها، ولجُنُب، وعنه: لا يقرأان، وهي أشدُّ، كما في "الفروع" (٣)، والله أعلم. * * *

стр. 619

الحديث الخامس عَنْ مُعَاذَةَ، قالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، ولا تَقْضِي الصَّلاَةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟! فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِّيةٍ، ولَكِنِّي أَسْأَلُ، قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُومَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، ولا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ (١).

стр. 620

(عن مُعَاذَةَ) -بضم الميم وبالعين المهملة فذالٌ معجمةٌ- تكنى: أُمَّ الصَّهْباء -بفتح الصاد المهملة وسكون الهاء فموحدة والمد- ابنةِ عبدِ الله، العدويَّةِ، التابعيةِ، البصريةِ، امرأةِ صِلَة بنِ أَشْيَمَ، وصِلَةُ -بكسر الصاد المهملة-، وأَشيَم -بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح المثناة تحت غير منصرفٍ-: صحابيٌّ توفي سنة خمسٍ وثلاثين. روت مُعاذةُ: عن علي، وهشامِ بن عامرٍ الأنصاريِّ، وعائشةَ، وغيرهم ﵃. وروى عنها: قتادةُ، وعاصمٌ الأحول، وغيرُهما. وكانت من العابدات الزاهدات، ففي "مسند سيدنا الإمام أحمد": عن محمد بن فضيل، عن أبيه، قال: كانت معاذة إذا جاء النهار، قالت: هذا يومي الذي أموتُ فيه، فما تنام حتى تمسي، وإذا جاء الليل، قالت: هذه ليلتي التي أموت فيها، فلا تنام حتى تصبح، وإذا جاء البرد، لبست الثيابَ الرقاق حتى يمنعَها البردُ من النوم (١). وقال: إنها لم تتوسَّدْ فراشًا بعدَ أبي الصهباء (٢)، وهو صهيبٌ البكريُّ التابعيُّ البصريُّ المشهور، مولى ابن عباسٍ ﵄. قال الإمام الحافظ ابن الجوزي في كتاب "النساء": وكانت تصلي كل يوم وليلةٍ ست مئة ركعة، وتقول: عجبتُ لعينٍ تنام وقد عرفَتْ طولَ الرُّقاد في ظُلَمِ القبر.

стр. 621

وقال: ولم ترفع رأسها إلى السماء أربعين سنةً، وقتل ابنُها وزوجُها في غَزاةٍ، واجتمع النساء عندها، فقالت: من جاءت تهنيني، فمرحبًا، ومن جاءت لغير ذلك، فلترجع (١). وقد روى لها الجماعة. قال الإمام يحيى بن معينٍ: هي حجةٌ ثقةٌ. قال الواقدي: توفيت سنة ثلاثٍ وثمانين - رحمها الله تعالى، ورضي عنها - (٢). (قالت) معاذة - رحمها الله تعالى -: (سألتُ عائشةَ) أمَّ المؤمنين (﵂، فقلت: ما بالُ الحائض)؛ أي: ما حالُها وشأنُها (تقضي الصومَ) إذا طهرت من حيضها، (ولا تقضي الصلاة)، مع أنهما فرضانِ لازمانِ لكل عاقل، وهما من أركان الإسلام الخمس؟ وفي لفظٍ للبخاري: قالت معاذة: إن امرأةً قالت لعائشة: أتجْزي إحدانا صلاتَها إذا طَهُرت؟ -بفتح أوله-؛ أي: أتقضي، و (صلاتَها) -بالنصب- على المفعولية، ويروى: أتُجزىءُ -بالضم والهمزة- (٣)؛ أي: أتكفي المرأةَ الصلاةُ الحاضرةُ وهي طاهرة، ولا تحتاج إلى قضاء الفائتة في زمن الحيض، فصلاتُها على هذا بالرفع على الفاعلية، والرواية الأولى أشهر (٤).

стр. 622

(فقالت) عائشة ﵂ مجيبةً لها، ومتعجبةً مما سألتها: (أحروريةٌ أنت؟) استفهامٌ إنكاريٌّ، والحروريُّ منسوبٌ إلى حَرُورٍ -بفتح الحاء وضم الراء المهملتين، وبعد الواو الساكنة راءٌ أيضاً-: بلدةٌ على ميلين من الكوفة، والأشهر: أنها بالمد (١). قال المبرِّد: النسبة إليها حروراوي، وكذا كل ما كان في آخره ألف تأنيثٍ ممدودةٍ، ولكن قيل: الحروري بحذف الزوائد (٢). ويقال لمن يعتقد مذهبَ الخوارج: حروريٌّ؛ لأن أول فرقة منهم خرجوا على علي - رضوان الله عليه - بالبلدةِ المذكورة، فاشتهروا بالنسبة إليها، وهم فرقٌ كثيرةٌ، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم: الأخذُ بما دلَّ عليه القرآن، وردُّ ما زاد عليه من الحديث مطلقًا؛ ولهذا استفهمت عائشةُ معاذةَ استفهامًا إنكاريا (٣). (فقلت)؛ أي: فقالت لها معاذة: (لستُ بحروريةٍ). وفي لفظٍ: فقلت: لا (٤)؛ (ولكنـ[ـي] أسأل)؛ أي: سؤالًا مجردًا لطلب العلم، لا لتعنتٍ. وفهمت عائشة ﵂ طلبَ الدليل منها على ذلك. (قالت) عائشةُ مجيبةً لمعاذةَ لمطلوبها: (كان يصيبنا ذلك)؛ أي: الحيضُ على عهد رسول الله ﷺ (فنؤمَرُ) -بالبناء للمفعول-؛ أي: يأمرنا

стр. 623

رسول الله ﷺ (بقضاء الصوم) إذا طهرنا. (ولا نؤمر)؛ أي: ولا يأمرنا (بقضاء الصلاة). وفي لفظٍ: كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله ﷺ ، ثم لا تؤمر بقضاءٍ (١). وفي آخر: قد كُنَّ نساء رسول الله ﷺ يَحِضْنَ، أفأُمرنَ أن يَجْزِينَ؟!. قال محمد بن جعفر تلميذ شعبة: يعني: يقضين، انتهى (٢). وهذا استفهامُ ردعٍ وإنكارٍ. وفي البخاري عند الإسماعيلي من وجهٍ آخرٍ: فلم نكنْ نقضي، وهو أوضحُ في الاستدلال من قولها: فلم نؤمر؛ لأن عدمَ الأمر بالقضاء هنا، قد ينازع في الاستدلال به على عدم الوجوب؛ لاحتمال الاكتفاء بالدليل المعلوم على وجوب القضاء، بخلاف: فلم نقض؛ فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٣). وقولها: لستُ بحروريةٍ، ولكنـ[ـي] أسأل، من أفراد مسلمٍ، واقتصرت عائشة ﵂ على الدليل دون التعليل. والذي ذكره العلماء في الفرق بين الصلاة والصيام: أن الصلاة تتكرر، فتعظُم المشقة، ويحصُل بوجوب القضاء حرجٌ، بخلاف الصيام. ووجه دلالة ما أبدته عائشة على المطلوب: أن الحاجة ماسةٌ إلى بيان هذا الحكم؛ لتكرر الحيضِ منهن على عهده ﷺ ، وعلمِه بذلك، فحيثُ لم

стр. 624

يبينْ، دلَّ على عدم الوجوب؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غيرُ جائزٍ، ولاسيما وقد اقترن بهذا الأمرُ بقضاء الصوم (١). وتقدم في حديث أول الباب انعقادُ الإجماع على عدم القضاء؛ فقد نقل ابن المنذر (٢) وغيره إجماعَ أهل العلم على ذلك. وروى عبد الرزاق، عن معمرٍ: أنه سأل الزهري عنه، فقال: أجمع الناس عليه (٣). وحكى ابن عبد البر عن طائفةٍ من الخوارج: أنهم كانوا يوجبونه (٤). وعن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ: أنه كان يأمر به، فأنكرت عليه أُمُّ سلمَة (٥)، لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب، كما قال الزهري وغيره. قال في "الفروع": ولعل المراد: إلا ركعتي الطواف؛ لأنهما نسكٌ لا آخرَ لوقته، فَيُعَايا بها. قال: ويتوجَّه: أنَّ وصفه ﵇ لها بنقصان الدين بترك الصلاة زمنَ الحيضِ، يقتضي أَلَّا تُثاب عليها؛ ولأن نيَّتها تركُها زمن الحيض، وفضلُ الله يؤتيه من يشاء، بخلاف المريض والمسافر (٦). * * *

стр. 625

كتاب الصلاة قد قدمنا في صدر كتاب الطهارة مناسبةَ تقديمها على الصلاة؛ لتقدم الشرط على المشروط، والوسيلة على المقصود. والصلاة في اللغة: الدعاء. قال الله -تعالى-: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ادع لهم. وقال الأعشى: [من المتقارب] وَقَابَلَهَا الرِّيحُ في دَنِّهَا ... وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ (١) أي: دعا وكبر. وهي مشتقة من الصَّلَوَيْن، واحدُهما: صَلا، كَعَصَا، وهما عِرْقان من جانبي الذنب. وقيل: عظمان ينحنيان في الركوع والسجود. وقال ابن سيدَهْ: الصلاة: وسط الظهر من الإنسان، ومن كل ذي أربع (٢). وقيل: هو ما انحدر من الو [ر] كين، وقيل: الفُرْجَة التي بين الجاعرة والذنب، وقيل: هو ما عن يمين الذنب وشماله.

стр. 626

وقيل في اشتقاق الصلاة غيرُ ذلك (١). وفي الشرع: الأفعال المعلومة؛ من القيام والقعود، والركوع والسجود، والقراءة والذكر، وغير ذلك. وسميت بذلك؛ لاشتمالها على الدعاء (٢). * * *

стр. 627

باب المواقيت جمع ميقات، والأوقاتُ جمعُ وقتٍ، وهو لغةً: مقدارٌ من الزمان ؤمفروضٌ لأمر ما، وكل شيءٍ قَدَّرْتَ له حينًا، فقد وَقَّتَّهُ توقيتًا، وقد استُعير الوقتُ للمكان، ومنه: مواقيتُ الحج: لمواضع الإحرام، ووَقَّت اللهُ الصلاة توقيتًا، وَوَقَتها، يَقِتُها؛ من باب وَعَد: حدَّد لها وقتًا، ثم قيل لكل شيءٍ محدود: موقوت (١). وكتابًا موقوتًا؛ أي: مفروضًا في الأوقات (٢). قال في "الفروع": سبب وجوب الصلاة: الوقت؛ لأنها تضاف إليه، وهي تدل على السببية، وتتكرر بتكرره، وهو سبب نفس الوجوب، إذ سبب وجوب الأداء الخطاب (٣). وذكر الحافظ - قدَّس الله روحه - في هذا الباب أحدَ عشرَ حديثًا. * * *

стр. 628

الحديث الأول عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، وَاسْمُهُ: سَعْدُ بْنُ إِياسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ -وَأَشَارَ بيَدِهِ إلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللهِ تَعَالَى؟ قَالَ: "الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الوَالِدَيْنِ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ"، قال: حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ، لَزَادَني (١).

стр. 629

(عن أبي عمرٍو الشيباني) التابعيِّ (واسمه: سعدُ بن إياس) -بكسر الهمزة وتخفيف المثناة تحت-، والشيباني -بفتح الشين المعجمة-؛ لأنه من بني شَيبان. وتقدمت هذه النسبة في ترجمة سيدنا الإمام أحمد ﵁، وربما قيل لأبي عمرو هذا: البكريُّ، نسبةً إلى بَكْرِ -بفتح الموحدة- ابنِ وائل، وهو مخضرَمٌ أدركَ الجاهلية والإسلام. قال: أذكر أني سمعتُ برسول الله ﷺ وأنا أرعى إبلًا لأهلي بكاظِمَةَ، فقيل: خرج نبيٌّ بتهامة (١). وهو معدود من التابعين؛ لعدم رؤيته النبيَّ ﷺ . وكان من أصحاب ابن مسعود، يروي عنه كثيراً، وعن علي، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وغيرهم. وروى عنه: الشعبيُّ، والأعمش، وسَلَمَةُ بنُ كُهَيْل، وغيرُهم. قال يحيى بن معين: هو ثقةٌ، زاد هبة الله بن الحسن: مجمَعٌ على ثقته. مات سنة إحدى ومئةٍ، وقيل: سنة خمسٍ وتسعين، وعمره يوم مات مئة وعشرون سنةً (٢).

стр. 630

(قال) أبو عمرٍو الشيبانيُّ: (حدثني صاحبُ هذه الدار، وأشار) أبو عميرٍو (بيده إلى دار عبد الله بن مسعودٍ ﵁). في هذا: الاكتفاءُ بالإشارة المفهِمة عن التصريح، وقد صرح باسم ابن مسعودٍ في رواياتٍ عند الإمام أحمد (١)، وعند البخاري في: الجهاد (٢)، ومسلم في: التوحيد (٣)، والنسائي (٤)، وغيرهم (٥). وعبد الله بن مسعودٍ: هو أبو عبد الرحمن بنُ مسعودِ بنِ غافل -بالغين المعجمة والفاء -بن شَمْخٍ -بفتح الشين المعجمة وسكون الميم وبالخاء المعجمة-. وقيل: ابن حبيب بن شمخٍ بن قار -بالقاف-، وقيل:- بالفاء والراء المخففة-، وعليه اقتصر النووي (٦)، بنِ مخزوم بن صاعد -بالصاد والعين المهملتين- بنِ كاهل بنِ الحارث بنِ تميم بنِ سعد بنِ هُذيل بنِ مُدْركة بن إلياسَ بنِ مضرَ، الهذليُّ، حليفُ بني زهرة، وأمُّه أمُّ عبدٍ بنتُ عبدِ وَدِّ بنِ سواء، من هذيلٍ، أسلمت وهاجرت. وكان إسلام عبد الله قديمًا في أول البعثة، حين إسلام سعيد بن زيد وزوجته فاطمةَ بنتِ الخطاب قبلَ عمر بزمانٍ. وقيل: إنه كان سادسًا في الإسلام.

стр. 631

وفي "الصحيحين" مرفوعًا: "خُذُوا القرآنَ عن أربعٍ: عن عبدِ الله، وسالمٍ مولى أبي حُذَيفة، ومُعاذٍ، وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ" (١). وروى الدارقطني أنه قال ﵁: لقد رأيتُني سادسَ ستة، وما على الأرض مسلمٌ غيرُنا (٢). وكان صاحبَ سواكِ رسول الله ﷺ ، ونعلِه وطهورِه في سفره. وقال له ﷺ : "إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ ترفعَ الحجابَ، وتسمعَ سِوادي" (٣)، وهو بكسر السين: السرار. وفي "مسند الإمام أحمد": سوادي: سري، قال: أَحَلَّ له أن يسمعَ سِرَّه (٤). وروى الإمام أحمد عنه، قال: كنتُ لا أُحْبَس عن النجوى، وعن كذا، وعن كذا (٥).

стр. 632

هاجر للحبشه، وشهد بدرًا وما بعدها، وصلَّى إلى القبلتين، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وقال ﷺ : "رَضيتُ لأُمَّتِي ما رَضِيَ لها ابنُ أُمِّ عَبْدٍ" (١). وكان يشبهُ النبيَّ ﷺ في سَمْته وهَدْيه؛ كما ثبت ذلك في "صحيح البخاري" من حديث حذيفة (٢). وكان ﵁ خفيفَ اللحم، شديدَ الأُدْمَة، قصيرًا، يكاد طِوالُ الرجالِ إذا جلس يوازيه قائمًا. وليَ القضاءَ بالكوفة، وبيتَ المال بها لعمرَ بن الخطاب ﵁، وصدرًا من خلافة عثمان ﵁، ثم جاء فوالي المدينة المنورة، فمات بها سنة اثنتين. وقيل: ثلاث وثلاثين، ودفن بالبقيع، كما قاله ابن الأثير في "جامع الأصول" (٣). وجزم به الإمام الحافظ ابن الجوزي، قال: وهو ابن بضع وستين سنةً. روى عنه: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومن بعدهم من الصحابة ﵃. روي عنه عن رسول الله ﷺ ثمانُ مئةٍ وثمانيةٌ وأربعون حديثًا، وأسقط ابن الجوزي الثمانية الزائدة على الأربعين، اتفقا منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحدٍ وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين (٤).

стр. 633

فمما اتفقا عليه من حديثه: هذا الحديث، وهو قوله ﵁: (قال: سألت النبي ﷺ : أيُّ العمل أحبُّ إلى الله تعالى؟). وفي رواية: أيُّ العمل أفضل (١)؟ وإنما سأل ﵁ عن ذلك؛ طلبًا لمعرفة ما ينبغي تقديمُه منها؛ حرصًا على معرفة الأفضل؛ ليتأكد القصد إليه، وتشتد المحافظة عليه (٢). ومعنى المحبة من الله تعالى: تعلُّق الإرادة بالثواب؛ أي: أكثر الأعمال توابًا، قاله ابن العربي (٣). (قال) ﵊: (الصلاة على وقتها). هكذا رواية شعبة وأكثر الرواة. وفي رواية الإمام أحمد، ولهما، وغيرهم: "لوقتها" (٤). و"على" قيل: هي بمعنى اللام، وقيل: لإرادة الاستعلاء على الوقت.

стр. 634

وفائدته: تحقيق دخوله ليقع الأداء فيه، واللام: للاستقبال، مثل قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ أي: مستقبلاتٍ عِدَّتَهن. وقيل: للابتداء؛ كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقيل: بمعنى: في؛ أي: في وقتها، كما في رواية علي بن حفص، وهو شيخٌ صدوقٌ من رجال مسلمٍ من أصحاب شعبة، فقال: الصلاة في أول وقتها، إلا أنه كبر، وتغير حفظه. قال الحافظ ابن حجر: ورواه الحسن بن علي المعمري في "اليوم والليلة"، عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، كذلك. قال: والظاهر: أن المعمري وَهِمَ فيه. وأطلق النووي في "شرح المهذب": أن رواية "في أول وقتها" ضعيفةٌ (١). وفيه نظر؛ لأن لها طريقًا أخرى أخرجها ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم (٢)، وغيرهما (٣). تنبيهان: الأول: لعل الأعمال محمولة هنا على البدنية، كما قيل: أفضلُ عبادات البدن: الصلاة، واحترزوا عن عبادات المال. وأما عملُ القلوب: ففيه ما هو أفضل؛ كالإيمان (٤).

стр. 635

وذكر أكثر علمائنا: أن أفضل الأعمال بعدَ الجهاد والعلم: الصلاةُ؛ خلافًا للشافعي في تقديمها؛ للأخبار في أنها أحبُّ الأعمال إلى الله، وخيرُها، ولأن مداومته ﷺ على فعلها أشدُّ، ولقتل مَنْ تركها تهاونًا، ولتقديم فرضِها، وإنما أضاف إليه سبحانه الصومَ في قوله: "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصومَ، فإنه لي" (١)؛ لأنه لم يُتعبد به غيرُه في جميع المِلل، بخلاف غيره. وإضافةُ عبادةٍ إلى غير الله قبل الإسلام لا يوجب عدمَ أفضليَّتها في الإسلام؛ [فإن] (٢) الصلاة في الصفا والمروة أعظمُ منها في مسجد من مساجد قرى الشام إجماعًا، وإن كان ذلك المسجدُ ما عُبِدَ فيه غيرُ الله قَطُّ، وقد أضافه إليه بقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، فكذا الصلاةُ مع الصوم (٣). ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره؛ مما اختلفتْ فيه الأجوبةُ بأنه أفضلُ الأعمالط بأن الجواب: إنما اختلف لاختلاف السائلين؛ فأعلمَ كلَّ قومٍ بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبةٌ، أو بما هو لائقٌ بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات؛ بأن يكون العملُ في ذلك الوقت أفضلَ منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضلَ الأعمال (٤). قال ابن دقيق العيد: مثال ذلك: أن يُحمل ما ورد عنه ﷺ من قوله:
следующие страницы →