← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وفي "الصحيحين" مرفوعًا: "خُذُوا القرآنَ عن أربعٍ: عن عبدِ الله، وسالمٍ مولى أبي حُذَيفة، ومُعاذٍ، وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ" (١). وروى الدارقطني أنه قال ﵁: لقد رأيتُني سادسَ ستة، وما على الأرض مسلمٌ غيرُنا (٢). وكان صاحبَ سواكِ رسول الله ﷺ ، ونعلِه وطهورِه في سفره. وقال له ﷺ : "إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ ترفعَ الحجابَ، وتسمعَ سِوادي" (٣)، وهو بكسر السين: السرار. وفي "مسند الإمام أحمد": سوادي: سري، قال: أَحَلَّ له أن يسمعَ سِرَّه (٤). وروى الإمام أحمد عنه، قال: كنتُ لا أُحْبَس عن النجوى، وعن كذا، وعن كذا (٥).

стр. 632

هاجر للحبشه، وشهد بدرًا وما بعدها، وصلَّى إلى القبلتين، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وقال ﷺ : "رَضيتُ لأُمَّتِي ما رَضِيَ لها ابنُ أُمِّ عَبْدٍ" (١). وكان يشبهُ النبيَّ ﷺ في سَمْته وهَدْيه؛ كما ثبت ذلك في "صحيح البخاري" من حديث حذيفة (٢). وكان ﵁ خفيفَ اللحم، شديدَ الأُدْمَة، قصيرًا، يكاد طِوالُ الرجالِ إذا جلس يوازيه قائمًا. وليَ القضاءَ بالكوفة، وبيتَ المال بها لعمرَ بن الخطاب ﵁، وصدرًا من خلافة عثمان ﵁، ثم جاء فوالي المدينة المنورة، فمات بها سنة اثنتين. وقيل: ثلاث وثلاثين، ودفن بالبقيع، كما قاله ابن الأثير في "جامع الأصول" (٣). وجزم به الإمام الحافظ ابن الجوزي، قال: وهو ابن بضع وستين سنةً. روى عنه: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومن بعدهم من الصحابة ﵃. روي عنه عن رسول الله ﷺ ثمانُ مئةٍ وثمانيةٌ وأربعون حديثًا، وأسقط ابن الجوزي الثمانية الزائدة على الأربعين، اتفقا منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحدٍ وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين (٤).

стр. 633

فمما اتفقا عليه من حديثه: هذا الحديث، وهو قوله ﵁: (قال: سألت النبي ﷺ : أيُّ العمل أحبُّ إلى الله تعالى؟). وفي رواية: أيُّ العمل أفضل (١)؟ وإنما سأل ﵁ عن ذلك؛ طلبًا لمعرفة ما ينبغي تقديمُه منها؛ حرصًا على معرفة الأفضل؛ ليتأكد القصد إليه، وتشتد المحافظة عليه (٢). ومعنى المحبة من الله تعالى: تعلُّق الإرادة بالثواب؛ أي: أكثر الأعمال توابًا، قاله ابن العربي (٣). (قال) ﵊: (الصلاة على وقتها). هكذا رواية شعبة وأكثر الرواة. وفي رواية الإمام أحمد، ولهما، وغيرهم: "لوقتها" (٤). و"على" قيل: هي بمعنى اللام، وقيل: لإرادة الاستعلاء على الوقت.

стр. 634

وفائدته: تحقيق دخوله ليقع الأداء فيه، واللام: للاستقبال، مثل قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ أي: مستقبلاتٍ عِدَّتَهن. وقيل: للابتداء؛ كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقيل: بمعنى: في؛ أي: في وقتها، كما في رواية علي بن حفص، وهو شيخٌ صدوقٌ من رجال مسلمٍ من أصحاب شعبة، فقال: الصلاة في أول وقتها، إلا أنه كبر، وتغير حفظه. قال الحافظ ابن حجر: ورواه الحسن بن علي المعمري في "اليوم والليلة"، عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، كذلك. قال: والظاهر: أن المعمري وَهِمَ فيه. وأطلق النووي في "شرح المهذب": أن رواية "في أول وقتها" ضعيفةٌ (١). وفيه نظر؛ لأن لها طريقًا أخرى أخرجها ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم (٢)، وغيرهما (٣). تنبيهان: الأول: لعل الأعمال محمولة هنا على البدنية، كما قيل: أفضلُ عبادات البدن: الصلاة، واحترزوا عن عبادات المال. وأما عملُ القلوب: ففيه ما هو أفضل؛ كالإيمان (٤).

стр. 635

وذكر أكثر علمائنا: أن أفضل الأعمال بعدَ الجهاد والعلم: الصلاةُ؛ خلافًا للشافعي في تقديمها؛ للأخبار في أنها أحبُّ الأعمال إلى الله، وخيرُها، ولأن مداومته ﷺ على فعلها أشدُّ، ولقتل مَنْ تركها تهاونًا، ولتقديم فرضِها، وإنما أضاف إليه سبحانه الصومَ في قوله: "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصومَ، فإنه لي" (١)؛ لأنه لم يُتعبد به غيرُه في جميع المِلل، بخلاف غيره. وإضافةُ عبادةٍ إلى غير الله قبل الإسلام لا يوجب عدمَ أفضليَّتها في الإسلام؛ [فإن] (٢) الصلاة في الصفا والمروة أعظمُ منها في مسجد من مساجد قرى الشام إجماعًا، وإن كان ذلك المسجدُ ما عُبِدَ فيه غيرُ الله قَطُّ، وقد أضافه إليه بقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، فكذا الصلاةُ مع الصوم (٣). ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره؛ مما اختلفتْ فيه الأجوبةُ بأنه أفضلُ الأعمالط بأن الجواب: إنما اختلف لاختلاف السائلين؛ فأعلمَ كلَّ قومٍ بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبةٌ، أو بما هو لائقٌ بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات؛ بأن يكون العملُ في ذلك الوقت أفضلَ منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضلَ الأعمال (٤). قال ابن دقيق العيد: مثال ذلك: أن يُحمل ما ورد عنه ﷺ من قوله:

стр. 636

"ألا أخبرُكم بأَفضلِ أعمالِكم، وأزكاها عندَ مَليكِكم، وأرفعِها في درجاتكم؟ " (١)، وفسره بذكر الله، على أن يكون ذلك أفضلَ الأعمال بالنسبة للمخاطبين بذلك، أو مَنْ هو في مثل حالهم، ولو خوطب بذلك الشجاعُ الباسلُ المتأهِّلُ للنفع الأكبر في القتال، لقيل له: الجهاد، ولو خوطب به مَنْ لا يقوم مقامَ هذا في القتال، ولا يتمحَّضُ حالُه لصلاحية التبتُّل للذكر، وكان غنيًا ينتفع بصدقة ماله، لقيل له: الصدقةُ، وهكذا في بقية أحوال الناس، قد يكون الأفضلُ في حق هذا، مخالفًا للأفضل في حق ذاك، بحسب ترجيح المصلحة التي تليق به، انتهى (٢). وقد تظافرت النصوص على أن الصلاة أفضلُ من الصدقة، ومع ذلك، ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضلَ. أو تحمل أن صيغة "أفضل" ليست على بابها، بل المراد: إثباتُ الفضلِ لها، أو المر اد: من أفضل الأعمال، فحذفت "من"، وهي مرادةٌ (٣). الثاني: البدار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضلُ من التراخي فيها؛ لأنه إنما شُرط فيها أن تكون أحبَّ الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحبِّ، قاله ابن بطال (٤). وقال ابن دقيق العيد: ليس في هذا الحديث ما يقتضي أولَ الوقت أو آخرَه، وكأن المقصود منه الاحترازُ عما إذا وقعت خارجَ الوقت قضاءً (٥).

стр. 637

وتُعقب: بأن إخراجها عن وقتها محرَّمٌ، ولفظ "أَحَبّ": يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المرادُ الاحترازَ عن إيقاعها آخر الوقت. وأجيب: بأن المشاركة إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال؛ فإن وقعت الصلاة في وقتها، كانت أحبَّ إلى الله من غيرها من الأعمال، فوقع الاحترازُ عما إذا وقعت خارجَ وقئها من معذورٍ؛ كالنائم، والناسي؛ فإن إخراجه لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم، ولا بكونه أفضلَ الأعمال، مع كونه محبوبًا، لكن إيقاعها في الوقت أحبُّ (١). (قلت: ثم أيُّ؟)، قيل: الصوابُ عدم تنوين "أي"؛ لأنه غير موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوينُ لا يوقف عليه، فتنوينُه ووصله بما بعدَه خطأ، بل يوقف عليه وقفةً لطيفةً، ثم يؤتى بما بعده، قاله الفاكهاني. وحكى ابن الجوزي عن ابن الخشاب الجزمَ بتنوينه؛ لأنه معربٌ غير مضافٍ (٢). وفيه: بأنه مضاف تقديرًا، والمضاف إليه محذوفٌ لفظًا. والتقدير: ثم أيُّ العمل أحبُّ؟ فيوقف عليه بلا تنوينٍ. وقد نص سيبويه على أنها تبنى إذا أُضيفت؛ أي: وحُذف صدرُ صلتها (٣). واستشكله الزجَّاجُ، فقال: ما تبين لي أن سيبويهِ غلط إلا في موضعين؛

стр. 638

هذا أحدهما، فإنه يسلم أنها تعرب إذا أفردت، فكيف يقول ببنائها إذا أضيفت؟!. وقد أجيب عنه: بما هو مذكورٌ في محالِّهِ (١). (قال) ﷺ : (بِرُّ الوالدين). وفي رواية: بزيادة: ثم (٢). قال بعضهم: هذا الحديث موافقٌ لقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وكأنه أخذه من تفسير ابن عُينية حيث قال: من صلَّى الصلواتِ الخمس، فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه عقبَها، فقد شكر لهما (٣). وقدم في هذا الحديث بر الوالدين على الجهاد، وهو دليلٌ على تعظيمه، ولا شك في أن أذى الوالدين في غير ما يجبُ ممنوعٌ منه، وأما ما يجب من البر في غير هذا، ففي ضبطه إشكالٌ كبيرٌ، قاله ابن دقيق العيد (٤). وقال ابن التين: تقديمُ البر على الجهاد يحتمل وجهين: أحدهما: التعدية إلى نفع الغير. والثاني: أن الذي يفعله يرى أنه مكافأةٌ على فعلهما، فكأنه يرى أن غيره أفضلُ منه، فنبهه على إثبات الفضيلة فيه. قال الحافظ ابن حجر: والأول ليس لواضحٍ، ويحتمل أنه قُدِّم لتوقف الجهاد عليه؛ إذ من بر الوالدين استئذانُهما في الجهاد؛ لثبوت النهي عن

стр. 639

الحهاد بغير إذنهما (١)، وقوله ﷺ : "ففيهما فجاهِدْ" (٢). وفي "مسند الإمام أحمد"، من حديث أبي سعيد ﵁: هاجر وجلٌ، فقال له النبيُّ ﷺ : "هل باليمنِ أبواك؟ "، قال: نعم، قال: "أَذِنا لك؟ "، قال: لا، قال: "ارجعْ فاستأذِنْهما، فإن أذنا لك، وإلا فبرَّهما" (٣). ولا ريب أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، والله أعلم. (قلت: تْم أي؟)؛ أي: أيُّ العمل بعدَ برِّ الوالدين أحبُّ إلى الله تعالى؟ (قال: الجهاد في سبيل الله). ولا شك أن مرتبة الجهاد في الدين عظيمة، والقياس يقتضي أنه أفضل من سائر الأعمال التي هي وسائل؛ فإن العبادات على قسمين؛ منها ما هو مقصود لنفسه، ومنها ما هو وسيلةٌ إلى غيره، وفضيلةُ الوسيلة لحسب فضيلة المتوسَّل إليه، فحيث تعظُمُ فضيلة المتوسَّل إليه، تعظُمُ فضيلة الوسيلة، ولما كان الجهاد في سبيل الله وسيلةً إلى إعلانِ الدين ونشره، وإخمالِ الكفر ودَحْضِه، كانت فضيلةُ الجهاد بحسب فضيلة ذلك (٤). ولهذا كان المعتمَدُ عند علمائنا: أنه أفضل تطوُّعات البدن، أطلقَه

стр. 640

الإمامُ والأصحاب، كما في "الفروع"، فالنفقةُ فيه أفضلُ. ونقل جماعةٌ: الصدقةُ على قريبه المحتاج أفضلُ، مع عدم الحاجة إليه، ذكره الخلال وغيره (١). ويأتي الكلام عليه في بابه -إن شاء الله تعالى-. (قال) ابن مسعودٍ ﵁: (حدثني بهن)؛ أي: الخصالِ المذكورةِ ([رَسُولُ الله ﷺ ]). وفيه: تقريرٌ وتأكيدٌ لما تقدم، وأنه باشر السؤال وسمع الجواب. (ولو استزدتُه) ﷺ ، (لزادني)؛ من هذا النوع، وهي مراتب أفضل الأعمال، أو من مطلق المسائل المحتاج إليها. زاد الترمذي، من طريق المسعودي، عن الوليد:. فسكت عني رسولُ الله ﷺ ، ولو استزدتُه لزادني (٢)؛ فكأنه استشعر منه مشقةً. ويؤيده ما في روايةٍ لمسلم: فما تركت أستزيده إلا [إ] رعاء عليه (٣)؛ أي: مشقةً عليه؛ لئلا يسأم (٤). وفي الحديث: تعظيم بر الوالدين، وأن أعمال البر يفضل بعضُها على بعضٍ. وفيه: السؤال عن مسائلَ شتى في وقتٍ واحدٍ، والرفقُ بالعالم، والتوقُّفُ عن الإكثار عليه خشيةَ ملاله، وما كان عليه الصحابةُ من تعظيمِ النبي ﷺ ، والشفقةِ عليه ﷺ ، وغير ذلك، والله أعلم (٥).

стр. 641

الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ المُؤمِنَاتِ، مُتَلَفِّعَاتٍ بمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلى بُيُوتِهِنَّ لا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الغَلَسِ (١).

стр. 642

المُرُوطُ: أَكْسِيَةٌ مُعْلَمَةٌ تَكُونُ مِنْ خَزٍّ، وتَكُونُ مِنْ صُوفٍ. ومُتَلَفِّعَاتٍ: مُتَلَحِّفاتٍ. والغَلَسُ: اخْتِلاطُ ضِياءِ الصُّبْح بظُلْمَةِ اللَّيلِ. (عن) أم المؤمنين (عائشة) الصدّيقةِ (﵂، قالت: لقد كان رسول الله ﷺ يصلِّي الفجر)؛ أي: بغَلَس، (فيشهد الصلاة معه نساءٌ من المؤمنات). وفي رواية عند البخاري: نساءُ المؤمنات (١)، بإسقاط "من". قال الحافظ ابن حجر: تقديرُه: نساءُ الأنفسِ المؤمناتِ، ونحو ذلك، حتى لا يكون من إضافة الشيء إلى نفسه. وقيل: إن "نساء" هنا، بمعنى: الفاضلات؛ أي: فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم؛ أي: فضلاؤهم (٢). (متلفعاتٍ)؛ أي: متجلِّلات ومتلحِّفات (بمروطهنَّ)؛ جمعُ مِرْط -بكسر الميم-: وهو كساءٌ معلمٌ من خزٍّ، أو صوفٍ، أو غير ذلك. وقيل: لا يسمى مرطًا، إلا إذا كان أخضر، ولا يلبسه إلا النساء، وهو مردودٌ بقوله: من شعرٍ أسودٍ (٣). وقال في "النهاية": قوله: متلفعات بمروطهن؛ أي: متلفعات بأكسيتهن. واللفاع: ثوبٌ يجلَّل به الجسدُ كله، كساءً كان أو غيره، وتَلَفَّعَ

стр. 643

بالثوب: إذا اشتمل [به]، ومنه: حديثُ عليٍّ وفاطمة: وقد دخلْنا في لِفاعِنا (١)؛ أي: لِحافِنا (٢). وقال: في قوله: كان يصلي في مروط نسائه؛ أي: أكسيتهن، الواحد: مرط، ويكون من صوفٍ، وربما كان من خَزّ، أو غيرِه، انتهى (٣). (ثم يرجعن). وفي لفظٍ لهما: ثم ينقلبن (٤)؛ أي: بعد أداء الصلاة (إلى بيوتهن). (ما يعرفهن أحدٌ) من الرجال (من الغلس)، وفيه الحجة لمن يرى التغليس في صلاة الفجر، وتقديمها في أول الوقت، ولاسيما مع ما ورد من طول قراءة رسول الله ﷺ في صلاة الصبح (٥). وهذا أظهر الروايتين من مذهبنا؛ وفاقًا لمالك، والشافعي، أو يراعي أكثر المأمومين. الذي استقر عليه المذهب: الأفضلُ: التغليسُ. وقيل: الإسفار؛ وفاقًا لأبي حنيفة، لغير الحاج بمزدلفة. قال الحنفية في تعريفه: بحيث يقدر على قراءةٍ مسنونةٍ، وإعادتها لوضوء، وإعادة الوضوء قبل طلوع الشمس لو ظهر سهو، ولهم في الإسفار بسنة الفجر خلافٌ (٦).

стр. 644

ولنا: حديث: "أولُ الوقتِ رضوانُ الله، وأوسطُ الوقتِ رحمةُ الله، وآخرُ الوقت عفوُ الله" رواه ابن عدي، والدارقطني، وغيرهما (١). وروى الإمام أحمد، والشيخان من حديث أبي برزة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ ينفتل من صلاة الغداة حين يعرفُ أحدُنا جليسَه (٢). وروى أبو داود، والدارقطني، من حديث أبي مسعودٍ الأنصاري: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "نزلَ جبريلُ فأخبرني بوقتِ الصلاة، فصليت معه، ثم صلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه" يحسب بأصابعه خمسَ صلواتٍ، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلِّي الظهرَ حين تزول الشمس، وربما أخرها حين يشتدُّ الحر، ورأيته يصلِّي العصر والشمسُ مرتفعةٌ بيضاءُ، فينصرف الرجل من الصلاة فيأتي ذا الحُلَيفة قبل غروب الشمس، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس، ويصلي العشاء حين يسودُّ الأفق، وصلَّى الصبحَ مرة بغَلَسٍ، ثم صلى مرةً أخرى فأسفرَ، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات، ثم لم يَعُدْ إلى أن يُسْفِر (٣).

стр. 645

واحتج الحنفية للإسفار: بما رواه الترمذي، عن رافع بن خَديج ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَسْفِروا بالفجرِ؛ فإنه أعظمُ للأجر" (١). ورواه الإمام أحمد بلفظ: "أَصْبِحوا بالصبح؛ فإنه أعظمُ لأجورِكم، أو أعظمُ للأجر" (٢). قال الترمذي: هذا حديثٌ صحيحٌ، وهو محمولٌ على ما إذا تأخر الجيران. قال الحافظ ابن عبد الهادي: في "تنقيح التحقيق": ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، وأبو حاتم البُسْتي. وإنما حملناه على ما إذا تأخر الجيران؛ لما روى سعيدٌ الأمويُّ في "المغازي" بإسناده: أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن، قال له: "إذا كانَ الشتاءُ، فصلِّ الفجرَ في أولِ وقتِها، ثم أَطِلِ القراءةَ، وإذا كان في الصيفِ، فأسفرْ بالصبح؛ فإن الليلَ قصيرٌ، والناس ينامون" (٣). فانتظم لنا من الأحاديث ما قال به إمامنا، ولم نهمل منها شيئًا -ولله الحمد-. قال الحافظ ﵁: (المُروط): جمعُ مِرْطٍ، (أكسيةٌ معلَمةٌ

стр. 646

تكون من خَزٍّ، وتكون من صوفٍ) كما قدمناه عن صاحب "النهاية"، وغيره. (و) قوله: (متلفِّعاتٌ) -بالعين-، ويروى: متلِّففاتٍ -بالفاء- (١)، والمعنى متقاربٌ، إلا أن التلفُّع يستعمل في تغطية الرأس. قال ابن حبيب: لا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس. واستأنسوا في ذلك بقول عبيد بن الأبرص: [من الرمل] كَيْفَ يَرْجُونَ سُقُوطِي بَعْدَما ... لَفَعَ الرَّأسَ بَيَاضٌ وَصَلَعْ (٢) واللِّفاع: ما التُفع به، واللِّحاف: ما التُحِف به (٣)؛ أي: (متلحِّفات). (والغلسُ: اختلاطُ ضياءِ الصُّبحِ بظلمة الليل). قال في "النهاية": الغلس: الظلمة آخر الليل إذا اختلط بضوء الصباح، انتهى (٤). والغلس والغَبَش متقاربان، والفرق بينهما: أن الغلسَ في آخر الليل، وقد يكون الغبشُ في أوله وآخره. وأما من قال: الغبس -بالباء والسين المهملة-، فغلط (٥). * * *

стр. 647

الحديث الثالث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بالهَاجِرَةِ، والعَصْرَ والشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، والمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، والْعِشَاءَ أَحْيانًا وَأَحْيَانًا؛ إذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا؛ عَجَّلَ، وَإِذا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا، أَخَّرَ، والصُّبْحُ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ (١). * * * (عن جابر بن عبد الله) الأنصاريِّ (﵄، قال: كان

стр. 648

النبيُّ ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة)، وهي شده الحر في نصف النهار. والمراد: أنه كان يصليها في أول وقتها. فإن قيل: هذا يعارض الحديثَ الآخر: "إذا اشتدَّ الحرُّ، فأبردوا" (١)؛ لأن صيغة: (كان يفعل) تُشعر بالكثرة والدوام عرفاَّ؟ فالجواب: يمكن الجمعُ بينهما: بأن يكون أطلق اسم الهاجرة على الوقت الذي بعد الزوال مطلقًا؛ فإنه قد يكون فيه الهاجرة في وقتٍ، فيطلق على الوقت مطلقًا بطريق الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حر شديدٍ. وقد نقل عن صاحب "العين": أن الهجير والهاجرة: نصف النهار (٢). وفي "القاموس": والهَجيرُ، [و] الهجيرة، والهجر، [و] الهاجرة: نصفُ النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو: من عند زوالها إلى العصر؛ لأنَّ الناس يستكنُّون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، وشدَّةُ الحر، انتهى (٣). فظهر: أن ما بعد الزوال يسمى هاجرةً مطلقًا، والإبراد مقيدةٌ بحال شدة الحر، فإن وجدت شروط الإبراد، أبرد، وإلا، عجل (٤). قال الإمام ابن مفلح: ويُستحب تعجيلُها؛ بأن يتأهب لها بدخول الوقت، وذكر الأَزجيُّ قولًا: [لا] يتطهر قبلَه إلا مع حَرّ؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك.

стр. 649

وقيل: لقاصدِ جماعةٍ. قال جماعةٌ: ليمشي في الفيء، وقيل: في بلدٍ حارٍّ، وفاقًا للشافعي. وفي "الواضح": لا بِمَسْجِدِ سوقٍ. ولا تؤخر هي والمغرب [لِغَيمٍ] في رواية؛ وفاقًا لمالك، والشافعي، وعنه: بلى؛ وفاقًا لأبي حنيفة، فلو صلى وحده، فوجهان (١). قلت: الذي استقر عليه المذهب: استحبابُ الإبراد، ولو صلَّى وحده، والتأخير في غيمٍ لمن يصلي في جماعةٍ إلى قرب وقت الثانية في غير صلاة جمعةٍ، فيستحب تعجيلها في كل حالٍ بعد الزوال. نعم، يستحب تأخيرُ ظهرٍ لمن لم تجبْ عليه الجمعةُ إلى ما بعدَ صلاتها، ولمن يرمي الجمراتِ حتى يرميَها، والله أعلم (٢). (والعصرَ)؛ أي: وكان ﷺ يصلي العصر (والشمس نقية)؛ أي: حَيَّة لم يغشَها الاصفرارُ بعد. وفيه دليلٌ على تعجيلها؛ خلافًا لأبي حنيفة، حيث جعل وقتها بعد القامتين (٣). وفي "الصحيحين": كان يصلي الظهرَ حين تزول الشمس، والعصرَ يذهب الرجل إلى أقصى المدينة والشمسُ حية. ولفظ البخاري: يذهب إلى أقصى المدينة ويرجعُ والشمسُ حية (٤).

стр. 650

قال ابن المنير. المرادُ بحياتها: قوةُ أثرها حرارةً ولونًا وشعاعًا وإنارة، وذلك لا يكون بعد مصير الظل مثلي الشيء، انتهى (١). وفي "سنن أبي داود" بإسناد صحيح: عن خيثمة أحدِ التابعين، قال: حياتُها أن تجدَ حَرَّها (٢). فمتى صار ظلُّ الشيء مثلَه سوى ظل الزوال، دخل وقت العصر، ويستمرُّ وقتُ الاختيار إلى أن يصير ظل الشيء مثليه سوى ظل الزوال. وعنه: حتى تصفر الشمس، اختاره جماعة. قال في "الفروع": وهي أظهر؛ خلافًا للشافعي، والمذهبُ: الأولُ. وما بعد ذلك وقتُ ضرورة إلى غروبها، وتعجيلُها أفضلُ بكل حال؛ وفاقًا لمالك، والشافعي. وقال القاضي أبو يعلى: وقتُ الظهر على مذهب الإمام أحمد مثلُ وقت العصر؛ لأنه لا خلاف بين العلماء أن من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله ربعَ النهار، ويبقى الربع إلى الغروب. فقال له الخصم: طَرَفُ الشيء ما يقرب من نهايته؟ فقال: الطَّرَفُ ما زاد عن النصف، وهذا مشهور في اللغة، ثم بيَّن صحته بتفسير الآيتين (٣).

стр. 651

(و) كان ﷺ يصلي (المغرب)، وهو في الأصل: مصدرُ غَرَبَتِ الشمسُ غُروبًا ومَغْرِبًا، ثم سميت الصلاة مغربًا، أو على حذف مضاف؛ أي: صلاة المغرب (١) (إذا وجبت)؛ أي: غابت. وأصل الوجوب: السقوطُ (٢)، والمراد: سقوطُ قرص الشمس؛ بأن يغيب حاجبُها الفوقاني، وفاعل وجبت مستتر، وهو الشمس. وفي رواية أبي داود، عن مسلم بن إبراهيم: والمغربَ إذا غربت الشمسُ (٣). ولأبي عوانة، من طريق أبي النضر عن شعبة: والمغربَ حين تجبُ الشمس (٤)؛ أي: تسقط. وفيه دليلٌ: أن سقوط قرص الشمس يدخل به وقتُ المغرب، ولا يخفى أن محلَّه ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربةً وبين الرائي حائلٌ (٥). ويستدل على غروبها بطلوع الليل من المشرق. وقد قال ﷺ : "إذا غَرَبَتِ الشمسُ من هاهنا، وطلعَ الليلُ من هاهنا، فقد أفطرَ الصائمُ" (٦).

стр. 652

وإن لم يكن ثم حائل: فقال بعض أصحاب مالك: إن الوقت يدخل بغيبوبة الشمس وشعاعِها المستولي عليها. وقد استمر العملُ بصلاة المغرب عقبَ الغروب، وأخذ منه: أن وقتها واحد (١). (و) كان ﷺ يصلي (العشاء). قال الجوهري: العَشيُّ والعَشِيَّةُ: من صلاة المغرب إلى العَتَمة، والعشاء -بالمد والكسر- مثلُه. وزعم قومٌ أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، والعشاءان: المغرب والعتمة، انتهى (٢). قال في "المطلع": فكأنها سميت باسم الوقت الذي تقع فيه، كما ذكر في غيرها (٣). وقال الأزهري: والعشاء: هي التي كانت العرب تسميها العتمةَ، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك؛ يعني في قوله ﷺ -كما في حديث ابن عمر- ﵄ عند مسلم: "لا تَغْلِبَنَكمُ الأَعْرابُ على اسمِ صلاتِكم، ألا إِنها العشاءُ، وهم يُعْتِمونَ بالإِبِلِ" (٤). وفي لفظٍ: "فإنها في كتاب الله العِشاءُ" (٥).

стр. 653

ولم يخرج البخاري في هذا شيئًا، وإنما أخرج: "لا تغلبنكم الأعرابُ على اسمِ صلاتِكم المغربِ"، قال: "وتقول الأعراب: هي العشاء" (١). قال الأزهري: وإنما سَمَّوها عتمةً باسم عتمة الليل، وهي ظلمةُ أوله، وإعتامُهم بالإبل: إذا راحت عليهم النَّعَمُ بعد المساء، أناخوها، ولم يحلبوها حتى يُعتموا؛ أي: يدخلوا في عتمة الليل، وهي ظلمته، وكانوا يسمُّون تلكَ الحلبة: عتمةً باسم عتمةِ الليل. ثم قالوا: لصلاة العشاء: العتمة، لأنها تؤدَّى في ذلك الوقت. يقال: أعتم الليل، وعَتَمَ لغةٌ (٢). ولا يُكره تسمية العشاء بالعتمة على المعتمد؛ لما ثبت في عدة أحاديث تسميتُها بذلك. (أحيانًا وأحيانًا)، ولمسلم: أحيانًا يؤخرها، وأحيانًا يعجِّل (٣). كان ﷺ (إذا رآهم)؛ أي: الصحابةَ ﵃ قد (اجتمعوا، عَجَّل) بالصلاة (وإذا رآهم) ﷺ (أبطؤوا) عن الاجتماع، (أخَّر) الصلاةَ بمن حضر منتظرًا اجتماعَهم. وفي رواية للبخاري، من رواية مسلم بن إبراهيم، عن شعبة: إذا كثر الناسُ، عَجَّلَ، وإذا قَلُّوا أَخَّر (٤). ونحوه لأبي عوانة (٥).

стр. 654

والأحيان: جمعُ حِين، وهو اسمٌ مبهَمٌ يقع على قليل الزمان وكثيرِه، على المشهور (١). (والصبحُ: كان النبيُّ ﷺ يصلِّيها بغلَس) -بفتح اللام-: ظلمة آخر الليل، كما مر. * * *

стр. 655

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام تأليف الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن سالم السفاريني النابلسي الحنبلي المولود سنة (١١١٤ هـ) - والمتوفى سنة (١١٨٨ هـ) - رحمه الله تعالى - [المجلد الثاني] اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا نور الدين طالب

стр. 656

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 657

كَشْفُ اللِّثَامِ شَرح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ

стр. 658

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م رَقم الْإِيدَاع بمَكتَب الشؤون الفَنيَّة ٢٢/ ٢٠٠٧ م قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة الكويت - الرقعي - شَارِع مُحَمَّد بني الْقَاسِم بدالة: ٤٨٩٢٧٨٥ - داخلي: (٤٠٤) فاكس: ٥٣٧٨٤٤٧ موقعنا على الإنترنت www.islam.gov.kw قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والتصحيح العلمي والإخراج الفني والطباعة دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها الْعَام نور الدّين طَالب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ (٠٠٩٦٣١١) - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) www.daralnawader.com

стр. 659

الحديث الرابع عَنْ أَبِي المِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلاَمَةَ، قالَ: دَخَلْتُ أَنا وأَبِي عَلَى أَبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁، فَقَالَ لَهُ أَبي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي المَكْتُوبةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الهَجِيرَ التي تَدْعُونَهَا الأُوْلَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، ويُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنا إِلَى رَحْلِهِ في أَقْصَى المَدِينةِ؛ والشَّمْسُ حَيَّة، ونَسِيتُ ما قَالَ في المَغْرِبِ، وكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ العِشَاءِ الَّتي تَدْعُوْنَها العَتْمَةَ، وكان يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، والحَدِيثَ بَعْدَهَا، وكانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاَة الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، ويَقْرَا بالسِّتِّينَ إلى المِئَةِ (١).

стр. 660

(عن أبي المِنْهال سَيَّارِ بنِ سلامة)، أبو المِنْهال -بكسر الميم وسكون النون- اسمه: سَيَّار -بفتح السين المهملة وتشديد المثناة التحتية وآخره راء-. وأبوه: سَلَامةُ -بتخفيف اللام- الرِّيَاحيُّ -بكسر الراء وتخفيف الياء المثناة تحت والحاء المهملة- البصريُّ التميميُّ، من مشاهير التابعين. سمع: أبا برزةَ الأَسْلَمِيَّ، وأبا العاليةِ رُفَيعًا. سمع منه: عوفٌ، وشعبةُ، والتيميُّ، وخالدٌ الحَذَّاءُ، وغيرُهم. قال يحيى بن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق الحديث. قال الإمام أحمد: مات سنة تسع وعشرين ومئة، روى له الجماعة. قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": وسلامةُ والدُ سيار، حكى عنه ولدُه هنا. قال: ولم أجد مَنْ ترجمه. قال: وقد وقعت لابنه عنه رواية

стр. 661

في "الطبراني الكبير" في ذكر الحوض، انتهى (١). قال البرماوي: وسلامة الرياحي -يعني: والد سيار- ذكره العسكريُّ في "تاريخه" (٢). (قال) سيار: (دخلت أنا وأبي) سلامة الرياحيُّ البصريُ، زاد الإسماعيلي: زمنَ أُخْرِج ابنُ زياد من البصرة. قال في "الفتح": وكان ذلك في سنة أربع وستين (٣). (على أبي بَرْزَةَ) متعلقٌ بدخلتُ، وهو -بفتح الموحدة وسكون الراء بعدها زاي، واسمه: نَضْلَة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة- ابنُ عبيد -بالتصغير (الأسلميِّ) من ولد أَسْلَم -بفتح اللام- ابن أَفْصَى -بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الصاد المهملة-، فنسب إليه. وأبو برزة (﵁) أسلمَ قديمًا، وشهد فتح مكة، وهو الذي قتل ابنَ خَطَل- فيما قيل-، ولم يزل يغزو مع النبي ﷺ حتى قُبِض، فتحولَ ونزلَ بالبصرة، ثم غزا خراسان، ومات بِمَرْو، على الأشهر، وقيل: رجع للبصرة، ومات بها، وقيل: مات بمفازة بينَ سجستان وَهَرَاةَ -حكي هذا الخلاف في "تاريخ نيسابور"- سنة ستين، وقيل: أربعٍ وستين. روي له عن رسول الله ﷺ ستة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديثين،

стр. 662

وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعةٍ (١). قال أبو المنهال: (فقال له)؛ أي: لأبي برزة: (أبي) فاعلُ قال: (كيف كلان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة؟)؛ أي: المفروضة. واستدل به على أن الوتر ليس من المكتوبة؛ لكون أبي برزة لم يذكره. وفيه بحثٌ (٢). ولفظة: "كان" تشعر عرفًا بالدوام والتكرار، كما يقال: كان فلانٌ يكرم الضيف، وكان فلانٌ يقاتل العدو: إذا كان ذلك دَأْبَه وعادتَه. والألف واللام في "المكتوبة": للاستغراق؛ ولهذا أجاب أبو برزة ﵁ بذكر الصلواتِ كلَّها؛ لأنه فهم من السائل العمومَ (٣). (قال) أبو برزة ﵁: (كان) ﷺ (يصلي الهجيرَ)؛ أي: صلاة الهجير، والهجير والهاجرة بمعنًى واحدٍ، وهو وقت شدة الحر وقوته (٤).

стр. 663

وسميت الظهر بذلك؛ لأن وقتها يدخل حينئذٍ، ويكون الناس قد سكنوا من شدة الحر في بيوتهم، فكأنهم هجروا الاجتماع ومخالطةَ بعضهم بعضًا. (التي تدعونها الأولى): قيل: سميت الأولى؛ لأنها أولُ صلاة النهار. وقيل: لأنها أول صلاةٍ صلاها جبريلُ بالنبي ﷺ حين بيَّن له الصلواتِ الخمسَ (١). (حين تَدْحَضُ)؛ أي: تزولُ (الشمس) عن وسط السماء، مأخوذٌ من الدَّحْض، وهو الزلق، وهو -بفتح التاء المثناة وسكون الدال المهملة فحاءٌ مهملةٌ مفتوحةٌ فضادٌ معجمةٌ - (٢). وفي روايةٍ لمسلمٍ: حين تزول الشمس (٣). ومقتضى ذلك: أنه ﷺ كان يصلي الظهر في أول وقتها، ولا يخالف ذلك الأمرُ بالإبراد؛ لأنه لاحتمال كونِ ذلك في زمن البرد، أو قبل الأمر بالإبراد، أو عندَ فقدِ شروط الإبراد؛ لأنه يختص بشدة الحر، أو لبيان الجواز. وقد يتمسك بظاهره من قال: إن فضيلة أول الوقت لا تحصل إلا بتقديم ما يمكن تقديمُه من شروط الصلاة؛ من طهارةٍ، وستر عورةٍ، وغيرهما قبلَ دخول الوقت. والأظهر: أن المراد بالحديث: التقريب، فتحصُل الفضيلة لمن لم

стр. 664

يتشاغلْ عند دخول الوقت بغير أسباب الصلاة (١). ويشهد لهذا فعلُ السلف والخلف، ولم يُنقل عن أحدٍ منهم أنه كان يشدِّد في هذا حتى تقع أول تكبيرةٍ في أول جزءٍ من الوقت (٢). (و) كان ﷺ (يصلي العصر ثم يرجع أحدنا) بعد أن يصليها معه ﵊ (إلى رَحْله) متعلق بيرجع، والرحل -بفتح الراء وسكون الحاء المهملة-: مسكنه (٣). (في أقصى المدينة): صفة للرحل. (والشمس حية): أي: بيضاء نقية. قال أبو المنهال -سيارُ بنُ سلامة-: (ونسيتُ ما قال)؛ أي الذي قاله أبو برزة ﵁ (في المغرب)، كما بينه الإمام أحمد -طيَّب الله ثراه-: أن الذي نسي أبو المنهال من روايته، عن حجاج، عن شعبة (٤). (و) عنه: (كان) ﵊ (يستحب أن يؤخِّر العشاء)، هذا لفظ البخاري (٥). وفي لفظٍ لهما: من العشاء (٦). وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يؤخر العشاء إلى ثلث الليل (٧).

стр. 665

وفي رواية قال: كان لا يبالي بعضَ تأخيرها -يعني: العشاء- إلى نصف الليل، ولا يحب النوم قبلها، ولا الحديث بعدها (١). قال ابن دقيق العيد: فيه دليلٌ على استحباب التأخير قليلًا؛ لأن التبعيض يدل عليه (٢). وتعقب: بأنه بعض مطلق لا دلالة فيه على قلة ولا كثرة. وتقدم في حديث جابر: أن التأخير إنما كان لانتظار من يجيء لشهود الجماعة (٣). (التي تدعونها العتمة)، فيه إشارة إلى ترك تسميتها بذلك كما تقدم. وقال الطيبي: لعل تقييده الظهرَ والعشاءَ دون غيرهما؛ للاهتمام بأمرهما، فتسميتُه الظهرَ بالأولى يُشعر بتقديمها، وتسميتُه العشاءَ بالعتمة يُشعر بتأخيرها (٤). (وكان) ﷺ (يكره النوم قبلها)، لأنه قد يكون سببًا لنسيانها، أو تأخيرها إلى خروج وقتها المختار، قاله ابن دقيق العيد (٥). قا ل في "الفروع": ويكره النوم قبلها، وفاقًا لمالك، والشافعي. وعنه -أي: الإمام أحمد-: بلا مُوقظٍ، وفاقًا لأبي حنيفة؛ لأنه ﵊ رخص لعليٍّ، رواه الإمام أحمد (٦).

стр. 666

واحتج -يعني: الإمام أحمد- لهذه الرواية بفعل ابنِ عمر (١)، جزم بها القاضي في "جامعه" (٢). وقال الترمذي: كره أكثرُ أهل العلم النومَ قبل صلاة العشاء، ورخَّصَ فيه بعضُهم في رمضان خاصة، انتهى (٣). قال في "الفتح": ومن نُقلت عنه الرخصةُ، قُيِّدت عنه في أكثر الروايات بما إذا كان له من يوقظه، أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقتَ الاختيار بالنوم. وهذا جيدٌ؛ حيث قلنا: إن علة النهي: خشيةُ خروج الوقت (٤). وحمل الطحاوي الرخصةَ على ما قبل دخول وقت العشاء، والكراهةَ على ما بعد دخوله (٥). (و) كان ﷺ يكره (الحديث بعدها)؛ أي: المحادثة بعد صلاة العشاء. قال في "الفروع": والحديثُ؛ أي: يكره بعدها في الجملة؛ وفاقًا، إلا لشغلٍ في أمر المسلمين، وشيءٍ يسيرٍ، والأصح: وأَهْلٍ (٦). وفي "الإقناع": أو ضيفه (٧)؛ لأنه خيرٌ ناجزٌ، فلا يُترك لمفسدة متوهَّمةٍ (٨).

стр. 667

قيل: الحكمة في النهي عن الحديث بعد صلاة العشاء: لئلا يكون سببًا لترك قيام الليل، أو الاستغراق في الحديث، فيستغرق في النوم، فيخرج وقت الصبح، أو: لأن الحديث قد يقع فيه من اللغط واللغو ما لا ينبغي ختمُ اليقظة به. وعلله القرطبي: بأن الله جعل الليل سكنًا، وهذا يخرجه عن ذلك (١). (وكان) ﷺ (ينفتل)؛ أي: ينصرف (من صلاة الغداة)، أو: يلتفت إلى المأمومين بعد فراغه منها، والغداة: الصبح. وفيه: أنه لا كراهة في تسمية الصبح بذلك. قال في "الإقناع": ولا يكره تسميتها بالغداة (٢). قال في "المبدع": في الأصح (٣). (حين يعرف الرجل جليسه): فيه دليل التعجيل بصلاة الصبح؛ لأن ابتداء معرفة الإنسان وجهَ جليسه يكون في أواخر الغلس. وقد صرح بأن ذلك عند فراغ الصلاة، ومن المعلوم من عادته ﷺ ترتيلُ القراءة، وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك: أنه كان يدخل فيها مغلسًا. وادعى الزينُ بنُ المنير: أنه مخالفٌ لحديث عائشة المتقدم، حيث قالت فيه: لا يُعْرَفْنَ من الغَلَس. وتُعقب: بأن الفرق بينهما ظاهرٌ: وهو أن حديث أبي برزة يتعلَّق بمعرفة

стр. 668

من هو جالسٌ إلى جنب المصلِّي، فهو ممكنٌ. وحديثُ عائشة متعلقٌ بمن هو مُلَفَّفٌ، مع أنه على بعدٍ، فهو بعيدٌ (١). (و) كان ﷺ (يقرأ) في الصبح (بالستين) آية من القرآن العظيم (إلى المئة) من الآيات وقدرها في رواية الطبراني بسورة: الحاقة، ونحوِها (٢)، وفي لفظ: من الستين إلى المئة (٣). وفي لفظٍ: ما بين الستين إلى المئة (٤). وقال الكرماني على هذه الرواية: القياس أن تقول ما بين الستين والمئة؛ لأن لفظة "بين" تقتضي الدخول على متعددٍ. قال: ويحتمل أن سكون التقدير: ويقرأ ما بين الستين وفوقها إلى المئة، فحذف لفظة "فوقها" لدلالة الكلام عليه. وفي سياق الحديث: تأدُّبُ الصغير مع الكبير، ومسارعةُ المسؤول بالجواب، إذا كان عارفًا به، والله الموفق (٥) * * *

стр. 669

الحديث الخامس عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: "مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وبُيُوتَهُمُ نَارًا، كمَا شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ" (١). وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "شَغَلُونَا عنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى؛ صَلاَةِ العَصْرِ"، ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ" (٢). وَلَهُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: حَبَسَ المُشْرِكُونَ

стр. 670

رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلاَةِ العَصْرِ حَتَّى احْمَرتِ الشَّمْسُ، أَوِ اصْفَرَّتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "شَغَلُونا عَنِ الصَّلاَةِ الوُسْطَى؛ صَلاَةِ العَصْرِ، مَلا اللهُ أَجْوَافَهُمْ وقُبُورَهُمْ نَارًا"، أَوْ "حَشَا اللهُ أَجْوَافَهُمْ وقُبُورُهُمْ نَارًا" (١). * * * (عن) سيدنا (عليِّ بنِ أبي طالب) أميرِ المؤمنين، وأبي رَيْحانتي سيدِ العالمين، الهُمامِ الدرغامِ (﵁: أن النبيَّ ﷺ قال يومَ الخندق) وهو غزوة الأحزاب، وكانت في الخامسة على الصحيح المعتمد عند محققي أهل المغازي والسير: (ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا،؛ يعني: المشركين. وقد استشكل هنا الحديث بأنه تضمن دعاء صدرَ من النبي ﷺ على من يستحقه، وهو من مات منهم مشركًا، ولم يقع أحد الشقين ظاهرًا، وهو البيوت، أما القبور، فوقع في حق مَنْ مات منهم مشركًا لا محالة. ويجاب: بأن تُحمل البيوتُ على سكانها، وبه يتبين رجحانُ الرواية
следующие страницы →