← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

واحتج -يعني: الإمام أحمد- لهذه الرواية بفعل ابنِ عمر (١)، جزم بها القاضي في "جامعه" (٢). وقال الترمذي: كره أكثرُ أهل العلم النومَ قبل صلاة العشاء، ورخَّصَ فيه بعضُهم في رمضان خاصة، انتهى (٣). قال في "الفتح": ومن نُقلت عنه الرخصةُ، قُيِّدت عنه في أكثر الروايات بما إذا كان له من يوقظه، أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقتَ الاختيار بالنوم. وهذا جيدٌ؛ حيث قلنا: إن علة النهي: خشيةُ خروج الوقت (٤). وحمل الطحاوي الرخصةَ على ما قبل دخول وقت العشاء، والكراهةَ على ما بعد دخوله (٥). (و) كان ﷺ يكره (الحديث بعدها)؛ أي: المحادثة بعد صلاة العشاء. قال في "الفروع": والحديثُ؛ أي: يكره بعدها في الجملة؛ وفاقًا، إلا لشغلٍ في أمر المسلمين، وشيءٍ يسيرٍ، والأصح: وأَهْلٍ (٦). وفي "الإقناع": أو ضيفه (٧)؛ لأنه خيرٌ ناجزٌ، فلا يُترك لمفسدة متوهَّمةٍ (٨).

стр. 667

قيل: الحكمة في النهي عن الحديث بعد صلاة العشاء: لئلا يكون سببًا لترك قيام الليل، أو الاستغراق في الحديث، فيستغرق في النوم، فيخرج وقت الصبح، أو: لأن الحديث قد يقع فيه من اللغط واللغو ما لا ينبغي ختمُ اليقظة به. وعلله القرطبي: بأن الله جعل الليل سكنًا، وهذا يخرجه عن ذلك (١). (وكان) ﷺ (ينفتل)؛ أي: ينصرف (من صلاة الغداة)، أو: يلتفت إلى المأمومين بعد فراغه منها، والغداة: الصبح. وفيه: أنه لا كراهة في تسمية الصبح بذلك. قال في "الإقناع": ولا يكره تسميتها بالغداة (٢). قال في "المبدع": في الأصح (٣). (حين يعرف الرجل جليسه): فيه دليل التعجيل بصلاة الصبح؛ لأن ابتداء معرفة الإنسان وجهَ جليسه يكون في أواخر الغلس. وقد صرح بأن ذلك عند فراغ الصلاة، ومن المعلوم من عادته ﷺ ترتيلُ القراءة، وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك: أنه كان يدخل فيها مغلسًا. وادعى الزينُ بنُ المنير: أنه مخالفٌ لحديث عائشة المتقدم، حيث قالت فيه: لا يُعْرَفْنَ من الغَلَس. وتُعقب: بأن الفرق بينهما ظاهرٌ: وهو أن حديث أبي برزة يتعلَّق بمعرفة

стр. 668

من هو جالسٌ إلى جنب المصلِّي، فهو ممكنٌ. وحديثُ عائشة متعلقٌ بمن هو مُلَفَّفٌ، مع أنه على بعدٍ، فهو بعيدٌ (١). (و) كان ﷺ (يقرأ) في الصبح (بالستين) آية من القرآن العظيم (إلى المئة) من الآيات وقدرها في رواية الطبراني بسورة: الحاقة، ونحوِها (٢)، وفي لفظ: من الستين إلى المئة (٣). وفي لفظٍ: ما بين الستين إلى المئة (٤). وقال الكرماني على هذه الرواية: القياس أن تقول ما بين الستين والمئة؛ لأن لفظة "بين" تقتضي الدخول على متعددٍ. قال: ويحتمل أن سكون التقدير: ويقرأ ما بين الستين وفوقها إلى المئة، فحذف لفظة "فوقها" لدلالة الكلام عليه. وفي سياق الحديث: تأدُّبُ الصغير مع الكبير، ومسارعةُ المسؤول بالجواب، إذا كان عارفًا به، والله الموفق (٥) * * *

стр. 669

الحديث الخامس عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: "مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وبُيُوتَهُمُ نَارًا، كمَا شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ" (١). وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "شَغَلُونَا عنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى؛ صَلاَةِ العَصْرِ"، ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ" (٢). وَلَهُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: حَبَسَ المُشْرِكُونَ

стр. 670

رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلاَةِ العَصْرِ حَتَّى احْمَرتِ الشَّمْسُ، أَوِ اصْفَرَّتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "شَغَلُونا عَنِ الصَّلاَةِ الوُسْطَى؛ صَلاَةِ العَصْرِ، مَلا اللهُ أَجْوَافَهُمْ وقُبُورَهُمْ نَارًا"، أَوْ "حَشَا اللهُ أَجْوَافَهُمْ وقُبُورُهُمْ نَارًا" (١). * * * (عن) سيدنا (عليِّ بنِ أبي طالب) أميرِ المؤمنين، وأبي رَيْحانتي سيدِ العالمين، الهُمامِ الدرغامِ (﵁: أن النبيَّ ﷺ قال يومَ الخندق) وهو غزوة الأحزاب، وكانت في الخامسة على الصحيح المعتمد عند محققي أهل المغازي والسير: (ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا،؛ يعني: المشركين. وقد استشكل هنا الحديث بأنه تضمن دعاء صدرَ من النبي ﷺ على من يستحقه، وهو من مات منهم مشركًا، ولم يقع أحد الشقين ظاهرًا، وهو البيوت، أما القبور، فوقع في حق مَنْ مات منهم مشركًا لا محالة. ويجاب: بأن تُحمل البيوتُ على سكانها، وبه يتبين رجحانُ الرواية

стр. 671

بلفظ: "قلوبَهم وأجوافَهم" (١)، كما يأتي في كلام المصنف -رحمه الله تعالى-. (كما شغلونا)؛ أي: منعونا. ولفظ البخاري: "حبسونا" (٢). (عن) فعل صلاة (الصلاة الوسطى) تأنيث الأوسط. والأوسط: الأَعْدَلُ من كل شيء، وليس المراد به التوسُّطَ بين شيئين؛ لأن فُعْلَى معناها التفضيل، ولا يُبنى للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقصَ، والوسطُ بمعنى الخيار والعدل يقبلُهما، بخلاف المتوسط، فلا يقبلهما، فلا يُبنى منه أفعلُ تفضيل (٣). (حتى)، أي: استمر إشغالهم لنا عنها إلى أن (غابت الشمس). (وفي لفظ لـ) لإمام (مسلم) من حديث عليٍّ ﵁: (شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاةِ العصر). وزاد في آخره: (ثم صلاها بين المغرب والعشاء). وفي لفظٍ لهما، من حديث علي ﵁: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاةِ الوسطى، صلاةِ العصر، ملأ الله بيوتَهم وقبورَهم نارًا" (٤). وفي لفظٍ: "كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى، حتى غابت الشمس" (٥).

стр. 672

وفي بعض طرق البخاري: "حتى غابت الشمس، وهي صلاة العصر" خرجه في: الأدعية (١). وليس في شيء من طرقه عن علي: ثم صلى ﷺ العصر بعدما غربت الشمس. (و) في لفظٍ (له)؛ أي: لمسلم دون البخاري في حديث (عبد الله بن مسعود ﵁، قال: حبس)؛ أي: منع (المشركون) من الأحزاب الذين تحزَّبوا وساروا مع أبي سفيان إلى المدينة؛ لحرب رسول الله ﷺ من قريشٍ، وكان قائدُهم أبا سفيان، وغطفانَ، وقائدُهم عُيينة بن حصن في بني فزارة، وبني مر، وقائدهم عوفُ بنُ حارثة المُرِّيُّ، وأشجعَ، وقائدهم مسعد بن رحيلة. فكان جملةُ من وافى الخندقَ من المشركين عشرة آلاف؛ أربعةَ آلاف من قريش، والبقيةُ من غيرها. وكان الذين حرضوا الأحزاب على ذلك، نفرٌ من اليهود، منهم: سلامِ بن مِشْكَم، وابن أبي الحُقَيْق، وحُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ، وكِنانةُ بنُ الربيعِ، وهَوْذةُ بنُ قَيْس، وأبو عامرٍ الفاسقُ من الأنصار، وهو والدُ حنظلةَ الغسيلِ- ﵁. فساروا إلى النبي ﷺ ، وحاصروه وأصحابَه، وكان قد أشار سلمانُ الفارسي ﵁ بحفر الخندق، فحُفر. واشتد القتال في بعض أيام الخندق حتى اقتحم بعضُ المشركين الخندقَ، وشغلوا (رسول الله ﷺ ) في ذلك اليوم (عن صلاة العصر). وفي السير: أنه ﷺ في بعض أيام الخندق استمر به القتال من جوانب

стр. 673

الخندق إلى الليل، ولم يُصَلِّ هو ولا أحدٌ من الصحابة الظهرَ ولا العصرَ (١). (حتى احمرت الشمسُ، أو اصفرت) الشمس وحينئذ يكون خرجَ وقتُ الاختيار، ودخل وقت الضرورة، ولا تؤخَّر الصلاة عن وقت الاختيار إلى وقت الضرورة. وقد يُتوهَّم من ظاهر هذا مخالفةٌ لما في حديث عليٍّ من صلاتها بين المغرب والعشاء، وليس كذلك، بل انتهى الحبس إلى هذا الوقت، ولم تقع الصلاة إلا بعد المغرب. وكان التأخير من حين الاصفرار إلى ما بعد المغرب؛ للاشتغال بأسباب الصلاة من نحو الطهارة أو غيرها مما فعله رسول الله ﷺ ؛ مقتضيًا لجواز التأخير إلى ما بعد الغروب (٢). (فقال رسول الله ﷺ : شغلونا عن) فعل (الصلاة الوسطى)؛ أي: الفُضْلى، (صلاةِ العصر) بالجرِّ على أنه بدل، ويصحّ الرفع على تقدير: وهي، والنصب على أنها مفعول لفعل محذوف تقديره: أعني، ونحوه. ثم قال ﷺ : (ملأ الله أجوافَهم وقبورَهم)، يعني: مشركي الأحزاب (نارًا). (أو) قال: (حشا اللهُ أجوافَهم وقبورَهم نارًا). الشكُّ وقع بين لفظتي: ملأ، وحشا، وتمسك بظاهر ذلك من لم يجوِّزْ رواية الحديث بالمعنى؛ لكون ابنِ مسعود ﵁ تردد بين اللفظتين، مع تقاربهما في المعنى، ولا حجةَ في ذلك؛ لما بين اللفظتين

стр. 674

من التفاوت، فإن قول: حشا الله تقتضي من التراكم وكثرة أجزاء المحشو ما لاتقتضيه ملأ. وقد قيل: إن شرط الراوية بالمعنى؛ كون اللفظين مترادفين، على أن لك أن تقول: على كل حال رواية اللفظ بعينه أفضل، فلعل ابنَ مسعود ﵁ تحرى الأفضل، وإن لم ير المنع من الرواية بالمعنى (١). تنبيهان: الأول: لا يخفى أن هذه الأحاديث ناطقةٌ بأن الصلاة الوسطى هي صلاةُ العصر، وهي في البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث علي (٢). وفي مسلم أيضاً عنه بلفظ: "كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس" (٣)، يعني بالوسطى: العصر. وروى الإمام أحمد، والترمذي، من حديث سَمُرَةَ، رفعه، قال: "صلاة الوسطى: صلاة العصر" (٤). وروى ابن جرير، من حديث أبي هريرة ﵁، رفعه: "الصلاةُ الوسطى: صلاة العصر" (٥). وأخرج من طريق كُهيل بن حرملَة: سئل أبو هريرة عن الصلاة

стр. 675

الوسطى، فقال: اختلفنا فيها ونحن بِفِناء بيتِ رسول الله ﷺ ، وفينا أبو هاشم بنُ عتبة، فقال: أنا أعلمُ لكم، فقام فاستأذن على رسول الله ﷺ ، ثم خرج إلينا، فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر (١). ومن طريق عبد العزيز بنِ مروان: أنه أرسل إلى رجل، فقال: أيَّ شيء سمعتَ من رسول الله ﷺ في الصلاة الوسطى؟ فقال: أرسلني أبو بكر وعمر أسأله وأنا غلامٌ صغير، فقال: "هي العصر" (٢). ومن حديث أبي مالك الأشعري، رفعه: "الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصر" (٣). وروى الترمذي، وابن حبان، من حديث ابن مسعود، مثلَه (٤). وروى ابن جرير، من طريق عُروةَ بن هشام، عن أبيه، قال: كان في مُصحف عائشةَ: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر (٥). وأخرج، من حديث أم سلمة، وأبي أيوب، وأبي سعيد، وزيد بن

стр. 676

ثابت، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃ من قولهم: إنها صلاة العصر (١). وقد اختلف السلف في المراد بالصلاة الوسطى على عشرين قولًا، أصحُّها كلِّها: أنها العصر، وهذا قول علي ﵁؛ فقد روى الترمذي، والنسائي، من طريق زِرِّ بنِ حُبيش، قال: قلنا لعبيدة: سل عليًا عن الصلاة الوسطى، فسأله، فقال: كنا نرى أنها الصبح حتى سمعتُ رسول الله ﷺ يقول يومَ الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر" (٢)، انتهى. قال في "الفتح": وهذه الرواية تدفع دعوى من زعم أن قوله: "صلاة العصر" مُدْرَجٌ من تفسير بعض الرواة، وهي نصٌّ في أن كونها صلاةَ العصر من كلام النبيِّ ﷺ ، وبه قال ابن مسعود، وأبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وعبد الله بن عمرو، وسَمُرة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة ﵃، وهو مذهب الإمام أحمد، والأصحُّ من مذهب أبي حنيفة، وقد صار إليه معظم الشافعية، لصحة الحديث فيه. قال الترمذي: هو قولُ أكثرِ علماء الصحابة (٣). وقال الماوردي: هو قول جمهور التابعين.

стр. 677

وقال ابن عبد البر: هو قول أكثر أهلِ الأثر (١)، وبه قال من المالكية: ابنُ حبيب، وابن العربي، وابن عَطِية (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "الفتاوى المصرية": الصلاةُ الوسطى هي العصرُ بلا شك عند من عرف الأحاديث المأثورة؛ ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث، وإن كان للصحابة والعلماء في ذلك مقالات متعددة، فإنهم تكلموا بحسب اجتهادهم، انتهى (٣). قال في "الإنصاف": نص الإمام أحمد أن الصلاة الوسطى هي العصر، وقطع به الأصحاب. قال: ولا أعلم عنه ولا عنهم فيها خلافًا، انتهى (٤). قال ابن دقيق العيد: اختلفوا في تعيين الصلاة الوسطى؛ فمذهب أحمد، وأبي حنيفة ﵄: أنها العصر؛ ودليله: هذا الحديث مع غيره، وهو قويٌّ في المقصود، وهذا المذهب هو الصحيح في المسألة، انتهى (٥). وهو مذهب النخعي، والحسن، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ومقاتل، وداود، وابن المنذر. قال النووي في "شرح المهذب": الصحيح من المذاهب فيها مذهبان:

стр. 678

الصبح، والعصر. قال: والذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر، وهو المختار، انتهى (١). وقال الزركشي في "الخادم" (٢): كان بعض الفضلاء يتوقف في نسبة ذلك إلى الشافعي؛ فإن الأحاديث المصرِّحةَ بأنها العصر، من جملة من رواها الشافعي، ولم يخفَ عنه أمرُها مع شهرتها. وقد نقل البيهقي عنه في "المعرفة": أنه قال في "سنن حرملة": حديثُ عائشة يدل على أنها ليست العصر، كذا قال (٣). ولا يخفى على ذي لبٍّ وبصيرةٍ واطلاع على الأحاديث الصحيحة الكثيرة أنها العصرُ بلا ريبٍ ولا نُكْرٍ، ولاسيما مع ما ورد من الوعيد الشديد على مَنْ تهاونَ في شأنها مما لم يأت مثلُه في غيرها؛ كما في حديث بريدة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تركَ صلاةَ العصر، فقد حَبِطَ عملهُ" رواه البخاري، والنسائي، وابن ماجه، ولفظه: "بَكِّروا بالصَّلاةِ في يومِ الغَيْمِ؛ فإنه من فاتَتْهُ صلاةُ العصرِ، حَبِطَ عملُه" (٤).

стр. 679

وعن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تركَ صلاةَ العصرِ مُتَعَمِّدًا، فقد حبطَ عملُه" رواه الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح (١). وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: "الذي تفوتُه صلاةُ العصر، فكأنَّما وُتِرَ أهلَه ومالَه" رواه الإمام مالك، والبخارى، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة في "صحيحه"، وزاد في آخره: قال مالك: تفسيرُه ذهابُ الوقت (٢). وعن نوفل بن معاوية مثلُه، رواه النسائي (٣). قوله: "فكأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه" معناه: أُصيب بأهله وماله، ومثلُه قوله - تعالى-: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. وقيل: "وتر" في الآية بمعنى: نقص. وقيل: في الحديث معناه: سُلِبَ أهلَه وماله. يقال: وترتُ الرجلَ: إذا قتلتُ له قتيلًا، أو أخذتُ ماله. وحقيقة الوتر كما قال الخليل: هو الظلمُ في الدم. فعلى هذا استعمالُه

стр. 680

في المال مجازٌ، لكن قال الجوهري: الموتور: هو الذي قُتل له قتيل فلم يدرك بدمه. تقول: منه وَتَر، وتقول أيضاً: وَتَرهَ حقَّه؛ أي: انتقصه (١). وقيل: الموتور: من أُخذ أهلُه ومالُه وهو ينظر، وذلك أشدُّ لِغَمِّه (٢). ومذهب مالك، والشافعي: أن الصلاة الوسطى صلاةُ الفجر، واحتجَّ لهما: بأن في مصحف عائشةَ ﵂: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وصلاة العصر (٣)، وكذا في مصحف حفصة (٤)، وغيرهما. وفيه: أن في مصحف عائشة: وهي العصر. وأيضًا هذا لا ينهض الاستدلالُ به كما لا يخفى، واحتجَّ لهما أيضاً بقوله- تعالى-: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولا حجةَ فيه؛ لأن القنوتَ يطلق بالاشتراك على القيام، وعلى السكوت، وعلى الدعاء، وعلى كثرة العبادة، فلا يتعين القنوتُ الذي هو في صلاة الصبح. واحتجوا أيضاً بمَظِنَّةِ المشقة، وهو معارض بمشقة الاشتغال في صلاة العصر. قال ابن دقيق العيد: ولو لم يعارض بذلك، لكان المعنى الذي ذكروه في صلاة الصبح ساقطَ الاعتبار مع النص على أنها العصر. قال: وللفضائل والمصالح مراتبُ لا يحيط بها البشر، فالواجب اتباعُ النصوص، انتهى (٥).

стр. 681

وقيل: إنها الظهر، وهو القول الثاني لأبي حنيفة، ورجحه الجلال السيوطيُّ في رسالةٍ له، والصحيحُ المعتمد: أنها العصر، والله تعالى أعلم. الثاني: ربما احتج من قال بأن آخر وقت الاختيار لصلاة العصر ما لم تحمرَّ الشمس، بهذا الحديث، وتقدم أن معتمد المذهب-: أن آخره صيرورة ظلِّ الشيء مثليه سوى ظل الزوال، وهو اختيار الخِرَقي، وأبي بكر، والقاضي، وكثيرٍ من أصحابه، وقدَّمه في "المحرر" (١)، و"الفروع" (٢)، و"الإقناع" (٣)، وقطع به في "المنتهى" (٤)، وغيره؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵄: "الوقتُ ما بين هذين" (٥). وعن الإمام أحمد رواية: حتى تصفرَّ الشمس، اختاره جماعة. قال في "الفروع": وهي أظهرُ؛ خلافًا للشافعي (٦)، وصحَّحها في "الشرح الكبير"، وابن تميم، وجزم بها في "الوجيز"، واختارها الموفق، والمجد (٧)؛ لما روى ابن عمر [و]﵄: أن النبي ﷺ قال: "وقتُ العصرِ ما لم تصفرَّ الشمسُ" رواه مسلم (٨).

стр. 682

قال في "الفروع": وآخرُه -أي: وقت صلاة العصر المختار- حتى يصير فيء الشيء مثلَيه سوى ظِلِّ الزوال. وعنه: حتى تصفر الشمس، اختاره جماعةٌ، وهي أظهر؛ خلافًا للشافعي. وفي "التلخيص": ما بينهما وقتُ جواز، ثم هو وقتُ ضرورة إلى غروبها؛ اتفاقًا، قال: وتعجيلُها أفضل؛ وفاقًا لمالك، والشافعي. وقيل: إلا مع غيم؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والمذهب: الأفضلُ تعجيلُها بكل حال (١). فائدة: يُسن لمن صلى العصرَ جلوسُه بعدها في مصلَّاه إلى غروب الشمس، وبعدَ فجرٍ إلى طلوعها؛ لما روى الإمام أحمد بإسنادٍ حسن، عن أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لأَنْ أقعدَ أذكرُ اللهَ وأُكَبِّرُهُ وأَحْمَدُهُ وأُسَبِّحُهُ وأُهَلِّلُهُ حتى تطلعَ الشمسُ، أحبُّ إلي من أن أُعْتِقَ رَقَبتينِ من ولدِ إسماعيل، ومنَ العصرِ حتى تَغْرُبَ الشمسُ، أَحَبُّ إليَّ من أن أُعتقَ أربعَ رقابٍ من ولدِ إسماعيلَ" (٢). وروى أبو داود، من حديث أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ أقعدَ معَ قومٍ يذكرون اللهَ من صلاةِ الغَداةِ حتى تطلعَ الشمسُ، أحبُّ إليَّ من أن أُعتق أربعةً من ولدِ إسماعيلَ، ولأَنْ أقعدَ مع قومٍ يذكرونَ الله من صلاةِ العصرِ إلى أن تغربَ الشمسُ، أَحَبُّ إليَّ من أن أُعتقَ أربعة" (٣).

стр. 683

ورواه أبو يعلى، وقال في الموضعين: "أَحَبُّ إليَّ من أَنْ أُعتقَ أربعةً من ولدِ إسماعيلَ، ديةُ كلِّ رجلٍ منهم اثنا عشرَ ألفًا" (١)، والله أعلم. * * *

стр. 684

الحديث السادس عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَعْتَمَ النَبِيُّ ﷺ بالعِشَاءِ، فَخَرَجَ عُمَرُ ﵁، فَقَالَ: الصَّلاةَ يا رَسُولَ اللهِ! رَقَدَ اَلنِّسَاءُ والصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ وَرَأْسُه يَقْطُرُ، يقولُ: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِهَذِهِ الصَّلاَةِ، هَذِهِ السَّاعَةَ" (١). * * * (عن) أبي العباس حبرِ هذه الأمة وعالمِها (عبدِ الله بن عباس ﵄، قال: أَعتمَ النبيُّ ﷺ )؛ أي: دخل في العتمة، كما يقال: أصبحَ وأمسى وأظهرَ.

стр. 685

ويطلق أعتم بمعنى آخر، لكن الأول أظهرُ هنا، كما في "الفتح" (١). (بالعشاء)؛ أي: بصلاتها. يقال: عَتَم الليلُ، يَعْتِم -بكسر التاء-: إذا أظلم، والعتمة: الظُّلْمة. وقيل: إنها اسم لثلث الليل الأول بعد غروب الشفق، نُقل ذلك عن الخليل (٢). (فخرج) الإمامُ (عمرُ) بن الخطاب أميرُ المؤمنين (﵁). وفي لفظٍ (٣): أعتمَ نبيُّ الله ﷺ ذات ليلةٍ بالعِشاء حتى رقد ناسٌ واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا، فقام عمر بن الخطاب (فقال: الصلاة) - بالنصب- بفعل مضمر تقديره مثلًا: صلِّ الصلاة (٤)، وساغ هذا الحذف؛ لدلالة السياق عليه. (يا رسول الله! رقد). وفي لفظٍ: نام (٥) (النساء والصبيان)؛ أي: الحاضرون في المسجد، وإنما خصهم بذلك؛ لأنهم مَظِنَّةُ قلة الصبر عن النوم، ومحلُّ الشفقة والرحمة؛ بخلاف الرجال (٦). (فخرج) النبي ﷺ (ورأسه) الشريفُ؛ أي: شعرُ رأسه (يقطر) ماء. وفي لفظٍ: قال ابن عباس: فخرج نبي الله ﷺ ، كأني أنظر إليه الآن

стр. 686

يقطر رأسه ماءً، واضعًا يده على شق رأسه. قال ابن جريج: فاستثبتُ عطاء: كيف وضع النبي ﷺ على رأسه يده، كما أنبأه ابن عباس؟ فبدَّد لي عطاء بين أصابعه شيئًا من تبديد؛ أي: تفريق، ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس، ثم صبَّها؛ أي:- بالصاد المهملة والموحدة -كما صوبه عياض، قال: لأنه يصف عَصرَ اللِّمَّة من الشعر باليد (١)، وفي لفظ البخاري:-بالضاد المعجمة والميم-، ووجه لها في "الفتح": بأن ضم اليد صفةُ العاصر يُمِرُّها كذلك على الرأس، حتى مسَّت إبهاميه طرفُ الأذن مما يلي الوجه، وروي بالتثنية والإفراد في إبهامه، وهو منصوب بالمفعولية، وفاعله: طرفُ الأذن، ويروى: إبهامُهُ -بالرفع- على أنه فاعل، وطرفَ منصوب على المفعولية، ثم على الصدغ وناحية اللحية، لا يقصر ولا يبطش بشيء إلا كذلك (٢)، أي: لا يبطىء، ولا يستعجل (٣). (يقول) ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي) إن أمرتُهم بتأخير صلاة العشاء. (أو) قال: لولا أن أشق (على الناس)؛ يعني: من أمته إن أخروها، (لأمرتهم) بتأخير (الصلاة) حتى يصلوها (هذه الساعة). وفي لفظٍ: "لأمرتهم أن يصلوها" (٤). وفي روايةٍ قال: "إنه لَلْوَقْتُ، لولا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتي" (٥).

стр. 687

وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وغيرهم، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة العتمة، فلم يخرج حتى مضى نَحْوٌ من شطر الليل، فقال: "إن الناسَ قد صَلَّوْا وأَخذوا مضاجِعَهم، وإنكم لَنْ تَزالوا في صلاةٍ ما انتظرتُمُ الصلاةَ، ولولا ضعفُ الضعيفِ، وسقمُ السَّقيمِ، وحاجةُ ذي الحاجةِ، لأَخَّرْتُ هذه الصلاةَ إلى شطرِ الليل" (١). وروى الترمذيُّ وصححه، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لولا أن أَشُقَّ على أُمتي، لأمرتُهم أن يؤخِّروا العشاء -أي: صلاتها- إلى ثلثِ الليل، أو نصفِه" (٢). ورواه الإمام أحمد بلفظ: "لأخرتُ عشاءَ الآخرةِ إلى ثلثِ الليلِ الأول"، ورواه ابن ماجه (٣). وفي البخاري: وكانوا يصلون العشاء فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول (٤). فعلى هذا من وجد به قوةً على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يشقَّ على

стр. 688

أحد من المأمومين، فالتأخيرُ في حقه أفضلُ. وقد قرر النووي ذلك في "شرح مسلم" (١). وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية، وغيرهم (٢). وهذا مذهب الإمام أحمد. قال في "الإقناع" كغيره: وتأخيرها إلى آخر وقتها المختار أفضلُ، ما لم يَشُقَّ على المأمومين أو بعضِهم، أو يؤخِّرَ مغربًا لغيمٍ أو جمعٍ، فتعجيلُ العشاء إِذَنْ أفضل (٣). وقال في "تنقيح التحقيق": يُستحب تأخير العشاء؛ خلافًا لأحد قولي الشافعي (٤). ونقل ابن المنذر، عن الليث، وإسحاق: أن المستحب تأخيرُ العشاء إلى قبل الثلث (٥). وقال الطحاوي: يُستحب إلى الثلث (٦). وبه قال مالك أيضاً، وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد. وقال في القديم: التعجيلُ أفضل، وكذا قال في "الإملاء"، وصححه النووي وجماعة، وقالوا: إنه مما يُفتى به على القديم. وتُعقب بأنه ذكر في "الإملاء"، وهو من كتبه الجديدة.

стр. 689

قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": والمختار من حيث الدليل التأخيرُ، ومن حيث النظر التفصيلُ، انتهى (١). تنبيهان: الأول: قد عُلم أن لصلاة العشاء ثلاثةَ أوقات: وقت جواز: وهو من غيبوبة الشفق الأحمر إلى قبل ثلث الليل. ووقت أفضلية: وهو فعلها في آخر الثلث الأول. ووقت ضرورة: وهو من خروج الوقت المختار، وهو الثلث الأول على معتمد المذهب. وعنه: من النصف، اختاره الموفق، والمجد، وجمعٌ. قال في "الفروع": وهي أظهر؛ وفاقًا لأبي حنيفة في قول. زاد في "التلخيص": هذا -أي: ما بين الثلث والنصف- وقتُ جواز، انتهى (٢). الثاني: لا يجوز تأخيرُ الصلاة ولا بعضِها إلى وقت ضرورة بلا عذر، على الصحيح من المذهب. قال في "الفروع": ويحرم التأخير بلا عذر إلى وقت ضرورة في الأصح (٣)، والله أعلم.

стр. 690

الحديث السابع عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، وحَضَرَ العَشَاءُ، فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ" (١). * * * (عن) أم المؤمنين (عائشةَ) الصِّديقةِ (﵂، عن النبي ﷺ ): أنه (قال: إذا أقيمت الصلاة). قال ابن دقيق العيد: الألف واللام في الصلاة لا ينبغي أن تُحمل على

стр. 691

الاستغراق، ولا على تعريف الماهية، بل ينبغي أن تحمل على المغرب؛ لقوله: "فابدؤوا بالعَشاء" (١). ويترجح حملُه على المغرب؛ لقوله في الرواية الأخرى: "فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب" (٢). والحديث يفسر بعضه بعضًا. وفي رواية صحيحة: "إذا وُضع العشاء وأحدُكم صائم" (٣)، فابدؤوا به قبل أن تصلوا. (وحضر العَشاء) -بفتح العين المهملة والشين المعجمة والمد- خلاف الغَداء. قال العراقي: والمراد بحضوره: وضعُه بين يدي الآكِل، لا استواءُ الطعام، أو غرفُه في الأوعية؛ كما في حديث ابن عمر المتفق عليه: "إذا وُضِع" (٤)، وفي لفظٍ من حديث عائشة: "إذا قُرِّبَ" (٥). والفرق بين لفظتي: وُضع، وحضر: أن الحضور أعمُّ من الوضع،

стр. 692

فيُحمل قوله: "حضر"؛ أي: بين يديه؛ لتأتلف الروايات لاتحاد المخرج. ويؤيده حديث أنس في "البخاري": "إذا قُدِّم العَشاءُ" (١)، ولمسلم: "إذا قُرَبَ" (٢). وعلى هذا، فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء، لكنه لم يقرَّب للأكل كما لو لم يُغْرَف (٣). (فابدؤوا بالعَشاء) ندبًا كما حمله الجمهور، ثم اختلفوا؛ فمنهم من قيده بمن كان محتاجًا إلى الأكل، وهذا المشهور عندنا كالشافعية. قال في "الفروع": وابتداؤها؛ يعني: الصلاة؛ أي: يكره ذلك إذا كان تائقًا إلى طعام، اتفاقًا، ولو كثر، خلافًا لمالك في رواية عنه، قال: والمعنى يقتضيه (٤). واحتج صاحب "المحرر" في المسألة بقول أبي الدرداء: مِنْ فقهِ الرجل إقبالُه على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ، رواه الإمام أحمد في "الزهد"، والبخاري في "تاريخه" (٥). قال: وذكر جماعة المسألة بحضرة طعام، وهو ظاهر الأخبار.

стр. 693

قال الجوهري: بحضرة فلان؛ أي: بمشهد منه (١)، وهو مثلث الحاء، انتهى (٢). وفي "شرح الوجيز": ويكره أن يصلي بحضرة طعام يشتهيه (٣). وقال ابن نصر الله: وإن كان تائقًا إلى شراب أو جماع، ما الحكم؟ لم أجده، والظاهر: الكراهة، انتهى (٤). وقد تعشى ابن عمر وهو يسمع قراءة الإمام (٥). وقال ابن عباس: لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيءٌ، وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. وقال مالك: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون طعامًا خفيفًا (٦). ولنا: حديث عائشة، وما ذكرنا من الأحاديث؛ ولأنه إذا قدم الصلاة على الطعام، اشتغل قلبه عن خشوعها، ولو خشي فوات الجماعة. ومحله: إذا كانت نفسه تتوق إليه، أو يخشى فواته، أو فوات بعضه إن تشاغل بالصلاة. أو يكون حاجة إلى البداية به لوجهٍ من الوجوه، فإن لم يفعل، وبدأ بالصلاة، صحت في قولهم جميعًا، كما حكاه ابن عبد البر؛ لأن البداية

стр. 694

بالطعام رخصة، فإن لم يفعلها، صحت صلاته كسائر الرخص (١). ومنعت الصحةَ الظاهريةُ أخذًا بظاهر الحديث في تقديم الطعام على الصلاة. وأهل المذاهب من غيرهم: نظروا إلى المعنى، وفهموا أن العلة التشويش لأجل التشوق إلى الطعام. وقوى ذلك رواية: "وأحدكم صائم" (٢). وقال أصحاب مالك: يبدأ بالصلاة إن لم يكن متعلق النفس بالأكل، أو كان متعلقًا به، لكن لا يعجله عن صلاته، فإن كان يعجله، بدأ بالطعام، واستحب له الإعادة (٣). وادعى ابن حزم من الظاهرية أن في الحديث دليلًا على امتداد الوقت في حق من وضع له الطعام، ولو خرج الوقت المحدود، وقال مثل ذلك في حق النائم والناسي (٤). واستدل جماعة من أهل العلم بحديث أنس ﵁ على امتداد وقت المغرب (٥). واعترض ذلك ابنُ دقيق العيد بأنه إن أُريد بذلك مطلقُ التوسعة، فهو صحيح، وليس هو حينئذ محلَّ الخلاف المشهور، وإن أُريد بذلك التوسعةُ إلى غروب الشفق، ففي الاستدلال نظر؛ لأن بعض من ضَيَّقَ وقتَ المغرب

стр. 695

جعلَه مقدراً بزمان يدخل فيه مقدار ما يتناول لُقيماتٍ يكسر بها سَوْرَة جوعه. ثم قال: على أن الصحيح الذي نذهب إليه أن وقتها موسَّع إلى غروب الشفق، انتهى (١). والذي اعتمده علماؤنا: أن للمغرب وقتين؛ وقت اختيار: وهو إلى ظهور النجم، وما بعده إلى آخر وقتها: وقت كراهة، ويمتد وقتها إلى مغيب الشفق الأحمر (٢). فائدتان: الأولى: قال الإمام الحافظ ابن الجوزي: ظن قومٌ أن هذا -يعني: البداية بالطعام على الصلاة- من باب تقديم حق العبد على حق الله، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق؛ ليدخل الخلق في عبادته بقلوب مقبلة. ثم إن طعام القوم كان شيئًا يسيرًا لا يقطع عن لحاق الجماعة غالبًا (٣). الثانية: قال في "الفتح": ما يقع في بعض كتب الفقه: "إذا حضر العِشاء والعَشاء، فابدؤوا بالعَشاء"، لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ، كما في "شرح الترمذي" لأبي الفضل -يعني: شيخ العسقلاني، وهو الحافظ العراقي-. قال في "الفتح": لكن رأيت بخط الحافظ قطب الدين: أن ابن أبي شيبة أخرج، عن إسماعيل -وهو ابن علية-، عن ابن إسحاق، قال: حدثني

стр. 696

عبد الله بن رافع، عن أم سلمة مرفوعًا: "إذا حضر العَشاء وحضرتِ العِشاء، فابدؤوا بالعَشاء". فإن كان ضَبَطَه، فذلك، وإلا، فقد رواه الإمام أحمد في "مسنده"، عن إسماعيل بلفظ: "وحضرتِ الصلاةُ" (١). قال الحافظ: ثم راجعت "مصنف ابن أبي شيبة" (٢)، فرأيت الحديث فيه كما أخرجه الإمام أحمد (٣). وفي الحديث: دليلٌ على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت (٤)، والله أعلم. * * *

стр. 697

الحديث الثامن وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: نَحْوُهُ (١). وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لا صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ" (٢).

стр. 698

(وعن) عبد الله (ابن) أميرِ المؤمنين (عمرَ) بنِ الخطاب (﵄؛ نحوُه)، أي: مثل حديث أم المؤمنين عائشة الصديقة ﵂ الذي تقدم. ولفظه: قال ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : "إذا وضع عَشاءُ أحدِكم، وأقيمتِ الصلاةُ، فابدؤوا بالعَشاء، ولا يَعْجَلَن حتى يفرغَ منه". زاد البخاري: وكان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام. (ولـ) لإمام (مسلم عنها)؛ أي: عائشة ﵂، (قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة)؛ أي: كاملة، بل مكروهة، يعني: لا كمال لصلاة من (بحضرة طعام)، وهو يريد أكله؛ لاشتغال باله به، وذهاب كمال خشوعه، فيكره له الصلاة حينئذ، (ولا) صلاة كاملةً للشخص، و (هو يدافعه) مفاعَلَة من الدفع (الأخبثان)، وهما الغائط والبول، كما جاء مصرَّحًا به في بعض الأحاديث (١)، كأنهما يدفعان أنفسَهما؛ ليُفتح لهما المخرجُ فيبرزان، ويدفعهما الشخص بضم المخرج، وانضمام فخذيه ليدفعهما إلى الداخل، وهذا حقيقة المفاعلة. ولا شك أن هذه الحالة تُنقص الخشوع، أو تذهبه بالكلية، فإن أدى

стр. 699

ذلك إلى الإخلال بركن أو شرط أو واجب في الصلاة، فَسَدت الصلاةُ بذلك الإخلال، وإلا، فالمشهور فيه الكراهة (١). قال الإمام ابن مفلح في "الفروع": ويكره ابتداؤها -يعني: الصلاة- مع مدافعة أحد الأخبثين؛ وفاقًا، وعنه -يعني: الإمام أحمد-: يعيد مع المدافعة، وعنه: إن أزعجه. وذكر ابن أبي موسى: أنه الأظهر، وعن الإمام مالك كالروايات (٢). وفي "النكت": لم أجد أحدًا صرح بكراهة صلاة من طرأ عليه ذلك، ولا من طرأ عليه التوقان إلى الأكل في أثناء الصلاة (٣). والحاصل: أنه متى كان الشخص حاقنًا، كُرهت له الصلاة، ولو خاف فوتَ الجماعة. قال في "شرح المقنع": لا نعلم فيه خلافًا، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. فإن خالف، وفعل، صحت صلاته؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي. وقال مالك: أَحَبُّ إلي أن يعيدَ الصلاة إذا شغله ذلك؛ لظاهر الخبر (٤). وأنه قال: يعيد في الوقت وبعده، وتأوله بعض أصحابه على أنه إن شغله حتى لا يدري كيف يصلي، فهو الذي يعيد مطلقًا، وأما إن شغله شغلًا خفيفًا لم يمنعه من إقامة حدودها، وصلى ضامًّا بين وَرِكيه، فهذا يعيدُ

стр. 700

في الوقت فقط (١)، لعله ندبًا إن لم يُخِلَّ بركن ولا شرط. وإلا، فقد قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام، فأكمل صلاته، تجزئه، وكذلك إذا صلى حاقنًا (٢)، ومراد ابن عبد البر: ما عدا أهل الظاهر؛ فإنهم قالوا ببطلانها إذن، والله أعلم. تنبيهات: الأول: مثل مدافعة الأخبثين أن يصلي مع ريح محتبسة، على الصحيح من المذهب (٣). قال في "المطلع": هي في معنى مدافعة أحد الأخبثين (٤). الثاني: لإيراد عائشة ﵂ هذا الحديثَ سببٌ، وهو ما روى مسلم، عن ابن أبي عتيق، قال: تحدثت أنا والقاسم عند عائشة حديثًا، وكان القاسم رجلًا لَحّانًا، وكان لأم ولد، فقالت له عائشة: مالكَ لا تحدِّثُ كما يحدِّث ابن أخي هذا؟ أما إني قد علمت من أين أُتيت، هذا أدبته أمه، وأنت أدبتك أمك، قال: فغضب القاسم، وأضبَّ عليها، فلما رأى مائدة عائشة قد أُتي بها، قام، قالت: أين؟ قال: أُصلي، قالت: اجلس غُدَرُ! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكرته (٥). قولها: اجلس غُدَرُ! أي: يا غدر! فحذفَتْ حرفَ النداء، وغُدَرُ معدولٌ عن غادر للمبالغة، يقال للذكر: غُدَرُ، والأنثى: غَدارِ كقطامي، وهما

стр. 701

مختصان بالنداء في الغالب، كما في "النهاية" (١). الثالث: حمل بعضهم النهيَ عن الدخول في الصلاة مع مدافعة الأخبثين: على أن خروج النجاسة عن مقرها يجعلها كالبارزة، ويوجب انتقاضَ الطهارة، وتحريم الدخول في الصلاة من غير التأويل الذي أشرنا إليه أولًا، وهو الإخلال ببعض الشروط أو الأركان، وهو حملٌ بعيد؛ لأنه إحداثُ سبب آخرَ من نواقض الطهارة من غير دليلٌ صريح؛ لأن نقض الطهارة منوط بإخراج الحدث وبروزه إلى الخارج، وهذا ظاهر، والله أعلم (٢). * * *

стр. 702

الحديث التاسع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّون، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغرُبَ (١).

стр. 703

(عن) أبي العباس حبر هذه الأمة (عبدِ الله بنِ عباس ﵄، قال: شهد عند [ي])؛ أي: أعلمني وأخبرني، ولم يرد شهادةَ الحكم (رجال مرضيون)؛ أي: لا شكَّ في صدقهم ودينهم، (وأرضاهم عندي) الإمامُ (عمرُ) أميرُ المؤمنين ابن الخطاب ﵁. وفي رواية الإسماعيلي، من طريق يزيد بن زُرَيع، عن همام: فيهم عمر (١). وفي رواية شعبة: حدثني رجال أحبُّهم إليَّ عمرُ (٢). وفي رواية: حدثني ناسٌ أعجبُهم إليَّ عمرُ (٣). وفي رواية الترمذي عنه: سمعت غيرَ واحد من أصحاب النبي ﷺ ، منهم عمرُ، وكان من أحبِّهم إلي (٤). (أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة)؛ أي: النافلة (بعد الصبح)، فيعلق الحكم بوقت الصبح الذي هو الفجر الصادق، فيمتنع بمجرد ظهوره تعاطي النوافل سوى ركعتي الفجر قبلها، وركعتي الطواف مطلقًا، وهذا ظاهر المذهب على المعتمد. وقيل: إن الحكم لا يتعلق بالوقت، بل بفراغ صلاة الصبح، ويكون المراد بقوله: بعد الصبح؛ أي: بعد صلاة الصبح، إذ لابد من أداء الصبح، فتعين التقدير المذكور.

стр. 704

قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث معمولٌ به عند فقهاء الأمصار، وخالف بعض المتقدمين وبعضُ الظاهرية من بعض الوجوه. وصيغة النفي إذا دخلت على فعل في ألفاظ صاحب الشرع، حُمِلت على نفي الفعل الشرعي، لا على الوجودي، فلا صلاة بعد الصبح نفيًا للصلاة الشرعية المعتد بها، لا الحسية؛ لأن الشارع يطلق ألفاظه على عرفه (١). ومن هذا: "لا نِكَاح إلا بِوَليٍّ" (٢)، و"لا صيامَ لمن لم يُبيِّتِ الصيامَ من الليل" (٣). ويستمر النهي عن الصلاة بعد الصبح ممتدًا (حتى)؛ أي: إلى أن (تشرق) -بضم أوله- من أشرق (الشمس)؛ أي: ترتفع وتضيء. يؤيده حديث أبي سعيد بعده بلفظ: "حتى ترتفع الشمس" (٤). ويُروى -بفتح أول تَشْرُقُ، وضم ثالثه، بوزن تَغْرُبُ-. يقال: شَرَقَتِ الشمسُ؛ أي: طلعت (٥).

стр. 705

ويؤيده رواية البيهقي، من طريق أخرى بلفظ: "حتى تَشْرُقَ الشمسُ، أو تَطْلُعَ -على الشك (١) -". وفي رواية مسدد: "حتى تطلع" بلا شك (٢). وكذا هو في حديث أبي هريرة في "الصحيحين" بلفظ: "حتى تطلع الشمس" بالجزم (٣). وجمع بين الحديثين: بأن المراد بالطلوع: طلوع مخصوص؛ أي: حتى تطلع مرتفعة. قال النووي: اجتمعت الأمة على كراهة صلاةٍ لا سببَ لها في الأوقات المنهيِّ عنها، واتفقوا على جواز الفرائض المؤدَّاة فيها. واختلفوا في النوافل التي لها سبب؛ كصلاة تحية المسجد، وسنة الوضوء، وسجود التلاوة والشكر، فذهب الشافعي إلى جواز ذلك بلا كراهة (٤). وهي رواية عن الإمام أحمد، واختاره صاحب "الفصول"، و"المُذْهَب"، و"المُسْتَوعِب" (٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وغيرهم؛ كتحية المسجد حالَ خطبة الجمعة.
следующие страницы →