← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

مختصان بالنداء في الغالب، كما في "النهاية" (١). الثالث: حمل بعضهم النهيَ عن الدخول في الصلاة مع مدافعة الأخبثين: على أن خروج النجاسة عن مقرها يجعلها كالبارزة، ويوجب انتقاضَ الطهارة، وتحريم الدخول في الصلاة من غير التأويل الذي أشرنا إليه أولًا، وهو الإخلال ببعض الشروط أو الأركان، وهو حملٌ بعيد؛ لأنه إحداثُ سبب آخرَ من نواقض الطهارة من غير دليلٌ صريح؛ لأن نقض الطهارة منوط بإخراج الحدث وبروزه إلى الخارج، وهذا ظاهر، والله أعلم (٢). * * *

стр. 702

الحديث التاسع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّون، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغرُبَ (١).

стр. 703

(عن) أبي العباس حبر هذه الأمة (عبدِ الله بنِ عباس ﵄، قال: شهد عند [ي])؛ أي: أعلمني وأخبرني، ولم يرد شهادةَ الحكم (رجال مرضيون)؛ أي: لا شكَّ في صدقهم ودينهم، (وأرضاهم عندي) الإمامُ (عمرُ) أميرُ المؤمنين ابن الخطاب ﵁. وفي رواية الإسماعيلي، من طريق يزيد بن زُرَيع، عن همام: فيهم عمر (١). وفي رواية شعبة: حدثني رجال أحبُّهم إليَّ عمرُ (٢). وفي رواية: حدثني ناسٌ أعجبُهم إليَّ عمرُ (٣). وفي رواية الترمذي عنه: سمعت غيرَ واحد من أصحاب النبي ﷺ ، منهم عمرُ، وكان من أحبِّهم إلي (٤). (أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة)؛ أي: النافلة (بعد الصبح)، فيعلق الحكم بوقت الصبح الذي هو الفجر الصادق، فيمتنع بمجرد ظهوره تعاطي النوافل سوى ركعتي الفجر قبلها، وركعتي الطواف مطلقًا، وهذا ظاهر المذهب على المعتمد. وقيل: إن الحكم لا يتعلق بالوقت، بل بفراغ صلاة الصبح، ويكون المراد بقوله: بعد الصبح؛ أي: بعد صلاة الصبح، إذ لابد من أداء الصبح، فتعين التقدير المذكور.

стр. 704

قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث معمولٌ به عند فقهاء الأمصار، وخالف بعض المتقدمين وبعضُ الظاهرية من بعض الوجوه. وصيغة النفي إذا دخلت على فعل في ألفاظ صاحب الشرع، حُمِلت على نفي الفعل الشرعي، لا على الوجودي، فلا صلاة بعد الصبح نفيًا للصلاة الشرعية المعتد بها، لا الحسية؛ لأن الشارع يطلق ألفاظه على عرفه (١). ومن هذا: "لا نِكَاح إلا بِوَليٍّ" (٢)، و"لا صيامَ لمن لم يُبيِّتِ الصيامَ من الليل" (٣). ويستمر النهي عن الصلاة بعد الصبح ممتدًا (حتى)؛ أي: إلى أن (تشرق) -بضم أوله- من أشرق (الشمس)؛ أي: ترتفع وتضيء. يؤيده حديث أبي سعيد بعده بلفظ: "حتى ترتفع الشمس" (٤). ويُروى -بفتح أول تَشْرُقُ، وضم ثالثه، بوزن تَغْرُبُ-. يقال: شَرَقَتِ الشمسُ؛ أي: طلعت (٥).

стр. 705

ويؤيده رواية البيهقي، من طريق أخرى بلفظ: "حتى تَشْرُقَ الشمسُ، أو تَطْلُعَ -على الشك (١) -". وفي رواية مسدد: "حتى تطلع" بلا شك (٢). وكذا هو في حديث أبي هريرة في "الصحيحين" بلفظ: "حتى تطلع الشمس" بالجزم (٣). وجمع بين الحديثين: بأن المراد بالطلوع: طلوع مخصوص؛ أي: حتى تطلع مرتفعة. قال النووي: اجتمعت الأمة على كراهة صلاةٍ لا سببَ لها في الأوقات المنهيِّ عنها، واتفقوا على جواز الفرائض المؤدَّاة فيها. واختلفوا في النوافل التي لها سبب؛ كصلاة تحية المسجد، وسنة الوضوء، وسجود التلاوة والشكر، فذهب الشافعي إلى جواز ذلك بلا كراهة (٤). وهي رواية عن الإمام أحمد، واختاره صاحب "الفصول"، و"المُذْهَب"، و"المُسْتَوعِب" (٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وغيرهم؛ كتحية المسجد حالَ خطبة الجمعة.

стр. 706

قال في "الفروع": وليس عنها جواب صحيح. وأجاب القاضي وغيره: بأن المنع هناك لم يختص الصلاة؛ ولهذا يمنع من القراءة والكلام، فهو أخف، والنهي هنا اختص الصلاة، فهو آكد. والمذهب المشهور: المنع؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك (١). (و) نهى ﷺ عن الصلاة (بعد) فراغ صلاة (العصر)، ويمتدُّ النهيُ من حينئذ (حتى تغرب) الشمس، لا حتى تَصْفَرَّ؛ خلافًا لمالك، والشافعي. * * *

стр. 707

الحديث العاشر عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قال: "لا صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفعَ الشَّمْسُ، ولاَ صَلاَةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ" (١). يُقَالُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إِذَا طَلَعَتْ، وَأَشْرَقَتْ: إِذَا أَضَاءَتْ وَصَفَتْ. وفي الباب: عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وعبدِ الله بنِ مسعودٍ، وعبدِ الله بنِ عمرَ بنِ الخطاب، وعبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص، وأبي هريرةَ، وسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ، وسَلَمَةَ بنِ الأكوعِ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، ومُعاذِ بنِ عفراءَ، وكَعْبِ بنِ

стр. 708

مُرَّةَ، وأبي أمامةَ الباهِلِيِّ، وعَمْرِو بنِ عَبَسَةَ السلميِّ، وعائشةَ - رضوان الله عليهم أجمعين -، والصُّنابِحِيِّ، ولم يسمع من النبي ﷺ . * * * (عن أبي سعيد) سعدِ بنِ مالكِ بن سنانَ بنِ ثعلبةَ بنِ عبيدِ بنِ الأبجرِ (الخدري) نسبة إلى خُدْرَة من الأنصار، وخُدرةُ هو: الأبجرُ بن عوفِ بنِ الحارث بنِ الخزرج الأنصاريُّ، اشتهر بكنيته. كان من الحفاظِ المكثرين العلماءِ الفضلاءِ العقلاءِ. أولُ مشاهده الخندقُ، وذلك أنه قال: عُرضت على النبي ﷺ يوم أُحد، وأنا ابن ثلاثَ عشرةَ، فجعل أبي يأخذُ بيدي، فيقول: يا رسول الله! إنه عبد الفطام، وإن كان مؤدنًا -بالدال المهملة مهموزًا-؛ أي: قصيرًا، فجعل النبي ﷺ يُصَعِّد فيَّ بصرَه ويُصَوِّبه، ثم قال: رُدُّه، فردني، فخرجنا نتلقى رسول الله ﷺ حين أقبلَ من أُحد، فنظر إليَّ، فقال: "سعد بن مالك! "، فقلت: نعم، بأبي وأمي، فدنوتُ فقبلت ركبتيه، فقال: "آجرَكَ الله في أبيكَ"، وكان قُتل يومئذ شهيدًا. وغزا أبو سعيد مع النبي ﷺ اثنتي عشرةَ غزوةً. روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: ابنُ عمر، وجابرٌ، وزيدُ بن ثابت، وغيرُهم. مات سنة أربع وسبعين، ودفن بالبقيع. روي له عن رسول الله ﷺ ألفُ حديث، ومئة وسبعون حديثًا، أُخرج له منها في "الصحيحين" مئةٌ وأحدَ عشرَ، المتفق عليه منها: ثلاثة وأربعون، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم: باثنين وخمسين (١).

стр. 709

فمن المتفق عليه: ما روى (﵁، عن رسول الله ﷺ : أنه قال: لا صلاة بعد الصبح)، يعني: من النوافل المطلقة؛ أي: تحرم ولا تصح، ويستمر المنعُ من طلوع الفجر (حتى ترتفع الشمس) ارتفاعًا يذهب عنه صفرة الشمس أو حمرتها، وهو مقدَّرٌ بقدر رُمْح، (ولا صلاة)، أي: يحرم النفل المطلَق، ولا يصحُّ (بعد) صلاة (العصر)، ويستمر المنع من فراغ صلاة العصر (حتى تغيب الشمس)، أي: يغيب حاجبها الفوقاني. قال الحافظ المصنف ﵀، ورضي عنه -: (يقال: شرقت الشمس)، يعني: من الثلاثي: (إذا طلعت). (و) يقال: (أشرقَتْ) من الرباعي: إذا (أضاءت) بنورها، (وصَفَتْ) من الصفرة والحمرة. وتقدم أنه روي باللفظين معًا. قال في "الفتح": حكى أبو الفتح اليعمريُّ عن جماعة من السلف: أنهم قالوا: إن النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، إنما هو إعلامٌ بأنهما لا يُتطوع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنهي كما قصد به وقت الطلوع ووقت الغروب (١).

стр. 710

ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود، والنسائي، بإسناد حسن، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا تُصَلُّوا بعدَ الصُّبح، ولا بعدَ العصر، إلا أن تكونَ الشمسُ نقيةً". وفي رواية: "مرتفعة" (١)، فدل على أن المرأد بالبعدية ليس على عمومه، وإنما المراد وقتُ الطلوع، ووقتُ الغروب، وما قاربهما، كذا قال (٢). قال الحافظ المصنف - رحمه الله تعالى، ورضي عنه -: (وفي) هذا (الباب) -وهو بابُ النهي عن صلاة التطوُّع في أوقات النهي- أحاديثُ صحيحة ثابتة عن حضرة النبيِّ ﷺ ،رُويت عن عدة من الصحابة - رضي الله عنهم (٣). منها: (عن علي) أميرِ المؤمنين (بنِ أبي طالب) ﵁، (و) عن أبي عبد الرحمن (عبد الله بن مسعود) ﵁. (و) روي أيضاً: عن (عبد الله) أبي عبد الرحمن (بن) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب)، وتقدمت ترجمتهما. (و) روي أيضاً في الباب: عن أبي عبد الرحمن، وقيل: أبي محمد (عبدِ الله) أحدِ المُكثرين، وتقدَّمت ترجمتُه (بنِ عمرِو بنِ العاص)، وهو

стр. 711

أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد، عمرُو بنُ العاص بنِ وائل بنِ هاشمِ بنِ سعيدِ بنِ سعدِ بنِ سهمٍ القرشيُّ السهميُّ، أسلم بعدَ عمرة القضية هو وخالدُ بن الوليد، وعثمانُ بن طلحة في يوم واحد على الصحيح. وقيل: أسلم سنة خمس. وولَّاه النبيُّ ﷺ على عُمان، فلم يزل عليها حتى قُبض النبيُّ ﷺ ، وعمل لعمرَ، وعثمانَ، ومعاويةَ. وهو الذي افتتح مصرَ لعمرَ، ولم يزل عاملًا عليها إلى آخر وفاته، وأقرَّه عثمانُ عليها نحوًا من أربع سنين، وعزله، ثم أقطعه إياها معاويةُ لما استقرَّ الأمر إليه، فمات بها سنة ثلاثٍ وأربعين. وقيل: اثنتين وأربعين. وقيل: ثمان وأربعين. وقيل: إحدى وخمسين. والصحيح: الأول، وله يومئذ تسعون سنة. وولي مصر بعده ابنُه عبدُ الله، ثم عزله معاويةُ. وكان معدودًا من الدُّهاة. رُوي له عن رسول الله ﷺ تسعة وثلاثون حديثًا؛ منها في "الصحيحين" ستة، المتفقُ عليه منها ثلاثة، وانفرد البخاري بطرف من حديث، رواه عنه ابنُه عبد الله، ومسلم بحديثين (١). (و) في الباب أيضاً: عن حافظ الأمة (أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁، وتقدمت ترجمته.

стр. 712

(و) فيه أيضاً: عن (سَمُرَةَ بنِ جندُب): هو أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو سليمان، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن، سمرةُ بن جندب بن هلال بن حَريِج -بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وبالجيم- بن مرة بن حَزْن -بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وبالنون- بن عمر بن جابر الفزاري، حليف الأنصار. نزل الكوفة، وولي البصرة، وعِدادُه في البصريين. كان زياد يستخلفه على الكوفة ستة أشهر، وعلى البصرة ستة أشهر، فلما مات زياد، كان بالبصرة، فأقرَّه معاوية عليها عامًا، ثم عزله. وكان ﵁ شديدًا على الحرورية (١). روي له عن رسول الله ﷺ مئة وثلاثة وستون حديثًا، اتفق الشيخان منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة. ومات بالبصرة سنة تسع وخمسين، سقط في قدر مملوءة ماءً حارًا كان يتعالج بالصُّعود عليها من كُزَازٍ شديدٍ أصابه، فكان ذلك مصداقَ قوله ﷺ له ولأبي هريرة وثالثٍ معهما: "آخِرُكُمْ مَوْتًا في النار" (٢).

стр. 713

(و) في الباب أيضاً: عن أبي مسلم، ويقال: أبو عامر، ويقال: أبو إياس (سلمةَ بنِ الأكوع)، ويقال: سلمة بن عمرو بن الأكوع. واسم الأكوع: سنانُ بنُ عبد الله بنِ قُشَير -بضم القاف وفتح الشين المعجمة وسكون الياء- ابن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم بن أَفْصَى - بالفاء والصاد المهملة- الأسلميُّ المدنيُّ. كان ممن بايع تحت الشجرة مرتين أو ثلاثًا، وكان من أشد الناس وأشجعهم راجلًا. ويقال: إنه الذي كلمه الذئب. قال سلمة ﵁: رأيت الذئب قد أخذ ظَبْيًا، فطلبتُه حتى نزعتُه منه، فقال: ويحَك مالي ومالك، عمدتَ إلى رزقٍ رزقنيه الله، فنزعْتَه مني؟! قال: فقلت: أيا عباد الله! إن هذا لعجبٌ؛ ذئبٌ يتكلم، قال الذئب: أعجبُ من هذا: أن النبيَّ ﷺ في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله، وتأبَوْن إلا عبادةَ الأوثان! قال: فلحقتُ برسول الله ﷺ ، فأسلمت (١). سكن سلمة ﵁ الرَّبذةَ، وتزوَّج هناك، وولد له، ولم يزل بها إلى قبل وفاته بليالٍ، فعاد إلى المدينة، وتوفي بها سنة أربع وأربعين، وهو ابن ثمانين سنة. روى عنه: ابنه إياس، والحسنُ بنُ محمدِ بنِ الحنفية، وعبدُ الله وعبدُ الرحمن ابنا كعب بن مالك.

стр. 714

روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وسبعون حديثًا، اتفقا على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة (١). (و) في الباب أيضاً: عن أبي سعيد، وقيل: أبي خارجة، وقيل: أبي عبد الرحمن (زيد بن ثابت) بنِ الضحاكِ بنِ زيدِ بنِ لَوْذان -بفتح اللام وسكون الواو وبالذال المعجمة فألف فنون- بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري، كاتبِ النبيِّ ﷺ . وكان له حين قدم النبيُّ ﷺ المدينةَ إحدى عشرة سنة، وكان له يوم بعاث ستُّ سنين. وبُعاث: وقعة كانت بين الأوس والخزرج قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وفي حرب بعاث قُتل أبوه، واستصغره النبيُّ ﷺ يومَ بدر، ثم شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد. وقيل: إن أول مشاهده الخندق. وكان ﵁ أحدَ فقهاء الصحابة الجِلَّة، القائمَ بالفرائض، وهو أحدُ من جمع القرآن وكتبه في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، ونقله من المصحف في خلافة عثمان. روى عنه: عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابناه خارجةُ وسليمان.

стр. 715

وكان أعلمَ الصحابة بالفرائض بشاهدِ قولهِ ﷺ : "أَفْرَضُكُمْ زيدٌ" (١). مات ﵁ بالمدينة سنةَ خمس وأربعين، وله ستٌّ وخمسون سنة. روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وسبعون حديثًا، اتفق الشيخان منها على خمسة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بحديث (٢). (و) في الباب أيضاً: (معاذُ بنُ عَفْراء) -بفتح العين المهملة وسكون الفاء- اسم أمه، اشتهر بالنسبة إليها؛ كابن البيضاء، وابن سلول، وغيرهم. وهذه عفراءُ بنتُ عبيدِ بنِ ثعلبة من بني النجار. وأما أبوه: فهو الحارث بنُ رفاعة بنِ سواد بنِ مالكِ بنِ غنمِ بنِ مالكِ بنِ النجَّارِ الأنصاريُّ. كان هو ورافعُ بنُ مالك أولَ من أسلم من الخزرج، شهد بدرًا هو

стр. 716

وأخواه عوذٌ ومعوَّذ، ابنا عفراء، وقتل أخواه ببدر، وشهد المشاهد كلها في قول، وقيل: إنه جرح يوم بدر، فمات بالمدينة من جراحته، وقيل: بل عاش إلى زمن عثمان، وقيل: مات في خلافة علي ﵁. روى عنه: ابنُ عباس، وابنُ عمر، وغيرُهما (١). (و) في الباب أيضاً: عن (كعب بن مرة) البَهْزي -بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وبالزاي- نسبة إلى بهز بن امرىء القيس بن بُهْثَة -بضم الموحدة وسكون الهاء فمثلثة- ابن سُلَيم -بضم السين المهملة وفتح اللام- بن عيلان بن مضر. ويقال: اسمه مرة بن كعب، على القلب، والأول أكثر. نزل البصرة، ثم سكن الأردن من الشام، ومات بها سنة تسع وخمسين (٢). (و) في الباب أيضاً: عن (أبي أمامة)، واسمه صُدَيّ -بضم الصاد

стр. 717

المهملة وتشديد الياء المثناة تحت بينهما دال مهملة مشددة-، وربما: قيل الصُّدَيّ -بزيادة الألف واللام-، وهو ابن عجلان (الباهليِّ) نسبة إلى باهل بنتِ سعدِ العشيرة من مَذْحِج -بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبالجيم-. سكن مصر، ثم انتقل إلى حمص، ومات بها، وأكثر حديثه عند الشاميين. مات سنة ست وثمانين، وقيل: سنة إحدى وثمانين، وله إحدى وتسعون سنة، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام، وقيل: إن آخر من مات منهم بالشام عبد الله بن بُسر. روي له عن رسول الله ﷺ مئتا حديث، وخمسون حديثًا، روى له منها البخاري خمسة، ومسلم ثلاثة (١). (و) في الباب أيضاً: عن (عمرو) هو أبو نجيح، ويقال: أبو شعيب (بن عَبَسَة) -بفتح العين المهملة وفتح الباء الموحدة على ما في "جامع الأصول" لابن الأثير (٢)، وبالسين المهملة -بن عامر بن خالد بن غَاضِرة- بالغين

стр. 718

والضاد المعجمتين - بن عَتَّاب -بفتح العين المهملة وتشديد المثناة فوق فألف فموحدة- بن امرىء القيس بن بُهْثة -بضم الموحدة وسكون الهاء وبالثاء المثلثة- بن سُلَيم (السلمي). أسلم قديمًا في أول الإسلام. قيل: إنه رابع أربعة في الإسلام، ثم رجع إلى قومه من بني سليم، وكان قد قال له النبي ﷺ : "إذا سمعتَ أني قد خرجْتُ، فاتبعني" (١). فلم يزل مقيمًا بقومه حتى انقضت خيبر، فقدم بعد ذلك على النبي ﷺ ، فأقام بالمدينة، وعِدادُه في الشاميين. روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وأربعون حديثًا، روى له مسلم حديثًا واحدًا (٢). (و) في الباب أيضاً: عن أم المؤمنين (الصِّديقةِ) بنتِ الصِّديق- ﵄، وتقدمت ترجمتها. فهؤلاء الثلاثةَ عشرَ من الصحابة (- رضوان الله عليهم أجمعين-) لهم رواية عن النبي ﷺ في النهي عن الصلاة في أوقات النهي.

стр. 719

(و) في الباب أيضاً: عن عبد الله (الصُّنَابحِيِّ) -بضم الصاد المهملة وتخفيف النون وكسر الباء الموحدة وبالحاء المَهملة آخره ياء النسبة- نسبة إلى صُنابحِ بنِ زاهرِ بنِ عامرٍ، بطنٍ من مراد، قبيلةٍ من اليمن. قال الحافظ المصنف ﵀، ورضي عنه -: (ولم يسمع)؛ يعني: الصنابحيَّ (من النبي ﷺ )، فعلى هذا يكون حديثه مرسلًا، وهو في ذلك متبع للبخاري، والترمذي. قال الترمذي في حديث الوضوء: سألت البخاريَّ عنه، فقال: أبو عبد الله الصنابحي لم يسمع من النبي ﷺ ، وحديثه مرسل، انتهى (١). لكن جاء في "مسند الإمام أحمد" تصريحُه بسماعه من النبي ﷺ (٢). ونقل البيهقي في "سننه الكبرى"، عن عباس الدوري: سمعتُ يحيى بنَ معين يجعلُهما اثنين (٣)، وإلى هذا مال أبو الحسن القطان (٤)، وغيره.

стр. 720

قال البرماوي: قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص سراجُ الدين عمرُ البلقينيُّ: الصواب أنهما اثنان، أحدهما: عبد الرحمن بن عسيلة تابعي، جاء ليلقى النبيَّ ﷺ فقُبض النبيُّ ﷺ وهو في الطريق بالجحفة قبل أن يصل بخمسٍ أو ستٍّ، ثم نزل الشام، وهذا ليس هو المذكور في حديث: "لا صلاةَ بعدَ الصبح حتى ترتفعَ الشمس" كما توهَّمَه مَنْ توهَّمَه. والثاني: الصنابحيُّ عبدُ الله صحابي، وهو المذكور في هذا الحديث. فقول الحافظ: ولم يسمع من النبي ﷺ تَبِعَ فيه البخاريَّ وابنَ المديني. وفي "جامع الأصول" لابن الأثير: قال يحيى بن معين، يقال: عبد الله، وأبو عبد الله، وخالفه غيره، فقال: هذا عبد الله. وأما عبدُ الله الصنابحيُّ: فاسمُه عبد الرحمن، وذكره -يعني: عبد الرحمن- في التابعين (١). وقال ابن عبد البر: الصوابُ عندي أن الصنابحيَّ أبو عبد الله التابعيُّ، لا عبدُ الله الصحابي، والصنابحيُّ الصحابيُّ قد أخرج حديثه في "الموطأ"، والنسائي في "سننه" (٢). فظهر أن التحقيق في هذا أنَّ اسمه عبدُ الله، وأنه صحابي. وأما الثاني: وهو عبد الرحمن، ويكنى أبا عبد الله، فهو تابعي جليل، روى عن: أبي بكر الصديق ومَنْ بعده؛ كعمر، وبلال، وعبادة بن الصامت، وكان عبادة يُثني عليه. ومشى ابن دقيق العيد في "شرحه على العمدة" على أن الصنابحي الذي

стр. 721

ذكره الحافظ هو عبد الرحمن بن عُسَيْلة؛ أي: -بضم العين وفتح السين المهملتين وسكون المثناة تحت-، وأن كنيته: أبو عبد الله. قال: وكان مسلمًا على عهد النبي ﷺ ، وقصدَه، فلما انتهى إلى الجحفة، لقيه الخبرُ بموته ﷺ ، انتهى (١). وقد علمت أن الصواب خلافه (٢). تنبيهات: * الأول: قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": لم يقع لنا تسمية الرجال المرضيين الذين حدثوا ابنَ عباس بهذا الحديث. قال: وبلغني أن بعض من تكلم على "العمدة" تجاسَرَ، وزعم أنهم المذكورون فيها عند قول مصنفها: وفي الباب: عن فلان، وفلان. قال: ولقد أخطأ هذا المتجاسِرُ خطأ بينًا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، انتهى (٣). قلت: أراد بالمتجاسر: أبا عبد الله محمد شمس الدين بن عبد الدائم البرماوي حيث قال في منظومته "الزهر البسام في رجال عمدة الأحكام" ما نصه: [من الرجز] وَفِي رِجَالٍ شَهِدُوا أَيْ بِخَبَرْ ... عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَرْضَاهُمْ عُمَرْ

стр. 722

يَحْتَمِلُ الأُلَى رَوَوْا ذَا الخَبَرا ... لِمَنْ لَهُمْ في الأَصْلِ عُدَّ مُكْثِرَا قال في "شرحه" لما ذكر حديث ابن عباس عن عمر: قد رواه جمع كثير، وقد ذكر المصنف منهم طائفةً، وهو معنى قولي: مكثراً؛ أي: أكثرَ من ذكر الرواة على خلاف عادته حيث قال: وفي الباب: عن علي بن أبي طالب إلخ .. ، فيحتمل أن يكون الرجال الذين رووا لابن عباس من هؤلاء الذين اتصلت روايتهم بالأئمة، ويحتمل أن يكون غيرهم. قال: ولكن الظاهر الأول، ولعل هذا السبب في تعداد المصنف لهم على خلاف عادته في سائر الأحاديث، انتهى. * الثاني: أوقاتُ النهي خمسةٌ: الأول: من طلوع الفجر الثاني، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، إلى طلوع الشمس. الثاني: من طلوعها إلى ارتفاعها قِيْدَ (١) رمح. والثالث: من بعد صلاة العصر بالإجماع، حتى جَمْعًا (٢)، إلى غروبها، لا اصفرارِها؛ خلافًا لمالك، والشافعي. الرابع: من بدو غروبها حتى تتم. الخامس: عند قيام الشمس في قبة الفلك إلى زوالها، وفيه وجه؛ وفاقًا لمالك (٣).

стр. 723

والمذهب: أنه وقت نهي؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁، قال: "ثلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ الله ﷺ ينهانا أن نصلِّيَ فيهنَّ، وأن نقبر فيهنَّ موتانا: حين تطلعُ الشمسُ بازغة حتى ترتفع، وحين يقومُ قائمُ الظهيرة حتى تميلَ الشمس، وحين تَضَيَّفُ للغروب حتى تغربَ"، رواه مسلم (١). وحديث عمرو بنِ عَبَسَةَ ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "صَلِّ صلاةَ الصبح، ثم أَقْصِرْ عن الصلاة حينَ تطلُع الشمسُ حتى ترتفعَ، فإنها تطلُعُ حين تطلُع بين قرنَيْ شيطان، وحينئذ يسجدُ لها الكفار، ثم صَلِّ؛ فإن الصلاةَ مشهودةٌ محضورة". وفيه: "حتى يستقلَّ الظلُّ بالرمح، فإذا أقبلَ الفيءُ فَصَلِّ" رواه مسلم (٢). وفي لفظ لأبي داود: "حتى يعدل الرمح ظلَّه" (٣). وحديث أبي هريرة ﵁ عند ابن ماجه، والبيهقي، ولفظه: "حتى تستويَ الشمسُ على رأسك كالرمح، فإذا زالتْ، فَصَلِّ" (٤). وحديمث الصنابحيِّ في "الموطأ": "ثم إذا استوت، قارنَها، فإذا زالتْ، فارقَها"، وفي آخره: نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في تلك الساعات (٥).

стр. 724

وعن عمر ﵁: نهى عن الصلاة نصف النهار. وعن ابن مسعود ﵁، قال: كنا نُنهى عن ذلك. وعن أبي سعيد المقبري، قال: أدركتُ الناسَ وهم يتقون ذلك (١). وهذا مذهب الأئمة الثلاثة، والجمهور؛ خلافًا لمالك، مع أنه روى حديثَ الصنابحيِّ. قال ابن عبد البر: فإما أنه لم يصحَّ عنده، وإما ردَّه؛ لقوله: ما أدركتُ أهلَ الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلُّون نصف النهار، فكأنه رأى العملَ علي خلافه (٢)، وفيه نظر (٣). * الثالث: استثنى بعضُ علمائنا كالشافعية يومَ الجمعة، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. قال الإمام أحمد في الجمعة: إذن لا يعجبني، وظاهره الجواز، ولو لم يحضر الجامع، وقال الشافعي: إن حضره (٤). قال الحافظ ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق": يكره التنفُّل يوم الجمعة عند الزوال. وقال الشافعي: لا يكره. لنا: عمومُ النهي في الأحاديث المتقدمة. وللشافعي: حديث أبي قتادة، عن النبي ﷺ : أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: "إن جهنم تُسْجَرُ إلا يومَ الجمعة" رواه

стр. 725

أبو داود، وهو مرسل، وأبو خليل من رجاله لم يسمع من أبي قتادة (١) وفيه ليثٌ: ضعيفٌ بِمرَّة. وروى البيهقي، عن أبي هريرة مرفوعًا: "تحرم -يعني: الصلاة- إذا انتصف النهار كلَّ يوم إلا يومَ الجمعة" (٢)، وفيه: إبراهيم بن محمد: هو ابن أبي يحيى الأسلمي، وقد كذبه الإمام مالك، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وغيرهم (٣). * الرابع: تحريمُ النوافل عندنا- كالحنفي والمالكي- منوطٌ بطلوع الفجر، إلا ركعتي الفجر. وقال أكثر العلماء: التحريمُ منوط بفراغ صلاة الفجر، وهو مذهب الشافعي، واختاره من علمائنا أبو محمد رزق الله التميمي (٤). لنا: ما رواه الترمذي، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "لا صلاةَ بعدَ الفجرِ إلا سجدَتَين"، قال الترمذي: غريب، لا نعرفه إلا من حديث قدامة (٥).

стр. 726

قال ابن الجوزي (١): قدامةُ معروف، ذكره البخاري في "تاريخه" (٢)، وأخرج عنه مسلم في "صحيحه" (٣). وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، عن يسار مولى عبد الله بن عمر، قال: رآني ابن عمر ﵄ وأنا أصلي بعدَما طلع الفجر، فقال: يا يسار! كم صليت؟ قلت: لا أدري، قال: لا دَرَيْتَ، إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحنُ نصلي هذه الصلاةَ، فقال: "ألا ليبلِّغْ شاهدُكم غائبكُمْ، أَلا لا صلاةَ بعدَ الصبح إلا سجدتان" (٤). وروى ابن ماجه منه: "ليبلغ شاهدُكم غائبَكم" (٥). ورواه [الطبراني] (٦)، ولفظه: أن عبد الله بن عمر رأى مولًى له يقال له: يسار يصلِّي بعد طلوع الفجر، فقال: ما هذه الصلاة؟ قال: شيءٌ لا بقي عليَّ من حزبي، فقال ابن عمر: خرج علينا رسولُ الله ﷺ بعد صلاة الفجر، فقال: "إذا طلعَ الفجرُ، فلا صلاةَ إلا ركعتين، فليبلغِ الشاهدُ الغائبَ". وفي الباب: أحاديث وطرق متعددة لا تخلو من نظر. والمختار من جهة الدليل: أن النهي في الفجر كالنهي في العصر، لا يتعلق بالوقت، بل بفعل الصلاة.

стр. 727

ودليله: ما خرجاه في "الصحيحين" -واللفظ لمسلم-، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا صلاةَ بعدَ صلاةِ العصرِ حتى تغربَ الشمس، ولا صلاةَ بعدَ صلاة الفجرِ حتى تطلعَ الشمسُ" (١). وفي البخاري: من حديث عمر ﵁: "لا صلاةَ بعدَ صلاةِ الصبحِ حتى تطلعَ الشمسُ" (٢). ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، وقالا فيه: "بعدَ صلاةِ العصر، وبعدَ صلاةِ الصبح" (٣). وفي حديث عَمرو بن عَبَسَةَ: "صلِّ الصبحَ، ثم أَقصِرْ عنِ الصلاةِ حتى تطلعَ الشمسُ" رواه مسلم (٤). ولفظ الإمام أحمد، وأبي داود، وابن ماجه: "حَتَّى تصلِّيَ الفجرَ، ثم انْهَهْ حتى تطلعَ الشمس، ومادامتْ كالحجفةِ حتى تنتشرَ" (٥).

стр. 728

* الخامس: يجوز قضاءُ الفوائت في أوقات النهي عند الثلاثة؛ خلافًا لأبي حنيفة؛ لظاهر النهي العام (١). ولنا: ما في "الصحيحين" من حديث أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصلِّيَها إذا ذكرها" (٢). ورواه مسلم، من حديث أبي هريرة (٣). ورواه الإمام أحمد، والترمذي، وصححه، من حديث أبي قتادة (٤). وفي مسلم، عن أبي قتادة ﵁، قال: ذكروا للنبي ﷺ نومَهم عن الصلاة، قال: "إنه ليسَ في النوم تفريطٌ، إنما التفريطُ على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيءَ وقتُ الأخرى، فمن فعلَ ذلك، فليصلِّها حين ينتبهُ لها، فإذا كانَ الغدُ، فليصلِّها عند وقتِها" (٥). وقد وَهَّموا في هذه الزيادة رباح الذي روى عن أبي قتادة (٦).

стр. 729

* السادس: لا يجوز فعلُ النافلة في أوقات النهي؛ وإن كان لها سبب. وعن الإمام أحمد جوازُ ذات السبب؛ كقول الشافعي (١). دليل الأول: عمومُ الأحاديث المتقدمة، وحديثُ أبي هريرة عند الترمذي: قال رسول الله ﷺ : "من لم يُصَلِّ ركعتي الفجرِ، فليصلِّهما بعدَما تطلعُ الشمس"، قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث عَمرو بن العاصم (٢)، وهو ثقة، أخرج عنه البخاري في "صحيحه" (٣)، ورواه الحاكم، وقال: على شرطهما (٤). وأما حديث قيس بن عمرو بن سهل: خرجَ رسولُ الله ﷺ ، فأقيمت الصلاة، فصلَّيتُ معه الصبح، ثم انصرفَ، فوجدني أصلِّي، فقال: "مهلًا ياقيس، أصلاتانِ معًا؟ "، قلت: يا رسول! إني لم أكن ركعتُ ركعتي الفجر، قال: "فلا إذن" (٥)، فإسناده ليس بمتصل، قاله الإمام أحمد، والترمذي (٦). واختار فعلَ ذاتِ السبب في أوقات النهي: أبو الخطاب في "الهداية"، وابنُ عقيل، وابن الجوزي في "المُذْهَب"، و"مسبوك الذهب"، والسَّامُرِّيُّ

стр. 730

في "المستوعب" (١)، وصاحب "الفائق"، و"مجمع البحرين"، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وغيرهم (٣). * السابع: المنع من التطوع في أوقات النهي متعلق بجميع البلدان، فمكة كغيرها، والمراد: غير ركعتي الطواف. وأما حديث: "لا يصلينَّ أحدٌ بعدَ الصبحِ إلى طلوع الشمس، ولا بعدَ العصرِ حتى تغربَ الشمسُ، إلا بمكةَ" يقول ذلك ثلاثًا (٤)، فهذا الحديث لا يصح. قال الإمام أحمد: رواه عبد الله بن المؤمل المخزومي، عن حميد مولى عفراء، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، قال: قدم أبو ذر، فأخذ بِعِضادَةِ بابِ الكعبة، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ ، فذكره (٥). قال الإمام أحمد: أحاديث ابن المؤمل مناكير (٦). وقال يحيى: هو ضعيف (٧). ورواه الشافعي، وغيره، عن ابن المؤمل، قال البيهقي: هذا الحديث يعد في أفراد عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف (٨).

стр. 731

وأما حديث جبير بن مطعم ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "يا بني عبدِ مناف! لا تمنعوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ وصَلَّى أيَّةَ ساعةٍ شاءَ من ليلٍ أو نهار" رواه الترمذي، وصححه، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وأبو حاتم البستي، وغيرهم (١). فيدل على ركعتي الطواف، كما في بعض ألفاظه: "من طافَ، فَلْيُصَلِّ أَيَّ حين طافَ" (٢)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 732

الحديث الحادى عشر عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فقالَ النَبيُّ ﷺ : "واللهِ! مَا صَلَّيْتُها"، قَالَ: فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ للصَّلاَةِ، وَتَوَضَّأنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَها المَغْرِبَ (١).

стр. 733

(عن جابر بن عبد الله ﵄: أنَّ) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب ﵁) قد اتفق الرواة على أن هذا الحديث من رواية جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، إلا حجَّاجَ بنَ نُصير، فإنه رواه بسنده عن جابر، عن عمر، فجعله من مسند عمر، تفرد بذلك حجاج، وهو ضعيف (١). (جاء) يعني: عمرَ ﵁ (يوم الخندق)، وكان في الخامسة على المعتمد (بعدما غربت الشمس). وفي رواية عند البخاري: وذلك -يعني: مجيء عمرَ ﵁ بعدما أفطر الصائم (٢)، والمعنى واحد، (فجعل) سيدنا عمر ﵁ (يسب كفار قريش). فيه دليل: على جواز سب المشركين؛ لتقرير رسول الله ﷺ عمر- ﵁ على ذلك، ولم يعين في الحديث لفظَ السبِّ، فينبغي مع إطلاقه أن يُحمل على ما ليس بفحش (٣)، وإنما خص كفار قريش بالسب؛ لأنهم كانوا السبب في تأخيرهم الصلاة عن وقتها (٤). (وقال) يعني: عمرَ ﵁: (والله) (٥). فيه دليل: على جواز الحلف بالله وإن لم يُستحلف.

стр. 734

(ما كدت). قال اليعمري: لفظة كاد من أفعال المقاربة، فإذا قلت: كاد زيد يقومُ، فُهم منه أنه قارب القيامَ، ولم يقم، قال: والراجح فيها أَلَّا تقرن بأن، بخلاف عسى؛ فإن الراجح فيها أن تُقرن. قال: وقد جاء في "مسلم" في هذا الحديث: حتى كادت الشمسُ أن تغربَ (١). قال ابن حجر: وفي "البخاري" في باب: غزوة الخندق أيضاً، قال: وهو من تصرف الرواة. وهل تسوغ الرواية بالمعنى في مثل هذا أولا؟ الظاهر: الجواز؛ كما في "الفتح"؛ لأن المقصود الإخبارُ عن صلاته العصرَ كيف وقعت، لا الإخبارُ عن عمر هل تكلم بالراجح أو المرجوح. وإذا تقرر أن معنى كاد المقاربة، فقول عمر: ما كدت (أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب). معناه: أنه صلى العصر قرب غروب الشمس؛ لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فيحصل من ذلك لعمر ثبوتُ الصلاة، ولم يثبت الغروب. قال الكرماني: لا يلزم من هذا السياق وقوعُ الصلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أَلَّا تقع الصلاة فيه؛ لأنه يقتضي أن كيدودته كان عند كيدودتها. قال: وحاصله عرفًا: ما صليت حتى غربت الشمس، انتهى (٢).

стр. 735

قال في "الفتح": ولا يخفى ما بين التقريرين من الفرق -يعني: تقرير اليعمري، وتقرير الكرماني-، ورجح كلام اليعمري من الإثبات والنفي؛ لأن كاد إذا أثبتت، نفت، وإذا نفت، أثبتت، كما قال فيها المعري ملغزًا. [من الطويل] إِذَا مَا نَفَتْ وَاللهُ أَعْلَمُ أَثْبَتَتْ ... وَإِنْ أَثْبَتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ (١) وكان عمر ﵁ لما وقع الاشتغال بالمشركين إلى قرب غروب الشمس، كان متوضئًا حينئذ، فلما فرغ، بادر، فأوقع الصلاة، ثم جاء إلى النبي ﷺ ، فأعلمه بذلك في الحال التي كان النبي ﷺ فيها وقد شرع يتهيأ للصلاة (٢). (فقال النبي ﷺ ) مجيبًا لعمر: (واللهِ ما صلَّيتها)؛ يعني: العصر. وقد اختلف في سبب تأخير النبي ﷺ الصلاةَ ذلكَ اليومَ، فقيل: كان ذلك نسيانًا. واستُبعد أن يقع ذلك من الجميع. ويمكن أن يُستدل له بما رواه الإمام أحمد، من حديث أبي جمعة: أن رسول الله ﷺ صلى المغربَ يوم الأحزاب، فلما سلم، قال: "هل علمَ رجلٌ منكم أَنِّي صليتُ العصر؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فصلَّى العصرَ، ثم صلى المغرب (٣).

стр. 736

فيه ابنُ لهيعة، وهو ضعيف لا يُحتج به إذا انفرد، وأبو جمعة اسمه: حبيب بن سباع (١)، وهو مخالف لهذا الحديث، وقد يجمع بينهما بتكلف. وقيل: كان التأخير عمدًا، لكنهم شغلوه، فلم يمكِّنوه من ذلك، وهو أقرب؛ ولاسيما وقد وقع عند الإمام أحمد، والنسائي، من حديث أبي سعيد: أن ذلك كان قبل أن يُنزل اللهُ صلاةَ الخوف (٢). وقيل: وفي قَسَمِه ﷺ إشفاقٌ منه على مَنْ تركها. وتحقيق هذا: أن القسمَ تأكيدٌ للمقسَم عليه، وفي هذا القسم إشعارٌ ببعد وقوع هذا المقسَم عليه، حتى كأنه لا يعتقد وقوعه، فأقسم على وقوعه، وذلك يقتضي: تعظيمَ هذا الترك، وهو مقتضٍ الإشفاق منه، أو ما يقارب هذا المعنى، قاله ابن دقيق العيد (٣). (قال)، أي: جابر ﵁: (فقمنا إلى بطحان) -بضم الموحدة وسكون الطاء المهملة- (٤): وادٍ بالمدينة. وقيل: هو -بفتح أوله وكسر ثانيه فحاء مهملة فنون بعد الألف-، حكاه أبو عبيد البكري (٥). (فتوضأ) ﷺ (لـ) أجل (الصلاة، وتوضأنا) معشرَ أصحابه (لها)، قد

стр. 737

يشعر هذا بصلاتهم معه ﷺ جماعة، فيستدل به على صلاة الفوائت جماعة؛ ولذا بوب له البخاري في "صحيحه" باب: من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت (١)، يؤيده ما وقع في رواية الإسماعيلي بلفظ: فصلى بنا العصر (٢). (فصلى) ﵊ (العصر). فيه دليل على: تقديم الفائتة على الحاضرة في القضاء (٣)؛ للتصريح بأنه ﷺ صلى العصر (بعدما غربت الشمس، ثم صلى) ﵊ (بعدها)؛ أي: العصرِ (المغربَ). وهذا الذي أخذ به الإمام أحمد، فقال: يقضي الفوائت مرتبًا فورًا ما لم يضعف بدنه، أو يشغله عن معيشة من يقوم بكفايته، وهذا معتمد المذهب، قلَّت الفوائت أو كثرت، نصَّ عليه، واختاره الشيخ؛ لأن القضاء يحكي الأداء، والأداء مرتب، فالقضاء مثله. قال في "الفروع": يجب قضاء الفوائت اتفاقًا على الفور في المنصوص؛ خلافًا للشافعي. ويجب ترتيبها؛ خلافًا للشافعي. وعنه -يعني الإمام أحمد-: لا يجب ترتيب. وقيل: يجبان؛ أي: الفوريةُ والترتيبُ في خمس صلوات؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك في الترتيب؛ لأنه ﷺ رَتَّبَ، وفعلُه بيانٌ لمجمَل الأعمال

стр. 738

المطلَقة، وهي تشمل الأداء والقضاء، مع عموم قوله ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتُموني أُصَلِّي" (١). واستوجه في "الفروع": احتمال وجوب الترتيب؛ ولا يعتبر للصحة، قال: وله نظائر. قال: قال شيخنا -يعني: شيخ الإسلام-: إن عجز فمات بعدَ التوبة، غُفر له، ولا تسقط بحجٍّ، ولا تضعيفِ صلاةٍ في المساجد الثلاثة، ولا غيرِ ذلك إجماعًا. ويسقط الترتيبُ بخشية فواتِ الحاضرة؛ لئلا تصيرا فائتتين، ولأن ترك الترتيب أيسرُ من ترك الوقت. وعنه: مع الكثرة؛ وفاقًا لمالك. ويسقط الترتيبُ بالنسيان أيضاً، على الأصح فيهما (٢)؛ خلافًا لمالك (٣). تنبيهات: الأول: قولُ صاحب "الفروع": يجبان؛ أي: الفوريةُ والترتيبُ في خمس؛ وفاقًا لمالك وأبي حنيفة: المشهورُ من مذهب مالك: وجوبُ الترتيب في القليل من الفوائت، وهو عنده ما دون الخمس، وفي الخمس خلاف (٤).

стр. 739

الثاني: وقع في "الموطأ" من طريق أخرى: أنَّ الذي فاتَهم الظهرُ والعصرُ (١). وفي حديث أبي سعيد: الظهرُ والعصرُ والمغربُ، وأنهم صَلَّوا بعد هُوِيٍّ من الليل (٢). وفي حديث ابن مسعود عند الترمذي، والنسائي: أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يومَ الخندق حتى ذهبَ من الليل ما شاء الله (٣). وفي قوله: أربعٌ، تجوُّزٌ؛ لأن العشاء لم تكن فاتت. قال اليعمري: من الناس من رجَّح ما في "الصحيحين"، وصرح بذلك ابن العربي، فقال: الصحيح أن التي شُغل عنها واحدةٌ، وهي العصر (٤). قال في "الفتح": ويؤيده ما في "مسلم": "شغلونا عن الصَّلاةِ الوسطى، صلاةِ العصرِ" (٥). ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعتُه أيامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام، وهذا أولى.

стр. 740

قال في "الفتح": ويقويه أن روايتي أبي سعيد وابن مسعود ليس فيهما تعرُّضٌ لقصة عمر، بل فيهما أن قضاءه الصلاةَ وقع بعد خروج وقت المغرب (١). الثالث: في هذا الحديث من الفوائد: اعتبار ترتيب الفوائت، وهذا المقصود منه هنا، والأكثر على وجوبه مع الذكر. وما كان عليه ﷺ من مكارم الأخلاق، وحسن التأني مع أصحابه، وما ينبغي الاقتداء به في ذلك (٢). وأن الفوائت تقضى جماعة، وذلك مستحبٌّ كما في "المغني" (٣). وأنه لا يلزم القضاء أكثرَ من مرة؛ لأن النبي ﷺ لم يقض أكثر من مرة، وقال ﷺ : "من نام عن صلاةٍ أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرَها" (٤)، لم يزد على ذلك. وقد روى عمرانُ بنُ حُصين في حديثه حين ناموا عن صلاة الفجر، قال: فقلنا: يا رسول الله! ألا نصلِّي هذه الصلاة لوقتها؟ قال: "لا، لا ينهاكم عن الربا ويَقْبَلُه منكم" رواه الإمام أحمد (٥)، واحتج به، والله أعلم. * * *
следующие страницы →