← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فيه ابنُ لهيعة، وهو ضعيف لا يُحتج به إذا انفرد، وأبو جمعة اسمه: حبيب بن سباع (١)، وهو مخالف لهذا الحديث، وقد يجمع بينهما بتكلف. وقيل: كان التأخير عمدًا، لكنهم شغلوه، فلم يمكِّنوه من ذلك، وهو أقرب؛ ولاسيما وقد وقع عند الإمام أحمد، والنسائي، من حديث أبي سعيد: أن ذلك كان قبل أن يُنزل اللهُ صلاةَ الخوف (٢). وقيل: وفي قَسَمِه ﷺ إشفاقٌ منه على مَنْ تركها. وتحقيق هذا: أن القسمَ تأكيدٌ للمقسَم عليه، وفي هذا القسم إشعارٌ ببعد وقوع هذا المقسَم عليه، حتى كأنه لا يعتقد وقوعه، فأقسم على وقوعه، وذلك يقتضي: تعظيمَ هذا الترك، وهو مقتضٍ الإشفاق منه، أو ما يقارب هذا المعنى، قاله ابن دقيق العيد (٣). (قال)، أي: جابر ﵁: (فقمنا إلى بطحان) -بضم الموحدة وسكون الطاء المهملة- (٤): وادٍ بالمدينة. وقيل: هو -بفتح أوله وكسر ثانيه فحاء مهملة فنون بعد الألف-، حكاه أبو عبيد البكري (٥). (فتوضأ) ﷺ (لـ) أجل (الصلاة، وتوضأنا) معشرَ أصحابه (لها)، قد

стр. 737

يشعر هذا بصلاتهم معه ﷺ جماعة، فيستدل به على صلاة الفوائت جماعة؛ ولذا بوب له البخاري في "صحيحه" باب: من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت (١)، يؤيده ما وقع في رواية الإسماعيلي بلفظ: فصلى بنا العصر (٢). (فصلى) ﵊ (العصر). فيه دليل على: تقديم الفائتة على الحاضرة في القضاء (٣)؛ للتصريح بأنه ﷺ صلى العصر (بعدما غربت الشمس، ثم صلى) ﵊ (بعدها)؛ أي: العصرِ (المغربَ). وهذا الذي أخذ به الإمام أحمد، فقال: يقضي الفوائت مرتبًا فورًا ما لم يضعف بدنه، أو يشغله عن معيشة من يقوم بكفايته، وهذا معتمد المذهب، قلَّت الفوائت أو كثرت، نصَّ عليه، واختاره الشيخ؛ لأن القضاء يحكي الأداء، والأداء مرتب، فالقضاء مثله. قال في "الفروع": يجب قضاء الفوائت اتفاقًا على الفور في المنصوص؛ خلافًا للشافعي. ويجب ترتيبها؛ خلافًا للشافعي. وعنه -يعني الإمام أحمد-: لا يجب ترتيب. وقيل: يجبان؛ أي: الفوريةُ والترتيبُ في خمس صلوات؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك في الترتيب؛ لأنه ﷺ رَتَّبَ، وفعلُه بيانٌ لمجمَل الأعمال

стр. 738

المطلَقة، وهي تشمل الأداء والقضاء، مع عموم قوله ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتُموني أُصَلِّي" (١). واستوجه في "الفروع": احتمال وجوب الترتيب؛ ولا يعتبر للصحة، قال: وله نظائر. قال: قال شيخنا -يعني: شيخ الإسلام-: إن عجز فمات بعدَ التوبة، غُفر له، ولا تسقط بحجٍّ، ولا تضعيفِ صلاةٍ في المساجد الثلاثة، ولا غيرِ ذلك إجماعًا. ويسقط الترتيبُ بخشية فواتِ الحاضرة؛ لئلا تصيرا فائتتين، ولأن ترك الترتيب أيسرُ من ترك الوقت. وعنه: مع الكثرة؛ وفاقًا لمالك. ويسقط الترتيبُ بالنسيان أيضاً، على الأصح فيهما (٢)؛ خلافًا لمالك (٣). تنبيهات: الأول: قولُ صاحب "الفروع": يجبان؛ أي: الفوريةُ والترتيبُ في خمس؛ وفاقًا لمالك وأبي حنيفة: المشهورُ من مذهب مالك: وجوبُ الترتيب في القليل من الفوائت، وهو عنده ما دون الخمس، وفي الخمس خلاف (٤).

стр. 739

الثاني: وقع في "الموطأ" من طريق أخرى: أنَّ الذي فاتَهم الظهرُ والعصرُ (١). وفي حديث أبي سعيد: الظهرُ والعصرُ والمغربُ، وأنهم صَلَّوا بعد هُوِيٍّ من الليل (٢). وفي حديث ابن مسعود عند الترمذي، والنسائي: أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يومَ الخندق حتى ذهبَ من الليل ما شاء الله (٣). وفي قوله: أربعٌ، تجوُّزٌ؛ لأن العشاء لم تكن فاتت. قال اليعمري: من الناس من رجَّح ما في "الصحيحين"، وصرح بذلك ابن العربي، فقال: الصحيح أن التي شُغل عنها واحدةٌ، وهي العصر (٤). قال في "الفتح": ويؤيده ما في "مسلم": "شغلونا عن الصَّلاةِ الوسطى، صلاةِ العصرِ" (٥). ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعتُه أيامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام، وهذا أولى.

стр. 740

قال في "الفتح": ويقويه أن روايتي أبي سعيد وابن مسعود ليس فيهما تعرُّضٌ لقصة عمر، بل فيهما أن قضاءه الصلاةَ وقع بعد خروج وقت المغرب (١). الثالث: في هذا الحديث من الفوائد: اعتبار ترتيب الفوائت، وهذا المقصود منه هنا، والأكثر على وجوبه مع الذكر. وما كان عليه ﷺ من مكارم الأخلاق، وحسن التأني مع أصحابه، وما ينبغي الاقتداء به في ذلك (٢). وأن الفوائت تقضى جماعة، وذلك مستحبٌّ كما في "المغني" (٣). وأنه لا يلزم القضاء أكثرَ من مرة؛ لأن النبي ﷺ لم يقض أكثر من مرة، وقال ﷺ : "من نام عن صلاةٍ أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرَها" (٤)، لم يزد على ذلك. وقد روى عمرانُ بنُ حُصين في حديثه حين ناموا عن صلاة الفجر، قال: فقلنا: يا رسول الله! ألا نصلِّي هذه الصلاة لوقتها؟ قال: "لا، لا ينهاكم عن الربا ويَقْبَلُه منكم" رواه الإمام أحمد (٥)، واحتج به، والله أعلم. * * *

стр. 741

باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها عقد الحافظ -قدس الله روحه- هذا الباب لشيئين: الأول: فضل صلاة الجماعة على الصلاة فرادى. والثاني: وجوب الجماعة في الصلوات الخمس والجمع والأعياد. وأتبع ذلك بالنهي عن منع النساء من المساجد، وذكرَ الرواتب، وذكرَ في هذا الباب ستة أحاديث:

стр. 742

الحديث الأول عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "صَلاَةُ الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ الْفَذِّ بِسَبع وَعِشْرِينَ دَرَجَةً" (١). * * * (عن) أبي عبد الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ) بنِ الخطاب (- رضي الله عن هـ) ما -: (أن رسول الله ﷺ قال: صلاة الجماعة أفضل من

стр. 743

صلاة الفذ) -بالفاء والذال المعجمة-: المنفرد، يقال: فَذَّ الرجلُ من أصحابه: إذا بقي وحده (١). وفي لفظ لمسلم: "صلاةُ الرجلِ في الجماعة تزيدُ على صلاته وحده" (بسبعٍ وعشرين درجةً). قال الترمذي: عامة من رواه قالوا: "خمسًا وعشرين"، إلا ابن عمر؛ فإنه قال: "سبعًا وعشرين" (٢). قال في "الفتح": لم يختلف عنه في ذلك إلا ما وقع عن عبد الرزاق (٣)، عن عبد الله العمري، عن نافع، فقال: "خمس وعشرون" (٤)، والعمري: ضعيف (٥). وعلى كل حال ما في "الصحيحين" هو الصحيح. ويأتي في الحديث الثاني، عن أبي هريرة: "خمس وعشرون". وقد جمع العلماء بين الحديثين بوجوه: منها: أن ذكرَ القليل لا ينفي الكثير، وهذا قول من لا يَعتبرُ مفهومَ العدد. ومنها: احتمالُ أنه ﷺ أخبر بالخَمْس، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فأخبر بالسبع.

стр. 744

وتُعقب: بجهل التاريخ، وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلَفٌ فيه. ومنها: احتمالُ اختلاف العددين باختلاف مميزهما، وعلى هذا فقيل: الدرجةُ أصغر من الجزء. وتُعقب: بأن الذي رُوي عنه الجزء، روى الدرجةَ. وقال بعضهم: الجزء في الدنيا، والدرجة في الآخرة، وهو مبني على التغاير. ومنها: الفرق بقرب المسجد وبعده. ومنها: الفرق في حال المصلي؛ كأن يكون أعلمَ أو أخشعَ. ومنها: الفرق بإيقاعها في المسجد وغيره، أو المنتظر للصلاة وغيره، أو أدركها كلَّها أو بعضَها، أو بكثرة الجماعة وقِلَّتهم، أو أن السبعَ مختصة بالفجر والعشاء. وقيل: الفجر والعصر، والخمس ما عدا ذلك، أو السبع مختصة بالجهرية والخمس بالسرية، واستوجهه في "الفتح" (١). وقال صدر الوزراء عونُ الدين بنُ هبيرة -رحم الله روحه-: لما كانت صلاةُ الفَذِّ مفردةً، أشبهت العددَ المفرد، فلما جمعتْ مع غيرها، أشبهت ضربَ العدد، وكانت خمسًا، فضربت في خمس، فصارت خمسًا وعشرين، وهي غاية ما يرتفع إليه ضربُ الشيء في نفسه. قال: فأما رواية: "سبع وعشرين"، فإن صلاة المنفرد وصلاة الإمام أدخلتا مع المضاعفة في الحساب، انتهى (٢).

стр. 745

وقد أشار إلى مثل ذلك الكرماني (١). وقد ذكر بعضهم الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة، ولم ير ذلك ابن الجوزي، بل قال عن الذين عينوا ذلك: لم يأتوا بطائل (٢). وذكر الطبري (٣): أن في حديث أبي هريرة الآتي إشارةً إلى بعض ذلك. وحاصل ذلك: إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة، التبكير إليها في أول الوقت، المشي إليها بالسكينة، دخول المسجد داعيًا، صلاة التحية عند دخوله- كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة-، انتظار صلاة الجماعة والتعاون على الطاعة، صلاة الملائكة واستغفارهم له، شهادتهم له، إجابة الإقامة، السلامة من الشيطان حين يفر عند الإقامة، الوقوف منتظرًا إحرامَ الإمامِ والدخولَ معه في أي هيئة وجده عليها، إدراك تكبيرة الإحرام كذلك، تسوية الصفوف وسد فُرَجها، جواب الإمام عند قوله: سمع الله لمن حمده، الأمن من السهو غالبًا، تذكير الإمام بالتسبيح والفتح عليه، حصول الخشوع والسلامة عما يُلهي غالبًا، تحسين الهيئة غالبًا، احتفاف الملائكة، التدربُ على تجويد القراءة وتعلم الأركان والأبعاض، إظهار شعائر الإسلام، إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل، السلامة من صفة النفاق، ومن إساءة ظن غيره به بأنه تارك الصلاة رأسًا، نية رد السلام على الإمام، الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر وعود بركة الكامل على الناقص، قيام نظام الألفة [بين

стр. 746

الجيران] (١) وحصولُ تعاهدهم في أوقات الصلوات، فهذه خمس وعشرون خصلة، ورد في كل واحد منها أمرٌ أو ترغيب، وثَمَّ أمران يختصان بالجهرية، وهما: الإنصات عند قراءة الإمام، والاستماع لها، والتأمينُ عند تأمينه؛ ليوافق تأمينَ الملائكة، ذكر ذلك في "الفتح"، قال: وبهذا يرجح أن السبع تختص بالجهرية، انتهى (٢). فإن قيل: التضعيفُ يقتضي اختصاص الخصال بالتجميع، والمشي للمساجد ودخولها، والتحيةُ لا اختصاص لها بذلك؟. فالجواب: يمكن أن يعوض عنها مما ذكرنا مما يشتمل على خصلتين متقاربتين أقيمتا مقام خصلة واحدة؛ كاجتماعهم على الانتفاع بالدعاء والذكر، وعود بركة الكامل على الناقص، وكذا فائدةُ قيام الألفة غيرُ فائدة حصول التعاهد، وكذا فائدةُ أمن المأمومين من السهو غالبًا غيرُ فائدة تنبيه الإمام إذا سها، فهذه ثلاثة يمكن أن تكون عوضًا من الثلاثة المذكورة، فيحصل المطلوب، والله أعلم (٣). تتمة: ورد في حديث صحيح: تضعيفُ الصلاة في الفلاة على صلاة الجماعة، ففي حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلاةُ في جماعة تعدلُ خمسًا وعشرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة، فأتمَّ ركوعَها وسجودَها، بلغت خمسين صلاة" رواه أبو داود، والحاكم، وقال: على شرطهما، وابن حبان بمعناه.

стр. 747

قال عبد الواحد بن زياد: في هذا الحديث صلاة الرجل في فلاة تضاعف على صلاته في الجماعة (١). * * *

стр. 748

الحديث الثاني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلاَةُ الرَّجُلِ في الجَمَاعةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفي سُوقِهِ: خَمْسًا وَعِشْرينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنّهُ إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، لا يُخْرِجُهُ إلأَ الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً، إلأَ رُفِعَتْ لَهُ بَها دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بهَا خَطِيئَةٌ، فَاذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَادَامَ في مُصَلاَّهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، ولاَ يَزالُ (١) في صَلاةٍ؛ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ" (٢).

стр. 749

(عن أبي هريرة) عبدِ الرحمن بنِ صخرٍ (﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في الجماعة): ظاهره قلَّت الجماعة أو كَثُرت، نعم الجماعةُ الكثيرةُ أفضل؛ خلافًا لمالك؛ محتجًا بأنه لا مدخل للقياس في الفضائل؛ لأن الحديث دل على فضيلة الجماعة بالعدد، فتدخل كلُّ جماعة، ومن جملتها الجماعةُ الكبرى، والجماعةُ الصغرى، والتقدير فيهما واحد بمقتضى العموم (١). ولنا: ما رواه أبو داود، من حديث أُبي بن كعب ﵁: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحدَهُ، وصلاتُه مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وكلَّما كَثُرَ، فهو أحبُّ إلى الله ". ورواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، والحا كم (٢). وقد جزم يحيى بن معين والذهلي بصحة هذا الحديث (٣).

стр. 750

وروى البزار، والطبراني بإسناد لا بأس به، عن قَبَاث بنِ أَشْيَم الليثيِّ ﵁ (١)، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مئة تترى" (٢). (تُضَعَّفُ)، قال الأزهري: الضعف: المِثْل إلى ما زاد، وليس بمقصور على المثلين، تقول: هذا ضعف الشيء: أي: مثليه أو مثاله فصاعدًا، لكن لا يزاد على العشرة (٣). وفي "النهاية": الضعف مثلان. يقال: [إن] أعطيتني درهمًا فلك ضعفه، أي: درهمان، وربما قالوا: فلك ضعفاه. وقيل: ضعف الشيء: مثله، وضعفاه: مثلاه. قال: وحديث "تضعف صلاة الجماعة على صلاة الفرد خمسًا وعشرين درجة"؛ أي: تزيد عليها، يقال: ضعف الشيء يضعف: إذا زاد، وأضعفته وضعَّفته وضاعفته، بمعنى (٤).

стр. 751

قال في "الفتح" (١): معنى الدرجة والجزء: حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للجمع، كما استظهر ابن دقيق العيد (٢). وفي بعض طرق مسلم: "صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفرد" (٣). وفي لفظ: "صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده" (٤). ونحوه في "مسند الإمام أحمد"، من حديث ابن مسعود، برجال ثقات، وفي آخره: "كلها مثل صلاته" (٥). وهذا ظاهر هذا الحديث حيث جعل أن صلاة الرجل في الجماعة تضعف؛ أي: تزيد (على صلاته) منفردًا (في بيته و) كذا صلاته في جماعة تضعف على صلاته منفردًا (في سوقه، خمسًا وعشرين ضعفًا". قال في "الفتح": مقتضاه: أن الصلاة في المسجد جماعةً تزيد على الصلاة في البيت، وفي السوق جماعة وفرادى، كما قاله ابن دقيق العيد، والذي يظهر: أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاةُ في غيره منفردًا، لكنه خرج مخرجَ الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد، صلى منفردًا.

стр. 752

قال: وبهذا يرتفع الإشكال عمن استشكل تسويةَ الصلاة في البيت والسوق (١). فلا يلزم من حمل الحديث على ظاهره التسويةُ المذكورة، إذ لا يلزم من استوائهما في المفضولية عن المسجد أَلَّا يكون أحدُهما أفضل من الآخر، وكذا لا يلزم منه أن تكون الصلاة في البيت أو السوق جماعةً لا فضل فيها على الصلاة منفردًا، بل الظاهر أن التضعيف المذكور مختصّ بالجماعة في المسجد، والصلاة في البيت مطلقا أولى منها في السوق؛ لما ورد من كون الأسواق موضعَ الشياطين، والصلاة جماعة في البيت وفي السوق أولى من الانفراد (٢). وقد جاء عن بعض الصحابة قصرُ التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع في المسجد العام، مع تقرير الفضل في غيره، فروى سعيد بن منصور، بإسناد حسن، عن [أوس المعافري] (٣): أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أرأيت من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى في بيته؟ قال: حسن جميل، قال: فإن صلى في مسجد عشيرته، قال: خمس عشرة صلاة، قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة فصلى فيه؟ قال: خمس وعشرون (٤).

стр. 753

(وذلك أنه)؛ أي: الرجل (إذا توضأ) بالماء، ومثله بالتراب بشرطه (فأحسن الوضوء)، وهذا ظاهر في أن الأمور المذكورة علةٌ للتضعيف المذكور، إذ التقدير: وذلك لأنه، فكأنه يقول: التضعيفُ المذكورُ سببُه كيتَ وكيتَ، وإذا كان كذلك، فما رُتِّبَ على موضوعات متعددة لا توجد بوجود بعضها إلا إذا دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبرًا، أو ليس مقصودًا لذاته (١). وهذه الزيادة التي في هذا الحديث معقولةُ المعنى، فالأخذُ بها متوجِّهٌ، والروايات المطلقة لا تنافيها، بل يُحمل مطلقُها على هذه المقيدة. والذين قالوا بوجوب الجماعة على الكفاية، ذهب كثير منهم إلى أن الحرج لا يسقط بإقامة الجماعة في البيوت، وكذا روي عن الإمام أحمد في فرض العين، ووجهوه بأن أصل المشروعية إنما كان في جماعة المساجد، وهو وصف معتبر لا ينبغي إلغاؤه، فيختص به المسجد، ويلتحق به ما في معناه مما يحصل به إظهار الشعار، قاله في "الفتح" (٢). (ثم خرج)؛ أي: الرجل بعد ذلك (إلى المسجد، لا يخرجه) من بيته (إلا الصلاةُ)؛ أي: قصدُ الصلاة في جماعة، واللام فيها للعهد (لم يخط) -بفتح أوله وضم الطاء المهملة- (خطوة). قال في "الفتح": ضبطناه بضم أوله، ويجوز الفتح (٣).

стр. 754

قال الجوهري: الخُطْوَةُ -بالضم-: ما بين القدمين، و-بالفتح-: المرة الواحدة (١). وجزم اليعمري أنها هنا بالفتح. وقال القرطبي: في رواية مسلم -بالضم-، انتهى (٢). والذي في "القاموس": الخُطْوَةُ، ويفتح: ما بين القدمين، والجمعُ خُطًا وخُطْوات، وبالفتح: المرة، والجمع: خَطَوات (٣). (إلا رُفِعَت) -بالبناء للمفعول- (له)؛ أي: للرجل الآتي إلى المسجد على الصفة المذكورة (بها)؛ أي: الخطوة (درجةٌ) نائب الفاعل؛ أي: رفع الله له بذلك درجةً (وَحُطَّ) -بالبناء للمفعول- (عنه)؛ أي: الرجل المذكور (بها)؛ أي: الخطوةِ (خطيئةٌ) بالرفع نائب فاعل، وهي الذنبُ، أو ما تُعُمِّد منه؛ كالخِطْءِ -بالكسر-، والخطأ: ما لم يُتَعَمَّدْ، والجمع: خَطَايا (٤). (فإذا صلى) أي: صلاة تامة، قاله ابن أبي جمرة؛ لأنه ﷺ قال للمسيء في صلاته: "ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" (٥). (لم تزل الملائكة) الحَفَظَةُ، أو أَعَمُّ (تصلي عليه مادام في مصلاه)؛ أي: المكانِ الذي أوقع فيه الصلاةَ في المسجد، وكأنه خرجَ مخرجَ الغالب، وإلا، فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرًا على نية انتظار الصلاة، كان كذلك (٦).

стр. 755

يقولون: (اللهم صَلِّ)؛ أي: أَثْنِ (عليه) ثناءً حسنًا في الملأ الأعلى، والجملةُ وما بعدها مبينة؛ لقوله: "تصلي عليه". (اللهم ارحمه). وفي لفظ: "اللهمَّ اغفرْ له، اللهمَّ ارحمه" (١)، طلبتْ له الرحمة من الله بعدَ طلب المغفرة؛ لأن صلاة الملائكة استغفار. وزاد في رواية عندهما: "اللهم تُبْ عليه" (٢)؛ أي: وفقه للتوبة، وتقبلْها منه. (ولا يزال في) ثوابِ (صلاةٍ؛ ما انتظر)؛ أي: مدةَ دوام انتظاره (الصلاةَ). وفي رواية: "ما دامتِ الصلاةُ تَحْبسُه" (٣)؛ أي: تمنعه الخروجَ من المسجد؛ لأجل انتظاره لها. زاد في رواية: "ما لم يُؤْذِ فيه، أو يُحْدِثْ فيه" (٤)؛ أي: يؤذي أحدًا من الخَلْق، أو ينقض طُهره. واستدل به على أفضلية الصلاة؛ لما ذكر من دعاء الملائكة للمصلي بالرحمة والمغفرة والتوبة.

стр. 756

وعلى تفضيل صالحي البشر على الملائكة؛ لأنهم يكونون في تحصيل الدرجات لهم بالدعاء والاستغفار. وبأن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة؛ لأن قوله: "على صلاته وحده" يقتضي صحة صلاته منفردًا؛ لاقتضاء صيغة "أفعل" الاشتراكَ في أصل التفاضل؛ فإن ذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصحّ لا فضيلة فيه (١). فصل في ذكر وجوب صلاة الجماعة: وهكذا ترجم البخاري في "صحيحه" (٢)؛ لقوة دليل الوجوب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه-: صلاةُ الجماعة اتفق العلماء على أنها من آكَدِ العبادات، وأجلِّ الطاعات، وأعظمِ شعائر الإسلام، مع ما ثبت من فضلها عن النبي ﷺ . قال: ومن ظن من المتنسكة أن صلاتَه وحدَه أفضلُ؛ إما في خلوته، أو في غير خلوته، فهو مخطىء ضالٌّ، وأضلُّ منه من لم يرَ الجماعةَ إلا خلفَ الإمام المعصوم، فعطَّلَ المساجد عن الجُمَع والجماعات التي أمر الله ورسولُه بها، وعمر المشاهد بالبدع والضلالات التي نهى الله ورسولُه عنها. ولكن تنازعَ الناسُ بعد ذلك في كونها واجبةً على الأعيان، أو على الكفاية، أو سنة مؤكدة؟ فقيل: إنها سنة مؤكدة، وهذا المعروف عن أصحاب أبي حنيفة، وأكثرِ

стр. 757

أصحابِ مالك، وكثيرٍ من أصحاب الشافعي، ويذكر روايةً عن الإمام أحمد. وقيل: بل هي واجبة على الكفاية، وهذا الراجح من مذهب الشافعي، وقولُ بعض أصحاب مالك، وقولٌ في مذهب أحمد. ومعتمد المذهب: أنها واجبة على الأعيان، وهو المنصوص عن الإمام أحمد، وغيره من أئمة السلف، وفقهاء الحديث، وغيرهم. وهؤلاء تنازعوا فيما إذا صلى منفردًا لغير عذر، هل تصحُّ صلاته، أو لا؟ فقيل: لا تصح، وهو قول طائفة من قدماء أصحاب الإمام أحمد، كما ذكره القاضي أبو يعلى في "شرح المذهب" عنهم، وهو قول ابن عقيل وطائفةٍ من السلف، واختاره ابنُ حزم وغيره. وصحيح المذهب المعتمد: تصحُّ مع إثمه بالترك، كما هو المأثور عن الإمام، وهو قول أكثر أصحابه. ودليل الوجوب: الكتابُ والسنةُ والآثار، أما الكتاب، فقوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]. فأمرَهم بصلاة الجماعة معه في الخوف، وذلك دليل على وجوبها حال الخوف، وبطريق الأولى حال الأمن، وسنَّ صلاة الخوف جماعةً، وسوغ فيها ما لا يجوز لغير عذر؛ كاستدبار القبلة، والعمل الكثير، ومفارقة الإمام قبل السلام عند الجمهور، والتخلف عن متابعته، فلو لم تكن الجماعة واجبة، لكان التزم فعلَ محظورٍ مبطلٍ للصلاة لأجل فعل مستحب؛ لإمكان الصلاة فرادى تامة، فعلم أنها واجبة.

стр. 758

وأيضًا قوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وإنما خص الركوع من بين أركان الصلاة؛ لأنه به تُدرك الركعةُ وما بعده؛ بخلاف القيام، فإنه لا يجب الدخولُ مع الإمام من أوله، بل الواجب إدراكُ الركعة، وقد حصل (١). وأما السنة: فذكر المصنف ﵁ من ذلك حديث أبي هريرة ﵁، وهو: * * *

стр. 759

الحديث الثالث وعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلاَةُ الْعِشَاءِ، وَصَلاَةُ الفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا، لأَتوْهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا، فَيُصَلِّيَ بالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجالٍ، مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيوتَهُمْ بِالنَّارِ" (١).

стр. 760

وأشار إليه بقوله: (وعنه)؛ أي: أبي هريرة ﵁، (قال: قال رسول الله ﷺ : أثقل الصلاة على المنافقين) الذين يُظْهِرون الإيمانَ، ويُبْطِنون الكفرَ، أو المراد بالنفاق هنا: نفاقُ المعصية، ومال إليه في "الفتح"؛ لأمور: منها: أن الكافر لايصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياءً وسمعة، فإذا خلا في بيته، كان كما وصفه الله تعالى من الكفر والاستهزاء. ومنها: قوله ﷺ : "لا يشهدون الجماعات" (١). وأصرحُ من هذا قولُه ﷺ : "إن قومًا يصلون في بيوتهم ليستْ بهم علَّة" (٢)، فهذا يدل على أن نفاقهم نفاقُ معصيةٍ لا كفرٍ (٣). (صلاةُ العشاء وصلاة الفجر). وفيه دلالة على أن الصلاة كلَّها ثقيلة على المنافقين؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤].

стр. 761

وإنما كانت العشاء والفجر أثقلَ عليهم من غيرهما ولقوة الداعي إلى تركهما، لأن العشاء وقتُ السكون والراحة، والصبح وقتُ لذة النوم. وقيل: وجهه: كونُ المؤمنين يفوزون بما يترتب عليهما من الفضل؛ لقيامهم بحقوقهما (١). فالعشاء: وقتُ الإيواء إلى البيوت، والاجتماعُ مع الأهل، واجتماعُ ظلمة الليل، أو طلبُ الراحة من متاعب السعي بالنهار (٢)، بخلاف المؤمن الكامل الإيمان، فهو عالم بزيادة الأجر لزيادة المشقة، فتكون هذه الأمور داعيةً له إلى الفعل، كما كانت صارفة للمنافقين؛ ولهذا قال: (ولو يعلمون ما)؛ أي: الذي (فيهما) من مزيد الثواب والفضل (٣). (لأتوهما)؛ أي: لأتوا المحل الذي يصليان فيه جماعة، وهو المسجد. (ولو) كان إتيانهم لهما (حبوًا) (٤) أي: يزحفون إذا منعهم مانعٌ من المشي، كما يزحف الصغير.

стр. 762

ولابن أبي شيبه، حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "ولو حبوًا على المرافِقِ والرُّكبِ" (١). (ولقد هممت): اللام جواب القسم، والهمُّ: العزم، وقيل: دونه. وزاد مسلم: "والذي نفسي بيده" (٢). وإنه ﷺ كان كثيراً ما يقسم به، والمعنى: أنَّ أَمْرَ نفوس العباد بيد الله؛ أي: بتقديره، (أن آمرَ بالصلاة فتُقام): اختلف في تعيين الصلاة، هل هي العشاء، أو الفجر، أو الجمعة؟ قال في "الفتح": رأيت التعيين ورد في حديث أبي هريرة، وابن أم مكتوم، وابن مسعود. وحديث أبي هريرة هذا من رواية الأعرج عنه يومىء أنها العشاء والفجر، وعيَّنها الشراح في رواية له من هذا الوجه؛ حيث قال في صدر الحديث: أخر العشاء ليلة، فخرج فوجد الناس قليلًا، فغضب، فذكر الحديث (٣).

стр. 763

وعند ابن حبان: "الصلاتين العشاء والغداة" (١). وفي رواية عجلان، والمقبري، عند الإمام أحمد: التصريحُ بتعيين العشاء (٢). وأخرج الإمام أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، عن ابن أم مكتوم: أن رسول الله ﷺ استقبل الناس في صلاة العشاء، فقال: "لقد هممتُ أن آمرَ بهؤلاء الذين يتخلَّفون فأُحَرِّقَ عليهم بيوتَهم"، فقال ابنُ أم مكتوم: يا رسول الله! لقد علمتَ ما بي، وليس لي قائد. زاد الإمام أحمد: وبيني وبين المسجد شجر، أو نخل، ولا أقدر على قائد كل ساعة، قال: "أتسمعُ الإقامة؟ "، قال: نعم، قال: "فاحضُرْها" (٣). ولم يرخص. ولابن حبان، من حديث جابر: "أتسمعُ الأذانَ؟ "، قال: نعم، قال: "فَأْتِها ولو حَبْوًا" (٤). (ثم) بعد الأمر بإقامة الصلاة (آمرَ رجلًا) ممَّنْ هو حاضرٌ من أصحابه (فيصليَ بالناس) تلكَ الصلاةَ القائمةَ. (ثم أنطلقَ) من المسجد إليهم و (معي برجالٍ معهم)؛ أي: الرجال الذين معي. (حُزَم): جمع حُزْمة: جرز (من حطب).

стр. 764

(إلى قوم): متعلق بأنطلق. وفي لفظ: "ثم أخالفَ إلى رجال" (١)؛ أي: آتيهم من خلفهم (لا يشهدون الصلاة) جماعةً. (فأحرِّقَ): بالتشديد، والمرادُ به: التكثيرُ، ويقال: حَرَّقَهُ: إذا بالغ في تحريقه (٢). (عليهم بيوتهم) فيه إشعارٌ بأن العقوبة ليست قاصرةً على المال، بل المراد تحريقُ المقصودين، والبيوت تبع للقاطنين بها. وفي رواية مسلم، من طريق أبي صالح: "فأحرقَ بيوتًا على مَنْ فيها" (٣). واستدل ابنُ العربي به على جواز إعدام محلِّ المعصية؛ كما هو مذهب مالك. وتُعقب: بأنه منسوخ كما قيل في العقوبة بالمال (٤). (بالنار) متعلق بـ: "أحرق". وفي هذا من التهديد والوعيد ما يفيد الوجوبَ بلا ترديد.

стр. 765

وروى الإمام أحمد، عن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد هممتُ أن آمرَ رجلًا فيصليَ بالناس، ثم آمرَ بأناسٍ لا يصلُّون معنا، فتُحَرَّقَ عليهم بيوتُهم" (١). ورواه مسلم بغير هذا اللفظ (٢). وفي مسلم أيضاً، قال عبد الله ﵁: لقد رأيتُنا وما يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد عُلم نفاقه، أو مريض، وإن كان المريضُ ليمشي بين رجلين حتى يأتيَ الصلاة. وقال: إن رسول الله ﷺ علَّمنا سُنَنَ الهدى، وإنَّ من سنن الهدى، الصلاةَ في المسجد الذي يؤذَّن فيه (٣). وفي مسلم عنه أيضاً: قال: من سره أن يلقى الله غدًا مُسلِمًا، فليحافظْ على هؤلاء الصلوات، حيث يُنادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو تركتم سنة نبيكم، لضللتم، وما من رجل يتطهرُ، فيحسنُ الطهور، ثم يعمدُ إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتبَ الله له بكل خطوة يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجةً، ويحطُّ عنه بها سيئة (٤).

стр. 766

وأخرج الإمام أحمد، عن عمرو بن أم مكتوم، قال: جئتُ رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! أنا ضريرٌ شاسِعُ الدار، ولي قائدٌ لا يلائمني، فهل تجد لي رخصةً أن أصلي في بيتي؟ قال: "أتسمعُ النداء؟ "، قلت: نعم، قال: "ما أجدُ لك رخصةً" (١). وأبو داود، والنسائي، عن ابن أم مكتوم، قال: يا رسول الله! إن المدينة كثيرة الهوامِّ والسباع، فقال النبي ﷺ : "تسمعُ حَيَّ على الصلاةِ، حَيَّ على الفلاح؟ "، قال: نعم، قال: "فحيَّ هَلا"، ورواه الحاكم، وصححه (٢). وقال ابن عباس ﵄: من سمع النداء، فلم يجبْ، فلا صلاة له (٣). ومثلُه عن أبي موسى الأشعري ﵁ (٤). وروي مرفوعًا (٥).

стр. 767

وفي "المسند"، وغيره: "لولا ما في البيوت من النساء والذريَّةِ، لأمرتُ أن تُقام الصلاة ..... " الحديث (١). فبين ﷺ أنه همَّ بتحريق البيوت على مَنْ لم يشهد الصلاة، وبين أنه إنما يمنُعه من ذلك مَنْ فيها من النساء والذرية، فإنهم لا يجبُ عليهم شهود الجماعة، وفي تحريق البيوت قتلُ من لا يجوز قتلُه، وكان ذلك بمنزلة إقامة الحدِّ على الحبلى (٢). وقد قال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: ٢٥]. وفي "السنن"، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من سمعَ النداءَ ثم لم يُجب من غيرِ عذر، فلا صلاة له" (٣).

стр. 768

ويؤيد ذلك قولُه: "لا صلاةَ لجارِ المسجد إلا في المسجد"؛ فإنه معروف من كلام علي (١)، وعائشة (٢)، وأبي هريرة (٣)، وابن عمر (٤) ﵃. وقد رواه الدارقطني وغيره مرفوعًا، وقوَّى ذلك بعضُ الحفاظ، كما قاله شيخ الإسلام في "الفتاوى المصرية". قالوا: ولا يعرف في كلام الله ورسوله، حرفُ النفي دخل على فعل شرعيٍّ إلا لتركِ واجبٍ؛ كقوله: "لا صلاةَ إلا [بأمِّ] بالقرآن" (٥)، و"لا إيمانَ

стр. 769

لمن لا أمانةَ له" (١)، ونحو ذلك (٢). والحاصل: أن الأخبار النبوية، والآثار السلفية، دالةٌ دلالةً بينةً على الوجوب على الأعيان، لا يقال: يمكن أن يكون التهديدُ والوعيدُ على ترك فرض الكفاية، إنما نقول: لو كانت فرض كفاية، لكانت قائمةً بالرسول ومَنْ معه (٣). وإلى القول بوجوبها على الأعيان ذهب عطاء، والأوزاعي، وجماعة من محدِّثي الشافعية، وغيرهم، كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان. وبالغ داود ومن تبعه، فجعلها شرطًا لصحة الصلاة (٤). ولا يخفى توسُّطُ مذهب سيدنا الإمام أحمد ﵁ بين طرفي التفريط والإفراط، فإن الأحاديث قاضية بالوجوب، فلم ينظر لعدمه، ولا لمن قال به؛ ممن قال بسنيتها، ولم يتغال إلى كونها شرطًا؛ لأنه لم يأمر مَنْ لم يحضرها بالإعادة. وهذا الذي تدل عليه الأحاديث والآثار، ويقتضيه النظرُ الصحيح؛ لموافقة الخبر الصريح، والله أعلم. * * *

стр. 770

الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قالَ: "إِذَا اسْتأْذنَتْ أَحَدَكُم امْرَأَتُهُ إِلَى المَسْجِدِ، فَلا يَمْنَعْهَا". قالَ: فقالَ بلاَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَاللهِ! لَنَمْنَعُهُنَّ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَليْهِ عَبْدُ اللهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مًا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَه قَطُّ، وقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وتَقُولُ: واللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ!! (١).

стр. 771

وفي لفظ: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ" (١). * * * (عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ) بنِ الخطاب (﵄، عن النبيِّ ﷺ ): أنه (قال: إذا استأذنت)؛ السين للطلب، و (أحدَكم) بالنصب مفعول مقدم، أي: إذا طلبت من أحدكم (امرأتُه) أن تذهب (إلى المسجد)؛ لتحضر الجماعة فيه، (فلا يمنعها) من الذهاب. وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، عن ابن عمر مرفوعًا: "ائذنوا للنساءِ بالليل إلى المساجد" (٢)، (فقال بلالُ بنُ عبدِ

стр. 772

الله) بنِ عمرَ ﵄. وبلال هذا تابعي، روى عن أبيه، وروى عنه: عبد الله بن هبيرة، وكعب بن علقمة، أخرج له مسلم. قال أبو زرعة: إنه ثقة (١). (والله! لنمنعهن)؛ أي: النساءَ من الذهاب إلى المساجد. وفي أبي داود: فقال ابنٌ له: والله! لا نأذن لهن (٢). وفي رواية لمسلم: فقال ابنٌ يقال له: واقد: إذًا يَتَّخِذْنَه دَغَلًا (٣)، وهو - بفتح الدال المهملة فالغين المعجمة -: أصلُه الشجرُ المُلْتَفُّ، ثم استُعمل في المخادعة، لكون المخادع يلفُّ في ضميره أمرًا، ويُظْهِر غيرَه (٤). وفي رواية عند الإمام أحمد: فقال سالم، أو بعضُ بنيه (٥). قال في "الفتح": الراجحُ أنه بلال؛ لورود ذلك من روايته بنفسه، ومن رواية أخيه سالم (٦). (قال: فأقبل عليه عبد الله) بنُ عمر ﵄؛ أي: أقبل على ابنه (فسبه سبًا سيئًا). وفي رواية أبي داود: فسبه وغضب (٧).

стр. 773

وفسر السبُّ المذكور عند الطبراني باللَّعن ثلاث مرات (١). وعند الإمام أحمد: فانتهره وقال: أف لك (٢). وعنده أيضاً: فعلَ بكَ وفعلَ (٣). ويحتمل أن كل واحد من بلال وواقد وقعَ منه ذلك، إما في مجلس، أو مجلسين، وأجاب ابنُ عمر كلَّ واحد منهما بجواب يليق به. ويحتمل أن يكون بلالٌ البادىء، فلذلك أجابه بالسبِّ المفسَّرِ باللعن، وأن يكون واقدٌ تلاه، فأجابه بالسبِّ المفسَّر بالتأفيف مع الدفع في صدره. وأما رواية: فقال سالم، فمرجوحة؛ لوقوع الشك فيها (٤). قال سالم بن عبد الله: (ما سمعته)، يعني: أباه عبدَ الله (سبَّه)، يعني: أخاه بلالًا (مثلَه) أي: مثلَ ذلك السبِّ (قَطُّ). ويحتمل أن المعنى: ما سمعتُه سبه، أي: ذلك السبَّ، مثلُه؛ أي: عبدُ الله، فيكون مثلُه: فاعلَ سبَّه. (وقال) عبد الله بن عمر ﵄ لابنه بلال: (أُخبرُك عن رسول الله ﷺ ؛ أي: أنه قال: "فلا يمنعها". (وتقول): أنتَ: (والله! لنمنعهنَّ) فتصادِمُ حديثَ رسول الله ﷺ ؟!. وهذا الذي حمل ابنَ عمر على سبِّه ولدَه؛ لأنه صرَّحَ بمخالفة الحديث، ولو قال مثلًا: إن الزمانَ قد تغير، وإنَّ بعضهن ربَّما أظهرتْ قصدَ المسجد،

стр. 774

وأضمرت غيره، لكان يظهر أن لا ينكر عليه (١). (وفي لفظ: لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله). وفي لفظ: "لا تمنعوا النساءَ حظوظَهُنَّ من المساجدِ إذا استأذَنَّكم" (٢). وفي لفظ: "لا تمنعوا النساءَ من الخروج إلى المساجد بالليل" (٣). وكأن اختصاص الليل بذلك؛ لكونه أسترَ، ولا يخفى أن محلَّ ذلك إذا أُمِنَتِ المفسدةُ منهنَّ وعليهنَّ. وفي رواية عند الطبراني: عن بلال، قال: فقلت: أما أنا، فأمنع أهلي، فمن شاء، فليسرحْ أهلَه (٤)، وكأنه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت، وحمله على ذلك الغيرةُ. ويؤخذ من إنكار عبد الله ﵁ على ولده: تأديبُ المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه. وتأديب الرجلِ ولدَه، وإن كان كبيرًا إذا تكلم بما لا ينبغي. وجوازُ التأديبِ بالهجران، فقد وقع في رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عند الإمام أحمد: فما كلَّمه عبدُ الله حتى مات (٥). وهذا إن كان محفوظًا: يُحتمل أن يكون أحدُهما مات عقب هذه القصة بيسير (٦).

стр. 775

تنبيهات: الأول: ظاهر صنيع المصنف -رحمه الله تعالى-: أن قصة بلال مع أبيه وسبَّه إياه مما اتفق عليه الشيخان، وهو ظاهرُ صنيع الحافظ عبد الحق الإشبيلي في "الجمع بين الصحيحين" (١). ولم أر ذلك في النسخ التي وقفتُ عليها. وفي "الفتح" للحافظ ابن حجر: لم أر لهذه القصة ذكر [اً] في شيء من الطرق التي أخرجها البخاري لهذا الحديث. قال: وقد أوهم صنيعُ صاحب "العمدة" خلافَ ذلك، ولم يتعرض لبيان ذلك أحدٌ من شراحه. قال: وأظن البخاري اختصرها؛ للاختلاف في تسمية ابن عبد الله بن عمر ﵄ (٢). الثاني: تُستحبُّ الجماعة للنساء، وفاقًا للشافعي؛ لما روى أبو داود، والدارقطني: أن رسول الله ﷺ أمر أُمَّ ورقة أَن تؤمَّ أهلَ دارها (٣). وفي رواية عن الإمام أحمد: لا تُستحب لهن، بل تُكره، وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك. ولهن حضورُ جماعة الرجال تَفِلاَتٍ غيرَ مُتَطَيِّبات بإذن أزواجهنَّ، ويُكره حضورُها لحسناءَ من شابةٍ وغيرِها، لأنه مظنة الافتتان، ويُباح لغيرها تَفِلَةً غيرَ متطيبة.
следующие страницы →