← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وفي لفظ: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ" (١). * * * (عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ) بنِ الخطاب (﵄، عن النبيِّ ﷺ ): أنه (قال: إذا استأذنت)؛ السين للطلب، و (أحدَكم) بالنصب مفعول مقدم، أي: إذا طلبت من أحدكم (امرأتُه) أن تذهب (إلى المسجد)؛ لتحضر الجماعة فيه، (فلا يمنعها) من الذهاب. وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، عن ابن عمر مرفوعًا: "ائذنوا للنساءِ بالليل إلى المساجد" (٢)، (فقال بلالُ بنُ عبدِ

стр. 772

الله) بنِ عمرَ ﵄. وبلال هذا تابعي، روى عن أبيه، وروى عنه: عبد الله بن هبيرة، وكعب بن علقمة، أخرج له مسلم. قال أبو زرعة: إنه ثقة (١). (والله! لنمنعهن)؛ أي: النساءَ من الذهاب إلى المساجد. وفي أبي داود: فقال ابنٌ له: والله! لا نأذن لهن (٢). وفي رواية لمسلم: فقال ابنٌ يقال له: واقد: إذًا يَتَّخِذْنَه دَغَلًا (٣)، وهو - بفتح الدال المهملة فالغين المعجمة -: أصلُه الشجرُ المُلْتَفُّ، ثم استُعمل في المخادعة، لكون المخادع يلفُّ في ضميره أمرًا، ويُظْهِر غيرَه (٤). وفي رواية عند الإمام أحمد: فقال سالم، أو بعضُ بنيه (٥). قال في "الفتح": الراجحُ أنه بلال؛ لورود ذلك من روايته بنفسه، ومن رواية أخيه سالم (٦). (قال: فأقبل عليه عبد الله) بنُ عمر ﵄؛ أي: أقبل على ابنه (فسبه سبًا سيئًا). وفي رواية أبي داود: فسبه وغضب (٧).

стр. 773

وفسر السبُّ المذكور عند الطبراني باللَّعن ثلاث مرات (١). وعند الإمام أحمد: فانتهره وقال: أف لك (٢). وعنده أيضاً: فعلَ بكَ وفعلَ (٣). ويحتمل أن كل واحد من بلال وواقد وقعَ منه ذلك، إما في مجلس، أو مجلسين، وأجاب ابنُ عمر كلَّ واحد منهما بجواب يليق به. ويحتمل أن يكون بلالٌ البادىء، فلذلك أجابه بالسبِّ المفسَّرِ باللعن، وأن يكون واقدٌ تلاه، فأجابه بالسبِّ المفسَّر بالتأفيف مع الدفع في صدره. وأما رواية: فقال سالم، فمرجوحة؛ لوقوع الشك فيها (٤). قال سالم بن عبد الله: (ما سمعته)، يعني: أباه عبدَ الله (سبَّه)، يعني: أخاه بلالًا (مثلَه) أي: مثلَ ذلك السبِّ (قَطُّ). ويحتمل أن المعنى: ما سمعتُه سبه، أي: ذلك السبَّ، مثلُه؛ أي: عبدُ الله، فيكون مثلُه: فاعلَ سبَّه. (وقال) عبد الله بن عمر ﵄ لابنه بلال: (أُخبرُك عن رسول الله ﷺ ؛ أي: أنه قال: "فلا يمنعها". (وتقول): أنتَ: (والله! لنمنعهنَّ) فتصادِمُ حديثَ رسول الله ﷺ ؟!. وهذا الذي حمل ابنَ عمر على سبِّه ولدَه؛ لأنه صرَّحَ بمخالفة الحديث، ولو قال مثلًا: إن الزمانَ قد تغير، وإنَّ بعضهن ربَّما أظهرتْ قصدَ المسجد،

стр. 774

وأضمرت غيره، لكان يظهر أن لا ينكر عليه (١). (وفي لفظ: لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله). وفي لفظ: "لا تمنعوا النساءَ حظوظَهُنَّ من المساجدِ إذا استأذَنَّكم" (٢). وفي لفظ: "لا تمنعوا النساءَ من الخروج إلى المساجد بالليل" (٣). وكأن اختصاص الليل بذلك؛ لكونه أسترَ، ولا يخفى أن محلَّ ذلك إذا أُمِنَتِ المفسدةُ منهنَّ وعليهنَّ. وفي رواية عند الطبراني: عن بلال، قال: فقلت: أما أنا، فأمنع أهلي، فمن شاء، فليسرحْ أهلَه (٤)، وكأنه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت، وحمله على ذلك الغيرةُ. ويؤخذ من إنكار عبد الله ﵁ على ولده: تأديبُ المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه. وتأديب الرجلِ ولدَه، وإن كان كبيرًا إذا تكلم بما لا ينبغي. وجوازُ التأديبِ بالهجران، فقد وقع في رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عند الإمام أحمد: فما كلَّمه عبدُ الله حتى مات (٥). وهذا إن كان محفوظًا: يُحتمل أن يكون أحدُهما مات عقب هذه القصة بيسير (٦).

стр. 775

تنبيهات: الأول: ظاهر صنيع المصنف -رحمه الله تعالى-: أن قصة بلال مع أبيه وسبَّه إياه مما اتفق عليه الشيخان، وهو ظاهرُ صنيع الحافظ عبد الحق الإشبيلي في "الجمع بين الصحيحين" (١). ولم أر ذلك في النسخ التي وقفتُ عليها. وفي "الفتح" للحافظ ابن حجر: لم أر لهذه القصة ذكر [اً] في شيء من الطرق التي أخرجها البخاري لهذا الحديث. قال: وقد أوهم صنيعُ صاحب "العمدة" خلافَ ذلك، ولم يتعرض لبيان ذلك أحدٌ من شراحه. قال: وأظن البخاري اختصرها؛ للاختلاف في تسمية ابن عبد الله بن عمر ﵄ (٢). الثاني: تُستحبُّ الجماعة للنساء، وفاقًا للشافعي؛ لما روى أبو داود، والدارقطني: أن رسول الله ﷺ أمر أُمَّ ورقة أَن تؤمَّ أهلَ دارها (٣). وفي رواية عن الإمام أحمد: لا تُستحب لهن، بل تُكره، وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك. ولهن حضورُ جماعة الرجال تَفِلاَتٍ غيرَ مُتَطَيِّبات بإذن أزواجهنَّ، ويُكره حضورُها لحسناءَ من شابةٍ وغيرِها، لأنه مظنة الافتتان، ويُباح لغيرها تَفِلَةً غيرَ متطيبة.

стр. 776

قال في "الفروع": وكرهه القاضي، وابن عقيل، وغيرهما للشابة، وهو أشهر، وفاقًا لمالك، وأبي يوسف، ومحمد. قال: والمراد -والله أعلم-: المستحسَنة؛ وفاقًا للشافعي، ويؤيده: أن القاضي احتجَّ بقول الإمام أحمد وقد سئل عن خروج النساء إلى العيد [فقال]: يَفْتِنَّ الناسَ، إلا أن تكون امرأةً طَعَنَتْ في السن (١). واحتج بالنهي عن التطيب؛ للافتتان به، وهذا غير معدوم في عجوز مستحسنة. وكرهه أبو حنيفة لشابة، وكذا لعجوز في ظُهر وعَصْر؛ لانتشار الفَسَقَة فيهما. قال بعض أصحابه: والفتوى اليوم على الكراهة في كل الصلوات؛ لظهور الفساد (٢). وقد قيل لبعض الصحابة: إن نساءنا يستأذِنَّنا في المسجد، فقال: احبسوهُنَّ، فإن أرسلتموهن، فأرسلوهُنَّ تَفِلاتٍ (٣). وقال ﷺ لامرأة قالت له: نحبُّ الصلاةَ معك، فيمنعُنا أزواجُنا: "صلاتُكُنَّ في بيوتكُنَّ أفضلُ .... " الحديث (٤).

стр. 777

وذكر الحافظ ابن الجوزي في كتابه "آداب النساء"، عن ابن عباس ﵄، قال: كان النساء الأكابر وغيرُهن يحضرْنَ مع رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمانَ العيدَ، فلما كان زمنُ سعيد بن أبي العاص، سألني عن خروج النساء، فرأيت أن تُمنع الشوابُّ الخروجَ، فأمر مناديه أنْ: لا تخرجْ للعيدِ شابَّةٌ، وكان العجائزُ يخرجن (١). وعن عائشة ﵂، قالت: لو أن رسول الله ﷺ رأى النساء اليومَ، نهاهُنَّ عن الخروج، أو حَرَّمَ عليهنَّ الخروجَ (٢). وقالت: لو رأى رسول الله ﷺ من النساء ما نرى، لمنعهنَّ المساجدَ كما مَنعَتْ بنو إسرائيل نساءها (٣). قال ابن دقيق العيد في حديث زينب امرأة ابن مسعود عند مسلم: "إذا شهدَتْ إحداكُنَّ المسجدَ، فلا تمسَّ طيبًا" (٤). قال: يلحق بالطيب ما في معناه؛ لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك

стр. 778

داعية الشهوة؛ كحسن الملبس، والحليِّ الذي يظهر أثره، والزينة الفاخرة. وحمل بعضُهم قول عائشة ﵂ في الصحيح: لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدَثَ النساءُ بعدَه، لمنعهنَّ المساجد (١)، على هذا؛ يعني: إحداث حسن الملابس والزينة والطيب (٢). الثالث: استدل بقوله ﷺ : "إذا استأذنت أحدَكم امرأتُه ... " إلخ، على أن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه؛ لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن، كما قاله النووي (٣). وتعقبه ابن دقيق العيد: بأنه إن أخذ من المفهوم، فهو مفهوم لقب، وهو ضعيف، ولكن يتقوى بأن يقال: إنَّ منعَ الرجال نساءَهم أمرٌ مقرر، وإنما علق الحكم بالمساجد؛ لبيان محل الجواز، فيبقى ما عداه على المنع (٤). وفيه إشارة إلى أن المذكور لغير الوجوب؛ لأنه لو كان واجبًا، لانتفى معنى الاستئذان؛ لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذَنُ مخيَّرًا في الإجابة والرد، والله أعلم (٥). * * *

стр. 779

الحديث الخامس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ- ﵄، قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، ورَكعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ (١). وفي لفظ: فَأَمَّا المَغْرِبُ، والعِشَاءُ، والجُمُعَةُ، فَفِي بَيْتِه (٢). وَفي لَفْظٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الفَجْرُ، وكانَتْ سَاعَةً لا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا" (٣).

стр. 780

(عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: صليت مع النبي ﷺ ركعتين قبل الظهر). هذا الحديث يتعلق بالسنن الرواتب قبل الفرائض وبعدها، وقدم ذكر راتبة صلاة الظهر على غيرها؛ لأنها أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ ، فهي الأولى. وفي تقديم السنن على الفرائض معنًى لطيفٌ؛ لأن الإنسان يشتغل بأمور الدنيا وأسبابها، فتتكيف النفسُ من ذلك بحالة بعيدة عن حضور القلب في العبادة والخشوع فيها الذي هو روحها، فإذا قدمت السنن، تأنست النفس بالعبادة، [وتكيفت] بحالة تقرب الخشوع، فيدخل في الفرائض على حالة حسنة لم تكن تحصل له لو لم تقدم السُّنَّة؛ فإن النفس مجبولة على التكيف بما هي فيه، ولاسيما إذا كثر أو طال، وورودُ الحالةِ المنافيةِ لما قبلَها قد

стр. 781

تمحو أكثر الحالة السابقة، أو تضعفُه (١)، ولذا قال ابن أبي داود في "تحفة العباد في أدلة الأوراد" (٢): الحكمة في مشروعية النوافل قبلَ الفرائض لترتاضَ نفسُ الإنسان بتقديمها، وينشطَ بها، ويتفرغ قلبه أكملَ فراغ للفريضة، ولهذا يُستحب افتتاحُ التهجد بركعتين خفيفتين، انتهى. وقد اختلف العلماء في أعداد الرواتب: والمذهب: ما دلَّ عليه هذا الحديثُ من كونِ راتبة الظهر قبلها ركعتين. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: بل أربع؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي. وقيل: إنهما وسنةُ الفجر بعد فرضه في وقتهما أداء؛ وفاقًا للشافعي (٣). وإنما أُطلق عليها اسم الرواتب، لأن النبيَّ ﷺ داوم عليها. (و) قال ابن عمر ﵄: صليت مع النبي ﷺ (ركعتين بعد الظهر). قال ابن دقيق العيد: حكمةُ تأخير السنن عن الفرائض؛ لما ورد أن النوافل جابرة لنقصان الفرائض، فإذا وقع الفرض، ناسبَ أن يكون بعدهَ ما يجبر خللًا فيه إن وقع (٤).

стр. 782

وقد أخرج الإمام أحمد، والنسائي، وأبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح، عن أم حبيبة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يُحافِظْ على أربعِ رَكَعاتٍ قبلَ الظُّهرِ، وأربع بعدَها، حرَّمه اللهُ على النار" (١). وفي رواية للنسائي: "فتمسّ وجهَه النارُ" (٢)، ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٣). وروى الإمام أحمد، والترمذي، وحسنه، عن عبد الله بن السائب ﵁: أن رسول ﷺ كان يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبلَ الظهر، وقال: "إنها ساعةٌ تُفتح فيها أبوابُ السماء، فأُحِبُّ أن يصعدَ لي فيها عملٌ صالح" (٤). وقال عبد الله: ليس شيء يعدلُ صلاة الليل من صلاة النهار، إلا أربعًا قبل الظهر، وفضلُهن على صلاة النهار، كفضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد. رواه الطبراني في "الكبير" (٥)، وهو موقوف لا بأس به (٦).

стр. 783

(وركعتين بعد الجمعة)؛ هذا أقلُّ راتبة الجمعة عند الإمام أحمد، وأكثرها بعدَها سِتٌّ، نص عليه. واختار الشيخ الموفق أربعًا؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي (١). قال في "الإفادات": الأربعُ أَشْهَرُ، وإنما قلنا بأن أكثرها ستُّ ركعات؛ لأن عمر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يصلي بعد الجمعة ركعتين، ثم يتقدم فيصلي أربعًا، ذكره في "الشرح الكبير" (٢). وعن [أبي] عبد الرحمن السلمي: أنه قال: علَّمنا عبدُ الله بن مسعود أن نصليَ بعد الجمعة أربعًا، فلما قدم علي ﵁، علمنا أن نصلِّيَ سِتًّا (٣). وحاصل المذهب: أن أكثر الراتبة بعد الجمعة ستُّ ركعات، وأقلها ركعتان. وفي "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان منكم مُصلِّيًا بعدَ الجمعة، فليصَلِّ بعدَها أربعًا" (٤). قال في "مختصر الفتاوى المصرية": صح أن النبي ﷺ قال: "من كانَ مصليًا بعد الجمعة، فليصل أربعًا". وروي الست عن طائفة من الصحابة ﵃، انتهى (٥).

стр. 784

فائدة: لا راتبةَ للجمعة قبلَها، نعم يُستحب أن يصلِّي أربعًا؛ لما روى ابن ماجه: أن النبيَّ ﷺ كان يركع من قبل الجمعة أربعًا (١). وعن ابن مسعود ﵁: أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعَ ركعات، وبعدها أربعَ ركعات. رواه سعيد (٢). قال عبد الله بن الإمام أحمد ﵄: رأيت أبي يصلي في المسجد إذا أذن المؤذن يوم الجمعة ركعاتٍ قبل الخطبة، فإذا قرب الأذان أو الخطبة، تربَّع، ونكس رأسه (٣). قال الشيخ: الصلاة قبلها جائزة حسنة، وليست راتبة، فمن فعل، لم ينكر عليه، ومن ترك، لم ينكر عليه. قال: وهذا أعدل الأقوال، وكلام الإمام أحمد يدل عليه (٤). ومال الحافظ ابن رجب إلى استحباب ذلك (٥)، والله أعلم. (وركعتين بعد المغرب). قال ابن مسعود ﵁: نعم ساعة الغفلة؛ يعني: الصلاةَ فيما

стр. 785

بين المغرب والعشاء. رواه الطبراني في "الكبير" (١). وعن مكحول يبلغ به النبيَّ ﷺ ، قال: "من صلَّى بعدَ المغربِ قبلَ أن يتكلم ركعتين -وفي رواية: أربع ركعات- رُفعت صلاته في عِلِّيِّينَ" ذكره رزين. وقال المنذري: لم أره في الأصول (٢). وروى ابن ماجه، وابن خزيمة في "صحيحه"، والترمذي، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلَّى بعدَ المغربِ ستَّ ركعات، لم يتكلَّمْ فيما بينَهُنَّ بسوءٍ، عدلن بعبادةِ ثنتي عشرةَ سنةً" (٣). وروي عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "من صلَّى بعد المغرب عشرين ركعةً، بنى الله له بيتًا في الجنة" (٤)، وفيه يعقوب بن الوليد المدائني، كذبه الإمام أحمد (٥). وعن أنس ﵁ في قوله- تعالى-: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ

стр. 786

الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وأبو داود، إلا أنه قال: كانوا يتنفلون ما بين المغرب والعشاء يصلون. وكان الحسن يقول: قيام الليل (١). وروى النسائي بإسناد جيد، عن حذيفة ﵁، قال: أتيت النبيَّ ﷺ ، فصليت معه المغربَ، فصلى إلى العشاء (٢). (وركعتين بعد العشاء) الآخرة. وفي حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "أربع قبلَ الظهر، كأربع بعد العشاء، وأربعٌ بعد العشاء، كعدلهنَّ من ليلة القدر" رواه الطبراني في "الأوسط" (٣). وفي حديث البراء مرفوعًا: "من صلَّى قبلَ الظهر أربعَ ركعات، كأنما تهجَّدَ بهن من ليلته، ومن صلَّاهن بعدَ العشاء، فهنَّ كمثلهن من ليلة القدر" رواه الطبراني في "الأوسط" (٤). وفي "الكبير"، من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "من صلَّى العشاءَ الآخرةَ في جماعةٍ، وصلَّى أربعَ ركعات قبل أن يخرجَ من المسجد، كان كعدل ليلةِ القدر" (٥).

стр. 787

(وفي لفظ): قال عبد الله بن عمر ﵄: (فأما المغرب)، فكان ﷺ يصلي الركعتين التي بعدها في بيته، (و) كذا (العشاء)، فكان يصلي ركعتيها في بيته. (و) أما (الجمعة)، فكان يصلي ركعتيها التي بعدها (ففي بيته). وفي لفظ: فصليت مع النبي ﷺ -يعني: هذه الركعات المذكورة - في بيته (١). ولم يقل البخاري: إن ابن عمر صلى مع النبي ﷺ في بيته. (وفي لفظ) للبخاري: (أن) عبد الله (ابن عمر) ﵄، (قال: حدثتني) أختي (حفصة) -يعني: أمَّ المؤمنين شقيقتَه ﵂: (أن النبي ﷺ كان يصلي سجدتين خفيفتين)، فيسن تخفيف ركعتي الفجر لذلك. وكان صلاته ﷺ لهما (بعدما يطلع الفجر) الثاني، (وكانت) تلك (ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها). وفي لفظ: لا أدخل فيها على النبي ﷺ (٢). وعندهما: عن حفصة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذنُ من أذان صلاة الصبح، وبدا الصبح، ركع ركعتين خفيفتين قبل أن تُقام الصلاة (٣).

стр. 788

وفي لفظ عنها: كان إذا طلع الفجر، لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين (١). وفي بعض طرق البخاري: عن عائشة ﵂: يركع ركعتين خفيفتين قبل أن تقام صلاة الفجر بعد أن يتبين الفجر (٢). وعنها عندهما: كان يصلي ركعتي الفجر، فيخفف، حتى إني لأقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن (٣)؟ * * *

стр. 789

الحديث السادس عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْه عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ" (١). وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (٢).

стр. 790

(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصدِّيقةِ (﵂، قالت: لم يكن النبيُّ ﷺ [على شيءٍ] من النوافل) إنما قيدته بالنوافل؛ لئلا يتوهم العموم الشامل للفرائض (أشد تعاهدًا)، أي: تفقدًا وحفاظة (منه) ﷺ (على ركعتي الفجر). وفي رواية: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ في شيء من النوافل أسرعَ منه إلى الركعتين قبل الفجر (١). أضافتهما للفجر، لوقوعهما بعد انفجار الصبح. (وفي لفظ لمسلم) دون البخاري: (ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها). وفي رواية له عنها: "لهما أحبُّ إليَّ من الدنيا جميعًا" (٢). وروى أبو داود، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَدَعوا رَكْعَتَيِ الفجرِ ولو طَرَدَتْكُمُ الخَيْلُ" (٣). وفي حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "ورَكْعَتَي الفجرِ، حافظوا عليهما، فإنَّ فيهما الرغائبَ" رواه الإمام أحمد، وغيره (٤). تنبيهات: الأول: اختلف العلماء في هذه الركعات، فمنهم من لم يرَ التوقيت في الرواتب، كمالكٍ، فإنه لا يرى سوى الوترِ وركعتي الفجر.

стр. 791

والثلاثة يرون أنها للجميع راتبة. نعم: يعدون قبل الظهر أربعًا، بل عند أبي حنيفة رواية بوجوب ركعتي الفجر. وفي كلام الحنفية: أربع ركعات قبل العصر راتبة، وإن شاء اثنتين، وأربع قبل العشاء وأربع بعدها، وإن شاء ركعتين. وقيل: إن الأربع قول أبي حنيفة، والركعتين قول صاحبيه (١). الثاني: أفضل هذه الرواتب ركعتا الفجر، لما مر من الأحاديث، ثم سنة المغرب، ثم سواء. ويُسن الاضطجاعُ بعد سنة الفجر على شِقِّه الأيمن؛ خلافًا لمالك؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر، اضطجع على شقه الأيمن. رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي (٢). وفي رواية: كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظةً، حدثني، وإلا، اضطجع (٣). زاد في رواية: حتى يؤذن بالصلاة (٤).

стр. 792

وروى الترمذي، من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "إذا صلى أحدُكم الركعتين قبلَ صلاةِ الصبح، فَلْيَضْطَجِعْ على يَمينه". قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١). ونُقل عن بعض السلف: أنه يقول في هذه الضجعة: اللهمَّ قِنِي عذابَكَ يومَ تبعثُ عبادَك. الثالث: فعلُ هذه الرواتب، بل وسائر النوافل في البيت أفضلُ من فعلها في المساجد؛ خلافًا لمالك في النهاريات (٢)؛ لحديث ابن عمر (٣). وفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ مرفوعًا: "إذا قضى أحدُكم صلاته، فليجعلْ لبيته نصيبًا من صلاته؛ فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا" رواه مسلم، وغيره (٤)، وابن خزيمة، من حديث أبي سعيد (٥). وقال ﷺ : "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتَّخِذُوها قبورًا" رواه البخاري، ومسلم (٦). وفي حديث أبي موسى مرفوعًا: "مَثَلُ البيتِ الذي يُذْكَرُ اللهُ فيه،

стр. 793

والبيتِ الذي لا يُذْكَرُ اللهُ فيه، مثلُ الحَيِّ والميتِ" رواه البخاري، ومسلم (١). وعن ابن مسعود ﵁: سألتُ رسول الله ﷺ : أَيُّما أفضل، الصلاةُ في بيتي، أو الصلاة في المسجد؟ قال: "أَلا تَرى إلى بيتي، ما أقربَهُ من المسجد، فلأَنْ أُصَلِّي في بيتي أَحَبُّ إليَّ من أَنْ أُصَلِّيَ في المسجدِ، إلا أن تكونَ صلاةً مكتوبةً" رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢). وروى البيهقي، بإسناد جيد، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أراه رفعه، قال: "فضلُ صلاةِ الرجلِ في بيته على صلاتِه حيث يراهُ الناس، كفضلِ الفريضةِ على التطوُّع" (٣). وعن أبي موسى، قال: خرج نفرٌ من أهل العراق إلى عمر، فلما قدموا عليه، سألوه عن صلاة الرجل في بيته، فقال عمر: سألتُ رسول الله ﷺ ، فقال: "أما صلاةُ الرجل في بيته، فنورٌ، فَنَوِّروا بيوتَكم" رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٤).

стр. 794

الرابع: استثنى علماؤنا سنةَ الجُمعة، ففعلُها في المسجد مكانَه أفضلُ من فعلها في البيت. نص عليه. وعنه: بل في البيت أفضلُ؛ لظاهر هذه الأحاديث (١). قال الإمام الموفق: يُستحب لمن أراد الركوع بعد صلاة الجمعة أن يفصل بينها بكلامٍ، أو انتقالٍ من مكانه، أو خروجٍ إلى منزله؛ لما روى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، من حديث السائب بن يزيد ابن أخت نَمِرٍ ﵁، قال: صليت مع معاوية الجمعةَ في المقصورة، فلما سَلَّمَ الإمامُ، قمت في مقامي، فصليت، فلما دخل، أرسل إليَّ، فقال: لاتَعُدْ لما فعلتَ، إذا صليت الجمعة، فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتى تتكلمَ، أو تخرج؛ فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك، أن لا نوصل صلاةً حتى نتكلمَ، أو نخرجَ (٢). الخامس: يُسن قضاء الرواتب إذا فاتت -على الأصح-. وقال مالك: لا تُقضى. وعن الشافعي كالمذهبين. وقال أبو حنيفة: لا تقضى إلا إذا فاتت مع الفرائض (٣). لنا: أنه ﷺ قضى سنةَ الفجر مع فرضِه لمَّا نام عنه (٤).

стр. 795

وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من لم يصلِّ ركعتي الفجر، فَلْيُصَلِّهما بعدَما تطلُعُ الشمس" رواه الترمذي، وابن خزيمة (١). وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا: "من نامَ عن حِزْبِهِ منَ الليل، أو عن شيءٍ منه، فقرأه ما بين صلاةِ الفجرِ، وصلاة الظهر، كُتِبَ له كأنما قرأهُ من الليل"، رواه الجماعة إلا البخاري (٢). وروى الترمذي، عن عائشة ﵂: أن النبيَّ ﷺ كان إذا لم يصلِّ أربعًا قبل الظهر، صلاهن بعدها (٣). ورواه ابن ماجه، ولفظه: كان إذا فاتَتْه الأربعُ قبل الظهر، صَلَّاهنَّ بعد الركعتين بعد الظهر (٤).

стр. 796

قال الإمام أحمد: يُعجبني أن يكون للرجل شيءٌ معلوم من الصلاة وغيرِها، فإذا فاته، قضاه (١). ولأنها صلاةٌ راتبة في وقت؛ فلم تسقطْ بفواته إلى غير بدل؛ كالمكتوبة (٢). وكلُّ صلاة قُضيت مع غيرها قُضيت وحدَها؛ كالوتر. السادس: هذه الرواتب العشرُ مع الركعتين بعد الجمعة والوتر يكره تركُ شيء منها، ولا تُقبل شهادةُ من داومَ عليه؛ لسقوط عدالته؛ لاستخفافه بالسنة النبوية، مع ما ورد في شأنها من الثواب الجزيل، والمزيَّة والتفضيل. ففي "صحيح مسلم"، وأبي داود: عن أم حبيبةَ رملةَ بنتِ أبي سفيان أُمِّ المؤمنين ﵂، قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما مِنْ عبدٍ مسلمٍ يصلِّي لله تعالى في كلِّ يومٍ ثنتي عشرةَ ركعةً تطوُّعًا غيرَ فريضة، إلا بنى الله تعالى له بيتًا في الجنة"، أو "إلا بُنِيَ له بيتٌ في الجنة" (٣) رواه الترمذي، وزاد فيه: "أربعًا قبلَ الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعدَ المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الغداة" (٤).

стр. 797

ورواه بالزيادة: ابنُ خزيمة، وابن حبان، في "صحيحيهما"، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، إلا أنهم زادوا: "وركعتين قبل العصر"، ولم يذكروا ركعتين بعد العشاء. وهو كذلك عند النسائي في رواية (١). ورواه ابن ماجه، فقال: "وركعتين قبل الظهر، وركعتين- أظنه [قال]: - قبل العصر"، ووافق الترمذيَّ على الباقي (٢). وروى النسائي، والترمذي، وابن ماجه، من حديث عائشة مثلَه، إلا أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "من ثابرَ على ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ركعةً في اليومِ والليلةِ، دخلَ الجنة؛ أربعةً قبلَ الظهر" الحديث (٣). قوله: "ثابر" -بالمثلثة وبعد الألف موحدة فراء-؛ أي: لازمَ وواظبَ (٤). السابع: ذِكْرُ حديث ابن عمر ﵄ في صلاة الجماعة

стр. 798

لا يظهر له مناسبة إلا أن يريد المصنف ﵀: أن قول ابن عمر: صليت مع رسول الله ﷺ ، معناه: أنه اجتمع معه في الصلاة جماعة، لكن دلالة الحديث على هذا غير قوية؛ لعموم المعية للصلاة جماعة وغيرها، والاستدلال بالأعم على الأخص غير لازم، وإن كان محتملاً، والله أعلم (١). تتمة: السنن غير الرواتب: أربعٌ قبل الظهر، وأربعٌ بعدها، وأربعٌ قبل الجمعة، وأربعٌ قبل العصر، وأربعٌ بعد المغرب. وقال الموفق: ستٌّ، وأربعٌ بعدَ العشاء؛ لما روى الترمذي وصححه، من حديث أم حبيبة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "من حافظ على أربعٍ قبل الظهر، وأربع بعدَها، حرَّمه الله على النار" (٢). وتقدم دليل الأربع التي قبل الجمعة. وروى الترمذي، وقال: حسنٌ غريب، عن ابن عمر مرفوعًا: "رَحِمَ اللهُ امرأً صلَّى قبلَ العصر أربعًا". ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبان، وابن خزيمة في "صحيحيهما" (٣).

стр. 799

وعن أم حبيبةَ زوجِ رسولِ الله ﷺ ، ورضي عنها -، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "من حافظَ على أربعِ رَكَعاتٍ قبل العصر، بنى اللهُ له بيتًا في الجنة" رواه أبو يعلى الموصلي بإسناده (١). ورواه الإمام أحمد، من حديث أبي سفيان، عن أم حبيبة -يعني: ابنته- مرفوعًا: "من صلَّى أربعًا قبلَ الظهر، وأربعًا قبلَ العصر، حَرَّمَ اللهُ لَحْمَه على النار". ورواه النسائي وغيره (٢). ورواه الطبراني من حديث عائشة بلفظ: "من صلى أربعَ ركعات قبل العصر، حَرَّمَ الله بدنَه على النار" (٣). ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "من صلَّى أربعَ ركعات قبلَ العصر، لم تَمَسَّه النارُ" (٤). وروى الإمام أحمد، والترمذي وحَسَّنه، عن علي بن أبي طالب ﵁: كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات، يفصل

стр. 800

بينهن بالتسليم على الملائكة المقرَّبين، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين (١). قال ابن أبي داود في "التحفة" بعد أن ذكر الأحاديثَ الواردة في الحث على صلاة الأربعِ ركعاتٍ قبلَ العصر: ولا ينبغي لفقيه ولا غيره أن يقولَ بحضرة جاهلٍ أو متهاونٍ في الصلاة: ليس للعصر سُنَّةٌ، مع معرفته بما الناسُ عليه، ولاسيما في زماننا هذا، من التقصير في العبادات، وعدمِ الاحتفال بالقُرُبات، مع ورود هذه النصوص المتقدمة، بل ينبغي أن يقول: إنها سنة، بفعله ﷺ ، وترغيبه، والله الموفق. * * *

стр. 801

باب الأذان وهو لغةً: الإعلام، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]. قال الأزهري: الأذان: اسم من قولك: آذَنْتُ فلانًا بأمرِ كذا أو كذا، أُؤْذِنُه إيذانًا؛ أي: أعلمتُه (١). واشتقاقه من الأَذَن -بفتحتين-، وهو الاستماع. وشرعًا: الإعلامُ بوقت الصلاة، بألفاظٍ مخصوصة (٢). قال القرطبي وغيره: الأذانُ -على قلة ألفاظه- مشتملٌ على مسائل العقيدة؛ لأنه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمَّنُ وجودَ الله وكمالَه، ثم ثَنَّى بالتوحيدِ ونفي الشريك، ثمَّ بإثبات الرسالة، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقبَ الشهادة بالرسالة؛ لأنها لا تُعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المَعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا. ويحصل بالأذان الإعلامُ بدخول الوقت، والدعاءُ إلى الجماعة، وإظهارُ شعائر الإسلام (٣).

стр. 802

والحكمة في اختيار القول له دون الفعل: سهولةُ القول، وتيسيرُهُ لكل واحد في كل زمان ومكان (١). وهو أفضلُ من الإقامة، ومن الإمامة -على الأصح-؛ وفاقًا للشافعي (٢). وفي "الفتح": اختُلف أَيُّما أفضلُ، الأذان أو الإقامة؟ ثالثها: إن علم من نفسه القيامَ بحقوق الإمامة، فهي أفضل، وإلا، فالأذان، وفي كلام الشافعي ما يومىء إليه، انتهى (٣). ويشهد لفضل الأذان عليها حديثُ أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الإمامُ ضامِنٌ، والمؤذِّنُ مؤتَمَنٌ، اللهمَّ أرشِدِ الأئمةَ، واغفرْ للمؤذنين" رواه أبو داود، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، إلا أنهما قالا: "فأَرشد الله الأئمة واغفر للمؤذنين" (٤). وفي رواية لابن خزيمة: "المؤذنون أُمناء، والأئمةُ ضُمناء، اللهمَّ اغفرْ للمؤذنين، وسَدِّدِ الأئمةَ" ثلاث مرات (٥).

стр. 803

ورواه الإمام أحمد، من حديث أبي أمامة بإسناد حسن (١). فالأمانة أعلى من الضَّمان، والمغفرةُ أعلى من الإرشاد، وإنَّما لم يتولَّ النبيُّ ﷺ وخلفاؤه من بعدِه الأذانَ؛ لضيق وقتهم عنه (٢). قال شيخ الإسلام في "الاختيارات": الأذانُ والإقامةُ أفضلُ من الإمامة، في أصح الروايتين عن الإمام أحمد، واختيار أكثر الأصحاب. وأما إمامته ﷺ وإمامةُ الخلفاء الراشدين، فكانت متعيِّنة عليهم، فإنها وظيفةُ الإمام الأعظم، ولم يمكن الجمع بينها وبين الأذان، فصارت الإمامةُ في حقِّهم أفضلَ من الأذان؛ لخصوص أحوالهم، وإن كان لأكثر الناس الأذانُ أفضلُ (٣). ولا يُكره الجمع بينهما، وما في البيهقي من حديث جابر مرفوعًا في النهي عن ذلك ضعيف (٤). وصح عن عمر: لو أُطيقُ الأذانَ مع الخلافة لأَذَّنْتُ، رواه سعيد بن منصور، وغيره (٥).

стр. 804

وفي "الفروع": وله الجمعُ بينهما اتفاقًا. وذكر أبو المعالي: أفضلُ؛ وفاقًا للشافعي، وأن ما صلح له، فهو أفضل (١). فائدة: اختلف في السَّنة التي فُرض فيها الأذان؛ رجح في "الفتح" كغيره: أنه كان في السنة الأولى من الهجرة. وقيل: في الثانية (٢). وأصل ذلك ما في "الصحيحين"، من حديث ابن عمر ﵄، قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فيتحَيَّنون الصلاةَ، فليس ينادي لها أحدٌ، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: نتَّخِذُ ناقوسًا مثلَ ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قَرْنًا مثلَ قرن اليهود، فقال عمر: ألا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : "يا بلال! قم فنادِ بالصلاة" (٣). وروى البيهقي في "سننه"، عن أنس ﵁، قال: كانت الصلاة إذا حضرت على عهد رسول الله، سعى رجل في الطريق فنادى: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، فاشتدَّ ذلك على الناس، فقالوا: لو اتَّخذنا ناقوسًا يا رسول الله؟ قال: "ذلك للنصارى"، فقالوا: لو اتخذنا بوقًا؟ قال: "ذلك لليهود"، قال: فأُمر بلالٌ أن يشفع الأذان، ويوترَ الإقامة (٤).

стр. 805

وروى الإمام أحمد، عن عبد الله بن زيد ﵁، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يُعمل ليضرب به الناس في الجمع للصلاة، وهو كاره لموافقة النصارى، أطاف بي من الليل وأنا نائم رجلٌ، عليه ثوبان أخضران، وفي يده ناقوس يحملُه، فقلت له: يا عبد الله! ألا تبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ فقلت: بلى، قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حَيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: ثم استأخر غيرَ بعيد، ثم قال: تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، قد قامتِ الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: فلما أصبحتُ، أتيت رسولَ الله ﷺ فأخبرتُه بما رأيت، فقال: "إن هذه لرؤيا حق إن شاء الله"، ثم أمر بالتأذين، فكان بلال يؤذن بذلك، ويدعو رسول الله ﷺ (١). وفي لفظ: فقال: "إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقمْ مع بلال فألقِ عليه ما رأيتَ، فليؤذِّنْ به، فإنه أندى صوتًا منك"، فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، ويؤذن به، فسمع ذلك عمرُ وهو في بيته، فخرج يجرُّ رداءه، يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله! لقد رأيتُ مثلَ ما رأى، فقال رسول الله ﷺ : "فلله الحمد".

стр. 806

ورواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه، وابن خزيمة في "صحيحه"، وقال: خبرُ عبدِ الله بن زيد ثابتٌ صحيح من جهة النقل؛ لأن محمد بن إسحاق قد سمعه من محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وليس هو مما دلسه (١). وقال الترمذي، عن البخاري: لا يعرف لعبد الله بن زيد إلا حديثُ الأذان (٢). وقال محمد بن يحيى الذهلي: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في الأذان خبرٌ أصح من هذا (٣). وبما ذكرنا يُعرف طريقُ الجمع بين هذا، وما مرَّ من حديث ابن عمر: بأن النِّداءَ الأولَ الذي كان يُنادى به: الصَّلاةَ، كما في "سنن البيهقي"، ثم رأى عبد الله بن زيد؛ فإن قوله في حديث ابن عمر: "يا بلال! قم فناد بالصلاة" ظاهرٌ في أنه قبل رؤيا عبد الله بن زيد (٤). وقد روي أن أبا بكر ﵁ رأى الأذان أيضاً (٥). وفي "وسيط الغزالي": أنه رآه بضعة عشر رجلًا (٦).

стр. 807

وفي "شرح التنبيه" (١) للجيلي: أربعة عشر. وأنكره ابن الصلاح، والنووي، ونقل مغلطاي: أن في بعض كتب الفقه: أنه رآه سبعة. قال في "الفتح": ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصة عمر جاءت في بعض طرقه (٢). وما قيل: إن أول من أذن جبريلُ في السماء الدنيا، فسمعه عمرُ وبلال، فسبق عمرُ بلالًا، فأخبرَ النبيَّ ﷺ ، ثم جاء بلال، فقال: "سبقك بها عمر" لا يثبت (٣). وكذا ما ورد أنه شُرع قبل الهجرة ليلة الإسراء، وأنه خرج مَلَكٌ من الحجاب، فقال: الله أكبر الله أكبر، وفي آخره: ثم أخذ الملكُ بيده، فأم بأهل السماء، فلا يصح، ولا يثبت شيء من ذلك (٤). والحكمة في إعلام الناس به على غير لسانه ﷺ ؛ للتسوية بعبده، والرفع لذكره بلسان غيره؛ ليكون أقوى لأمره، و [أفخم] (٥) لشأنه، وهو حسن بديع، كما أبداه السهيلي (٦).

стр. 808

ويؤخذ منه: حكمةُ عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد، حتى أضيف إليه عمر؛ للتقوية، وليتم نصاب الشهادة. ومما يكثر السؤالُ عنه بين أهل العلم: هل باشر النبي ﷺ الأذان بنفسه، أولا؟ فقد وقع عند السهيلي: أن النبي ﷺ أَذَّنَ في سفر، وصلَّى بأصحابه وهم على رواحلهم، السماءُ من فوقهم، والبِلَّةُ من أسفلهم، أخرجه الترمذي، من حديث أبي هريرة (١). وليس هو من حديث أبي هريرة، ولكنه من حديث يعلى بن مرة (٢). وكذا جزم النووي بأن النبي ﷺ أذن مرة للسفر، وعزاه للترمذي، وقوَّاه (٣). قال في "الفتح": لكن وجدنا في "مسند الإمام أحمد" من الوجه الذي أخرجه الترمذي، ولفظه: فأمر بلالًا فأذن (٤)، فعرف أن في رواية الترمذي اختصارًا، وأن قوله: أذن: أمر بلالًا به، كما يقال: أعطى الخليفة العالم الفلاني ألفًا، وإنما باشر العطاء غيره، ونسب للخليفة؛ لأنه الآمر (٥). فعُلم من هذا السياق، وأمر الشارع لسيدنا بلال ﵁ في عدة أحاديث: أن الأذان والإقامة فرضُ كفاية للصلوات الخمس المؤدَّاة،

стр. 809

والجمعة، على الرجال الأحرار، جماعة في الأمصار والقرى، وغيرهم، هذا معتمد المذهب. وقيل: سُنَّة؛ وفاقًا للثلاثة (١). وفي "الروضة": هو فرض، وهي سنة، فعلى معتمد المذهب، وقيل: وعلى أنهما سنة: يُقاتَلون على تركهما؛ خلافًا لأبي حنيفة (٢). وذكر الحافظ -قدس الله روحه- في هذا الباب أربعة أحاديث. * * *

стр. 810

الحديث الأول عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ:"أُمِرَ بِلال أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ" (١). * * * (عن أنس بن مالك ﵁) خادم رسول الله ﷺ ، قال: (أُمر)
следующие страницы →