← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ورواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه، وابن خزيمة في "صحيحه"، وقال: خبرُ عبدِ الله بن زيد ثابتٌ صحيح من جهة النقل؛ لأن محمد بن إسحاق قد سمعه من محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وليس هو مما دلسه (١). وقال الترمذي، عن البخاري: لا يعرف لعبد الله بن زيد إلا حديثُ الأذان (٢). وقال محمد بن يحيى الذهلي: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في الأذان خبرٌ أصح من هذا (٣). وبما ذكرنا يُعرف طريقُ الجمع بين هذا، وما مرَّ من حديث ابن عمر: بأن النِّداءَ الأولَ الذي كان يُنادى به: الصَّلاةَ، كما في "سنن البيهقي"، ثم رأى عبد الله بن زيد؛ فإن قوله في حديث ابن عمر: "يا بلال! قم فناد بالصلاة" ظاهرٌ في أنه قبل رؤيا عبد الله بن زيد (٤). وقد روي أن أبا بكر ﵁ رأى الأذان أيضاً (٥). وفي "وسيط الغزالي": أنه رآه بضعة عشر رجلًا (٦).

стр. 807

وفي "شرح التنبيه" (١) للجيلي: أربعة عشر. وأنكره ابن الصلاح، والنووي، ونقل مغلطاي: أن في بعض كتب الفقه: أنه رآه سبعة. قال في "الفتح": ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصة عمر جاءت في بعض طرقه (٢). وما قيل: إن أول من أذن جبريلُ في السماء الدنيا، فسمعه عمرُ وبلال، فسبق عمرُ بلالًا، فأخبرَ النبيَّ ﷺ ، ثم جاء بلال، فقال: "سبقك بها عمر" لا يثبت (٣). وكذا ما ورد أنه شُرع قبل الهجرة ليلة الإسراء، وأنه خرج مَلَكٌ من الحجاب، فقال: الله أكبر الله أكبر، وفي آخره: ثم أخذ الملكُ بيده، فأم بأهل السماء، فلا يصح، ولا يثبت شيء من ذلك (٤). والحكمة في إعلام الناس به على غير لسانه ﷺ ؛ للتسوية بعبده، والرفع لذكره بلسان غيره؛ ليكون أقوى لأمره، و [أفخم] (٥) لشأنه، وهو حسن بديع، كما أبداه السهيلي (٦).

стр. 808

ويؤخذ منه: حكمةُ عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد، حتى أضيف إليه عمر؛ للتقوية، وليتم نصاب الشهادة. ومما يكثر السؤالُ عنه بين أهل العلم: هل باشر النبي ﷺ الأذان بنفسه، أولا؟ فقد وقع عند السهيلي: أن النبي ﷺ أَذَّنَ في سفر، وصلَّى بأصحابه وهم على رواحلهم، السماءُ من فوقهم، والبِلَّةُ من أسفلهم، أخرجه الترمذي، من حديث أبي هريرة (١). وليس هو من حديث أبي هريرة، ولكنه من حديث يعلى بن مرة (٢). وكذا جزم النووي بأن النبي ﷺ أذن مرة للسفر، وعزاه للترمذي، وقوَّاه (٣). قال في "الفتح": لكن وجدنا في "مسند الإمام أحمد" من الوجه الذي أخرجه الترمذي، ولفظه: فأمر بلالًا فأذن (٤)، فعرف أن في رواية الترمذي اختصارًا، وأن قوله: أذن: أمر بلالًا به، كما يقال: أعطى الخليفة العالم الفلاني ألفًا، وإنما باشر العطاء غيره، ونسب للخليفة؛ لأنه الآمر (٥). فعُلم من هذا السياق، وأمر الشارع لسيدنا بلال ﵁ في عدة أحاديث: أن الأذان والإقامة فرضُ كفاية للصلوات الخمس المؤدَّاة،

стр. 809

والجمعة، على الرجال الأحرار، جماعة في الأمصار والقرى، وغيرهم، هذا معتمد المذهب. وقيل: سُنَّة؛ وفاقًا للثلاثة (١). وفي "الروضة": هو فرض، وهي سنة، فعلى معتمد المذهب، وقيل: وعلى أنهما سنة: يُقاتَلون على تركهما؛ خلافًا لأبي حنيفة (٢). وذكر الحافظ -قدس الله روحه- في هذا الباب أربعة أحاديث. * * *

стр. 810

الحديث الأول عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ:"أُمِرَ بِلال أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ" (١). * * * (عن أنس بن مالك ﵁) خادم رسول الله ﷺ ، قال: (أُمر)

стр. 811

بالبناء للمفعول، كما في معظم الروايات. وقد اختلف أهل الحديث وأهل الأصول في اقتضاء هذه الصيغة للرفع. والمختار عند محققي الطائفتين: أنها تقتضيه؛ لأن الظاهر أن المراد بالأمر من قوله: الأمرُ الشرعيُّ الذي يلزم اتباعُه، وهو الرسول ﷺ . ويؤيد ذلك هنا من حيث المعنى: أن التقدير في العبادة إنما يؤخذ عن توقيف، فيقوى جانب الرفع جدًّا (١). (بلالٌ) -بالرفع- نائب فاعل، ووقع في رواية روح بن عطاء: فأَمَرَ بلالًا - بالنصب (٢) -، وفاعل أمر هو النبيُّ ﷺ من غير لَبْس، كما تشهد به الأخبارُ الصحيحة الصريحة. وبلال هو: ابن رَبَاح -بفتح الراء والباء الموحدة مخففة وآخره حاء مهملة-، وأُمُّه حَمَامةُ -بفتح الحاء المهملة وتخفيف الميم - مولاةٌ لبني جُمَح. أسلم قديمًا، فعذبه قومه، وجعلوا يقولون: ربُّك اللَّاتُ والعزَّى، وهو يقول: أَحَدٌ أَحَد، فمرَّ الصدِّيقُ وأميةُ بنُ خلفٍ الجمحيُّ يعذبه، فلامه على ذلك، فقال: اشترِهِ، فاشتراه أبو بكر ﵁ بسبعة أواق، ويقال: بخمسة أواق، فأعتقه.

стр. 812

ولم يَفُتْه مشهدٌ، وكان من حكمة تقدير الحكيم العليم أن قَتَلَ بلالٌ ﵁ أميَّةَ بنَ خلف الذي كان يُعذبه يومَ بدر. فبلالٌ قرشيٌّ تيميٌّ، وقد عد الحافظ ابن الجوزي ذلك في مناقب الصدِّيق، فقال: جاز أبو بكر على بلال وهو يُعَذَّب، فجذبَ مغناطيسُ صَبْرِ بلالٍ حديدَ صدقِ الصدِّيق، فلم يبرح حتى اشتراه، وكسرَ قفصَ حبسه، فكان عمر يقول: أبو بكرٍ سيدُنا، وأعتقَ بلالًا سيدَنا (١). قال ابن الجوزي: تعب -يعني: الصديقَ- في المكاسب، فنالها حلالًا، ثم أنفقها حتى جعل في النساء خَلالًا، ثم حاز من خلال المكرمات خِلالًا، قال له الرسول: أسْلِمْ، فكان الجواب: نعم بلا لا، ولو لم يفعل في الإسلام إلا أنه أعتق بلالًا. [من الوافر] أَبُو بَكْرٍ حَبَا فِي اللهِ مَالاَ ... وَأَعْتَقَ في مَحَبَّتِهِ بِلاَلاَ وَقَدْ وَاسَى النَّبِيَّ بِكُلْ فَضْلٍ ... وَأَسْرَعَ في إِجَابَتِهِ بِلاَلاَ لَوَ أَنَّ الْبَحْرُ يَقْصُدُهُ بِبُغْضٍ ... لَمَا تَرَكَ الإِلَهُ بِهِ بِلاَلاَ قال ابن الجوزي في "منتخب المنتخب": لم يَفُتْ بلالًا مشهد، وهو أولُ من أَذَّنَ لرسول الله ﷺ ، وكان خازنَه على بيت ماله، فلما مات رسول الله ﷺ ، قال لأبي بكر: أعتقتني لله أو لنفسك؟ قال: لله، قال: فَأْذَنْ لي حتى أغزوَ، فأذِنَ له، فذهب إلى الشام (٢).

стр. 813

وقيل: إنه أَذَّنَ لأبي بكر مُدَّته، وأذن لعمرَ مرةً حين قدم عمرُ الشام، ظم يُرَ أكثر باكيًا من ذلك اليوم، وأذن في قَدْمَةٍ قدمَها المدينَةَ بسؤال الصحابة إياه ذلك، فأذَّنَ، ولم يُتِمَّ الأذانَ؛ لبكائه، ولما سمع أهلُ المدينة صوته، خرجوا، حتى العوانسُ من خدورها، ولم يُر أكثر باكيًا من ذلك اليوم؛ لتذكرهم أيامَ الرسول ﷺ . كان بلال شديد الأُدْمة، نحيفًا، طُوالًا، مات بدمشق، ويقال: بحلب. وله قبر في جَبَّانة باب الصغير من مقابر دمشق، عليه قبة عالية، وقد زرناه مرارًا ﵁. وهو أحد سادات السودان، بل أفضلُهم، إن لم يكن لقمانُ نبيًّا، المذكورِين في قول بعضِهم: [من مجزوء الرَّمل] سَادَةُ السُّودَانِ أَرْبَعْ ... هَكَذا قَالَ المُشَفَّعْ النَّجاشِيْ وبِلاَلٌ ... ثُمَّ لُقْمَانٌ وَمِهْجَعْ (١) ومِهْجَع مولى عمرَ بنِ الخطاب ﵄ أول قتيل استُشهد ببدر (٢). روي لسيدنا بلال أربعةٌ وأربعون حديثًا، في "الصحيحين" منها أربعة؛ اتفقا على واحد، وانفرد البخاري بحديثين غير مسنَدين، ومسلم بحديث واحد مسنَد. وفضائل بلال كثيرة، ومناقبه غزيرة - رضي الله تعالى عنه (٣).

стр. 814

(أن يَشْفَع) -بفتح أوله وفتح الفاء-؛ أي: يأتي بألفاظ (الأذان) شفعًا؛ أي: مَرَّتين مرتين، بتربيع التكبير أوَّلَه، [لا] مرتين؛ خلافًا لمالك (١). وهذا هو أذان بلال ﵁، وهو خمس عشرة كلمةً؛ وفاقًا لأبي حنيفة، بلا ترجيع الشهادتين خُفْيةً، خلافًا لمالك، والشافعي (٢). كان بلال ﵁ يؤذن كذلك حضرًا وسفرًا مع النبي ﷺ إلى أن مات، وعليه عمل أهل المدينة. قال الإمام أحمد: هو آخر الأمرين (٣). (و) أُمر بلال أن (يوتر الإقامة) زاد في البخاري: إلا الإقامة، فالمراد بالمنفي غيرُ المراد بالمثبت، فالمرادُ بالمثبت: جميعُ الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصلاة، والمراد بالمنفي: خصوصُ قوله: "قد قامت الصلاة" (٤).

стр. 815

وعند عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب بسنده متصلًا بالخبر مفسرًا، ولفظه: كان بلال يُثني الأذان، ويوتر الإقامة، إلا قوله: قد قامت الصلاة، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، والسراج في "مسنده"، وكذا هو في "مصنف عبد الرزاق" (١). فالإقامة: إحدى عشرة كلمة؛ وفاقَّا لَلشافعي. وعنه: أو يُثنّيها، ولا يقتصر على مرة واحدة في: قد قامت الصلاة، بل يثنيها اتفاقًا. وعند الحنفي: يشفع الإقامة كالأذان، فإن ثَنَّى في الإقامة، لم يكره، خلافًا لمالك والشافعي (٢). فائدة: قيل: الحكمة في تثنية الأذان وإفراد الإقامة: أن الأذان لإعلام القابلين، فيكرر ليكون أوصلَ إليهم؛ بخلاف الإقامة؛ فإنها للحاضرين، ومن ثم استُحب أن يكون الأذان بمكان عال، بخلافِ الإقامة، وأن يكون الصوتُ في الأذان أرفعَ منه في الإقامة، وأن يترسَّل في الأذان، ويحدر في الإقامة (٣). لكن قال ابن بطة من علمائنا، وغيره: يكون في حال ترسُّله وحَدْره لا يصلُ الكلامَ بعضَه ببعض مُعْرَبًا بل جَزْمًا، وحكاه عن ابن الأنباري، عن

стр. 816

أهل اللغة، قال: وروي عن إبراهيم النخعي: أنه قال: شيئان مجزومان، كانوا لا يعربونهما: الأذان والإقامة (١). قال المجد في "شرحه": معناه: استحبابُ تقطيع الكلمات بالوقف على كل جملة، فيحصل الجزم والسكون بالوقف؛ لا أنه مع عدم الوقف على الجملة يترك إعرابها، انتهى (٢). تنبيه: استدل علماؤنا على وجوب الأذان في الجملة بأمره ﷺ لبلال، من حيث إنه إذا أمر بالوصف، لزم أن يكون الأصل مأمورًا به، وظاهر الأمر الوجوب (٣). وروى مالكُ بنُ الحُوَيْرِثِ: أن النبيَّ ﷺ ، قال: "إذا حَضرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُوذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ" متفق عليه (٤). وعن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من ثلاثةٍ في قرية لا يُؤَذَّنُ، ولا تُقامُ بهم الصلاةُ، إلا استَحْوَذَ عليهمُ الشيطانُ" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي (٥). وليس فيه ذكر التأذين.

стр. 817

وعن أسماءَ بنتِ يزيد ﵂، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ليس على النساء أذانٌ ولا إقامةٌ" رواه النّجاد بإسناده، وحَرْبٌ في "مسائله" (١). وقال إسحاق: مضت السُّنَّةُ من النبي ﷺ : أنه قال: "ليسَ على النساءِ أذانٌ ولا إقامة في حَضَرٍ ولا سَفَرٍ". وكذلك ورد عن ابن عباس، وابن عمر، وأنس ﵃ (٢). ومفهومه: أن ذلك على الرجال، وعلى الوجوب؛ ولأنه من أعلام الدين الظاهرة، فكان واجبًا، كالجهاد، والصلاة، وأنه قربة يتعلق نفعُها بعامة المسلمين، فكانت واجبة؛ كصلاة الجنازة، ودفن الميت. وليس الأذان والإقامة من فرض الصلاة، إنما هو مشروع لها خارجًا عنها، فلو تركوهما، ولو عمدًا، وصلَّوا، صحَّت صلاتُهم، وأَثِموا على الترك، والله الموفق. * * *

стр. 818

الحديث الثاني عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ السُّوَائيِّ ﵁، قَالَ: أَتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ في قُبةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَم، قَالَ: فَخَرَج بلاَلٌ بوَضُوءً؛ فَمِنْ نَاضِحٍ، وَنَائِلٍ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ علَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ؛ كَأَنَي أَنْظُرُ إلَى بيَاضِ سَاقَيْهِ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ، وأَذَّنَ بلاَلٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَتَتبَّعُ فَاهُ، هَاهُنَا، وهَاهُنَا؛ يَقُولُ يَمِينًا وشِمَالًا: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاَح؛ ثُمَ رُكزَتْ لَه عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ، وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكعَتَينِ؛ حَتَى رَجَعَ إِلىَ المَدِيْنَةِ (١).

стр. 819

(عن أبي جُحَيفة) -بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وبالفاء-، واسمه (وهب بن عبد الله)، على المشهور. وقيل: وهب بن جابر. وقيل: وهبُ الله بنُ وُهيب -بالتصغير-. وقيل غير ذلك، ابنِ مسلمِ بنِ جُنَادة - بضم الجيم (السُّوائيِّ) -بضم السين المهملة وتخفيف الواو وألف ممدودة بعدها همزة- نسبة إلى سوة (١) بنِ عامرِ بنِ صعصعةَ، بطنٍ كبيرٍ من هوازن. نزل أبو جُحيفة الكوفة، وابتنى بها دارًا، وكان من أصاغر الصحابة.

стр. 820

قيل: إنه لما توفي النبيُّ ﷺ كان لم يبلغ الحلم، لكنه سمع منه، وروى عنه. روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة. روى ابنُه عون عنه: أنه قال: أكلتُ ثريدةً بلحم، وأتيتُ النبيَّ ﷺ وأنا أَتَجَشَّاُ، فقال: "اكْفُفْ أو احْبِسْ عليكَ جُشاءكَ أبا جُحيفةَ" فإن أكثرَ الناس شبعًا في الدنيا، أطولُهم جوعًا يومَ القيامة"، قال: فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا، كان إذا تعشَّى لا يتغدى، وإذا تغدى لا يتعشَّى (١). جعله علي ﵁ على بيت المال في الكوفة، وشهد معه مشاهده كلها، وكان يسميه: وهب الله، ووهب الخير. ومات ﵁ بالكوفة في إمارة بشر بن مروان. وفي "جامع الأصول": توفي سنة أربع وسبعين (٢). وفي "تهذيب النووي": سنة اثنتين وسبعين (٣).

стр. 821

(قال ﵁: أتيت النبي ﷺ وهو) الواو للحال؛ أي: والحال أنه ﷺ (في قبة له) ﷺ . والقبة من الخيام: بيتٌ صغير مستدير، وهو من بيوت العرب (١). وتلك التي فيها النبي ﷺ (حمراء من أدم). قال في "القاموس": الأديم: الجلدُ، أو أحمرُه، أو مدبوغُه، ويجمع على آدِمَة، وأُدُم، والأَدَم: اسم [للجمع] (٢). والحاصل: أنه وصف القبة بكونها حمراء من جلد. (قال) أبو جُحيفة: (فخرج بلال) ﵁ من تلك القبة (بوَضوء)؛ أي: بالماء الذي توضأ به رسول الله ﷺ ، فتبادر الناس إلى التبرك بذلك الماء، (فـ) كانوا قسمين (من ناضحٍ) عليه من ذلك الماء، وهؤلاء القسم الذين بادروا فظفروا بمطلوبهم، (و) من (نائل) دون ذلك. فالنضحُ: الرشُّ على بدنه وثيابه. قيل: معناه أن بعضهم كان ينال منه مالا يفضلُ منه شيء، وبعضهم كان ينال منه ما ينضحُه على غيره (٣)، ويشهد لهذا: الروايةُ في الصحيح: ورأيت بلالًا أخرج وضوءًا، فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئا، تمسَّحَ به، ومن لم يصب منه، أخذ من بَلَلِ يد صاحبه (٤). وفيه: التماسُ البركة بما لابَسَه الصالحون؛ فإنه ورد في الوضوء الذي

стр. 822

توضأ منه النبي ﷺ . وفي معناه كلُّ ما لابسه الصالحون (١). (قال) أبو جُحيفة ﵁: (فخرج النبي ﷺ )؛ يعني: من القبة و (عليه حُلَّة) هي -بضم الحاء المهملة وتشديد اللام، فهاء تأنيث-: ثوبان غير لِفقين، رداءٌ لا وإزار، سُفَيا بذلكٌ؛ لأن كل واحد منهما يحلُّ على الآخر (٢). قال الخليل: لا يقال حلة لثوب واحد (٣). وقال أبو عبيد: الحُلَلُ: برود اليمن (٤). وقال بعضهم: لا يقال له حلة حتى تكون جديدة؛ لحلِّها عن طَيِّها. وفي الحديث: أنه رأى رجلًا عليه حلة، ائتزر بإحداهما، وارتدى بالأخرى (٥)، فهذا يدل على أنها ثوبان كما في "المطالع" (٦). ونقل في "النهاية": الحلة: إزار ورداء إذا كانا من جنس واحد (٧). وفي "المحكم" لابن سيده: الحلة: بردٌ، أوغيره (٨)؛ كما في "الفتح" (٩).

стр. 823

(حمراء) قال الإمام المحقق ابن القيم: غلطَ من ظنَّ أن الحلة كانت حمراء بحتًا، لا يخالطها غيرُها، وإنما الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حُمْر مع الأسود، كسائر البرود اليمنية. قال: وهي معروفة بهذا الاسم؛ باعتبار ما فيها من الخطوط، وإلا، فالأحمر البحت نهى عنه ﷺ أشدَّ النهي (١)، انتهى. قال في "الفتح": وقد تلخص من أقوال السلف في لبس الثوب الأحمر سبعة أقوال: الأول: الجواز مطلقًا، جاء عن علي، وطلحة، وعبد الله بن جعفر، والبراء، وغير واحد من الصحابة ﵃، وعن سعيد بن المسيب، والنخعي، والشعبي، وأبي قلابة، وأبي وائل، وطائفة من التابعين. الثاني: المنع مطلقًا، لما روى ابن عمر [و]﵄، قال: مر على النبيِّ ﷺ رجل عليه بردان أحمران، فسلم عليه، فلم يردَّ النبيُّ ﷺ عليه. رواه أبو داود، والترمذي وحَسَّنَه، والبزار (٢). وأخرج ابن ماجه، من حديث ابن عمر ﵄: نهى

стр. 824

رسول الله ﷺ عن المُفَدَّم -بالفاء وتشديد الدال المهملة-، وهو: المشبَعُ بالعصفر (١). وأخرج ابن أبي شيبة، من مرسل الحسن: "الحمرةُ من زينة الشيطان، والشيطانُ يحبُّ الحُمْرَة" (٢). ووصله أبو علي بن السكن، وأبو أحمد بن عدي (٣). وروى البيهقي في "الشعب"، عن رافع بن يزيد الثقفي، رفعه: "إن الشيطانَ يحثُّ الحمرةَ، فإياكم والحمرةَ وكلَّ ثوبٍ ذي شهرةٍ"، وأخرجه ابن منده، لكنه ضعيف (٤). وأما قول الجوزقاني: إنه باطل، فباطل، كما نبه عليه في "الفتح" (٥).

стр. 825

وقال ابن عبد البر: كان النبي ﷺ يحب من الألوان الخضرةَ، ويكره الحمرةَ، ويقول: "هي زينةُ الشيطان" (١)، انتهى. ونص الإمام أحمد ﵁ على كراهة لبس الأحمر المُصْمَت للرجال. قال في "المغني": قال أصحابنا: يكره، وهو مذهب ابن عمر ﵄ (٢). وقال الإمام ابن مفلح في "الآداب": يكره للرجال لبس أحمر مُصْمَت، نص عليه. وقال الموفق: إنه لا يكره (٣). وهو مذهب الثلاثة، واستظهره في "الفروع" (٤).

стр. 826

وعنه: يكره شديدُ الحمرة دون خفيفها، ومعتمدُ المذهب: كراهةُ ذلك، ولو بطانةً. قال في "الآداب": وأولُ من لبس الثياب الحمرَ آلُ قارون وآلُ فرعون، ثم قرأ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩]، قال: في ثياب حمر، نقل ذلك عن الإمام أحمد ﵁، وقيل له: الثوب الأحمر تغطى به الجنازة؟ فكرهه (١). وقولهم: المصمت؛ يعني: الذي لا يخالطه لونٌ غيرُ الاحمرار (٢). والمراد بالكراهة للتنزيه. وقيل: يكره لبسُ المشبَع بالحمرة دونَ ما كان صبغُه خفيفًا، كما جاء عن عطاء، وطاوس، ومجاهد. وقيل: إنما يكره لقصد الزينة والشهرة. وقيل: ما صُبغ غزلُه ثم نسج، لم يكره، وأما ما نسج ثم صبغ، فيكره. وقيل: يختص النهي بالمعصفر، والله أعلم (٣). قال أبو جُحَيفة ﵁: (كأني أنظر) يعني: وقتئذْ حدثهم بهذا الحديث (إلى بياض ساقيه) الشريفتين، تثنية ساق، وهو ما بين الكعب والركبة، والجمع: سؤق، وسيقان، وأسؤق (٤). وفيه جواز النظر إلى الساق، وهو إجماع في الرَّجُل حيث لا فتنةَ، كما في "الفتح".

стр. 827

(قال) أبو جحيفة: (فتوضأ)؛ أي: النبي ﷺ ـ، (وأذن بلال، قال) أبو جحيفة: (فجعلت أتتبع) أنا (فاه)؛ أي: فمَه، يعني: ما يخرج منه (هاهنا وهاهنا) بالأذان (يمينًا)؛ أي: جهة اليمين، (وشِمالًا) أي: جهة اليسرى. (يقول): في حال التفاته يمينًا: (حَيَّ على الصلاة)؛ أي: هَلُمُّوا إليها، وأَقْبلوا عليها، ويقول حال التفاته شمالًا: (حَيَّ على الفلاح)؛ أي: أقبلوَا على البقاء الدائم والفوز والنجاح (١). فمحلُّ الالتفات في الأذان لا يكون إلا عند الحَيْعَلَتين، وبوب عليه ابن خزيمة، وقيد كون الانحراف بفمه دون بدنه كلِّه، قال: وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه (٢). وساق الحديث، من طريق وكيع، ولفظه: فجعل يقول في أذانه هكذا، ويحرف رأسه يمينًا وشمالًا (٣). ولفظه عند الترمذي: [رأيتُ] بلالًا يؤذن ويدور، ويتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه (٤). قال في "الفتح": قوله: "ويدور" مدرج (٥). وعند أبي داود: "ولم يستدر" (٦). وجمعوا بين اللفظين بأن من أثبت

стр. 828

الاستدارة، عَنَى: استدارة الرأس، ومن نفاها، عنى استدارة الجسد كله. ومشى ابن بطال على ظاهره، فاستدل به على جواز الاستدارة بالبدن كله (١). قال ابن دقيق العيد: وفيه دليل على استدارة المؤذن للإسماع عند الدعاء إلى الصلاة، وهو وقت التلفظ بالحيعلتين. واختلفوا في موضحين: أحدهما: هل تكون قدماه قارَّتين مستقبلتَي القبلة، ولا يلتفت إلا بوجهه دون بدنه، أو يستدير كله؟. الثاني: هل يستدير مرتين؛ إحداهما عند قوله: حيَّ على الصلاة المرتين، والأخرى عند قوله: حي على الفلاح كذلك؟ أو يلتفت يمينًا ويقول: حي على الصلاة، ثم حي على الصلاة عن شماله، وكذا في الأخرى؟ قال: رُجِّح الثاني؛ لأنه يكون لكل جهة نصيبٌ منها. قال: والأولُ أقرب إلى لفظ الحديث، قال: وهما عند الشافعية، انتهى (٢). وفي "الفروع" لابن مفلح: ويلتفت -يعني: المؤذنَ- يَمْنَةً ثم يَسْرَةً اتفاقًا في الحَيْعلة. وعن أبي حنيفة: لا. وذكر غير واحد من أصحابه مذهَبَه، كقولنا. قال: وقيل: يقول يمينًا: حي على الصلاة، ثم يُعيده يسارًا، ثم كذلك حيَّ على الفلاح. قال: ولا يُزيل قدميه؛ لفعل بلال، وكالخطبة، لا ينتقل فيها، ذكره في "الفصول" -يعني: ابن عقيل-. قال: وظاهره: يُزيل صدره؛ خلافًا للشافعي.

стр. 829

قال: ونقل حرب: ويلتفت يَمْنَةً ويَسْرَةً، وكأنه لم يعجبه الدورانُ في المنارة، وعنه: يزيل قدميه في منارة، ونحوِها، نصره في "الخلاف"، وغيره، واختاره "صاحب المحرر"؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، وجزم به في "الروضة"، وابن الفرج حفيد الجوزي في كتابه "المَذْهَب الأحمد" (١). قال في "الإقناع": ولا يزيل قدميه، قال القاضي، والمجد، وجمع: إلا في منارة، ونحوها، انتهى (٢). وصوَّبه في "الإنصاف" قال: لأنه أبلغُ في الإعلام، وهو المعمول به، انتهى (٣). وأما وضع الإصبعين في الأذنين: ففي حديث أبي جُحيفة: أن بلالًا وضعَ إصبعيه في أُذنيه، رواه الإمام أحمد، والترمذي، وصحَّحه أبو عوانة (٤). وعن سعدٍ القُرَظِيِّ: أن رسول الله أمر بلالًا بذلك، وقال: "إنه أرفعُ لصوتك" رواه ابن ماجه (٥).

стр. 830

قال الترمذي: استحب أهل العلم أن يُدخل المؤذنُ إصبعيه في أذنيه في الأذان، انتهى (١). وعَيَّنَ علماؤنا السبَّابتين، وكذا النووي من الشافعية (٢). وعبارة "الفروع": ويجعل سَبابتيه في أذنيه؛ وفاقًا، ويرفع وجهه للسماء -يعني: في كل أذانه - (٣). وخصه في "المستوعب" بالشهادتين (٤). (ثم رُكِزَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: غُرِزَت (له) ﷺ . (عَنَزَةٌ) -بالرفع- نائب الفاعل، وهي كما تقدم -بفتح النون-: عَصًا أقصرُ من الرمح، لها سِنان (٥). (فتقدم) ﷺ ، (وصلى الظهر ركعتين)، وكانت صلاته ببطحاء مكة، وهو موضع خارج مكة، وهو الذي يقال له: الأبطح، وذلك في حجة الوداع عند ابتداء رجوعه من مكة، كما أشار إليه في "الفتح" (٦)، وغيره. (ثم لم يزل) ﷺ (يصلي) الظهر (ركعتين) مقصورةً (حتى)؛ أي: إلى أن (رجَع) من سفره ذلك (إلى المدينة) المنورة - زادها الله تشريفًا -.

стр. 831

ففي الحديث من الفوائد: استحبابُ اتخاذ السترةِ للمصلي، حيث يخشى المرور من بين يديه، كالصحراء. ودليل الاكتفاء في السترة بمثل غِلَظ العَنَزَة، وأن المرورَ من وراء السترة لا يضر. وفيه دليل: على مواظبه النبي ﷺ على قَصْر الصلاة في السفر، ورجحانه على الإتمام. وفيه: مشروعية الأذان في السفر، والله أعلم (١). * * *

стр. 832

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ- ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنه قَالَ: "إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ؛ فَكُلُوا واشْرَبُوا، حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ" (١). * * *

стр. 833

(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بن) أمير المؤمنين (عمر) بن الخطاب (﵄، عن رسول الله ﷺ : أنه قال: إن بِلالًا)؛ يعني: ابنَ رباح الحبشيَّ ﵁ مؤذِّنَ رسول الله ﷺ . (يؤذن) للفجر (بليلٍ)، فلا يمنعنَّكم ذلك من الأكل والشرب حيث أردتم الصيام. ولهذا قال: (فكلوا واشربوا) ما تتقوَّوْنَ به على الصيام لبقاء الليل (حتى تسمعوا أذان) عمرِو (ابنِ أم مكتوم) زاد في رواية: "فإنه لا يؤذنُ حتى يطلعَ الفجرُ" (١). واسمُها (٢): عاتكةُ بنتُ عبدِ الله المخزوميةُ. قيل: سُميت بأم مكتوم؛ لاكتتام نور بصره؛ لأنه ولد أعمى، والمعروف أنه إنما عمي بعد بدر بسنين. وأبوه: قيسُ بنُ زائدةَ بنِ الأصمِّ، والأصمُّ: هو جندبُ بنُ هَرِمِ بنِ رواحةَ بنِ حجرِ بنِ عبدِ ابن معيص بنِ عامر بنِ لؤيٍّ، القرشيُّ العامريُّ. وقيل: اسمُه عبد الله بن عمرو (٣). وقيل: كان اسمُه الحصين، فسماه النبي ﷺ : عبد الله، ولا مانِعَ من كون له اسمين (٤)، وهو المذكور في سورة عبس، والأولُ أكثرُ

стр. 834

وأشهر، وهو ابنُ خال خديجةَ أمِّ المؤمنين. أسلم ﵁ قديمًا بمكة، وكان من المهاجرين الأولين مع مصعب بن عمير، استخلفه رسولُ الله ﷺ ثلاثَ عشرةَ مرةً في غزوات على المدينة، وكان ضريرًا. مات بالمدينة، وقيل: استُشهد بالقادسية، ولم يسمع له بذكر بعد عمر بن الخطاب. وقال الواقدي: رجع ابن أم مكتوم من القادسية إلى المدينة، ولم نسمع له بذكر بعد عمر بن الخطاب ﵁ (١). تنبيهات: الأول: دل الحديث على جواز الأذان للصبح قبل طلوع الفجر، وهذا معتمد مذهبنا؛ كالمالكية، والشافعية، وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ الأذان لها إلا بعد طلوع الفجر (٢). وعن الإمام أحمد: أنه كره أن يؤذن للصبح قبل طلوع الفجر في شهر رمضان خاصة (٣).

стр. 835

قال صدر الوزراء أبو المظفر عونُ الدين بنُ هبيرة: والذي أراه: أنه لا يكره؛ للحديث المشهور. وذكر هذا الحديث: "إن بلالًا يؤذن بليل، فلا يمنعنكم ذلك من سحوركم" (١). فلو كان مما يكره، لم يقر بلالًا إقرارًا مطلقًا من غير إشارة على ما يستدل به على الكراهة، انتهى. قال في "الفروع": ويصح للفجر بعد نصف الليل، وقيل: قبل الوقت بيسير، ونقل صالحٌ: لا بأس به قبل الفجر، إن كان بعد طلوع الفجر -يعني: الكاذبَ-. قال: ويكره قبل الفجر في رمضان -في المنصوص-. وقيل: ممن لا عادة له. وقيل: ما لم يُعِد (٢). وقال القاسم: لم يكن بين أذانيهما -يعني: بلالًا وابنَ أم مكتوم- إلا أن يرقى ذا، وينزل ذا (٣). قال في "الفتح": وفي هذا تقييد لما أُطلق في الرواية الأخرى من قوله: "إن بلالًا يؤذن بليل"، لا يقال: إنه مرسل؛ لأن القاسم تابعي لم يدرك القصة المذكورة؛ لأنه ثبت عند النسائي من رواية حفص بن غياث، وعند

стр. 836

الطحاوي من رواية يحيى القطان، كلاهما عن عبـ[ـيـ]ـد الله بنِ عمر، عن القاسم، عن عائشة (١). وأجاب النووي -بعد أن صحح أن مبدأه من نصف الليل الثاني- عن الحديث في "شرح مسلم"، فقال: قال العلماء: معناه: أن بلالًا كان يؤذن ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه، فإذا قارب طلوعَ الفجر، نزل، فأخبر ابنَ أم مكتوم بذلك، فيتأهب بالطهارة وغيرها، ثم يرقى، ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر (٢). قال في "الفتح": ومع وضوح مخالفته لسياق الحديث، يحتاج إلى دليل خاص لما صححه، حتى يسوغ له التأويل، وأما احتجاج الطحاوي على عدم مشروعية الأذان قبل الفجر بقول عائشة: إنهما كانا يعتقدان وقتًا واحدًا، وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلال، ويصيبه ابن أم مكتوم (٣)، فتُعقب: بأنه لو كان كذلك، لما أقره النبي ﷺ مؤذنًا، واعتمد عليه، ولو كان كما ادعى، لكان وقوعُ ذلك منه نادرًا، وظاهر الحديث يدل على أن ذلك كان شأنَهُ وعادتَهُ (٤). الثاني: في الحديث دليل على اتخاذ مؤذنين في المسجد الواحد. وفي "الفروع": ويكفي مؤذن في المصر، نصَّ عليه، وأطلقه جماعة. [وقال جماعة: بحيث] يُسْمِعُهم. وفي "المستوعب": متى أذن واحد، سقط عمن صلى معه مطلقًا خاصة (٥).

стр. 837

وقيل: يستحب أن يؤذن اثنان. قال: ويتوجه احتمال في الفجر فقط؛ كبلالٍ وابنِ أم مكتوم، ولا يُستحب الزيادة عليهما، وقال القاضي: على أربعة، لفعل عثمان إلا من حاجة. قال: والأَوْلى أن يؤذن واحد بعد واحد، ويُقيم مَنْ أذن أولًا، وإن لم يحصل الإعلام بواحد، زيد بقدر الحاجة، كلُّ واحد في جانب، أو دفعةٌ واحدة بمكان واحد. ويقيم أحدهم، والمراد: بلا حاجة، فإن تَشَاحُّوا، أُقْرِع (١). الثالث: في الحديث دليل على جواز كون المؤذن أعمى؛ فإن ابن أم مكتوم كان أعمى -كما مر-، ولا يكره منه حيث كان له طريق إلى معرفة الوقت من مُعْلِم، ونحوِه، وقد جاء في الحديث: أن ابن أم مكتوم كان لا يؤذن حتى يقال له: أَصْبَحْتَ أصبحتَ (٢). وقال أبو حنيفة: يُكره أذان الأعمى (٣). * * *

стр. 838

الحديث الرابع عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ" (١).

стр. 839

(عن أبي سعيد) سعدِ بنِ مالكٍ (الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سمعتم) معشرَ الأمة (المؤذن) يؤذن (فـ) أجيبوه الإجابة الشرعية، (قولوا) في إجابتكم (مثل ما)؛ أي: الذي (يقول)، أي: مثل قول المؤذن. وكأنَّ المصنف -رحمه الله تعالى- اعتمد على أن لفظة "المؤذن" مُدْرَجة في الحديث، فأسقطها، كما ادعى ابن وضاح ذلك. وتُعقب: بأن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى، وقد الفقت الروايات في "الصحيحين" و"الموطأ" على إثباتها. ولذا قال في "الفتح": لم يصب صاحبُ العمدة -يعني: المصنف- في حذفها (١). قال الكرماني: إنما لم يقل: "مثل ما قال"؛ ليشعر بأن يجيبه بعد كل كلمة مثل كلمتها (٢). وأدلُّ من هذا على المقصود: ما رواه النسائي، من حديث أم حبيبة ﵂: أنه ﷺ كان يقول كما يقول المؤذن، حتى يسكت (٣). قال في "الفروع": ويُستحب وفاقًا للمؤذن وسامعِه، نصَّ عليهما -يعني: الإمام أحمد-، ولو [كان] في طواف، أو امرأة، قاله أبو المعالي وغيرُه متابعةُ قولي بمثله خُفْيةً (٤)، لكن في الحيعلة يُحَوْقِل، نصَّ عليه؛

стр. 840

للخبر، [و] لأنه خطاب، فإعادتُه عَبَثٌ، بل سبيلُه الطاعة، وسؤالُ الحولِ والقوة؛ خلافًا لمالك. قال: وظاهر كلام جماعة: لا يجيب نفسه، وحُكِيَ روايةً، انتهى (١). فلو لم يجاوب المؤذن حتى فرغ، استُحب له التداركُ إن لم يطل الفصلُ، قاله النووي في "شرح المهذب" بحثًا (٢)، وقاله علماؤنا فيما إذا كان في الصلاة، أوخَلاء، ونحوِهما، فإنه يقضي الإجابة إذا فرغَ من ذلك، فسمَّوه قضاء (٣). تنبيهات: الأول: ظاهرُ حديث أبي سعيد هذا: أنه يُشرع لسامع الأذان أن يقول مثل قوله في جميع الكلمات، لكن حديث أبي رافع عن النبيِّ ﷺ : أنه كان يقول مثلَ ما يقول المؤذن، فإذا بلغ: حَيَّ على الصلاة، قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله" رواه الإمام أحمد (٤). وحديث عمر ﵁ رواه الإمام أحمد، ومسلم، وفيه: ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، ثم قال: حي، على الفلاح، قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله" (٥).

стр. 841

وحديثُ معاوية: رواه الإمام أحمد، وفيه: أن مؤذنه أذن، فقال كما قال، حتى إذا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك (١). وأصل هذا الحديث في "البخاري" (٢). وكونُ المشروع عندَ الحيعلة الحوقلةَ هو مذهبنا؛ كالشافعية. وقال بعض الحنفية: يُحوقل عند حيَّ على الصلاة، ويقول عند حَيَّ على الفلاح: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وكأنهم استدلوا بما نقل عبد الرزاق، عن ابن جريج: أن الناس كانوا يُنصتون للمؤذن إنصاتَهم للقرآن، فلا يقول شيئًا إلا قالوا مثله، حتى إذا قال: حَيَّ على الصلاة، قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حَيَّ على الفلاح، قالوا: ما شاء الله، انتهى (٣). والأحاديثُ الصحيحة بما ذهب إليه علماؤنا صريحة. قال الطيبي: معنى الحَيْعَلَتين: هَلُمَّ بوجهِك وسريرتِك إلى الهُدى عاجلًا، والفوز بالنعيم آجلًا، فناسب أن يقول: هذا أمر عظيم لا أستطيع مَعَ ضعفي القيامَ به، إلا إذا وَفَّقني اللهُ بحوله وقوته (٤). وروي عن سعيد بن جبير، قال: يقول في جواب الحَيْعَلَة: سمعْنا

стр. 842

وأطعْنا، ويقول في أذان الفجر عند التثويب، وهو: قولُ المؤذن: الصلاةُ خير من النوم: صَدَقْتَ وبَررْتَ (١). وثمَّ أقوال ووجوه أخر مذكورة في المطولات. الثاني: يستحب أن يقول في الإقامة مثل ما يقول، لكن يقول عند كلمة الإقامة: أقامها الله وأدامها، زاد في "المستوعب" (٢)، و"التلخيص": ما دامت السموات والأرض (٣). لما روى أبو داود، عن شهر بن حوشب، عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ : أن بلالًا أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة،

стр. 843

قال النبي ﷺ :"أقامَها اللهُ وأدامَها"، وقال في سائر الإقامة مثلَ ما قال المقيم (١). لكن في إسناده مجهول، وشهر بن حوشب تكلم فيه غيرُ واحد، ووثقه الإمام أحمد، ويحيى بن معين (٢). ولأن الإقامة أحد الأذانين. الثالث: يسن أن يصلِّيَ على النبي ﷺ بعد إجابة النداء، ثم يقول: "اللهمَّ رَبَّ هذهِ الدعوةِ التامةِ، والصلاةِ القائمة، آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدته" رواه الجماعة إلا مسلمًا، من حديث جابر بن عبد الله ﵄، ولفظه: "من قال حين يسمع النداء: اللهمَّ ربَّ ... إلخ. حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة" (٣). زاد أبو الخطاب الكلوذاني: "واسْقِنا من حوضِه بكأسِه مشربًا هنيئًا، سائغًا رَوِيًّا، غيرَ خزايا ولا ناكثين" (٤).

стр. 844

وزاد البيهقي في قوله: الذي وعدته: "إنك لا تخلف الميعاد" (١). قال الطيبي: المراد بقوله: مقامًا محمودًا الذي وعدته: قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وأطلق عليه الوعد؛ لأن عسى من الله واقع، كما صح عن ابن عيينة (٢)، وغيره (٣). ووقع في رواية النسائي، وابن خزيمة، وغيرهما: "المقام المحمود" بالألف واللام (٤). وقوله: "حَلَّتْ له شفاعتي" (٥)؛ أي: استحقت، ووجبت، أو نزلت عليه. يقال: حلَّ يَحُل -بالضم-: إذا نزل، واللام بمعنى على، ويؤيده رواية مسلم: "حَلَّتْ عليه" (٦). ووقع في الطحاوي، من حديث ابن مسعود ﵁: "وَجَبَتْ له"، ولا يجوز أن يكون حلت من الحِل؛ لأنها لم تكن قبلَ ذلك محرمة. والمراد بالشفاعة: لرفع الدرجات، ودفع المناقشات (٧).

стр. 845

ونقل عياضٌ عن بعض شيوخه: أنه كان يرى اختصاص ذلك بمن قاله مخلِصًا، مستحضِرًا إجلالَ النبي ﷺ ، لا من قصدَ بذلك مجردَ الثواب، ونحوه (١). قال في "الفتح": وهو تحكُّم غيرُ مُرْضٍ، ولو كان أخرجَ الغافل اللاهي، لكان أشبهَ. وقال المهلب: في الحديث الحض على الدعاء في أوقات الصلوات؛ لأنه حال رجاء الإجابة (٢)؛ فقد روى الإمام أحمد من حديث أنس- ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاءُ لا يُرَدُّ بينَ الأذان والإقامة" (٣)، ورواه الترمذي، وزاد: قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: "سَلُوا اللهَ العافيةَ في الدنيا والآخرة" (٤). وفي "صحيح مسلم"، عن سعد بن أبي وقاص ﵁، عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، رضيتُ بالله رَبًّا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالإسلامِ دينًا، غُفِرَ له"، وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم (٥).
следующие страницы →