← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وحديثُ معاوية: رواه الإمام أحمد، وفيه: أن مؤذنه أذن، فقال كما قال، حتى إذا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك (١). وأصل هذا الحديث في "البخاري" (٢). وكونُ المشروع عندَ الحيعلة الحوقلةَ هو مذهبنا؛ كالشافعية. وقال بعض الحنفية: يُحوقل عند حيَّ على الصلاة، ويقول عند حَيَّ على الفلاح: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وكأنهم استدلوا بما نقل عبد الرزاق، عن ابن جريج: أن الناس كانوا يُنصتون للمؤذن إنصاتَهم للقرآن، فلا يقول شيئًا إلا قالوا مثله، حتى إذا قال: حَيَّ على الصلاة، قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حَيَّ على الفلاح، قالوا: ما شاء الله، انتهى (٣). والأحاديثُ الصحيحة بما ذهب إليه علماؤنا صريحة. قال الطيبي: معنى الحَيْعَلَتين: هَلُمَّ بوجهِك وسريرتِك إلى الهُدى عاجلًا، والفوز بالنعيم آجلًا، فناسب أن يقول: هذا أمر عظيم لا أستطيع مَعَ ضعفي القيامَ به، إلا إذا وَفَّقني اللهُ بحوله وقوته (٤). وروي عن سعيد بن جبير، قال: يقول في جواب الحَيْعَلَة: سمعْنا

стр. 842

وأطعْنا، ويقول في أذان الفجر عند التثويب، وهو: قولُ المؤذن: الصلاةُ خير من النوم: صَدَقْتَ وبَررْتَ (١). وثمَّ أقوال ووجوه أخر مذكورة في المطولات. الثاني: يستحب أن يقول في الإقامة مثل ما يقول، لكن يقول عند كلمة الإقامة: أقامها الله وأدامها، زاد في "المستوعب" (٢)، و"التلخيص": ما دامت السموات والأرض (٣). لما روى أبو داود، عن شهر بن حوشب، عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ : أن بلالًا أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة،

стр. 843

قال النبي ﷺ :"أقامَها اللهُ وأدامَها"، وقال في سائر الإقامة مثلَ ما قال المقيم (١). لكن في إسناده مجهول، وشهر بن حوشب تكلم فيه غيرُ واحد، ووثقه الإمام أحمد، ويحيى بن معين (٢). ولأن الإقامة أحد الأذانين. الثالث: يسن أن يصلِّيَ على النبي ﷺ بعد إجابة النداء، ثم يقول: "اللهمَّ رَبَّ هذهِ الدعوةِ التامةِ، والصلاةِ القائمة، آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدته" رواه الجماعة إلا مسلمًا، من حديث جابر بن عبد الله ﵄، ولفظه: "من قال حين يسمع النداء: اللهمَّ ربَّ ... إلخ. حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة" (٣). زاد أبو الخطاب الكلوذاني: "واسْقِنا من حوضِه بكأسِه مشربًا هنيئًا، سائغًا رَوِيًّا، غيرَ خزايا ولا ناكثين" (٤).

стр. 844

وزاد البيهقي في قوله: الذي وعدته: "إنك لا تخلف الميعاد" (١). قال الطيبي: المراد بقوله: مقامًا محمودًا الذي وعدته: قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وأطلق عليه الوعد؛ لأن عسى من الله واقع، كما صح عن ابن عيينة (٢)، وغيره (٣). ووقع في رواية النسائي، وابن خزيمة، وغيرهما: "المقام المحمود" بالألف واللام (٤). وقوله: "حَلَّتْ له شفاعتي" (٥)؛ أي: استحقت، ووجبت، أو نزلت عليه. يقال: حلَّ يَحُل -بالضم-: إذا نزل، واللام بمعنى على، ويؤيده رواية مسلم: "حَلَّتْ عليه" (٦). ووقع في الطحاوي، من حديث ابن مسعود ﵁: "وَجَبَتْ له"، ولا يجوز أن يكون حلت من الحِل؛ لأنها لم تكن قبلَ ذلك محرمة. والمراد بالشفاعة: لرفع الدرجات، ودفع المناقشات (٧).

стр. 845

ونقل عياضٌ عن بعض شيوخه: أنه كان يرى اختصاص ذلك بمن قاله مخلِصًا، مستحضِرًا إجلالَ النبي ﷺ ، لا من قصدَ بذلك مجردَ الثواب، ونحوه (١). قال في "الفتح": وهو تحكُّم غيرُ مُرْضٍ، ولو كان أخرجَ الغافل اللاهي، لكان أشبهَ. وقال المهلب: في الحديث الحض على الدعاء في أوقات الصلوات؛ لأنه حال رجاء الإجابة (٢)؛ فقد روى الإمام أحمد من حديث أنس- ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاءُ لا يُرَدُّ بينَ الأذان والإقامة" (٣)، ورواه الترمذي، وزاد: قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: "سَلُوا اللهَ العافيةَ في الدنيا والآخرة" (٤). وفي "صحيح مسلم"، عن سعد بن أبي وقاص ﵁، عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، رضيتُ بالله رَبًّا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالإسلامِ دينًا، غُفِرَ له"، وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم (٥).

стр. 846

وفي حديث عائشة ﵂، عند أبي داود: أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع المؤذن تشهَّد، قال: "وأنا، وأنا" (١). وفي حديث أم سلمة ﵂، عند أبي داود، قالت: علَّمني رسولُ الله ﷺ أن أقول عند أذان المغرب: "اللهمَّ هذا إقبالُ ليلِك، وإدبارُ نهارِك، وأصواتُ دُعاتِك، وحضورُ صلواتِك، فاغفرْ لي" (٢). وفي "صحيح مسلم"، عن عبد الله بن عمرو ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتُم المؤذنَ، فقولوا مثلَ ما يقول، ثم صلُّوا علي؛ فإنه من صلى عليَّ صلاة، صلَّى الله بها عليه عشرًا، ثم سَلُوا ليَ الوسيلةَ؛ فإنها منزلةٌ في الجنة، لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكونَ أنا هو، فمن سأل لي الوسيلةَ، حَلَّتْ عليه الشفاعةُ" (٣).

стр. 847

فهذه خمسُ سُنن في الأذان: إجابته، وقول: رضيتُ بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا حين يسمع التشهد، وسؤالُ الله لرسوله الوسيلةَ والفضيلةَ، والصلاةُ عليه ﷺ ، والدعاءُ لنفسه، كما أشار إليه ابن القيم في "الكَلِم" (١)، وشيخه شيخ الإسلام في "الفتاوى المصرية" (٢)، وغيرهما، والله أعلم. الرابع: لا يُستحب الترجيعُ في الأذان: وهو ذكرُ الشهادة مرتين، خُفية، ثم جَهْرة، وهو من الرجوع إلى ذكرهما جهرًا، بعد أن ذكرهما خفية؛ لأن الذي اختاره إمامُنا أذانُ بلال ﵁؛ لكونه كان أكثر مؤذني رسول الله ﷺ ملازمة له، حضرًا وسفرًا، أذن له بمكة والمدينة، حتى توفي ﷺ ، وهو مُقِرٌّ له على أذانه، مستصحِبٌ له، وما كان ليقرَّه إلا على الأتم الأكمل؛ فلذا اختار أذانه سيدُنا الإمام أحمد. قال الحافظ ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق": لا يستحب الترجيع في الأذان، وقال مالك والشافعي: يستحب. لنا: حديث ابن عمر في "الصحيحين" (٣)، وحديث عبد الله بن زيد في "المسند"، و"السنن"، وغيرهما، من صفة أذان بلال، وما ألقاه عليه عبد الله بن زيد، فكان يؤذن بذلك، ويدعو رسولَ الله ﷺ إلى الصلاة، فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسولَ الله ﷺ نائم، فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاةُ خيرٌ من النوم. قال سعيد بن المسيب: فأُدخلت هذه الكلمة في التأذين لصلاة الفجر (٤).

стр. 848

وحديث عبد الله بن زيد أصلُ الأذان، وليس فيه ترجيعٌ، فدل على أنه المستحب، وعليه عمل أهل المدينة، والأخذ بالمتأخر من حال النبي ﷺ أولى. واحتجوا للترجيع، بما رواه الإمام أحمد، من أذان أبي محذورة، واسمه: سَمُرَةُ بنُ مِعْيَر -بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الياء فراء مهملة آخر الحروف، بوزن مِقْسم-، عن عبد الله بن مُحَيريز، وكان يتيمًا في حَجر أبي محذورة، قال: قلت لأبي محذورة: أخبرني عن تأذينك؟ قال: نعم، خرجت في نفر، فكنتُ في بعض طريق حُنين، مَقْفَلَ رسولِ الله ﷺ ، فلقينا رسول الله ﷺ في بعض الطرق، فأذن مؤذنُ رسول الله ﷺ بالصلاة، فسمعنا صوت المؤذن، فصرخنا نَحْكيه، ونستهزىء به، فسمع النبيُّ ﷺ الصوت، فأرسل إلينا، إلى أن وقفنا بين يديه، فقال: "أيكم الذي سمعتُ صوتَه قد ارتفَع؟ "، فأشار القومُ كلهم إليَّ، وصَدَقوا، فأرسلهم كلَّهم، وحبسني، فقال: قمْ فأَذِّنْ بالصلاة، فقمتُ ولا شيءَ أكرهُ إليَّ من النبي وما يأمرني به، فقمتُ بين يدي النبي ﷺ ، فألقى على رسولُ الله ﷺ التأذين هو بنفسه: الله أكبر، الله أكبر، قال روح: مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال لي: "ارجع فامدُدْ من صوتك"، ثم قال لي: "قل: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله " ... إلخ. ثم دعاني حين قضيتُ التأذين، فأعطاني صرة فيها شيءٌ ﷺ من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أَمَرَّها على وجهه، ثم بين ثدييه، ثم على كبده، وقال: "باركَ اللهُ فيكَ، وباركَ عليكَ"، فقلت: يا رسول الله!

стр. 849

مُرْني بالتأذين بمكة، قال: "قد أمرتُك"، وذهب كلُّ شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهية، وعاد ذلك كلُّه محبةً لرسول ﷺ الله ﷺ . وفيه: أنه علمه الإقامة مثنى مثنى، ورواه الترمذي، وصححه (١). وأجاب عن هذا علماؤنا: أنه لما لقن رسولُ الله ﷺ الأذانَ أبا محذورة، وكان من المؤلَّفة كافرًا، أعاد عليه الشهادةَ وكررها؛ لتثبتَ عندَه، ويخصصها ويكررها على أصحابه المشركين، فإنهم كانوا ينفرون منها، خلافَ نفورهم من غيرها، فلما كررها عليه، ظنَّها من الأذان، فعدَّ الأذان تسعَ عشرةَ كلمة، وإذا كان كذلك، لم يكن تكرارُها سنة. وأيضًا: أذان أبي محذورة: عليه أهلُ مكة، وما ذهب إليه إمامنا: عليه أهل المدينة، ويعمل على المتأخر من الأمور. وبعضهم زعم: أن في أذان بلال ترجيعًا، وهذا محال، لأنه لا يختلف أهل الحديث في أن بلالًا كان لا يُرَجِّعُ. وفي سنده عبدُ الله بنُ محمد بنِ عمار بنِ سعدٍ القرظي، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، والله أعلم (٢). * * *

стр. 850

باب استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة؛ بنص الكتاب، والسنة، والإجماع في الجملة. قال الله تعالى-: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛ وقال علي ﵁: شَطْرَه: قِبَلَه (١). وروى النسائي، عن البراء بن عازب ﵁، قال: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ ، فصلَّى نحو بيت المقدس ستةَ عشرَ شهرًا، ثم إنه توجه إلى الكعبة، فمر رجل صلى مع النبي ﷺ على قوم من الأنصار، فقال: إن رسول الله ﷺ قد وَجَّهَ إلى الكعبة، فانحرفوا إلى الكعبة (٢). وفي "البخاري"، عن البراء ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس ستةَ عشرَ أو سبعةَ عشرَ شهرًا، وكان يحب أن يوجّه إلى الكعبة، فأنزل الله- تعالى-: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فتوجه نحو الكعبة، فقال السفهاء من الناس، وهم اليهود:

стр. 851

﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]، فصلى مع النبي ﷺ رجلٌ هو عباد بنُ بشر بن قيظي، كما رواه ابن مندَهْ، ذكره في "الفتح" (١)، ثم بعدما صلى، مرَّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحوَ بيت المقدس، فقال: هو يشهدُ أنه صلى مع النبي ﷺ ، وأنه توجَّهَ نحو الكعبة، فتحرَّفَ القوم، حتى توجَّهوا نحو الكعبة (٢). وأخرج الطبري، وغيره، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس- ﵄: لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، واليهودُ أكثرُ أهلها يستقبلون بيت المقدس، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها سبعةَ عشرَ شهرًا، وكان رسولُ الله ﷺ يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فنزلت (٣). قال مجاهد: إنما كان يحب أن يتحول إلى الكعبة؛ لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد، ويتبع قبلتنا! فنزلت (٤). فظاهر حديث ابن عباس هذا: أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة، ولكن أخرج الإمام أحمد، من وجه آخر، عن ابن عباس ﵄: كان النبي ﷺ يصلي بمكة نحو بيت المقدس (٥).

стр. 852

وأخرج الطبري، من طريق ابن جريج، عن رسول الله ﷺ : أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصفى ثلاث حِجَج (١). والحاصل: أن قدومه ﷺ المدينةَ المشرفةَ كان في ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويلُ في نصف رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح، عن ابن عباس (٢). فعلى هذا؛ فمن عد أشهُرَ صلاةِ النبي ﷺ في المدينة إلى بيت المقدس ستةَ عشرَ شهرًا، لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألغى الأيام الزائدة. ومن جزمَ بسبعةَ عشرَ شهرًا، عدَّهما معًا، ومن شكَّ، تردَّدَ في ذلك، وشذت أقوالٌ وروايات أخرُ، وهذا الصحيح (٣). ثم إن الحافظ -رحمه الله تعالى- ذكر في هذا الباب ثلاثة أحاديث. * * *

стр. 853

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: اَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ؛ حَيْثَ كَانَ وَجْهُهُ، يُومىءُ برَأسِهِ، وكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ (١). وفي روايةٍ: كَانَ يُؤتِرُ عَلَى بَعيرِهِ (٢). ولِمُسْلِمٍ: غَيْرَ أَنّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا المَكْتُوبَةَ (٣).

стр. 854

وللبخاريِّ: إلَّا الفَرائِضَ (١). * * * (عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يسبح)؛ أي: يصلي النافلة، وهو (على ظهر راحلته).

стр. 855

الراحلة، أصلها: الناقة المنجبة الكاملة الخَلق، المدرَّبَةُ على الركوب والسير، ولا يكون ذلك إلا بعد الرياضة والتدريب، مع حسن خَلْقها وخُلُقها؛ لتأتِّي ذلك منها، ومثالها في الإبل قليل، وكذلك النجيب من الناس، فهم وإن تساووا في الخلق والنسب، فقد تباينوا في النجابة والعقل والدين والخلق. ثم إن الراحلة اسم يقع على الذكر والأنثى، وقصره القعنبي (١) على الأنثى، وأنكره الأزهري. والهاء: زائدة إذا كان المذكر للمبالغة؛ سميت بذلك لأنهما تُرْحَل؛ كـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] و ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أي: مَرْضِيَّة، ومدفوق، فتكون بمعنى مرحولة، بأن يوضُع عليها الرحالة، وهي مركب من مراكب الرجال، وجمعه: رحال، ومنه: رحلت البعير -مخفف-: إذا شددت عليه الرحل (٢). (حيث كان وجهه). وفي حديث: يصلي على راحلته حيثما توجهت به (٣). قال ابن التين: مفهومه: أنه يجلس علي هـ[ـا] على هيئته التي يركبها علي هـ[ـا] ويستقبل بوجهه ما استقبلته الراحلة، فتقديره: يصلي على راحلته إلى حيث توجهت به (٤).

стр. 856

(يومىء) ﷺ (برأسه) الشريف إيماءً: بالركوع والسجود. قال العلماء: ويكون سجودُه أخفضَ من ركوعه وجوبًا إن قدر (١)؛ لما روى جابر ﵁، قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فجئت وهو يصلِّي على راحلته نحوَ المشرق، والسجودُ أخفضُ من الركوع، رواه أبو داود (٢). (وكان ابن عمر) ﵄ (يفعله)؛ أي: ويصلي النافلة على ظهر راحلته، حيث كان وجهه، يومىء برأسه؛ لهذا الحديث، [و] لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، قال ابن عمر ﵄: نزلت في التطوع خاصة (٣). ومثلُ الراكب الماشي؛ وفاقًا للشافعي؛ لأن الصلاة أُبيحت للراكب؛ لئلا ينقطع عن القافلة في السفر، وهو موجود في الماشي (٤)، وذلك تخفيفٌ في النوافل، وتيسيرٌ لحصولها وتكثيرِها؛ فإن ما اتسع طريقُه، سَهُلَ، وماضُيقِّ طريقُه، قَلَّ؛ فاقتضت رحمةُ الله بالعباد أن تُقلل الفرائض عليهم؛ تسهيلًا للكلفة، وتُفتح لهم طريق التكثير للنوافل؛ تعظيمًا للأجور (٥).

стр. 857

وفي قوله: حيث كان وجهه: دليل لقول من قال من الفقهاء: إن جهة الطريق تكون بدلًا من القبلة؛ حتى لا ينحرف عنها بغير حاجة المسير (١). والحاصل: أن المتنفِّل إذا كان مسافرًا سفرًا مُباحًا، ولو قصيرًا؛ خلافًا لمالك، لم يُشترط في حقه استقبالُ القبلة، بل جهة سيره؛ لا إذا تنفل في الحضر؛ خلافًا لأبي حنيفة؛ كالراكب السائر في مصره. ولا راكب تعاسيف: وهو ركوبُ الفلاة وقطعُها على غير صَوْب، ومنه الهائمُ والتائهُ والسائح. فلو عدلت بالمسافر المتنفل دابَّتُه عن جهة سيره إلى غير جهة القبلة؛ لعجزه عنها، أو لجماحِها وحرنها، أو عدل هو إلى غير القبلة؛ غفلةً أو نومًا أو جهلًا أو سهوًا، أو لظنه أنها جهةُ سيره، وطالَ، بَطَلَت صلاتُه؛ لأنه عملٌ كثير؛ فيبطلها عمدُه وسهوُه وجهلُه. وإن قصر عدوله لعذر، لم تبطل، ويسجد للسهو إن كان عذره السهو. وإن كان غير معذور في ذلك؛ بأن عدلت دابته، وأمكنه ردُّها ولم يردَّها، أو عدلَ إلى غير القبلة، مع علمه بأنها غيرُ جهة القبلة وغير جهة سيره، بطلت صلاتُه، ولو لم يطل. وإن انحرف عن جهة سيره، فصار قفاه إلى القبلة عمدًا، بطلت؛ لا إن كان انحرافه عن جهة سيره إلى جهة القبلة؛ لأن التوجه إليها هو الأصل، وإنما جهة سيره بدلٌ عن ذلك. وعلى الراكب إذا تنفَّل على راحلته افتتاحُ الصلاة إلى القبلة بالدابة، بأن

стр. 858

يديرها إلى القبلة إن أمكنه بلا مشقة، أو بنفسه بأن يدور إلى القبلة، ويدع راحلته سائرة مع الركب إن أمكنه ذلك بلا مشقة؛ خلافًا لأبي حنيفة، ومالك؛ لما روى الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر، فأراد أن يتطوع، استقبل بناقته القبلة، فكَبَّرَ، ثم صلى حيث كان وجهة ركابه (١). وكذا إن أمكنه ركوعٌ وسجود واستقبال في جميع النافلة على الراحلة؛ كمن [هو] في سفينة أو مِحَفَّةٍ (٢) ونحوِهما، أو كانت راحلته واقفة، فيلزمه افتتاحُ الصلاة إلى القبلة، والركوع والسجود إن أمكنه بلا مشقة؛ وفاقًا للشافعي. ويلزم الماشيَ افتتاحُ نافلته إلى القبلة، ويلزُمه ركوع وسجود؛ وفاقًا للشافعي؛ لتيسُّر ذلك عليه من غير انقطاع عن جهة سيره، ويفعل الباقي إلى جهة سيره. وصحح المجدُ: أنه يومىء بالركوع والسجود إلى جهة سيره كالراكب (٣). (وفي رواية) عن سعيد بن يسار: أنه قال: كنت أسير مع ابن عمر بطريق مكة، قال سعيد: فلما خشيتُ الفجرَ، نزلتُ فأوترت، فقال عبد الله -

стр. 859

يعني: ابن عمر ﵄: أليس لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة؛ فقلت: بلى والله، قال: إن رسول الله ﷺ (كان يوتر على بعيره)، وفي لفظ: على البعير (١). ففي إيتاره ﷺ على البعير: دليلٌ على أن الوتر ليس بواجب؛ لأن الفرض لا يقام على الراحلة، وأن الفرض مرادفُ الواجب (٢). (ولمسلمٍ) دُون البخاري (٣)، من حديث ابن عمر ﵄: كان رسول الله ﷺ يسبِّحُ على الراحلة قِبَلَ أَيِّ وجهٍ توجَّهَ، ويوتر عليها (غير أنه) كان (لا يصلي عليها المكتوبة). (وللبخاري) عنه ﵁، قال: [كان] رسول الله ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومىء إيماءَ صلاةِ الليل (إلا الفرائض)، ويوتر على راحلته. وفي البخاري أيضاً: عن جابر ﵁، قال: كان النبي ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت، فإذا أراد الفريضة، نزل فاستقبل القبلة (٤). وفيه: من حديث عامر بن ربيعة ﵁: رأيت رسول الله ﷺ

стр. 860

وهو على راحلته يُسَبِّحُ، يومىء برأسه قِبَلَ أَيِّ وجهٍ توجَّهَ، ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة (١). ففي مجموع هذه الأخبار الصحيحة إيماءٌ إلى أن الصلاة المكتوبة لا تؤدَّى على الراحلة، وهو كذلك، لا يقال: لا دلالة في ذلك؛ لأنه إنما فيه ترك الفعل، وليس الترك بدليل على الامتناع؛ لأنا نقول: لا ريب أن وقت الفرائض مما يكثر على المسافرين، فتركُ الصلاة على الراحلة دائمًا مع فعل النوافل عليها يُشعر بالفرق بينهما، مع ما يؤيد كونَ المكتوبة قليلةً محصورة، لا يؤدي النزول لها إلى نقصان المطلوب. بخلاف النوافل؛ فإنها لا حصر لها، فيؤدي النزولُ لها إلى ترك المطلوب من تكثيرها، مع اشتغال المسافر (٢). فائدة: لو ركب المسافرُ النازل في حال تنفُّله غير السائر، بطلت صلاته، سواء كان يتنفل قائمًا، أو قاعدًا؛ لأن حالته حالة إقامة، فيكون ركوبه فيها بمنزلة العمل الكثير من المقيم، لا صلاة الماشي بركوبه فيها، فيتمها؛ لأنه انتقل من حالة مختلَف في صحة التنفل فيها، وهي المشي، إلى حالة متفقٍ على صحة التنفل فيها، وهي الركوب، مع أن كلًا منهما حالة سير، وإن نزل الراكب في أثنائها، نزل مستقبلَ القبلة، وأتمَّها، نصًا؛ لكونه انتقل إلى حالة

стр. 861

إقامة؛ كالخائف إذا أَمِنَ، وإن وقفت دابة المتطوع عليها تعبًا، أو منتظرًا رفقته، أو لم يسر لسيرهم، أو نوى النزول ببلد دخلَه، استقبلَ القبلة، ويتمُّها؛ لانقطاع السير؛ كالخائف يأمن، والله أعلم (١). * * *

стр. 862

الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بقُباءَ، في صَلاَةِ الصُّبْح، إذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قَدْ أُنْزِلَ علَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرآن، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ؛ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتدارُوا إِلَى الكَعْبَةِ (١).

стр. 863

(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ) أمير المؤمنين (عمرَ) بنِ الخطاب (﵄ قال: بينما الناس بقباءً)؛ هو -بالمد والصرف على الأشهر-، ويجوز فيه القصرُ وعدمُ الصرف، وهو يذكر ويؤنث: موضع معروف ظاهرَ المدينة المشرفة، كما في "الفتح" (١). وفي "القاموس": قُباء -بالضم، ويُذَكَّرُ ويُقْصَر-: موضع قربَ المدينة (٢). (في صلاة الصبح) وقد ذكرنا في أول الباب من حديث البراء: أنهم كانوا في صلاة العصر، ولا منافاة بين الحديثين؛ لأن خبر التحول وصل وقتَ العصر إلى مَنْ هو داخلَ المدينة، وهم بنو حارثة، والآتي إليهم بذلك عبادُ بنُ بشر كما تقدم، أو ابنُ نهيك، وأما أهل قُباء فلم يسمَّ الآتي بذلك إليهم، وإن كان ابنُ طاهر وغيرُه زعموا أنه عباد بن بشر، فقد نظر فيه الحافظ ابن حجر في "الفتح"؛ لأن ذلك إنما ورد في حق بني حارثة في صلاة العصر، وعلى تقدير صحة نقلهم لذلك، فلعل عبادًا أتى بني حارثة أولًا في وقت العصر، ثم توجه إلى قُباء، فأعلمهم بذلك في الصبح.

стр. 864

ومما يدل على تعدُّدهما: أن مسلمًا روى من حديث أنس ﵁: أن رجلًا من بني سلمة مَرَّ وهم ركوعٌ في صلاة الفجر (١)، فهذا موافق لرواية ابن عمر ﵄ (٢)، حيث قال: (إذ جاءهم)؛ أي: الناسَ الذين في صلاة الصبح من أهل قُباءٍ (آتٍ) فاعلُ جاء، مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. قال البرماوي: الآتي هو عباد بن بشر الأشهليُّ، قاله الفاكهي في "أخبار مكة" (٣). وقيل: عباد بن نُهَيك -بضم النون وفتح الهاء-. وفي "الفتح": أنه -بفتح النون وكسر الهاء (٤)، الخطميُّ الأنصاريُّ، قاله ابن عبد البر (٥)، وكذا قاله ابن سِيْدَه: هو عباد بن لهيب بن إساف الخزرجي الشاعر، عُقَر في الجاهلية زمانًا، وأسلم وهو شيخ كبير، فوضع عنه ﷺ الغزوَ. وهو الذي صلَّى مع النبي ﷺ ركعتين إلى بيت المقدس، وركعتين إلى الكعبة يوم صرف القبلة -يعني: من صلاة الظهر-، ثم أتى قومه بني حارثة وهم ركوع من صلاة العصر، فأخبرهم بتحويل القبلة، فاستداروا إلى الكعبة.

стр. 865

وقيل: إن الذي أتى أهلَ قباء عَبَّادُ بن وهب من بني حازم (١). والحاصل: أن النبي ﷺ تحول إلى الكعبة المشرفة عن استقبال بيت المقدس في صلاة الظهر، ثم ذهب مَنْ أخبر بني حارثة بالتحويل، فصادفهم في صلاة العصر، ثم ذهب مَنْ أخبر أهل قباء، فوافقهم في صلاة الصبح، فيكون بنو حارثة صلوا جميع الظهر بعد التحويل إلى جهة الصخرة، وصلى أهل قُباء الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ إليها كذلك؛ لأنه لم يبلغهم النسخُ، ولم يؤمروا بالإعادة؛ لعدم علمِهم بورود الناسخ؛ لأنهم صلَّوا إلى قبلة كانوا مأمورين بالتوجه إليها، وجهلوا التحويلَ الطارىء، فلم تلزم إعادة، وهذا على قاعدة اشتراط العلم لصحة التكليف. (فقال) ذلك الآتي لأهل قُباء: (إن رسول الله ﷺ ) أتى بأداة التأكيد؛ لاقتضاء المقام لذلك؛ لعظم الأمر وفخامته وغرابته (قد أُنزل) -بالبناء للمفعول- (عليه الليلة قرآنٌ) -بالرفع- نائب فاعل؛ أي: أنزل الله عليه الليلة قراَنًا، وإنما حذف الفاعل للعلم به. وفيه: إطلاقُ الليلة على بعض اليوم الماضي، وما يليه، مجازًا، والتنكير في قوله "قرآن" لإرادة [البعضية] (٢)، والمراد: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآيات [البقرة: ١٤٤]. (وقد أُمر) ﷺ ؛ أي: أمره الله في القرآن الذي أنزل عليه (أن يستقبل القبلة)؛ أي: الكعبةَ المشرفةَ. فيه: أن ما يؤمر به النبي ﷺ يلزم أُمَّتَه، وأن أفعاله يؤتَسى بها

стр. 866

كأقواله حتى يقوم دليل على الخصوص (١). (فاستقبَلوها) هو بفتح الباء الموحدة للأكثر (٢)؛ أي: فتحولوا إلى جهة الكعبة، وفاعل استقبلوها المخاطبون بذلك، وهم أهل قباء. (وكانت وجوهُهم إلى) جهة (الشام، فاستداروا إلى) جهة (الكعبة) المشرفة. فعلى كون الباء مفتوحة، تكون جملة: فكانت وجوههم ... إلخ: تفسيرًا من الراوي للتحول المذكور، ويحتمل أن يكون فاعل استقبلوها: النبيُّ ﷺ ومَنْ معه، وضمير "وجوههم"، لهم، أو لأهل قباء، على الاحتمالين. وفي رواية الأصيلي: فاستقبلوها -بكسر الموحدة بصيغة الأمر، ويأتي في ضمير وجوههم الاحتمالان المذكوران، وعوده إلى أهل قُباء أظهر. ورجَّح هذه الرواية ما في "البخاري" في: التفسير، من حديث سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، في هذا الحديث، بلفظ: وقد أُمِرَ أن يستقبلَ الكعبةَ، ألا فاستقبِلُوها (٣).

стр. 867

فدخولُ حرف الاستفتاح يُشعر بأن الذي بعده أمرٌ، لا أنه بقية الخبر الذي قبله (١). فوائد: الأولى: ذكر في حديث تُويلةَ بنتِ أسلمَ، عند ابن أبي حاتم كيفيةُ التحول. قالت فيه: فتحول النساءُ مكانَ الرجال، والرجالُ مكان النساء، فصلينا السجدتين -يعني: الركعتين الباقيتين- إلى البيت الحرام، يعني: الكعبة (٢). وتصويره: أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخره؛ لأن من استقبل الكعبة في المدينة، استدبرَ بيتَ المقدس، وهو لو دار كما هو في كل مكانه، لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحول الإمام، تحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صِرْنَ خلف الرجال، وهذا يستدعي عملًا كثيراً في الصلاة، فيحتمل كونُ ذلك وقعَ قبل تحريم العمل، كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة، أولم تتوال الخُطا عند التحويل، بل وقعت مفرقة (٣). الثانية: كان التحويل المذكور في شهر رجب -كما قدمناه-، بعد الزوال قبلَ غزوة بدر بشهرين. وكانت صلاته ﵊ بأصحابه ﵃ في

стр. 868

مسجد بني سلمة، فلما صلى ركعتين من الظهر إلى بيت المقدس، تحول في الصلاة، واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء، فسمي: مسجدَ القبلتين (١). الثالثة: فيه قبول خبر الواحد، ووجوبُ العمل به، ونسخُ ما تقرر بطريق العلم به؛ لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت عندهم بطريق القطع؛ لمشاهدتهم صلاةَ الشارع ﷺ إلى جهته، ووقع تحويلهم عنها إلى جهة الكعبة بخبر الواحد. لكن إنما عملوا به؛ لما احتف به من القرائن، والمقدمات المفيدة للقطع عندهم بصدق ذلك الخبر، فلم ينسخ عندهم ما يفيد العلم إلا بما يفيده. وقيل: كان النسخ بخبر الواحد جائزًا في زمنه ﷺ مطلقًا دون ما بعده (٢)، والله تعالى الموفق. * * *

стр. 869

الحديث الثالث عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ، فَلَقِينَاهُ بعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ مِنَ ذا الجَانِبِ -يَعْنِي: عَنْ يَسَارِ القِبْلَةِ-، فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرَ القِبْلَةِ؟ فَقَالَ: لَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ، لمَ أفْعَلْهُ (١). * * * (عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ سيرينَ) الأنصاريِّ، مولاهم، التابعيِّ أخو الإمام المشهور محمد بن سيرين. والمشهورون من أولاد سيرين ستة: محمد، ومعبد، وأنس، ويحيى،

стр. 870

وحفصة، وكريمة، وكلهم ثقات على الراجح، وإن كان ابن السكن نقل عن ابن معين تضعيفًا لبعضهم. وفي "تاريخ الحاكم"، عن شيخه أبي علي الحافظ: أنه أبدل كريمة بخالدة. وفي "طبقات ابن سعد": أنهم عشرة، فزاد خالدًا، وعمرة، وأم سليم سودة. وقد ضبطهم البرماوي في أبيات، وهي: [من الطويل] لِسِيرِينَ أَوْلاَد يُعَدُّونَ ستَّةً ... عَلَى الأَشْهَرِ الْمَعْرُوفِ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ وَبِنْتَانِ مِنْهُمْ حَفْصَةٌ وَكَرِيمَةٌ ... كَذَا أَنَسٌ مِنْهُمْ وَيَحْيَى وَمَعْبَدُ وَزَادَ ابْنُ سَعْدٍ خَالِدًا ثُمَّ عَمْرَةً ... وَأُمَّ سُلَيْمٍ سَوْدَةً لَا تُفَنَّدُ وفي "معارف" ابن قتيبة: ولد لسيرين ثلاثة وعشرون ولدًا من أمهات أولاد (١). قال النووي: وعن محمد، قال: حججنا، فدخلنا المدينةَ على زيد بن ثابت، ونحن سبعة ولد سيرين، فقال: هذان لأم، وهذان لأم، وهذان لأم، وهذا لأم، فما أخطأ (٢). وإذا أُطلق ابنُ سيرين، فالمراد به: محمدٌ إمامُ الدنيا في العلم، وستأتي ترجمته. وكان أبوهم سيرينُ من سَبْي عينِ التمر، وهو مولى أنسِ بنِ مالك، كاتَبَهُ على عشرين ألفَ درهمٍ، فأوَفاها، وعَتَقَ.

стр. 871

يقال: إن أنسًا هذا لما ولد، حُمل إلى أنسٍ، فسمَّاه باسمه، وكناه بكنيته، ولد في خلافة عثمان لسنةٍ بقيت منها. قيل: كان أصغرَ أولاد سيرين. وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: أصغرُهم حفصةُ. سمع أنسٌ صاحبُ الترجمة من أنسِ بنِ مالك، وابنِ عمر. روى عنه: عبدُ الله بنُ عوف، وحمادُ بن زيد، وغيرُهما. مات سنة عشرين ومئة، بعد أخيه بعشر سنين، كما قاله الإمام أحمد، وغيره، وله ثمانون سنة (١). (قال) أنسُ بن سيرين: (استقبلنا أنسًا) يعني: ابن مالك (﵁)؛ أي: طلبْنا إقبالَه لنتلقاه (حين قدم من الشام)؛ أي: من جهة البلاد المسماةِ بهذا الاسم. قال أهل اللغة: الشامُ: اسمُ بلاد، تُذَكَّر وتؤنث، يقال: شام، وشأم - بالهمز وتركه -، وشآم -بالهمز والمد-، وسميت شامًا؛ لأنها من شمال الكعبة المشرفة، كما سمي اليمن يمنًا؛ لكونه عن يمينها. وقيل: بل سُميت بذلك، لكون نوحِ ﵇ لما خرج من السفينة، فرق أولاده، فمنهم من أخذ نحو يمين الكعبة، ومنهم من أخذ

стр. 872

نحو يسارها، فسمِّي الموضع باسم الجهة المأخوذ منها، فقالوا: يمين وشام. وقيل: سمي شامًا؛ لجبال هناك سودٍ وبيض، كأنها شامات. وقيل: بل سميت بسام بن نوح ﵇؛ لأنه أول من نزلها، فتطيَّرت العرب أن تسكنها من أجل تقول: سام؛ لأنه اسم الموتُ، فقالت: شام. وقيل: سميت بذلك؛ لكثرة قراها وتداني بعضِها من بعض، فشبهت بالشامات. وتسمى أيضاً: سُورِيَة -بضم السين المهملة وكسر الراء وفتح الياء المخففة-. وحدُّ الشام من الغرب: البحرُ المالح، وعلى ساحله مدائنُ عدَّة، وحدُّه من الجنوب: رملُ مصرَ والعريش، ثم تِيهُ بني إسرائيل، وطورُ سيناء، ثم تبوك، فدومة الجندل، وحدُّه من الشرق: بعد دومة الجندل برية السماوة، وهي كبيرة ممتدة إلى العراق ينزلها عرب الشام، وحدُّه من الشمال مما يلي الشرق: الفرات. وطولُه من العريش إلى الفرات عشرون يومًا. وفي "المسالك": أنه خمسة وعشرون يومًا. وعرضه: أكثره ثمانية، وأقله ثلاثة، كما في العلقمي (١).

стр. 873

وقسمت الأوائلُ الشامَ خمسةَ أقسام: الشام الأولى: فلسطين، وسُميت بذلك؛ لأن أولَ من نزلها فلسطينُ بن لوسخين بن معطي بن تومان بن يافث بن نوح ﵇، وهي - بكسر الفاء وفتح اللام -، وأول حدود فلسطين من طريق مصر أصح وهي العريش، ثم يليها غزة، فالرملة فلسطين. ومن مدنها: إيلياء، وهي بيت المقدس، وهي دارُ ملك داود، وسليمان- ﵉، ومنها عسقلان، وهي الآن خراب. وَلُدّ، ونابُلُس، وهي الآن أعمرُها. قال في "المسالك": طول فلسطين للراكب يومان من العريش إلى حد اللجون. قلت: الصوابُ أكثر من يومين، بل تزيد على ستة مراحلَ بسير الأثقال. وعرضًا من يافا إلى أريحا (١). الشام الثانية: حوران، ومدينتها العظمى طبرية، ومن مدنها كان الغور، واليرموك، وبيسان، وهما بين فلسطين والأردن، وهي الشريفة المعنية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ (٢) [البقرة: ٢٤٩]. الثالثة: الغوطة، ومدينتها العظمى دِمَشْق -بكسر الدال المهملة وفتح الميم-، وفي لغة ضعيفة -بكسرها-، قال ابن عساكر: هي أمُّ الشام، وأكبرُ بلدانه، وهي من الأرض المقدسة (٣).

стр. 874

الشام الرابعة: حِمْص (١). الخامسة: قِنَّسرين، ومدينتها العظمى حلبُ الشهباء (٢). وفي "القاموس": الشَّأْم: بلاد على [مَشْأَمَةِ] القبلة، وسُميت كذلك؛ لأن قومًا من بني كنعان تشا [ء] موا إليها؛ أي: تياسروا، أو سُمِّي بسام بن نوح، فإنه -بالشين- بالسُّرْيانية، انتهى (٣). تنبيه: وقع في "صحيح مسلم" في هذا الحديث ما هذا لفظه: عن أنس بن سيرين، قال: لقينا أنس بن مالك حين قدم الشام (٤). والصواب: ما ذكره الحافظ من قوله: حين قدم من الشام؛ فإنهم -يعني: أنس بن سيرين ومن معه- إنما خرجوا من البصرة ليتلقوه من الشام (٥). قال: (فلقيناه)؛ أي: أنسًا ﵁: (بعين التمر). قال في "القاموس": عينُ التمر قرب الكوفة (٦). (فرأيته)؛ أي: أنسَ بنَ مالك ﵁ (يصلي على حمار) - الحيوان المعروف-، (ووجهه)؛ أي: وجهُ أنس ﵁ (من ذا الجانب).

стр. 875

الواو في "ووجهه" للحال، وجملة المبتدأ وخبره حالية؛ أي: والحال أن وجهَ أنسِ بنِ مالك منحرفٌ عن جهة القبلة (يعني) أنس بن سيرين: أن وجه أنس بن مالك ﵁ (عن يسار القبلة) -يعني: جهتها-. قال أنس بن سيرين: (فقلت): لأنس بن مالك ﵁: (رأيتك تصلي)، يعني: على حمارك (لغير القبلة)، يعني: فهل ذلك سائغ؟ (فقال أنس) بن مالك ﵁ (لولا أني رأيتُ رسول الله ﷺ يفعله)؛ أي: يصلي النافلةَ كذلك، (لم أفعلْه) أنا، لكن فعلتُه؛ لأني رأيته ﷺ يفعله؛ أي: يصلي النافلة على الدابة إلى غير القبلة، وهو كما تقدم في حديث ابن عمر ﵄، وليس فيه زيادة على ما مر إلا كونُه على حمار. وقد يؤخذ منه: طهارته؛ لأن ملابسته مع التحرز منه متعسِّرة، ولاسيما مع طول الزمن في ركوبه، فاحتمل العرق، لكنه يحتمل أن يكون على حائل طاهر (١). وفي حديث ابن عمر ﵄، قال: رأيت النبيَّ ﷺ يصلي على حمار، وهو متوجِّه إلى خيبر، رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (٢). وفي النسائي أيضاً، من حديث أنس بن مالك ﵁: أنه

стр. 876

رأى رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو راكب إلى خيبر، والقبلة خلفه (١). تنبيه: لا تُصَلَّى المكتوبة على راحلة إلا لضرورة؛ كما في حديث يعلى بن مرة: أن النبي ﷺ انتهى إلى مَضِيقٍ هو وأصحابهُ، وهو على راحلته، والسماءُ من فوقهم، والبِلَّة من أسفلَ منهم، فحضرت الصلاةُ، فأمر المؤذن، فأذن، وأقام، ثم تقدم رسولُ الله ﷺ على راحلته، فصلى بهم يومىء إيماءً، يجعلُ السجودَ أخفضَ من الركوع. رواه الإمام أحمد، والترمذي (٢). قال في "منتقى الأحكام": إنما تنبت الرخصةُ إذا كان الضررُ بذلك بيِّنًا، فأما اليسير، فلا (٣). ففي حديث أبي سعيد الخدري ﵁: رأيت رسول الله ﷺ يسجدُ في الماء والطين، حتى رأيتُ أثرَ الطين في جبهته. متفق عليه (٤). * * *

стр. 877

باب الصفوف أي: أحكامُها؛ من تسويتها، وعدمِ تقدُّم المأموم على الإمام، وموقف الرجل مع الرجل، وموقف المرأة، وغير ذلك. وذكر في هذا الباب أربعة أحاديث.

стр. 878

الحديث الأول عَنْ أَنَسِ بْنِ ماِلكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ" (١). (عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : سووا)؛ أي: اعتدلوا على سمتٍ واحد عندَ الشروع في الصلاة (صفوفَكم) جمعُ صفّ، وهو وقوفُ الاثنين فأكثر متحاذِيَيْنِ معتدِلَيْنِ؛ (فإن تسوية

стр. 879

الصف) في الصلاة، سواءٌ كانت فريضة أو نفلًا (من تمام الصلاة). وفي لفظ البخاري: "من إقامة الصلاة" (١). وقد استدل به ابنُ حزم على وجوب تسوية الصف. قال: لأن إقامة الصلاة واجبة، وكل شيء من الواجب واجب (٢). ولا يخفى ما فيه، ولا سيما وأشهر لفظين عن الرواة الأول، يؤيده حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "أَحْسِنوا إقامةَ الصفوفِ في الصلاة" رواه الإمام أحمد، ورواته رواة الصحيح (٣). وفي "الصحيحين"، من حديث أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أَقيموا الصفَّ في الصلاة؛ فإن إقامةَ الصفِّ من حُسْنِ الصلاة" (٤)، فهذا يرشد إلى أن التسوية سنة؛ لأن حسن الشيء زيادةٌ لا على تمامه. وقال ابن دقيق العيد: يؤخَذ من قوله: "تمام الصلاة": الاستحبابُ؛ لأن تمامَ الشيء في العرف أمرٌ زائد على حقيقته التي لا يُسَمَّى إلا بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتمُّ الحقيقة إلا به، كذا قال (٥).

стр. 880

واستبعد في "الفتح" هذا المأخذَ؛ لأن لفظ الشارع لا يُحمل إلا على ما دلَّ عليه الوضع في اللسان العربي، وإنما يحمل على العرف إذا ثبت أنه عرف الشارع، لا العرف الحادث (١). * * *
следующие страницы →